PDA

عرض كامل الموضوع : حـــين يكـــره الثــورُ رفـيـــق دربــــه


Admin
08- 06- 2007, 20:55
أعمدة
حـــين يكـــره الثــورُ رفـيـــق دربــــه
جلال القصاب

ثار (ثورٌ) وبغضَ رفيقه (الحمار)، لظنّه أنّه مظلومٌ و(مجلودٌ) ويُكابِدُ أكثر، وأنّ سلالته أخلد وأمجد، (الحمارُ) بادله البغضَ نفسه، للسبب نفسه، لا أحدَ منهما - لغبائهما طبعاً - فكّر ببغض سيّدهما (الجلاّد).

(الاستثوار/التهييج)، (الاستحمار/التجهيل)، (الجلْد)، و(الاتّهام المتبادَل)، مسلسلٌ يُعرَض يوميّاً بالعراق الجريح بُغيةَ تصديره، تنفّذه شركاتٌ شيطانيّةٌ متخصّصة بإذكاء الفتن، تُفجّر مساجد، وسيّارات، وتُقطّع جثثاً، لإقامة (بِزْنس) الفوضى الخلاّقة، فينتعش تُجّار الأمن، والخبراءُ المستَقدمون، والنفعيةُ السياسية والتجارية للصهيونيّة العالمية، بهذا الفلَتان، ففي بيئة الجيَف تنهمر السباعُ والضباع والثعالب والنسور، لكلٍّ عائدُه ودورُه.
ووراء الستار، شركاتٌ تسرق النفط بلا رقيب وحسيب، شركاتٌ لنهب الآثار والمتاحف، شركاتٌ للمتاجرة بالأعضاء البشرية، تُمارس الخطفَ والتشويه وإحراق الجثث ورميها بعد استلال الأعضاء المُدرّة للملايين وتصديرها.

شركاتٌ مرتزِقةٌ منزوعةُ الرحمة والقيَم، بإمكانها فعلُ كلِّ بشاعةٍ لتقبض، أقزمُها لمجرّد صنع أفلام ساديّة، بتعذيب واغتصاب وتجزير حقيقيّ، فلكلّ قاذورةٍ زبائن.

أمّا نحن، فغافلون ومُستغفَلون، لأنّ هذه الشركات تقوم بتغطية آثارها بمسمّيات وهميّة، والقتل يُمَوَّه ويُسَوَّق إعلاميّاً بجلباب قتلٍ طائفيّ، ويُغطّى عليه بتفخيخ سيّارات ونسف مساجد الطائفتيْن، فتضيع الحسبة ويتعطّل التفكير، عدا أنّ التخطيط لتمزيق الشعب وجعله في خوف واقتتال وفلتان أمنيّ هو هدفهم الأوّل المدفوع الثمن لإطالة التمركز الأمريكيّ واستدامة مسلسل الحلْب والنهب، فاحتياطيّ نفط العراق كما في آخر التقارير سيمتدّ لمئة عام!

(فما الذي يستهوي هذه الشعوب ويشغلها دائماً؟)، سؤالٌ درسه خبراءُ الاستعمار ومستشرقوه، فوجدوا جوابه (الدين ومقدّساته)، فصدر القرارُ بشغلها (بدينها)، يشغلون الدينيّ بالعلمانيّ يتناوشان ويتحاربان، وبالوقيعة (المذهبيّة) بين إخوة الوطن لتتقاتل، بعد أن فرغوا من تخدير معظم شبابنا بألوان بهارج المادّية وفسادها؛ جنس، متعة، ترفيه تقنيّ استهلاكي، أفلام، برامج استلاب وتغريب .. أمّا بقيّتهم الجادّة وبها بقيّة توقّدٍ وانتماء، فصدر القرارُ بشغلهم بالدين وبالوقيعة بينهم بالمذاهب.

فعمدوا لنسف مسجدٍ، وتحريك متعصّبين هنا، وتلطيخ قرآنٍ هناك، وإثارة الشبهات على الدين ونبيّه(ص)، لتنشغل الأمّة بالدفاع عن دينها وتُستثار به، وإشعالات وإشغالات غرضُها: تعميتُنا عمّا يجري بأوطاننا من نهب واحتلال (بفلسطين والعراق وغيرهما)، وشغْلنا بكرْه بعضنا، وبالتقاتل، وباستنزاف أوقاتنا بالتوافه، وهدر طاقاتنا لدحض ما يستجدّ من أنباء ودسائس.

ولأنّ (الاستحمار) بحسب (المرحوم شريعتي) يقوم على (التجهيل) و(الإلهاء)، فلا نستفيق من حبّة مخدّرٍ حتّى يُجرّعونا الأخرى، من أسبوعٍ لآخر نلوك حادثةً مخترعة وملفّقة، بنكهة الطائفية والدينيّة والخرافيّة دائماً، لأنّها أجودُ أفيوننا، وكلّما انتهى فيلمٌ يُدسّ شريطٌ آخر أفنن، تنشغل به مجالسُنا ومنابرنا ومجاميعنا، لتخديرنا وإذكاء الحروب بيننا، تُسيِّس مذهبيّاتنا، وتفجّر طائفيّاتنا، وتلغّم علاقاتنا، وتؤجّج كلّ اختلافٍ اثنيّ وطبقيّ، وتنبش (سواد التاريخ) وأوراق كتبه البالية لإيقادنا بها، كلّما نضجتْ جلودُنا منْ كيٍّ (حمَّرونا) بغيرها.

يستعبدوننا، فيلفّقون لنا حبكاتٍ (دينيّة/مذهبيّة)، فنُطيعهم بنشرها عبر الإيميلات والمنتديات والصحف والمجالس، نُصدّقها ونتناقلها كأحاديث الإفك؛ فثمّة ببّغاء تنطق أسماء (آل البيت) اشتراها (وهّابي) فدقّ عنقها! وثمّة قبر (لأبي لؤلؤة) تقدّسه الطائفة الفلانيّة بالبلد الفلانيّ! ومحّارةٌ وُجِد فيها نقشُ أسماء (الخلفاء الراشدين)! و(ناصبيّ) حرق لسان ابنته الطفلة لقولها (يا عليّ) فشفاها عليٌّ(ع) بكراماته! ودمٌ تخثّر وخطَّ اسمَ (الحسين)؟! وصورةُ (لجنّيٍّ!) متدلٍّ بمغارةٍ كرجُلِ العنكبوت!! وهُراءات تتوالى! العلمانيّ سيقول: يالَعقل المتديّنين! الشيعيُّ المُخدَّر سيصلّي على محمّد وآله فرِحاً لبعضها ويمسح بها وجهه ظنّاً بأحقّية مذهبه، متعصِّبو الجهتيْن سيلعنون الطائفةَ الأخرى على تلفيقها ودنائتها، اللقحُ من الخارج ونتائجُه بزرائبنا! فتنشغل عواطفُ بقراتِنا بلحس (البوّ) المُصطنَع، ثمّ يطلّ علينا صحفيٌّ غربيّ (مُنصِفٌ) يتعاطف مع مظلوميّة (الشيعة)، وآخر ينوحُ على هضيمة (السنّة)، لنستجير بالسيّد الراكب (عليْنا) ويتباغض ثورُنا وحمارُنا!

يُعموننا بقنابل دخانيّة، عبر امرأة تُفتي، ورجالٍ يُفتون، مرّةً بتحريم (الكُرَة)! وتارةً بتحريم (جلوس الكراسي) لأنّه زنا! ولأنّ نبيّنا وصحابته ونساءهم افترشوا الأرض!! وأنّ المرأة تزداد شبقاً بجلْسة الكرسي لدرجةِ أنّ (الجنّ) ينكحونها ولا تشعر!!! سخافةٌ وجهلٌ، ومكائدُ لإشغالنا باجترار التوافه بمحافلنا، وتصدّرِها نقاشاتِنا وحروبَنا، كما شغلوا (الأزهر) مرّةً بضرورة الإيمان بمخلوقيّة حوّاء من ضلع آدم الأعوج! وتارةً بجواز إرضاع الرجل ''ذي اللحية'' من امرأةٍ يحرمُ عليه حتّى لمسُ يدها بالأساس!! والغاية، ليلعبوا بلحيتنا ويركبوا أضلاعنا، ولتشبَّ الفتنةُ والتسخيفُ بين المجامع الفقهيّة للعلماء ثمّ بين مؤيّديها العوامّ، فثمّة ملايين منّا مغفّلون، سيُسجّلون عضويّتهم بحماسٍ في هذا الاستهبال و(الزّار) الدينيّ، مثلما وُجد بالعراق مليشيات طائفية مهابيل، تحمّست بحماقتها للعبة التمزيق والإحراق، واستُغفلت بخدعةِ نُصرة طوائفها، لكنّها في حقيقتها تمحق الدين والطائفة والوطن والأمّة والعقل، يخربون بيوتهم بأيديهم، ويُؤمّنون لراكبهم الشيطانيّ ومستغفلهم الإمبريالي وقودَه اللازم ووجودَه الدائم!

متى يرمقُ (الثورُ) أخاه (الحمارَ) فيراه مسكيناً مثله، يديران رحى طحنهما معاً؟!
ألا كلُّ نبأٍ يستخفّ بالعقل، ويُزري بالدين، ويُلهي الناس عن قضاياهم المصيريّة، ويُوقع الفتنة والبغضاء بينهم، فمُدبّر، وناقلُه عميلٌ أو جاهل.

للأسف، ندعو: (ربّنا ولا تسلّطْ علينا مَن لا يرحمُنا) ولكنّنا نُسلّط، (ربّنا ولا تجعلْ بأسَنا بيننا) ولكنّنا نجعل، فيالَلاستحمار! ما أكذّبَنا وأغبانا!.

المصدر (http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=3633)