PDA

عرض كامل الموضوع : الآخر الأباضي وتأسيس المزاج الجماعي لشيعة البحرين


Admin
05- 06- 2007, 05:41
الآخر الأباضي وتأسيس المزاج الجماعي لشيعة البحرين

نادر كاظم
http://www.alwasatnews.com/wasatdata/alwasat/writers/w52.jpg سبق للعمانيين أن استولوا على البحرين في العام 893 هـ/ 1488م، إلا أن هذا الاستيلاء لم يتسبب بشتات ملحوظ، ولم يؤسس لأية «بنية شعورية» تقوم على الشعور الجماعي بضياع «الوطن» والفقدان المبرم والأبدي لحالة الانسجام في الهوية. والغريب أن المؤرخين يذكرون أن أهل البحرين أعانوا العمانيين على الاستيلاء عليها في هذا الهجوم (عقد اللآل، ص 92). وقد استمر هذا الاستيلاء حتى مجيء البرتغاليين فاستولوا على البحرين، واستمر هذا الاستيلاء حتى مجيء الصفويين. ويذكر التاريخ أن إمام مسقط قد اغتنم حالة الاختلال التي تمرّ بها الدولة الصفوية في آخر أيامها، وقام بالاستيلاء على جزائر البحرين وملكها في العام 1129هـ/ 1717م. وكان هذا الاستيلاء هو الحدث الأهم الذي افتتح سيرة الشتات البحريني العظيم، وهو الذي أسس «بنية الشعور» الجماعي بضياع «الوطن» وفقدان الانسجام في الهوية لدى شيعة البحرين.

لقد تسبب هذا الهجوم ووقائعه المتتابعة بـ «حرق البلاد» بحسب تعبير الشيخ يوسف البحراني، وكأن زلزالاً ضرب البلاد بتعبير الشيخ ياسين البلادي، ووقعت البلاد إثره في «الهرج والمرج والخراب والعطال» (أنوار البدرين، ص 142)؛ ما تسبب بخروج جملة من أعيان البحرين وعلمائها، وكان هذا الخروج هو فاتحة سيرة الشتات البحريني الجماعي. وفي هذا الهجوم خرج الشيخ أحمد بن إبراهيم آل عصفور (والد الشيخ يوسف البحراني) إلى القطيف وتوفي فيها في العام 1131هـ/ 1719م. كما خرج المحدّث الشيخ عبدالله بن صالح السماهيجي الذي استوطن بهبهان وتوفي فيها في العام 1135هـ/ 1723م. يُذكر أن الشيخ عبدالله السماهيجي سافر إلى أصفهان (عاصمة الدولة الصفوية)؛ لطلب مساعدة الشاه، «لمّا أخذت الخوارج بلاد البحرين، وكان قد خرج من البحرين في الواقعة الثانية من وقائع قدوم الخوارج إليها، (...) وبعد رجوعهم سافر الشيخ عبد الله المذكور إلى أصفهان للسعي في مقدمة البلدة المذكورة عند الشاه، وقد كان شيخ الإسلام أيضاً في أصفهان، إلا أنه لمّا كانت دولة الشاه المزبور مدبرة، رجع الشيخ بالخيبة مما أمله، وتوطن في بلدة بهبهان لظنه رجوع الخوارج إليها» (لؤلؤة البحرين، ص 103، أنوار البدرين، ص 152). وفي هذا الشتات ألّف الشيخ عبدالله السماهيجي إجازته المعروفة للشيخ ناصر الجارودي، وختم هذه الإجازة بكلام مقتضب عن هذه الهجمات والحروب والأهوال، يقول: «وافق الفراغ من تنميق هذه الإجازة مع تشوّش البال، وتقلقل الأحوال، ومقاساة الخطوب والأهوال، ومصادمة الحروب والاقتتال، ومعاناة الشخوص والانتقال في بلدة بهبهان» (مخطوط إجازة الشيخ عبدالله السماهيجي للشيخ ناصر بن الشيخ محمد الجارودي، ص 99). ومن العلماء الذين خرجوا في هذا الهجوم أيضاً الشيخ محمد بن يوسف بن علي بن كنبار الضبيري النعيمي وهو الذي رحل إلى القطيف ثم «مضى إلى البحرين - وهي في أيدي الخوارج - لضيق المعيشة في بلدة القطيف، فاتفق وقوع فتنة بين الخوارج وعسكر العجم، وقُتِل جميع عسكر العجم وجُرِح هذا الشيخ جروحاً فاحشة، ونُقِل إلى القطيف فبقي أياماً قليلة وتوفي إلى رحمة الله تعالى»، وذلك في العام 1130هـ/ 1718م (لؤلؤة البحرين، ص 110، وأنوار البدرين، ص 158، وحاضر البحرين، ص 29).

ويصف الشيخ يوسف البحراني هذه الواقعة بأنها «كانت واقعة عظمى، وداهية ودهماء، لما وقع من عظم القتل والسلب والنهب وسفك الدماء. وبعد أن أخذوها وأمنوا أهلها وهربت الناس - سيما أكابر البلد - منها إلى القطيف وإلى غيرها من الأقطار» (لؤلؤة البحرين، ص 443). ومن المرجّح أن تكون هذه الواقعة العظمى والمدمّرة هي الواقعة التي خرج فيها الشيخ ياسين بن صلاح الدين البلادي البحراني تلميذ الشيخ عبدالله السماهيجي، ويرجَّح أنه توفي بعد العام 1147هـ في شيراز. ونحن نخص هذا الشيخ بالذكر؛ لكونه ترك لنا نصوصاً بالغة الأهمية والتأثير، وهو يؤسس في هذه النصوص والسرديات الذاتية لـ «بنية الشعور الجماعي» لشيعة البحرين في تلك الفترة. ويذكر الشيخ علي البلادي أن الشيخ ياسين كان «إماماً في الجمعة والجماعة وانتهت رئاسة القضاء والحسبة الشرعية في بلاد البحرين إليه حتى عصفت عليها رياح المصائب والحدثان وفرقت شمل قاطنيها في كل مكان كما لم يزل ذلك بها في أكثر الأحيان» (أنوار البدرين، ص 192).

لم يخصص الشيخ ياسين مؤلفاً لوصف معاناته الشخصية ولا معاناة أهل البحرين الجماعية بعد استيلاء الأباضية على البحرين في العام 1129هـ، إلا أنه بثّ ألمه الشخصي والجماعي في افتتاحيات بعض كتبه النحوية والكلامية، وهي افتتاحيات تستحق أن تُقرأ ويُعاد قراءتها أكثر من مرة؛ لأنها من النصوص الذاتية النادرة في هذه الحقبة. قال في كتاب «الروضة العلية في شرح الألفية»: «إن ربي وله المنة عليّ حيث نجاني من غمرات وأهوال ومصائب وزلزال لأني ممن كنت في قلب هذه الهلكة والحين وتلك الطامة الواقعة على أهل البحرين التي لم يقع مثلها في الأزمان كلا ولا، ولم تكن غير كربلاء، فيا لها من مصيبة قد شربتها، ومن رزية قد تجرعتها، ثم إني لم أتحسر على ما فات عليّ من المال ولا ما تلف عليّ من الحال، بل أتذكر ضرب الرماح المريقة لدمي وملاطمة السيوف المبرية لأعضائي وأعظمي، فلم أزل أسلي النفس عن ذكرها وأشغلها بالتسلي عن غيرها، وكيف تسلو وقد ترامتني بعدها أيدي الغربات، وتعاورتني أيدي الكربات، حتى ألقتني نون الآونة والأقدار، وقذفتني تحت يقطين الدار، دار العلم والكمال شيراز، صانها الله من الزلزال، خالياً من الطارف والتلاد، ليس معي أصل أطالعه، ولا كتاب أراجعه» (أنوار البدرين، ص 192).

يصوّر هذا النص استيلاء الأباضية على البحرين وما وقع فيها من خراب وعطال، ويصفه - كما وصفه الشيخ يوسف البحراني من بعده - بأنه «زلزال» ضرب هذه البلاد، وهزّ كيانها الجمعي، وطبع «مزاج» أهلها بطابعه الخاص الذي سيتعمق مع تقدم الزمن وتتابع الوقائع والهجمات. أما النص الأهم الذي يؤسس فيه الشيخ ياسين لـ «بنية الشعور» البحريني الجماعي فهو ديباجة رسالته المسماة «القول السديد في شرح كلمة التوحيد»، وهو نص بوحي يتفجر ألماً وحسرةً على ضياع البلاد وتشتت أهلها في الأقطار، والأهم فيه أنه يصوّر هذا الحدث على حقيقته المهمة على أنه حدث مؤسس لـ «بنية الشعور» الجماعية لدى شيعة البحرين، وهو قبل هذا حدث مفصلي شطر تاريخ البحرين إلى شطرين: بحرين ما قبل الزلزال الأباضي المدمّر إذ كانت البلاد في أمن واستقرار ورغد من العيش وهي أشبه شيء بجنة الفردوس، وبحرين ما بعد الزلزال الأباضي إذ صار حاضر البلاد أشبه باللعنة المقيمة على البلاد وعلى أهلها. أو على الأقل هذا هو ما تؤسس له نصوص الشيخ ياسين: تاريخ منشطر ومزاج جماعي منقسم. يقول: «حتى دهمتنا تلكم الداهية الهامة، وصدمتنا هاتيك المصيبة السامة اللاّمة، مصيبة ما وقع من قديم لها نظير، ولم يسمع بمثلها خبير بصير، ولم تخطر بخاطر ذي خطر، هي تلك الطامة العامة للزلزال، والمشتملة على جميع البلايا وشدائد الأهوال، الواقعة بأوقع الوقائع في جزيرتنا أوال، فإنه قد جرّد الزمان عليها صارم العدوان، وأفنى من كان فيها من السكان، وأضرم نار غاراته عليها، حتى أباد كلّ من كان فيها، وهي الديار التي أنيطت بها عليّ التمائم، وغنّت لديّ فيها مطربات الحمائم، وأوال أرض مسّ جلدي ترابها، وأقدم ساحة عذب في مذاقي شرابها، وقد جمت عن الزمان عليها حروفه، وعمّت لديها خطوبه وحتوفه، وعاشت كتائب نوائبه، وجمت عجائب مصائبه، فأضرمت نيران الفتن، في مرابع أهل الايمان، وشُنّت الغارات والمحن في معالم ذوي العلم والإحسان، حتى لم يبقَ في ساحاتها إلاّ قوم ببلدخ عجفى، ولا من عرصاتها إلاّ دمنة من أم أوفى (...) فيا لها من مصائب ما أصيب أحد بها غيرنا، وبلايا ما بلي بمثلها مخلوق في هذه الأزمنة دوننا. ولقد كنّا أول في الأوال آمنين، وتحت ظلها الثخين، وفي كنفها المستقيم ساكنين، ومن طيب شرابها سكارى نائمين، ومن نغمات غوانيها حيارى حائمين، أيامها ما كانت من أيام الدنيا، بطيب وانشراح وغنا، كلّ فن من فنونها قد فاق، فعالمها قد بلغت به الآفاق، ومباحثها في بحثه لا يجارى ولا يطاق، قد حاز من دون الملأ قصب السباق، ومؤمنها إلا كمؤمن الطاق، للّه ما كان أحلى ذلكم المذاق، وأشهى ذلك الشوق والاشتياق، حتى لقد أصابتها سهام العين، ونعق في أكنافها غراب البين، فشتّت ما بقي من أهلها في جميع البلدان، بل كمنثور الهبا، كأنه قد فشي بينهم الطربان، بعدما أن ملئت أزقتها من القتلى والجيف من أولئك الأعلام والسادات وأولي الشرف، فقبورهم بطون الكلاب الضارية بعدما أن رووا من السيوف الماضية، فكانت الحياة بعد تلك الأوقات غير لذيذة - إلى أن قال -: وكان ممن تغصص من ذلك العلقم، وتجرع من مرارة كؤوس ذلك السم الذي هو أنفث سماً من الأرقم، وتشربه حتى امتلأ، وجرى في جوفه حتى انتحل وابتلى، وترك من حساب الأحياء، وعُدّ من جملة أولئك القتلى، كاتب هذا التدوين، ومحرر هذا التبيين، فكم من سيف قد حطمه، وكم من رمح لطمه وهشمه، وإني قد كنت على يقين أني من جملة أولئك الهالكين، وفي هاتيك المصر ممن قتل عياناً وجهراً، ولكن من فضل ربي ذي الجود والجلال أحياني» (عيون المحاسن، ص 66 - 68).

إلا أن الهجوم الأباضي الذي عمّق هذه السيرة، وحكم عليها بالنفاذ المبرم والأبدي، إنما هو هجوم العام 1151هـ/ 1734م. ففي هذا العام «أتى سيف بن الإمام سلطان مسقط مع جماعة من الأباضية والخوارج، وتملكوا البحرين وقتلوا من الشيعة ما لا يحصى» (عيون المحاسن، ص 32). ويذكر ناصر الخيري أن إمام مسقط سيف بن سلطان قد جاء إلى البحرين بهدف الانتقام من أهلها، و «حين وصوله البحرين حارب أهلها وتغلب عليهم وأمر بالقتل والنهب العام مدة ستة أيام كاد في أثنائه أن يجعل البحرين خالية على عروشها، وقد انتقم من الأهالي شرّ انتقام، وأذاقهم من العذاب والاضطهاد أشكالاً وألواناً، وقتل كثيراً من مشايخهم وعلمائهم وكبرائهم، ودمّر البلاد أشدّ تدمير» (قلائد النحرين، ص 205). وفي هذه الأيام الستة العصيبة فرّ كثيرون إلى «جهات الإحساء والقطيف وبوشهر» (عقد اللآل، ص 98).

تستحق نصوص ومرويات ووقائع هذه الحقبة من تاريخ البحرين أن تُقرأ بعناية؛ لأنها هي التي ستؤسس لسيرة التاريخ المنشطر والوعي/ اللاوعي المنقسم فيما بعد. فقد شطر استيلاء الأباضية في العام 1129هـ تاريخ البحرين إلى شطرين، وأسس بحجم الخراب الذي تسبب به لـ «بنية الشعور» الجماعي لدى أهلها، وافتتح بينهم سيرة الشتات الجماعي العظيم الذي لم يهدأ إلا في العام 1869. والحق أن نصوص الشيخ ياسين البلادي التي تشخّص هذا الانشطار، صارت نصوصاً مؤسسةً لكل المؤلفين والعلماء البحرينيين الذين جاءوا من بعده. فكل من ذكر البحرين تحدّث عن هذا الزلزال الذي شطر تاريخ البحرين إلى شطرين: ما قبل الزلزال الأباضي وما بعده. فالشيخ علي البلادي - وهو من علماء البحرين الذين عاشوا تجربة الشتات في القطيف - صنّف كتابه «أنوار البدرين» ليترجم لسيرة علماء الإحساء والقطيف والبحرين، إلا أن هذه التراجم أشبه بمرثية طويلة نظمها ليؤرّخ فيها سيرة الشتات البحريني العظيم وسقوط الوطن المدوي بعد أن ضربه الزلزال الأباضي وما تلاه من هجمات متعاقبة. يقول في وصف البحرين قبل الزلزال الأباضي: «وهذه الجزيرة أعني البحرين أحسن المدن الثلاث جامعية للكمال لكثرة العلماء فيها والمتعلمين والأتقياء الورعين والشعراء والأدباء والمتأدبين وخلص الشيعة المتقدمين وكثرة المدارس والمساجد وفحول العلماء الأماجد. وهي مع ذلك ذات نخيل وأشجار وعيون وأنهار وأرضها قابلة لكل الزراعات، وبها مغاص الدر الجيد من جميع الجهات». إلا أن هذا الوضع الآمن والرغيد انقلب بصورة هائلة بعد الزلزال، يقول: «وقد عصفت بها الآن عواصف الأيام ولعبت بأهلها حوادث الدهور والأعوام التي لا تنيم ولا تنام، فشتت شمل أهاليها، وبددت نظم قاطنيها، وفرقتهم في كل مكان، وفرقتهم أيدي سبا من أهل الجور والعدوان (...) فصارت أكثر رسومها عافية، وبيوتهم على عروشها خاوية، وخلت من السمير والمسامر، وانعكست عكس النقيض (...) وأقفرت من أهلها الربوع والمساجد، ودرست من أهلها المدارس والمعابد، فتجد أكثر قراها رسوماً دائرة، والقليل بآثارها تحكي نضارة أهلها خراباً غير عامرة، وقد عمرت أهلها أكثر الأطراف والبلدان، ونشروا فيها شعائر الإسلام والإيمان، فأكثر العلماء الموجودين ومن سلف في البلدان القريبة كالقطيف وأبي شهر وأطراف فارس ولنجة ومسقط وميناء والمحمرة وأطرافها والبصرة وشيراز وكثير من أطراف العراق والعجم منهم حديثون ومنهم قديمون» (أنوار البدرين، ص 47).

لقد اكتسب استيلاء الأباضية على البحرين خصوصيته بصفته حدثاً مؤسساً من حجم الخراب الذي جلبه إلى البحرين وأهلها بدافع من التعصب المذهبي العنيد بالدرجة الأولى، ومن التنافس المستعر على مناطق النفوذ مع شاهات الدولة الصفوية بالدرجة الثانية. وهذا ربما هو الذي حمى القطيف والإحساء - وهما بلدتان شيعيتان مثل البحرين - من هذا المصير المدمر؛ لكونهما كانتا تحت نفوذ الدولة العثمانية. والمفارقة هنا أنه في كل مرة تظهر دولة شيعية قوية في المنطقة يكون نصيب شيعة البحرين من ذلك مزيداً من البلاء والضرّ والتضييق والشتات، حدث هذا حين قامت الدولة الصفوية ودخلت البحرين ضمن مناطق نفوذها في القرن السابع عشر، وحدث هذا عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979. فما أشبه الليلة بالبارحة! وكأن من مصلحة شيعة البحرين ألا توجد دولة شيعية قوية في هذا الإقليم!

وللحديث صلة في الأسبوع المقبل.

المصدر (http://www.alwasatnews.com/newspager_pages/ViewDetails.aspx?news_id=52239&news_type=010&writer_code=w52)

Rabab Husain
05- 06- 2007, 07:48
والمفارقة هنا أنه في كل مرة تظهر دولة شيعية قوية في المنطقة يكون نصيب شيعة البحرين من ذلك مزيداً من البلاء والضرّ والتضييق والشتات، حدث هذا حين قامت الدولة الصفوية ودخلت البحرين ضمن مناطق نفوذها في القرن السابع عشر، وحدث هذا عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979. فما أشبه الليلة بالبارحة! وكأن من مصلحة شيعة البحرين ألا توجد دولة شيعية قوية في هذا الإقليم!

Admin
12- 06- 2007, 09:00
الشتات البحريني وفقدان الانسجام في الهوية

نادر كاظم
http://www.alwasatnews.com/wasatdata/alwasat/writers/w52.jpg

لقد تسبب الهجوم الأباضي في خراب البحرين وتشتيت أهلها في الأقطار، وتأسيس «بنية مزاجهم الجماعي» القائمة على الشعور المزمن بالضياع والتشتت وفقدان الوطن، والأهم فقدان الصفاء القديم والانسجام المعهود في هويتهم، وهم الذين كانوا حتى القرن السابع عشر شيعة لا يزاحمهم «آخر مختلف» ذو شأن يعكر هذا الصفاء والانسجام في الهوية، فضلاً عن «آخر مختلف» يمثل بالنسبة لهم تهديداً جدياً على هويتهم كما هو الحال مع «الآخر الأباضي». ولم يكن الجديد في الهجوم الأباضي أنه سيمهد لسلسلة جديدة من الاستيلاءات؛ لأن تاريخ البحرين السياسي أشبه بسلسلة متصلة من الاستيلاء والاستيلاء المضاد، لكن الجديد في هجوم الأباضية أنه أول هجوم معادٍ يستهدف هوية شيعة البحرين ويسعى لاقتلاع وجودهم، فلم يكن مجرد استيلاء على الحكم وانتفاع بخيرات البلاد.

وقد كان القدماء على وعي بميزة هذا الانسجام في هوية البحرين دون بقية مناطق الشيعة في العالم، فلم تكن منطقة ما شيعية «خالصة» ودونما مزاحمة من الآخرين إلا إقليم البحرين (أوال، القطيف، الإحساء)، واعتبر هذا الصفاء من «فضائل البحرين» التي نالتها بفضل «اللطف الإلهي». وفي هذا الشأن يذكر الشيخ يوسف البحراني (1107 - 1186هـ) أن «تشيّع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والحسا من قديم الزمان إلى هذه الأيام ظاهر شائع، ومنشأ ذلك شمول اللطف الإلهي لأهل تلك الديار» (الكشكول، م:3، ص 142). وفي الشأن ذاته ينقل الشيخ علي البلادي (ت 1340هـ) عبارة الشيخ يوسف (أنوار البدرين، ص 27)، ويضيف في موضع آخر أن «أهل البحرين من قديم الزمان من الشيعة المخلصين، والموالين لمولانا علي أمير المؤمنين» (أنوار البدرين، ص 18، وص 20). إلا أن هذا الصفاء والانسجام في الهوية قد تقوّض بصورة مؤلمة بعد الهجوم الأباضي المدمّر، وقد اقترن تقوّض هذا الانسجام بتجربة الشتات والفقدان المبرم للوطن. وهي تجربة لم يكن المشتتون الأوائل قادرين على التكيّف والتعايش معها. بل كان هؤلاء المشتتون يتعاملون مع شتاتهم هذا كضرورة مؤقتة، أو هو بمثابة رحلة قسرية إلا أن العودة خيار وارد إذا ما سمحت الظروف بذلك. وبمعنى آخر، لم يكن هؤلاء يتصورون أن هذه الرحلة القسرية «رحلة في اتجاه واحد». والحق أن هذه حال معظم المشتتين والمهاجرين الأوائل مثل المهاجرين المكسيكيين في الولايات المتحدة، والأتراك في ألمانيا، والمسلمون الروس في الإمبراطورية العثمانية. وبتعبير إدوارد سعيد فإن المنفيّ يعيش «في حالة وسطية، لا ينسجم تماماً مع المحيط الجديد، ولا يتخلّص كلياً من عبْء البيئة الماضية» (صور المثقف، ص 58). وهذا بالضبط هو حال الشيخ ياسين البلادي حيث ظلّ مسكوناً بتجربة الشتات التي كانت له كالهمّ المقيم المقعد الذي لا سبيل إلى نسيانه أو التسلي عنه. كما كان الشيخ أحمد بن إبراهيم آل عصفور يتعامل مع تجربة الشتات كتجربة فراق قسري عن الوطن إلا أنه فراق مؤقت بدليل أنه أمر ابنه الشيخ يوسف أن يبقى في البيت الذي كان لهم في قرية الشاخورة حيث كان فيه «بعض الخزائن المربوط فيها على بعض الأسباب من كتب وصفر وثياب» (لؤلؤة البحرين، ص 443، وعيون المحاسن، ص 167)، ويذكر الشيخ يوسف أن والده ضاق عليه الحال في القطيف فقرر الرجوع إلى البحرين حتى لو كانت في أيدي «الخوارج»، إلا أن المنية عاجلته قبل الرجوع حيث «حُرقت البلاد، وكان من جملة ما حرق بالنار بيتنا في القرية المتقدمة (الشاخورة)، فازداد الوالد - رحمه الله - غُصة لذلك حيث إنه خرج على بنائه مبلغاً خطيراً، وصار هذا سبب موته» (لؤلؤة البحرين، ص 443 - 444). وكذلك كان الشيخ عبد الله السماهيجي يعيش تجربة الشتات كتجربة بُعد مؤقت في بهبهان، وإلا لو كان يتعامل مع الشتات كتجربة نفي نهائي وضياع مبرم للوطن الأصلي لما فكّر في الذهاب إلى الشاه في أصفهان لطلب المساعدة وإنقاذ البلاد من أيدي الأباضية.

أما الشيخ يوسف البحراني فقد عاش أكبر تجربة شتات بين علماء البحرين حيث تنقّل بين القطيف وكرمان وشيراز وتوابعها وفسا والإصطهبانات حتى استقر في كربلاء وتوفي فيها في العام 1186هـ/ 1772م (انظر: لؤلؤة البحرين، ص 445). ويصوّر الشيخ يوسف تجربة الشتات البحريني الجماعي في كتاب حرره للعلامة محمد رفيع المجاور للمشهد الرضوي، يقول فيه: «فلما تداولتني في هذا الزمن أيدي الحل والترحال، وترامت بي عن الوطن حوادث الأيام والليال أعظم ما جرى علي في تلك البلاد، بل على جملة من فيها من العلماء الأمجاد والكبراء من ذوي الفضل والسداد على أيدي ذوي النصب والفساد الشاربين بكأس الكفر والإلحاد حتى خرقوا شملهم بأقاصي البلدان، ومزقوا جمعهم بحسام الجور والطغيان بعد أن جرعوهم غصص المصائب والعدوان، وأذاقوهم كؤوس النوائب والخذلان، وكنت ممن رمته أيدي تلك المصائب الشنعاء في دار الأمان، وقذفته منجنيقات تلك الحوادث الشوهاء في هذا المكان المعمور بالإخوان والخلاّن» (الكشكول، م:2، ص 305).

ويبدو أن تجربة الشتات الهائلة التي عاشها الشيخ يوسف قد انعكست على موقفه المبدئي من الآخر عموماً، عدواً كان أو صديقاً، حيث طبعت هذه التجربة موقفه من الآخر بطابع سلبي واضح سواء كان هذا الآخر عدواً كـ «الخوارج» و»النواصب» الذين صنّف فيهم كتابه «الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب»، أو صديقاً كما في كتاباته التي يذمّ فيها الأصحاب والأحباب ويشبّههم بالكلاب والذئاب، يقول: «ولعمري لا جليس ولا أنيس أحسن من الكتاب، ولا أمين ولا معين أعود نفعاً منه في هذا الباب، ولاسيما في زماننا هذا الذي قد التبست فيه الأصحاب بالذئاب، وتبدلت فيه الأحباب بالكلاب، وحاشا الكلاب والذئاب مما عليه أولئك الأحباب والأصحاب من قبح البواطن والسرائر» (الكشكول، م:1، ص 6). ويعزّز هذا الموقف المتشكك في الأصحاب والأحباب في وصيته لابنه محمد حيث يقول: «واتخذ الخلوة والعزلة حجاباً عن البشر فليس في الصحبة إلا الوبال والضرر» (الكشكول، م:2، ص 194).

ولكن، علينا أن ننتبه إلى مسألتين فيما يتعلق بتقييمنا لنجاح أو فشل هؤلاء المشتتين في التكيّف مع تجربة الشتات التي تعيشها البحرين لأول مرة في تاريخها الوسيط والقريب. وتتعلق المسألة الأولى بضرورة الفهم التاريخي والنسبي للإحساس الوطني الذي يجعل المرء ملتصقاً بحرارة متقدة بوطنه الأصلي لا بوصفه مسقط الرأس ومحل التنشئة بل بوصفه وطناً سياسياً، فهذا إحساس طارئ في تاريخ البحرين، ويرجع تاريخ ظهوره إلى زمن بناء الدولة الحديثة في أوائل العشرينات من القرن الماضي. وقبل هذا كانت الطائفة هي المركز الذي يستقطب الولاء ويؤمّن الإحساس بالانتماء. وعلى هذا كان من الممكن للدياسبورا البحرانية أن تندمج بسهولة في الأقطار التي تشتت فيها؛ لسبب بسيط وهو أن كل هذه الأقطار كانت شيعية أو ذات غالبية شيعية: القطيف، والإحساء، والبصرة، والنجف، وكربلاء، والمحمرة، وأصفهان، وبهبهان، وبوشهر، ولنجة وغيرها. وقد هوّن هذا الانتماء الطائفي الموحّد من الألم الذي يسببه شعور المرء بأنه مقتلع وبلا وطن. كانت الطائفة هوية هؤلاء المشتركة، وهي لهم بمثابة الوطن الرمزي الكبير الذي تأتلف عنده الأرواح المتشابهة، ولهذا كان قادراً على استيعاب كل المشتتين والمهاجرين والمنفيين إذا ما اضطرتهم الظروف إلى البعد عن الوطن الجغرافي المحدود.

ويبدو أن الركون إلى الائتلاف الطائفي وما يوفره للمشتتين من شعور بالأمان والاستقرار والانتماء، قد عطّل كل مبادرات التحرك لاسترداد الأرض من أيدي المتغلبين عليها. وإذا تجاوزنا مبادرة الشيخ عبد الله السماهيجي فإن التاريخ يحدثنا عن محاولة يتيمة لم يكتب لها النجاح وهي تلك التي قام بها السيد شبّر الستري الغريفي نزيل البصرة والمحمرة. ويذكر الشيخ علي البلادي أن السيد شبر في آخر عمره قد «أخذته غيرته الإيمانية على ما جرى على أهل البحرين من الحكام المتغلبين عليها من الظلم والعدوان وغصبهم الأموال وتشتتهم في كل مكان، وأدّاه نظره واجتهاده، وإن لم يوافقه عليه أكثر علماء زمانه، إلى جمع العساكر من أهل البحرين والقطيف الساكنين هناك لأخذ البحرين من أيدي أولئك المتغلبين» (أنوار البدرين، ص 209).

والسؤال هو لماذا لقيت هذه المحاولة اليتيمة معارضة من أكثر علماء ذلك الزمان؟ واللافت أن هذا الموقف من قبل العلماء يذكّر بحديث الشيخ يوسف البحراني الذي صنّف كتابه الفقهي الضخم «الحدائق الناظرة» وهو في الشتات ومع هذا فقد أعرض عن ذكر كتاب الجهاد، يقول: «وأعرضت عن ذكر كتاب الجهاد وما يتبعه لقلة النفع المتعلق به الآن تبعاً لبعض علمائنا الأعيان، وإيثاراً لصرف الوقت فيما هو أحوج وأحقّ لأبناء الزمان» (لؤلؤة البحرين، ص 446). ولكن هل هناك أحوج وأحق من كتاب الجهاد والدعوة إليه لتحرير الوطن والأرض، وخصوصاً بالنسبة لمن ذاق مرارة الشتات والاقتلاع من الأرض كالشيخ يوسف البحراني؟ ثم كيف اتفقت كلمة هؤلاء «العلماء الأعيان» على «قلة النفع» المتحصل من كتاب الجهاد وما يتبعه؟ هل يعود هذا إلى مركزية الطائفة وأولويتها على الوطن والأرض في الفكر الشيعي؟ ربما يكون هذا صحيحاً، إلا أن المسألة لا تخلو من موقف اعتقادي يرتبط بالموقف الشيعي من الولاية والحكم والسلطة في فترة غياب الإمام المعصوم. والحاصل أن جميع فقهاء ذلك الزمان قد ذهبوا إلى عدم وجوب السعي «لتصحيح السلطة، وإعادتها من صورتها القائمة إلى الصورة المشروعة» (ضد الاستبداد: الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة، ص 155). وهذا ما عمّق لديهم فكرة الاعتزال وتبرير القعود (ص 157)، ويبدو أن مواقف العلماء من حركة السيد شبّر ومن كتاب الجهاد الذي أعرض عنه الشيخ يوسف لقلة نفعه، إنما يعود إلى تجذّر فكرة الاعتزال والقعود وعدم وجوب السعي لتصحيح السلطة في الفكر الشيعي في ذلك الوقت.

أما المسألة الثانية فيما يتعلق بتقييم تجربة المشتتين الأوائل فستكون مدار الحديث في الأسبوع المقبل إن شاء الله.

المصدر (http://www.alwasatnews.com/newspager_pages/ViewDetails.aspx?news_id=53625&news_type=010&writer_code=w52)

Admin
19- 06- 2007, 07:27
الحنين الأسطوري إلى «البحرين الأخرى»!

نادر كاظم
http://www.alwasatnews.com/wasatdata/alwasat/writers/w52.jpg أشرنا، في مقال الأسبوع الماضي، إلى أن فهم تجربة الشتات، وتفسير نجاح المشتتين الأوائل في التكيّف مع هذه التجربة القاسية، يتطلبان التنبه إلى مسألتين: الأولى وهي تتعلق بالركون إلى الائتلاف الطائفي وما يوفره للمشتتين من شعور بالأمان والاستقرار والانتماء، وهذا ما يخفف من وقع الشعور بالضياع والاقتلاع من الوطن.

أما المسألة الثانية فترتبط بضرورة الفهم التاريخي والنسبي أيضاً لتجربة الشتات المؤسّسة لما أسميناه بالتاريخ المنشطر والمزاج الجماعي الموسوم بالضياع والشتات والفقد والحنين الأسطوري إلى «بحرين أخرى» وُجدت في لحظة ما من زمن ذهبي باهر وبرّاق ويأخذ الأبصار والألباب. فمن يقرأ حديث الشيخ ياسين البلادي والشيخ علي البلادي من بعده سينطبع في ذهنه أن البحرين - قبل الزلزال الأباضي والاقتتال المتصل الذي سنتحدث عنه في الأسبوع المقبل - كانت بلاداً آمنة هانئة وذات خيرات وفيرة وعلم منتشر، وهي الحال التي جعلت من البحرين في هذا الزمن مركز جذب عاطفي لا لعموم شيعة العالم في ذلك الوقت، بل لعموم شيعة البحرين في القرون التي أعقبت الزلزال الأباضي وحتى هذه اللحظة حيث الحنين إلى البحرين القديمة ما قبل الزلزال والخراب حنين أسطوري مستعر بقوة. وخطورة هذا الانطباع اللاحق أنه يفرض على المرء أن يصغي إلى حال المشتتين الأوائل في ضوء هذا التصور أو هذا الانطباع المتأخر، كما أنه يفرض على المرء أن يستبطن شعور هؤلاء في ضوء أسئلة آتية من زمن متأخر من قبيل: كيف يمكن لامرئ أن يحتمل الشتات عن بلاد مثالية كهذه؟ أليست تجربة الشتات القهري هذه أشبه بخروج آدم من الجنة واستقراره في الأرض؟ أليست هي لعنة حيث اللعنة هي طرد قسري من النعيم؟

والحديث عن «البحرين الأخرى» بوصفها قطعة من الجنة ليس من بنات أفكارنا، بل هناك حكاية متداولة في مصنفات التراجم تدور حول هذه الفكرة تحديداً، وسنتخذ من هذه الحكاية منطلقاً لمقاربة تاريخانية نسبية للتصور المتأخر عن البحرين بوصفها جنة آمنة ونعيماً سرمدياً.

ينقل هذه الحكاية الشيخ يوسف البحراني في كشكوله ومحمد علي آل عصفور ومحمد علي التاجر وآخرون. وتقول هذه الحكاية إن السبب في مجيء الشيخ حسين بن عبد الصمد (ت 984هـ/1576م) والد الشيخ البهائي إلى البحرين، أنه كان بمكة المشرفة وقد قصد المجاورة فيها، فرأى في المنام كأن القيامة قد قامت، وأن الله تعالى أمر بأن ترفع أرض البحرين إلى الجنّة، فأختار الانتقال من مكة المعظمة، وأتى البحرين وجاور أهلها حتى توفي ودفن في قرية المُصلَّى (الكشكول، ج:3، ص146، وأنوار البدرين، ص73، وعيون المحاسن، ص17، وعقد اللآل، ص35).

تشترك هذه الحكاية مع التصور المتأخر عن البحرين، فهي تُصوِّر أرض البحرين كقطعة رفعت إلى الجنة، أي أنها جزء من الجنة، وهو ما دفع الشيخ حسين بن عبدالصمد إلى تفضيل مجاورتها والموت فيها على مجاورة مكة المكرمة. إلا أن الفرق بين هذه الحكاية والتصور المتأخر يكمن في المدلولات التي تنطوي عليها تكملة هذه الحكاية؛ لأن هذه التكملة تقلب أفق التوقع الذي شكلته رؤيا الشيخ حسين عن البحرين، فبعد وصوله ومخالطة أهلها يتوصل هذا الشيخ إلى قناعة مؤداها أن هذا مجتمع كثير الجدال والسجال فيما لا ينفع، ومشتغل «بصغائر الأمور»، وكأنه بهذا تصدى «لمحو العلم». وهذا ما حمل الشيخ حسين على اعتزال هذا المجتمع حتى توفي. تقول التكملة أن الشيخ حين وصل البحرين، وسمع بقدومه علماء البحرين، وقد كان جملة من الفضلاء يجتمعون للدرس والتدريس في مسجد جد حفص، ومنهم العلاّمة الشيخ داود بن أبي شافيز، وكان ذلك الوقت قد خرج الشيخ داود من قرية جدحفص لمباغضة حصلت بينه وبين بعض علمائها، فلمّا سمعوا بقدوم الشيخ حسين بن عبد الصمد عرفوا أنه بعد مجيئه ربما يحضر إلى المسجد يوم الدرس، وكان الشيخ داود ذا يدٍ طولى في علم المناظرة والجدال، فمضوا إليه وصالحوه، وحضر المسجد كما كان سابقاً. فلما ورد الشيخ حسين سأل عن محل مجمع الفضلاء في البلد، فأخبروه باليوم الذي يحضرون فيه إلى المسجد المذكور، فاتفق حضوره في بعض الأيام، وجرى البحث بينه وبين الحاضرين، فتولّى ذلك الشيخ داود وأطال النزال والجدال معه، فلمّا انصرف الشيخ أنشأ هذين البيتين ثم لم يحضر بعد ذلك حتى توفي:

أناس في أوالٍ قد تصدّوا

لمحوا العلم واشتغلوا بِلَمم

فإن باحثتهم لم تلقَ منهم

سوى حرفين لِمْ لِمْ لا نُسَلِّم

واللافت أن هذا الموقف من قبل الشيخ حسين سيتكرر فيما بعد، ولكنه سيتكرر مع مع واحد من أعظم علماء البحرين قاطبة وهو الشيخ سليمان الماحوزي أستاذ الشيخ عبدالله السماهيجي والشيخ أحمد بن إبراهيم آل عصفور، وهو الذي «انتهت إليه رئاسة بلاد البحرين في وقته» (لؤلؤة البحرين، ص7). فلهذا الشيخ قصيدة ذات قيمة رمزية مهمة، وتتضاعف هذه القيمة إذا عرفنا أن الشيخ سليمان توفي في العام (1121هـ/1709م) أي قبل استيلاء الأباضية على البحرين بثمانية أعوام، أي أنه ينتمي إلى «البحرين الأخرى» وإلى الزمن الذهبي القديم. أما المحيّر في هذه القصيدة (وهي من 60 بيتاً، في: مخطوط أزهار الرياض للشيخ سليمان الماحوزي، ص217-219) فهو أن الشيخ سليمان يحثّ على الهجرة من البحرين، يقول:

انهض وحثّ اليعملات على السرى

واهجر محلّ الخسف يا أسد الشرى

وتجافَ صحـبة معشرٍ قد أطبقـوا

طراً على الشنعا وحبّـوا المنـكرا

لا تأسفنّ علـى فراقـهم فمـــا لك

في جوارهم سوى فصم العـرا

وتنطوي هذه القصيدة على ذم مقذع في أهل البحرين وأخلاقهم التي «لا يرتجى إصلاحها»، وطوافهم «حوال الظالمين»، و»استرسال أطماعهم» و»تبدّل أفهامهم» واتصافهم بالخداع ونكث العهود والخمول. بل إنه يرجع كل الهوان والتدمير الذي حلّ بالبحرين إلى ما اقترفته أيدي أهلها من قبيح الفعال، يقول:

ما ذاك إلا من قبيح فعالهم

حصدوا الذي زرعوا وهذا ما أرى» (البيت 33)

أما وجوده في البحرين فهو، في نظره، محض قدر، إلا أنه قدر غير ملزم على نحو أبدي، إذ بالإمكان الهجرة والرحيل، بل هذا هو الخيار الأجدر، وهنا يمثّل الشيخ سليمان مقلوب الشيخ حسين بن عبدالصمد، يقول:

قَدَرٌ أحلّك في أوالَ وإنني لأرى

اغترابك عن أوالٍ أجدرا (البيت 44)

هذه صورة «البحرين الأخرى» وأهلها في تصور الشيخ حسين بن عبدالصمد والشيخ سليمان الماحوزي. وبوضع هذه الحكاية والقصيدة إلى جوار نصوص المتأخرين ممن عاشوا تجربة الشتات وخراب البحرين أو من جاء بعدهم، سيتضح لنا حجم التحوّل الذي طرأ على هذه الصورة، وحجم التأثير الذي تسبب فيه الانطباع المتأخر الذي أسسته - في بادئ الأمر - نصوص المشتتين الأوائل ممن استفاقوا على وقع الشعور المتقد بالفقدان المبرم للوطن وانسجام الهوية، وهو ما صار شيعة البحرين المتأخرون يتعاملون معه كـ «حقيقة» لا تقبل المساءلة فضلاً عن التشكيك. وللحديث صلة في الأسبوع المقبل.

المصدر (http://www.alwasatnews.com/newspager_pages/ViewDetails.aspx?news_id=55378&news_type=010&writer_code=w52)

Admin
03- 07- 2007, 07:44
الفصل الأخير من سيرة الشتات وخراب البحرين

نادر كاظم
http://www.alwasatnews.com/wasatdata/alwasat/writers/w52.jpg سيتعمّق الشعور بالشتات وضياع الوطن وفقدان الانسجام في الهوية لدى شيعة البحرين مع تتابع الهجمات والحروب من الأباضية اليعاربة إلى الوهابية إلى الاقتتال الداخلي بين شيوخ آل خليفة الذي اندلعت شرارته الأولى في العام 1835م. الحق أن هذا النوع من الحروب والهجمات والفتن والاقتتال لم يهدأ منذ استيلاء الأباضية في العام 1129هـ/ 1717م. وفي كل مرة كان الأهالي يدفعون ثمن هذه الحروب والفتن بقتلهم الجماعي وبشتاتهم في الأقطار، وخلو البلاد منهم، وتعميق الشعور بالفقدان والضياع في وجدانهم الجماعي. ويذكر محمد علي آل عصفور أن دخول عساكر الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة البحرينَ تسبّب بشتات معهود للعلماء والأهالي، إذ «هجر بعض علمائها إلى بنادر فارس، منهم جدي العلاّمة الشيخ خلف» (عيون المحاسن، ص33)، والشيخ خلف هذا هو حفيد الشيخ حسين آل عصفور وهو «إمام الجمعة والجماعة في بوشهر».

ومع هذا، فإن الملاحظ أن عهد الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة - والحال كذلك في عهد ابنه الشيخ سلمان - قد اتسم بهدوء واضح واستقرار ملحوظ في الأمن، إلا أنه لم يُكتب لهذا الهدوء أن يستمر طويلاً في بلاد جُبِلَت على الحروب والاقتتال، فجاء هجوم العمانيين في العام 1215هـ، وفي هذا الهجوم قُتِل أشهر عالم بحريني وهو العلاّمة الشيخ حسين العصفور (المعروف بين الأهالي بالشيخ حسين العلاّمة) الذي توفي في العام 1216هـ، ويُذكر أن الشيخ حسين «أصيب في واقعة الخوارج بحربة في ظهر قدمه سنة 1215، فسرت في نفسه فمات بسببها» (حاضر البحرين، ص 55، وانظر: أنوار البدرين، ص 184). وبحسب ما يروي محمد علي الناصري، فإن الشيخ عزيز صاحب الضريح المشهور في السهلة الشمالية قد قُتِل في هذا الهجوم.

وعجّل هذا الهجوم بالمواجهة التي جرت على أرض البحرين بين عساكر العمانيين وعساكر أمير نجد عبدالعزيز آل سعود التي استنجد بها أمراء آل خليفة لطرد العمانيين. وكما جرت العادة فقد انجلى غبار هذه المواجهة بين الطرفين (الأباضي والوهابي) عن خراب هائل في البلاد، وفي هذا الخراب تعرّض كثير من الأهالي للقتل والإذلال والتعذيب والشتات في البلدان المجاورة.

لم يكن الهدوء إلا فاصلاً قصيراً في سيرة اضطراب وقلاقل وحروب متواصلة ما كانت لتهدأ إلا لتنفجر من جديد، ولتنفتح معها في كل مرة سيرة شتات أهل البحرين وتخريب بلادهم. ويذكر هنا أن الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة - ثالث حاكم من آل خليفة على البحرين - قد رحل إلى قطر في العام 1252هـ/1836م، وأناب عنه ابنه الشيخ محمد بن عبدالله، «فكثرت في تلك الأيام الفتن، وعظمت الفوضى، وتفاقم الشر، وازدادت البلوى على الرعية، وعمّ الجور، وكثرت التعديات من الجهلة والسفلة والغوغاء وخدام الحكام على أموال الرعية وأعراضهم، فتبدّل الأمن خوفاً، والأنس وحشة، والصفو كدراً، فهاجر من البحرين كثير من الأهالي، وفرّوا إلى الأطراف المختلفة بعضهم إلى الكويت والبعض إلى جهات فارس والعراق وعمان وغيرها» (قلائد النحرين، ص 288 - 289).

وينقل محمد الرميحي عن أحد التقارير البريطانية وصفاً لوضع البلاد في أعوام (1836-1838م)، وهو وصف يؤكد استمرار حال الشتات العام التي حكمت أهل البحرين منذ العام 1717م. يقول: «إن سكان الجزر أخذوا ينزحون عنها، فالمدن كانت في حالة خراب حتى إن إيجار البيوت انخفض إلى الثمن عما كان عليه منذ سنوات قليلة» (البحرين: مشكلات التغيير السياسي والاجتماعي، ص 23).

أما الفتنة الكبرى التي أكملت تدمير البلاد وتشتيت أهلها بصورة أعادت التذكير بسيرة الزلزال الأباضي المدمّر، فقد تمثلت في الاقتتال الداخلي بين أمراء آل خليفة الثلاثة: الشيخ محمد بن خليفة، وأخيه الشيخ علي بن خليفة، وابن عمهما الشيخ محمد بن عبدالله. وعن هذا الأخير يذكر ناصر الخيري أنه تغلّب على محمد بن خليفة وتقدّم على البلاد ومن معه من بدوان الجزيرة العربية، فأقاموا فيها «السلب والنهب كما جرت بذلك سنة البدو رغماً عن توسّلات الشيخ علي بن خليفة الذي رجاهم أن يتجنبوا نهب البلاد وأذية الرعية، ولكن مساعيه كلها ذهبت أدراج الرياح، فتكدّر صفاء البحرين، وحاق بها المحاق، وضاق الناس ففرّ أكثرهم من البلاد وتفرّقوا عنها أيدي سبأ ريثما تسكن هذه الزوابع المقلقة» (قلائد النحرين، ص 295). وحين رجع محمد بن خليفة إلى البلاد اشتبك الجميع في اقتتال شرس انتهى بمقتل حاكم البحرين الشيخ علي بن خليفة وابنه الشيخ إبراهيم بن علي، فدخل محمد بن خليفة البلدة «دخول الفاتح الظافر، واشتغل البدوان بالنهب والسلب وخراب البلد حتى تركوها خاوية على عروشها، ولجأ سكانها إلى الفرار والنجاة بأنفسهم وأرواحهم تاركين أملاكهم وأموالهم تحت رحمة البدوان غير آسفين عليها ولا نادمين» (قلائد النحرين، ص 365). ثم أُسِر محمد بن خليفة، وتولّى محمد بن عبدالله الحكم في البلاد مدة ثلاثة أشهر. ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد وصول مأمور الدولة البريطانية في الخليج الكولونيل الإنجليزي لويس بيلي، و «حين وصوله طلب تأمين الأهالي وردّ الأموال المنهوبة إلى أربابها»، وألقى القبض على محمد بن خليفة ومحمد بن عبدالله وأعوانه وأرسلوا إلى المراكب، وتم ترحيلهم إلى الهند. ثم أعلن في البدو «أن من لم يفارق البحرين في مدة سبع ساعات يكون دمه هدراً، ففرّ الأعراب وتنافروا في كل جهة، وخلت منهم الديار» (قلائد النحرين، ص 367).

وفي هذه الواقعة خرج الشيخ علي البلادي مع والدته من البحرين إلى القطيف وعمره آنذاك ثماني سنوات، وهو يصوّر الاضطراب الذي حلّ بالبلاد في العام 1284هـ بقوله: «ثم وقعت الواقعة العظيمة على بلادنا البحرين سنة 1284هـ التي قتل فيها حاكمها (علي بن خليفة) وغيره، فتفرّقت أهلها في الأقطار وتشتتوا في الديار، فكنتُ ممن رمته مناجيق الأقضية والأقدار، وقذفته نون الآونة والأخطار في بلاد القطيف» (أنوار البدرين، ص 232 - 233، وانظر: ص 51).

هذه هي سيرة الشتات العظيم الذي ابتلى به أهل البحرين منذ الهجوم الأباضي الأول في العام 1717م. وهو الشتات الذي تصاعدت وتيرته في الهجومات والحروب والاقتتال والفتن التي ضربت البلاد طوال قرن ونصف القرن من الزمان، ولم تهدأ إلا في العام 1869م حين تدخّل الإنجليز وتولى الشيخ عيسى بن علي مقاليد الحكم في البلاد. وقبل أن تبدأ سيرة الشتات والخراب كان شيعة البحرين المشتتون يفسّرون «تشيّع أهل البحرين» على أنه فضيلة من «فضائل البحرين» وعلامة على «شمول اللطف الإلهي لأهل تلك الديار» (أنوار البدرين، ص 27). كان هذا تفسير الشيخ يوسف البحراني والشيخ علي البلادي - وهما من بحرينيي الشتات، وحين زُلْزِلَت الأرض من تحت أقدام هذه الديار، فزال كامل عمرانها وشُتِّتَ معظم أهلها، عاد الشيخ علي البلادي نفسه ليفسر كل هذا الخراب والشتات على أنه ابتلاء إلهي، وعلامة على حسن إيمان هؤلاء وصادق تشيّعهم؛ لأن الله لا يبتلي إلا عباده المؤمنين، يقول: «فكأنهم قد خُصّوا بالبلا لما كانوا من خلّص أهل الولا» (أنوار البدرين، ص 193)، وهو يرى أن كل هذا الخراب والشتات الذي ابتُلِيَت به هذه الديار وأهلها إنما كان «مصداق المثل أو الدعاء أو الحديث المرسل الذي ذكره السيد المعاصر السيد محمد باقر في روضاته (...) وهو قولهم: (خرّب الله البحرين وعمّر أصفهان)» (أنوار البدرين، ص 47 - 48). أما الشيخ محمد علي آل عصفور - وهو أيضاً من بحرينيي الشتات - فإنه ينقل كلاماً يستشرف فيه الإمام علي بن أبي طالب (ع) ما سيحلّ بالبحرين من خراب وأهوال، يقول: «يا ويل جزيرة أوال من وقعات تترادف عليها من كلّ ناحية، فيؤخذ كبارها، وتهتك صغارها» (عيون المحاسن، ص 59). هكذا وكأن هذه التفسيرات «الإيمانية» تقول إن ما حدث من «وقعات» و «أهوال» و «خراب» في البحرين إنما كان مقدّراً ولا مهرب منه.

وسواءٌ أكان هذا الخراب والشتات راجعاً إلى الابتلاء الإلهي بغاية تمحيص «أهل الولاء» كما يقول الشيخ علي البلادي، أم إنه يرجع إلى الغضب واللعنة التي تحلّ عقاباً لما اقترفته أيدي أهل البحرين من «قبيح الفعال» إذا استعارنا تعبير الشيخ سليمان الماحوزي، فإن المحصّلة المؤكدة هي أن هذا الخراب والشتات لم يمرّ على البحرين وأهلها من دون أن يترك أثره الحاسم على هذه الجزيرة في صورة الخراب وزوال العمران، وعلى أهلها الذين خرجوا من زمن الخراب والشتات وهم مسكونون بشعور عميق بأنهم الناجون المهدّدون بالفناء، والبقية الباقية المستهدفة بالإبادة وتصفية الهوية واقتلاع الوجود. وستكون لهذا الإحساس تداعياته الخطيرة على علاقة هؤلاء الناجين بكلٍّ من الإنجليز من جهة، وبنظام الحكم من جهة أخرى. وهذا ما نسعى إلى استجلائه في المقالات القادمة إن شاء الله.

المصدر (http://www.alwasatnews.com/newspager_pages/ViewDetails.aspx?news_id=57035&news_type=010&writer_code=w52)

Admin
03- 07- 2007, 07:50
التركة الثقيلة لسنوات الشتات والخراب

نادر كاظم
لقد ابتدأت سيرة الشتات البحريني العظيم في القرن الثامن عشر، واطردت في تصاعد متصلٍ حتى أواخر القرن التاسع عشر، ولم تكتمل حبكتها إلا في العام 1286هـ/1869م حين تولى الشيخ عيسى بن علي آل خليفة مقاليد الحكم في البلاد. وقد تميّزت العشرين سنة الأولى من حكم الشيخ عيسى بن علي بهدوء عام وملحوظ حيث «استقرّ الأهالي في أوطانهم وأمنوا النوائب» بحسب تعبير ناصر الخيري (قلائد النحرين، ص385). وجاء في وثيقة بريطانية ترجع إلى العام 1882م أن الشيخ عيسى بن علي يمتاز بالحلم «والسماحة وعدم الاستعجال في الأمور وتدارك الأمور بالهون وصلاح ما بين الطرفين، بعكس أفعال غيره من بعض الحكام في البطش والنهب وهتك الرعايا وفرارهم من ذلك من أوطانهم إلى ممالك أخرى» (شخصيات من الخليج العربي بأقلام غربية، مجلة الوثيقة،ع:24، يناير 1994، ص132).

إلا أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا هو: هل يمكن أن تمرّ سنوات الخراب العظيم والشتات الهائل (1717 - 1869م) دون أن تترك آثارها وبصمتها الثقيلة على الوضع العام في البلاد وعلى التركيبة الديموغرافية فيها، وعلى «بنية الشعور» الجماعي لأهلها ومزاجهم العام الحاكم والمستحكم، وعلى موقفهم من الحكام والأمراء؟

إذا كان لا بد من البحث عن تجربة جماعية مؤسِّسة في تاريخ البحرين فإني أتصور أن تجربة الخراب والشتات هذه هي أهم التجارب المرشّحة بقوة لتكون التجربة المؤسِّسة في تاريخ أهل البحرين. فهذه تجربة قاسية استحكمت على البلاد وأهلها طوال قرن ونصف من الزمان، وطبعت الوضع العام في البلاد بطابعها المتوتر والمضطرب لسنوات طويلة. وطوال هذه السنوات كانت الحروب المدمّرة هي الشؤم الملازم للبلاد، وهي التجربة المؤسسة لمزاج أهلها، ولمسارات التطور السياسي فيما بعد. وإذا كانت الحروب لعنة قدرية ابتليت بها هذه البلاد وأهلها، وإذا كانت الحروب داء العمران ووباء عليه، فلنا بعد هذا أن نتصوّر حجم العمران الذي تقوّض وحجم الخراب الذي ضرب البلاد بفعل هذه الحروب المتواصلة. ويصور الشيخ علي البلادي المآل الذي انتهت إليه البلاد بعد كل هذا الخراب وشتات الأهالي بقوله: «فصارت أكثر رسومها عافية، وبيوتهم على عروشها خاوية، وخلت من السمير والمسامر، وانعكست عكس النقيض (...) وأقفرت من أهلها الربوع والمساجد، ودرست من أهلها المدارس والمعابد، فتجد أكثر قراها رسوماً دائرة، والقليل بآثارها تحكي نضارة أهلها خراباً غير عامرة، وقد عمرت أهلها أكثر الأطراف والبلدان» (أنوار البدرين، ص47). ويرجع محمد بن خليفة النبهاني ظاهرة القرى الخربة وتناقص عدد القرى المعمورة في البحرين في العصر الحديث إلى هذه الحروب المتواصلة، فقد «كانت البحرين في السابق تحتوي على (36) بلدة وعلى (331) قرية، ولكن لكثرة تداول الحكام عليها ووقوع الحروب بها وزوال الحضارة فيها أزال عمرانها وخرّب أكثر تلك المدن والقرى، ولم يبق منها سوى ثماني مدن وبعض القرى التابعة لها» (التحفة النبهانية، ص42).

لقد تسببت هذه الحروب والوقائع المدمّرة إذاً في خراب قرى بأكملها، كما تسببت في ظهور مقابر جماعية لاتزال بقاياها منتشرة في بعض القرى إلى اليوم، ففي قرية سماهيج يوجد تل في الجهة الشرقية الجنوبية من مقبرتها يضم قبوراً جماعية لمن استشهدوا في إحدى هجمات الأباضيين على البحرين، وتعرف هذه المقبرة بـ «مقبرة العبيد الصّلاح» (سماهيج في التاريخ، ص213). وفي جزيرة النبيه صالح (وكانت تسمى جزيرة أُكُل) «قُتِل في بعض الوقائع في تلك المدرسة [مدرسة الشيخ داود] أربعون أو سبعون عالماً ومشتغلاً كلهم شهداء، ولهذا يسمونها الآن كربلاء» (أنوار البدرين، ص56، وص163).

وبالتزامن مع خراب هذه القرى وزوال عمرانها، كان حجم السكان في تناقص مطرد منذ العام 1717م. وحتى إن ناصر الخيري لاحظ أن عدد سكان بلدة مهمة مثل «البلاد القديم» لا يتناسب مع حجم الآثار القديمة الموجودة بها. فهو يذكر أن عدد سكان «البلاد القديم» يبلغ، في أوائل العشرينات من القرن العشرين، «5 آلاف نسمة كلهم عرب شيعيين، وكانت في سابق أيامها أكثر سكناً وأعظم شأناً بدليل الآثار القديمة الموجودة بها، والذي حطّ شأنها كثرة المهاجرين منها لأسباب مختلفة أهمها توالي الحروب الماضية» (قلائد النحرين، ص433). ومن المؤكد أن حال القرى الأخرى لم يكن بأحسن من حال «البلاد القديم». ولقد مثّل هذا الحجم المحدود من شيعة البحرين البقية الباقية من سكانها المحليين الذين التصقوا بتراب الأرض بعد مرور الزلزال وانجلاء كابوس الشتات العظيم والخراب المدمّر.

إلا أن هذه البقية المنهكة من شيعة البحرين استفاقت بعد انقضاء زمن الخراب والشتات على حقيقة بالغة الخطورة فيما يتعلق بصوغ وجدانهم الجماعي، وهي أن البحرين لم تعد كما كانت بلد «الإيمان والمؤمنين»، وأن «التشيع» لم يعد هو هويتها العامة والخالصة. وهو ما جعل وجدانهم الجماعي موسوماًً بالحسرة المزمنة والشعور المعذَّب بالفقدان الدائم. والأهم أن هؤلاء استفاقوا على وضع ثقافي وتعليمي متردٍ وفي غاية السوء والتأخّر، وأن معظم الأهالي صاروا يعيشون في جهل منتشر بصورة كانت لافتة لكل من دقّق في أحوالهم بعد هدوء العواصف ومرور الزلازل. فالشيخ علي البلادي يلاحظ أن «في هذه الأوقات والأزمان» غلب على من في البحرين «الجهل والعصيان» (أنوار البدرين، ص50)، ويلاحظ ناصر الخيري أن «حالة البحرين العلمية» كانت مزدهرة، و»كان لها حظ وافر من العلم والأدب وقدح معلّى في فنون الآداب والمعارف»، إلا أن هذا كان في «غابر الأزمان» أما اليوم فإن حالة المعارف فيها «متأخرة جداً، بل قل إنها معدومة، ويبلغ من يحسن القراءة والكتابة البسيطتين باثنين أو ثلاثة بالمائة، وليس فيها مدارس علمية ولا معاهد تهذيبية على النسق الحديث» (قلائد النحرين، ص10). وهو الأمر ذاته الذي لاحظه من بعده محمد علي التاجر، وهو يذكر أن البحرين كانت في «القرون الوسطى ذات معارف عالية وسوق العلم فيها رائجة وفطاحل العلماء وجدوا فيها بكثرة متناهية (...) ولكن استحوذ الشقاء بعد ذلك على بلاد البحرين، وتلت قرون الأمن والأمان قرون الغزو والسلب والظلم والإرهاق فطاردت العلم والعلماء وأخلت منهم الديار وشتتهم في الأمصار إلى مثل فارس والهند والعراق، وبقيت مواضع العلم ومدارس التدريس تندب قاطنيها لوحشتها بعدهم (...) وبقيت البلاد تتخبط في الجهل والأمية إلى الزمن الأخير» (عقد اللآل، ص26).

أما المحصلة النهائية لهذا فهي أن البلاد خلت من العلماء والمتعلمين، ومن الفقهاء والمرجعيات الدينية العظمى ممن كان شيعة البحرين يرجعون إليهم في الفتوى والولاء الديني. واللافت حقاً أن معظم المرجعيات الدينية البحرينية المشهورة آنذاك قد تشتت في الأقطار أو قتلت إبان الهجمات والحروب المتعاقبة في هذه الحقبة الممتدة بين (1717 - 1869م)، ويكفي أن نذكر أن من بين هؤلاء الذين امتُحِنوا بالشتات والقتل مرجعيات كبرى من أمثال الشيخ عبدالله السماهيجي والشيخ أحمد بن إبراهيم آل عصفور والشيخ عبدالله بن علوي الغريفي والشيخ ياسين البلادي والشيخ يوسف البحراني والشيخ حسين آل عصفور والشيخ عزيز والشيخ خلف بن عبدعلي آل عصفور والشيخ حسن الدمستاني (ت1181هـ/1764م) صاحب القصيدة الحسينية المشهورة (أحرم الحجاج) والذي خرج إلى القطيف في «إحدى الحوادث والوقائع الواقعة على البحرين التي لا تخلو منها في أغلب السنين» (أنوار البدرين، ص190). ويعتبر الشيخ محمد أمين زين الدين (1914 - 1998م) آخر مرجعية دينية بحرينية، وهو أساساً من بحرينيي الشتات حيث وُلِد في محافظة البصرة، وانتقل إلى المحمرة، ثم استقر في النجف الأشرف وتوفي فيها. إلا أن الانعكاسات السلبية لهذا الغياب المؤلم لمرجعيات البحرين الدينية سيدفع ثمنه شيعة البحرين في أواخر القرن العشرين، حيث سيكتب على هؤلاء أن يواجهوا امتحان التشكيك في الولاء وازدواجه من خلال الخلط المغرض بين الولاء السياسي والولاء الديني لمرجعيات دينية تقيم في إيران والعراق.

لقد كان لتجربة الشتات حكمها النافذ في تهجير العلماء وتخريب دور العلم وإشاعة الجهل والأمية بين الناس. وحدث إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أن هاجرت أسر علمية كبيرة «بسبب الحوادث والوقائع التي كانت تلمّ بالبلاد في فترات متعاقبة من تاريخها. كهجرة السادة آل البلادي الغريفيين إلى بهبهان بإيران في القرن الثاني عشر الهجري بسبب الهجمات الخارجية على البحرين في تلك الفترة، والتي استمرت حتى عهد ليس ببعيد، أو هجرة أفراد من السادة آل مشعل في القرن الثالث عشر الهجري إلى البصرة والمحمرة لاضطراب الأحوال يومئذٍ، وفي مثل تلك الظروف نزحت جماعة من آل عصفور إلى شيراز وأبو شهر وغيرهما من بلاد فارس» (أسر البحرين العلمية، ص13). إلا أن هذه الهجرات وخراب دور العلم مهّدت الأرضية لاستقبال النخبة المتعلمة العائدة من الشتات في «الزمن الأخير» الذي يتحدث عنه التاجر. واللافت حقاً أن أهم الفاعلين السياسيين والدينيين والثقافيين الذين ظهروا في المجتمع الشيعي في هذا «الزمن الأخير» هم من «بحرينيي الشتات» ممن كانوا في المهاجر لأسباب متعددة، وقد اضطلع هؤلاء حين عودتهم بدور «النخبة» وكان لهم تأثير واضح في تحوّل الوضع السياسي والديني والثقافي العام في البلاد. ويكفي أن نذكر أن الشيخ خلف العصفور (1868-1936)، وهو أهم شخصية دينية شيعية عرفتها البحرين في بداية القرن العشرين، جاء إلى البحرين قادماً من الشتات في بوشهر في العام 1898م، وأن الشيخ أحمد بن عبد الرضا بن حرز (1852- 1918م)، وهو شخصية قضائية مهمة وأول من أسس الجمعة في جد حفص في العصر الحديث، جاء إلى البحرين قادماً من لنجة في العام 1899م، وأن ملا عطية الجمري، وهو أشهر شاعر وخطيب حسيني عرفته البحرين، رجع إلى البحرين في العام 1338هـ/1919م قادماً من المحمرة، وأن إبراهيم بن عبدالحسين العريض، وهو أهم شاعر بحريني طليعي في تلك الفترة، جاء إلى البحرين من الهند في العام 1925م. كما كان سلمان التاجر (1875-1925م) وشقيقه محمد علي التاجر يقيمان مع عائلتهما في الهند، وقد استقرّا في البحرين في العام 1911.

وللحديث صلة في الأسبوع المقبل.

المصدر (http://www.alwasatnews.com/newspager_pages/ViewDetails.aspx?news_id=59667&news_type=010&writer_code=w52)