PDA

عرض كامل الموضوع : ملف استملاك الأرضي


Admin
23- 06- 2007, 21:54
الطرق إلى الأراضي بأنفاس..
الاستملاك والتملك والحيازة والاستيلاء

"البروفايل الثاني (الموضوع 6+7+8) أُوقف ولم ينشر في الوقت ، فأين حرية التعبير ؟ "

الوقت - علي الديري:

http://farm2.static.flickr.com/1116/602632655_be98877989.jpg

حين جاءت الإصلاحات الإدارية البريطانية في 1923 بالبيروقراطية، التي هي بحسب عالم الاجتماع ماكس فيبر ‘’تنظيم يؤمن الدقة والسرعة والثبات وسهولة الوصول إلى السجلات والاستمرارية والسرية الممكنة والوحدة والتعاون الشديد والحد من أسباب الاحتكاك وتقليل النفقات وعدد الموظفين’’. [1]

كانت إدارة الطابو أول إدارة تم تأسيسها وفق النظام البيروقراطي، وقد سميت في 1970 إدارة التسجيل العقاري والطابو كلمة تركية تعني وثيقة الملكية. لقد أدركت البيروقراطية أن الأرض هي ميدان تحركها الأول، لن تكون هناك دولة مركزية ذات سلطة مطلقة ما لم يكن للأرض التي تحكمها وتقف عليها سجل يثبّت ويُعرّف ويرسم وينظم ملكيتها. ونحن هنا مدينون للكفاءات الهندسية الهندية التي أسست هذه الدائرة بمهنية فائقة الحرفية.

كانت البيروقراطية تريد لجسد الدولة أن يستمد قوته من القانون لا من القبيلة. لذلك واجهت البيروقراطية البريطانية وإصلاحاتها الإدارية مهمة شاقة، وهي تنظيم هذا الجسد تنظيماً يؤمن الدقة والسرعة والثبات والتعاون والسرية والوحدة. وهذا يعني أن يخضع هذا الجسد لقانون عام يكون بمثابة القوة التي تدير هذا الجسد الذي تتناهبه قوى المجالس القبلية، بأعرافها. [2]

هيبة الدولة

الأراضي هي ميدان تجسد الدولة وهيبتها وقوتها وإدارتها وسلطتها، الأرض هي أول ما يُضرب في الدولة، تضربه الدولة المعتدية، وتضربه القوى التي تريد أن تكون فوق الدولة. والأراضي اليوم وشوارعها هي ميدان اختبار حقيقي للدولة وهيبتها، وإذا لم تستطع أن تثبت الدولة (وليس القوى التي في الدولة) وجودها في هذا الميدان ستعرض مصداقيتها لحجب الثقة، وإذا حجبت الثقة من الدولة، فلا يمكن أن نستبدلها بوزير جديد، لأن الدولة ليست وزارة.

منذ دخلنا عصر البيروقراطية والإدارة المركزية للدولة، عبر المسح العمومي الذي بدأته في 1926 مع تأسيس إدارة الطابو في 1924 ثم تحولها إلى إدارة التسجيل العقاري وأخيرا إلى جهاز المساحة والتسجيل العقاري، نظّمت عملية الاستملاك والحيازة والملك والاستيلاء، عبر ما شرعته من إعلانات وقرارات وقوانين ومراسيم وأوامر.

لكنها فعلت ذلك عبر الناس المتنفذين فيها، أكثر مما فعلته عبر جهاز بيروقراطيتها الذي لا يعرف الأشخاص إلا كمواطنين ينتمون إلى أرض جسدها واحد، تديره سلطة واحدة.

علامة الجودة

وهذا ما جعل قوانين البيروقراطية تحقق النظام لكنها لم تحقق العدل. وهذا ما جعل أيضاً من استملاك الأراضي (بالمعنى العام، وليس بمعنى المنفعة العامة) محنة، الأمر الذي تسبب في جعل فكرة الدولة محنة أيضا. ولا نبالغ إذا ما قلنا إن الدولة تظهر قوتها التنظيمية المتجاوزة للناس بقدر ما يتوفر نظامها في استملاك الأراضي على قدر عال من الاستقلال عن الأشخاص المتنفذين.

لقد ظلت الضيع والقطع والإقطاعيات والأراضي والمزارع التي تمنح للمتنفذين في الدولة، في أي دولة كانت علامة على الفساد، فساد الدولة وانعدام عدالتها.

وربما تكون هذه العلامة أكثر وضوحا في الدول الأصغر مساحة، فالفساد يظل يتجسد مقروناً دوماً عندنا بشواهد من الاستيلاء غير العادل على الأراضي.

أربع طرق للأرض

ليس هناك أرض واحدة، هناك أراض مختلفة، ولكل أرض حالتها الخاصة، وتاريخها الخاص، ونظام التسمية الذي نطلقه على الأراضي، هو جزء من تاريخ الأرض وعلاقة الناس بالأرض وعلاقتهم ببعضهم فوق هذه الأرض.

هناك أربعة مصطلحات متشابكة تدل على الطريقة التي نمتلك فيها أرضاً، وكل مصطلح من هذه المصطلحات يحمل في مدلوله شيئاً من تاريخ الأراضي في البحرين وحالاتها، وهذه المصطلحات، هي: الاستملاك والاستيلاء، والحيازة، والمُلك.

الاستملاك

الاستملاك: وهو نزع ملكية الأرض لمصلحة المستملك وعادة هو الدولة وتمثلها في ذلك وزارة الإسكان، بقصد تأمين متطلبات المشاريع ذات المنفعة العامة، وتنظم عملية الاستملاك في البحرين بموجب المرسوم بقانون رقم 8 لسنة ,1970 بشأن استملاك الأراضي للمنفعة العامة. [3]

(عادة هو الدولة) هناك إذاً ما يخالف هذه العادة، وهناك ما يلتبس مع هذه العادة، والالتباس ناشئ من أن الدولة لا تحيل على ما هو فوق الناس، بل تحيل في سياقنا البحريني إلى الناس الذين عادة يتنفذون في الدولة، فتكون دولتهم. الدولة عندنا تحيل إلى الوزراء والحكومة والمسؤولين وكبار الشخصيات والمتنفذين، إنها لا تحيل إلى فكرة ولا إلى حالة ولا إلى نظام بل إلى شخص.

الاستيلاء

الاستيلاء: هو وضع اليد على الشيء، والتمكن منه والغلبة عليه، وهو أحد أسباب كسب الملكية. ويعرف بأنه كسب الملكية ابتداء، فمن وضع يده على منقول مباح بنية تملكه ملكه، لذا فإن القانون المدني البحريني استبعد الاستيلاء كسبب من أسباب التملك العقاري، حيث اقتصر الاستيلاء على المنقول من دون الثابت كالعقار، كما جعل كل عقار لا مالك له ملكاً للدولة. [4]

دولة البحرين في القانون معرفة تعريفاً لا لبس فيه ‘’يشمل إقليم دولة البحرين وجزرها والمياه الإقليمية، والجرف القاري، وأية منطقة أو المناطق الاقتصادية الخالصة، وأية أراض أخرى، والمجال الجوي، والبحار التي تمارس دولة البحرين سيادتها أو تتمتع بحقوق السيادة عليه وفقا لأحكام القانون الدولي’’ وهو تعريف لا التباس فيها من حيث الصياغة القانونية، لكن الدولة بحكم الواقع ليست معرفة تعريفاً لا التباس فيه، بل فيه التباس واشتباه، فالدولة ليس ما يحيل إليه القانون بل ما يحيل إليه مالك سلطة تنفيذ القانون.

لذلك فيمكننا أن نقرأ (القانون المدني البحريني استبعد الاستيلاء كسبب من أسباب التملك العقاري). بمعنى أنه استبعد الذين لا يملكون سلطة تنفيذ القانون، هؤلاء لا يمكنهم أن يستولوا، أي لا يمكنهم أن يملكوا أرضا بالاستيلاء، فالاستيلاء لابد أن يكون بالقانون ومن يستولي يستولي باسم القانون والدولة.

بل إن القانون أو المحاكم التي تملك تفسير القانون وتطبيق حالاته، سيشرع قوانين تلغي وثائق ملكية من أجل أن يُمكّن من يلتبسون بفكرة الدولة من أن يستولوا على ما يريدون. لدينا مثال حكم محكمة التمييز الذي يقول (لا وقف إلا بملكية). بهذا الحكم تمت مصادرة أراض وقفية غير مسجلة، وغير المسجلة تعني في عرف القانون ليس لها ملكية، فتؤول ملكيتها للدولة، لكن أي دولة، الدولة التي يعرفها القانون بوضح لا لبس فيه، أم الدولة التي هي جيش من المتنفذين.

نص مرسوم بقانون رقم (24) لسنة2001 بشأن التصرف في الأراضي التي تعتبر من أملاك الدولة، يقول ‘’في تطبيق أحكام هذا القانون يعتبر من أملاك الدولة جميع الأراضي التي ليس لها مالك بموجب وثيقة ملكية أو بحكم قضائي. باستثناء الهبات التي يقررها أمير البلاد، لا يجوز التصرف في الأراضي المشار إليها في الفقرة السابقة إلا بأمر من الأمير’’.

لقد جاء هذا القانون ليقاوم جيش المتنفذين من الاستيلاء على الأراضي باسم الدولة، لكنه لن يلغي تاريخ الأراضي التي استولوا عليها بالفعل طوال الثلاثين سنة الماضية أو أكثر. كما أنه لن يوقف المتسللين الذي يعرفون حيل الطرق الفرعية وشرعيتها.

الحيازة

الحيازة: هي وضع اليد على الشيء والسيطرة عليه سيطرة فعلية، والانتفاع به واستغلاله بكافة الوجوه المادية القابل لها، سواء استندت إلى هذه السيطرة على حق من الحقوق أو لم تستند، وإذا استمر الحائز واضعاً يده المدة المقررة قانوناً فإن ذلك مما يؤدي إلى اكتساب الملكية بوضع اليد. [5]

قانون الحيازة لا يفرق بين اليد التي تستند إلى حق وذاكرة مشتركة مع مكان الأرض، وبين اليد التي تستند إلى قوة من غير ذاكرة. لذلك فالحيازة وإن شرعها القانون بحكم الواقع، لكنها ستبقى قانوناً عدالته عمياء.

الملك

الملك: في اللغة هو احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به والتصرف بانفراد، وفي اصطلاح الفقهاء هو الحيازة، ومن أساس الملك الاختصاص والمنع والتعامل، وتقسم أسباب الملك إلى ثلاثة أنواع، الأول وهو الابتداء وهو الاستيلاء والثاني نقل للملك بعد ثبوته مثل البيع، والنوع الثالث مبق للملك على الورثة والموصي له. [6]

مهما تعددت الطرق، فكلها توصل في النهاية للتملك، حيث تستقر الأرض على أي تاريخ كان، سواء كان على تاريخ اليد والقوة والاستيلاء والفتح أو على تاريخ الذاكرة.

يصف أحد الخبراء الاقتصاديين والسياسيين تاريخ الملكية في تجربة أراضي بالسر الكبير، ولعل في هذا الوصف ما يلخص عنوان هذه المقالة: الطرق إلى الأراضي بأنفاس: الاستملاك والتملك والحيازة والاستيلاء، يقول ‘’التجربة تقول بأن موضوع ملكية وتوزيع الأراضي سر كبير لا تود السلطة «أي سلطة» فتح ملفاته لأنه يكشف كيف انتهت كل الأراضي والبحار من ملكية الدولة إلى ملكية مجموعة قليلة من الأفراد استغلوا مواقعهم لأخذ حصة كبيرة من الأرض فيما ينتظر عشرات الآلاف من المواطنين في طوابير انتظار تعدت الخمسة عشر عاما علهم يحصلون على أرض ومنزل لا تتجاوز مساحته 300 متر مربع’’.

الهوامش:
[1] القبيلة والدولة، فؤاد خوري، ص.133
[2] تقبيل المجلس، على الديري، صحيفة الوقت، 17 مايو.2007
[3]، [4]، [5]، [6]، معجم التعمير والخرائط والوثائق العقارية البحرينية، مناف حمزة.


المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=60046)

Admin
23- 06- 2007, 22:04
«شذول» سجل السيد عدنان... بيت الأوقاف
الوقت - علي الديري:

حين سألت رئيس دائرة الأوقاف الجعفرية سيدمصطفى القصاب، ما هو سجل السيد عدنان؟ ولماذا لا يراه الآخرون؟ تبسّم السيد، وقرأ في نبرتي، نية من يبحث عن تاريخ لا من يبحث عن فضيحة أو إثارة. قلت له، أنا قصدتكم من أجل سجل السيد عدنان فقط، أريد أن أراه.

قال لي: هو يراه الآخرون، بدليل انك الآن هنا والسجل سيكون بين يديك، لكننا لا يمكن أن نجعله مبتذلاً، هو وديعة السيد عدنان، وظلت الإدارات حريصة على صيانته باعتباره المرجع التاريخي الوحيد على أوقافها. سجل السيد يراه الآخرون في الدوائر الخاصة، كدائرة حوارنا هذا، وكدائرة المحاكم الشرعية التي تطلبه مرات لتتأكد من موضوع ما، فيذهب به مندوب خاص من الأوقاف. السجل يراه الآخرون، لكن ليس كل الآخرين.

على رغم أنني احتجت إلى شهرين لترتيب هذا اللقاء، إلا أن الحوار بدا ودياً مع السيد والمهندس عبدالأمير الجمري القائم بأعمال مدير إدارة الأوقاف، والملا جواد الحلواجي الباحث الشرعي بالدائرة.

بدا الجميع متحمساً في الحديث عن السجل وتاريخه ومآلته وعن السيد عدنان وجهوده ونظامه الدقيق وجديته. كان السجل بيننا أثناء الحوار، نقلب صفحاته وتاريخه، كانت الأصوات تتداخل، بعضها يفيض على بعض لإكمال تاريخ هذا السجل ومحتواه، مع كل ذلك بدا لي أن هناك مساحات غائبة من تاريخ هذا السجل، وتاريخ الرحلة التي استغرقت عاماً كاملاً تقريبا لإنجازه، لم يكن مع السيد حينها سوى حمارته الأصيلة التي لولاها لفقدنا جزءاً أصيلا من تاريخ هذه الأرض.

أول رئيس
؟ من هو السيد عدنان؟

في الجزء الثالث من كتاب الذريعة يعرف (اغابزرك) الطهراني السيد بقوله: هو السيد عدنان بن السيد علوي بن السيد علي بن السيد عبد الجبار الموسوي القاروني البحراني عالم بارع وفاضل جليل. كان من أهل العلم البارعين، ورجال الفضل الكاملين، درس على علماء عصره ومشاهيره حتى حاز قسطاً وافراً من المعرفة، وحظي بسمعة في بلاده، وأحبه الناس فصار موجها مبجلا، وولي القضاء والأوقاف ونحوها وكان إماماً للجمعة والجماعة، ومرشداً هادياً لكثير من الناس إلى أن توفي في سنة 1347هـ [1928م] وولده السيد محمد صالح من الخطباء المعروفين في البحرين. السيد عدنان هو أول من تولى إدارة الأوقاف، قام بجهد عظيم، تمثل في عملية حصر كل وقفيات الطائفة الشيعية.كان يعتمد على المعلومات التي يتلقاها من الأهالي.

شمس السيد
؟ ما الذي بقي من السيد؟

كان صاحب موسوعة الذريعة، يُعرّف السيد بأنه صاحب كتاب ‘’الشموس الدرية’’، لكن الشموس الدرية ليست هي ما بقي من السيد، وليست هي التي تدل عليه اليوم، فما بقي من السيد هو سجله (سجل السيد عدنان).

لا نبالغ إذا قلنا إن إدارة الأوقاف هي إدارة سجل السيد عدنان، فالإدارة لم يكن لها أن تعرف بدون هذا السجل فهو الشاهد التاريخي عليها، فما تديره لا يتجاوز دائرة هذا السجل. إنها تدور في خارطته التي رسمها قبل وفاته بعام واحد، خارطتها التي وضع معالمها وجهاتها برجليه التي طافت أراضي البحرين من أقصاها إلى أقصاها. مستعيناً في ذلك بأرجل حمارته الوفية التي ندين لها بما حملته لنا من وثيقة تاريخية بالغة الدلالة. إدارة الأوقاف هي بيت هذا السجل اليوم، كما أنه بيتها، هي بيته لأنها الجهة التي توارثته وحفظته من الضياع وأبقته حياً بالإحالة إليه فيما يتعلق بشؤونها مع إدارات الدولة ومع الأهالي. وهو بيتها، لأنه ملجأها الآمن حين تهتز ملكية أراضيها الوقفية أو يهتز وجه من أوجه صرف أوقافها.

الملا جواد

الملا جواد الحلواجي الباحث الشرعي في الإدارة، يكاد يكون قد حفظ مسميات الوقفيات، لفرط معايشته لهذا السجل، يحتفظ في مكتبه بنسخة منه، وكل ما طرأت قضية فتح صفحة أرضها في السجل، فتأتيه تحديدات السيد دقيقة، وليس مثل الملا جواد معرفة بلغة السيد وألفة لشكل حروفه الجميلة. وقد عزز من ألفته لهذا السجل، أنه اعتمده مرجعاً في رسالته للماجستير التي تناولت مشكلة البحث الذري في البحرين. قلت للملا جواد: افتح لي صفحة أوقاف الدير في ,1928 فتناول دليل السجل وهو بمثابة فهرس بالمناطق والوقف يُسهّل الرجوع إلى مجلدات السجل الستة، قال لي اسمع، هناك: جامع الدير ومأتم الدير ومأتم محمد علي ومسجد أحمد ومسجد الشيخ عيسى ومسجد الشيخ محمد ومسجد الشيخ أحمد.

لا يكفّ الملا جواد، عن الإشادة بدقة السيد البالغة، وجمال خطه وحسن تنظيمه للصفحات وجداولها وبين كل جملة وأخرى يتوقف ليبدي إعجابه بالتفاصيل الدقيقة التي يوردها السيد في سجله، خصوصاً ما يتعلق في وجوه صرف الوقف، يذكر أنها مخصصة مثلا إلى أواني المأتم أو لإصلاح مسجد ما، أو إلى درس ما، أو إلى أكفان المؤمنين أو إلى العبرة التي تنقل الزوار في النبيه صالح أو لليلة معينة من ليالي محرم.
تضمّن سجل السيد كما أحصاه الملا جواد، ما يقارب 1678 وقفا مكونة من أراضي وبساتين وأشجار وبيوت وحظور لصيد الأسماك، موزعة على مدن وقرى البحرين بحرا وبرا، حد فيه مواقعها وحدودها مع ذكر واقفيها والموقوفة عليه من مساجد ومآتم ومقابر وغيرها، مع تعيين المتولين عليها وجهات صرفها.

السجل مكون من 1678صفحة ويقع في 6 مجلدات من الحجم المتوسط وهو مقسم إلى عدة أعمدة يبين في أعلاها التعريف بالوقف ويحدد مكانه وحدوده ومسماه، وتحوي الأعمدة الأقسام التالية: عمود يحتوي اسم الوقف وعمود يحوي اسم الواقف وعمود بمسمى الموقوف له وعمود مخصص لجهات الصرف وعمود للملاحظات. وكان السيد يستخدم مصطلحات نمرة وريجستر.

لقد استخدم السيد حبراً صينياً فاخراً لذلك ما زال الحبر محتفظاً بلونه وبهائه، كما أن ورق السجل كان من نوع الأصطمبولي المميز، وهي مازالت محتفظة بقوتها ولونها.

«شذول» السيد
؟ كيف وثق السيد سجله؟

لقد اعتمد سيد عدنان من خلال تجواله، على الأهالي وشهاداتهم وما يشيع بينهم، وقد أفرد لكل منطقة صفحات خاصة، يذكر فيها أوقافها من الحظور والأراضي والنخيل والمزارع، فمثلاً في الصفحات الخاصة بجداول أوقاف جد الحاج يذكر الأوقاف التالية: حظرة بسطوة جد الحاج، نخل بسيحة جد الحاج لمأتم جد الحاج.

وكي يستكمل عمله في المنطقة، يضطر إلى أن يبيت ما بين ليلة وثلاث ليالٍ. وفي الحقيقة كان السيد يقوم بعمل شبه رسمي لأنه كان في منصب إداري، وهو رئاسة دائرة الأوقاف، مع أنها كانت إدارة أهلية حينها. وقد تزامن عمله مع أعمال المسح العمومي الذي بدأته إدارة الطابو بالاعتماد على مهندسين هنود من العام 1926 وحتى العام 1937م. وربما يكون السيد قد استفاد من نظام دفاتر هؤلاء المهندسين، فنظم سجله على منوال شذولهم (سجلهم) في تسجيل الحيازات.

‘’يعرف سجل الملكيات المستخدم في المسح العام الذي أجري في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، بدفتر (الشذول) وذلك تعريب لكلمة schedule الإنجليزية والمشتقة أصلا من اللغة العربية من كلمة (جدول). وقد كانت جميع البيانات الواردة فيه باللغة الإنجليزية والتي يدونها المساحون الهنود أثناء عملهم في الموقع’’[1]

السيحة وأخواتها

؟ ما التسميات التي اعتمدها السيد في سجله. وكيف نعرف موقع الأرض اليوم؟

اعتمد السيد التسميات المعروفة للأراضي، وهي الجوبار والدالية والدولاب والسيحة وغيرها، وكل تسمية من هذه التسميات تحيل إلى نوع خاص من الأراضي الزراعية، فـ’’الصرمة عبارة عن بستان صغير من النخيل يتراوح عرضه بين 9 أمتار و15متراً وطوله بين 15 و30متراً، يقع عادة بالقرب من القرية، وكثيرا ما يستخدم في زراعة الخضار’’ و’’الدالية بستان من النخيل مربع الشكل وأكبر من الصرمة إذ يتراوح طوله بين 18و30 متراً. واسمه مشتق من ‘’دلو’’ وهو الوعاء المستخدم في الري’’، و ‘’الدولاب بستان كبير للنخيل يتراوح بين 60 و122متراً وعرضه ما بين 30 و60 متراً وسمي بالدولاب لأنه يروى بالدولاب أي الناعورة التي تحركها الثيران’’ أما ‘’النخل فيشكل ثلث المساحات المزروعة ويختلف في شكله وحجمه عن الآخرين، وقد يكون مربع الشكل أو مستطيلا أو دائريا أو نصف دائري، ويتراوح عرضه بين 60 و153مترا وطوله بين 300 إلى 1524متراً’’ [2].

و’’الجوبار: هي الأرض الزراعية التي غالبا ما تكون مستطيلة الشكل ومساحتها بين الدولاب والدالية’’، و ‘’السيحة: هي الأرض الزراعية الكبيرة أو المنطقة الزراعية التي تحد القرى باستثناء البيوت الموجودة فيها’’[3]

بحسب إحصاءات خرائط التسجيل العمومي، كان عدد الملكيات المسجلة في العشرينيات والثلاثينيات، من الجوبار 1211 ومن الصرمة 1334 (للأوقاف الجعفرية منها 9,17%) ومن الدالية 1254 (للأوقاف الجعفرية منها 2,19%)ومن الدولاب 514 (للأوقاف الجعفرية منها 12%) ومن النخل 3349 (للأوقاف الجعفرية منها 9%)[4] ولمزيد من التحديد، كان السيد يذكر ما يحيط بالأرض من الأملاك من جميع الجهات أياً كانت جوبار أو دالية أو صرمة، لكنه لم يكن يرسم خرائط أراضي الوقف. وبالاستعانة بخرائط المسح العمومي يمكن معرفة الأرض بسهولة. هناك خرائط وهناك دلائل أسماء، وباعتماد هذه الخرائط وهذه الدلائل من الأسماء، يمكن بسهولة أن نعرف الأرض المعنية في سجل السيد. يقول المهندس عبد الأمير الجمري ‘’نحن نرجع إلى المسح العمومي كي نقرأ سجل السيد بدقة أكبر، وجدنا بعض الأراضي التي ثبّتها السيد لا توجد لها طرق أو تتداخل مع أرض أخرى.مخططات المسح العمومي كانت تُعطي أرقاماً للأملاك.المسح يغلق الأرض ويعطيها رقما، حتى لو لم تكن هناك وثيقة رسمية، يمكننا أن نعرف أن هذه الأرقام، بفضل سجل السيد، ترجع بعضها إلى الأوقاف’’

بيت الوقف
؟ هل حمى سجل السيد الأوقاف من الاستيلاء أو الاستملاك؟

الدولة حين بدأت التخطيط كانت تضع في اعتبارها الأوقاف. وأحيانا تتجنب المساس بالأراضي الوقفية. أحد أهدف السيد كانت حماية الوقف. وإدارة الطابو كانت تأخذ بسجل السيد وتسجل الأراضي الوقفية باسم إدارة الأوقاف. وحتى أيام بلغريف Charles Belgrave (1926-1956) كان مسموحاً لإدارة الأوقاف أن تسجل ما يقارب في الشهر من30 قطعة استناداً إلى سجل السيد وشهادة شاهدين. كان سجل السيد بمثابة وثيقة ملكية لكل الأراضي الوقفية المسجلة في جداوله الأنيقة. فسجل السيد كان أماناً للوقف من الضياع والإنكار والشتات، لذلك لا عجب أن يكون السجل بيتاً للوقف، بما يمنحه من سكينة وأمان لأراض يتهددها الضياع والتشرد والاستيلاء.

واستمر السجل مرجعاً وأماناً للأراضي غير المسجلة بعد حتى بعد تحول إدارة الطابو إلى إدارة التسجيل العقاري سنة ,1970 صرنا، كما يقول السيد مصطفى، فيما بعد نحتاج إلى أن نرفع قضايا في المحاكم من أجل تثبيت الأراضي وتسجيلها، وكنا نلوذ بالسجل ونستند إليه مع شاهدين، فيتم التسجيل، فبيت السيد لا يخذل من دخله على الرغم من بعض التلكؤات التي نواجه بها.

الوقف الخراب

استمر سجل السيد مرجعاً في التسجيل إلى أن جاء حكم محكمة التمييز في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني ,1993 فقد أصدرت محكمة التميز حكمها النهائي في القضية 5460/1985م، كان الحكم ‘’لا وقف إلا بملك’’ أي لا وقف إلا بوثيقة رسمية معتمدة تثبت الملكية، ويبدو أن سجل السيد لم يعد بتاريخه الحافل وثيقة حتى محترمة في نظر هذه المحكمة.

لقد أرسى هذا الحكم قانوناً أوقف الأوقاف، لكنه لم يوقفها على مواردها التي حفظها لنا السيد في سجله، بل أوقفها على الخراب. هناك ما يقارب 600 قطعة أرض، منها أراض شاسعة وبعضها يحتل مواقع استراتيجية، كلها منذورة للخراب، لا هي مسجلة ضمن إدارة الأوقاف ولا هي مستملكة من قبل الدولة، هي موقوفة على التعطل والخراب وعدم الاستثمار. نحاول نحن أن نحتال بقانون وضع اليد، فنضطر إلى أن نؤجرها حتى لو تحت مسمى خرائب، على أمل أن تعمر في المستقبل بقرار سياسي يفكها، لتكون معلماً من معالم الوقف المستثمر بطريقة حديثة. لقد ألغى حكم محكمة التمييز، ليس فقط سجل السيد عدنان، بل ألغى حتى سجل الدولة، فسجل السيد عدنان كان سجلاً رسمياً مقراً من قبل الدولة كما هي سجلات المسح العمومي في العشرينيات، كما أنه ألغى قانون الطابو الذي كان يعتمد هذا السجل في تثبيت الأراضي وتسجيلها، وألغى حتى قيمة الوثائق التي اعتمدها السيد في تسجيل بعض الأوقاف. لدينا كما يقول ملا جواد أوقاف عمرها 200 سنة ومحكمة التميز لا تقبلها، لدينا مثلا وثيقة وقفية عمرها 120 سنة وموثقة من العلماء، وموثقة في سجل السيد، وهي تخص مأتم السدر بالبلاد القديم.

السجل ممسوحاً

السجل أو الشذول الذي مسح البحرين، حان الوقت اليوم ليُمسح إلكترونياً، تضع الإدارة الآن لمساتها الأخيرة لأرشفة هذا السجل إلكترونياً، سينضم السجل بعد أن تمّ مسحه إلكترونياً إلى أرشيف الأوقاف الإلكتروني، سينظم كل وقف إلكترونياً ضمن الأرشيف الإلكتروني للإدارة بحيث تكون وثيقة الوقف مربوطة بخارطة الأرض والمستأجر ومساحته، وسترفق بها صورة من جدول الورقة التي وردت فيها في سجل السيد عدنان.

هوامش
[1]،[3] معجم التعمير والخرائط والوثائق العقارية البحرينية، مناف حمزة، ص,50 ص49
[2]، [4] انظر: القبيلة والدولة، فؤاد خوري، ص.63

المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=60047)

Admin
23- 06- 2007, 22:25
حكاية بعض الاستملاكات
نخــل سيحــة جــد الحــاج نمـوذجــاً

الوقت - باسمة القصاب:

‘’البداية صعبة، تغيب عنا البدايات لكنا نرى آثارها ونعيش نهاياتها. لم أعرف ما النعال حتى كبرت، كما لم يعرف البحريني ما السلاح حتى أتت به القوة. أمشي حافياً من جد الحاج إلى الدير، ومن أرضي إلى مقابة، فلا أدوس إلا على (رملة). لم أكن أعرف معنى النعال، كما لم يكن البحريني البسيط يعرف معنى السلاح؛ لم يحمل البحريني سيفاً ولا منجلاً’’. الحاج عيسى الشوال. يخبرنا الحاج عيسى أحمد الشوَّال من قرية جد الحاج، عن عمره، مستعيناً بذاكرة الحوادث لا التاريخ ‘’ولدت بعد سنة الطبعة’’. لا يعرف أية سنة كانت الطبعة ولا أية سنة كانت ولادته. قال أهل القرية إنه ولد في عشرينات القرن الماضي، وقال بعضهم قبلها. لم يلبس الحاج عيسى النعال في أرض وصفها صاحب كتاب ‘’عقد اللآل في تاريخ أوال’’، بأنها ذات بساتين وأنهار دافقة وأهلها فلاحون [1]. ولم يحمل البحريني البسيط السلاح في أرض يكفيه أن يضع فيها ما يشبه ‘’رأس حمار’’ حارساً لزراعتها. أو هكذا كان.

عرف البحريني النعال حين اشتدت حرارة الأرض وقست رملتها. لبس النعال، لكنه بقي بعيداً عن معرفة السلاح حتى بعد أن داهمت القوة سيحاته (أراضيه ومناطقه). تختزل هذه العبارة الذاكرة الجماعية التي يتم تناقلها أباً عن جد. يعرف الآباء القدماء بداية هذه الذاكرة، لكن لا يعرف الأبناء سوى ما يعيشون من آثارها. خلف هذه الذاكرة ثمة مساحة متكتم عليها. ربما الخوف هو ما جعل عدد من كبار القرية وشيوخها يرفضون الجلوس مع ‘’بروفايل’’ للتحدث عن قصة الأراضي في قرية جد الحاج. الحاج عيسى الشوال قَبِل ذلك، لكنه بدا متحفظاً من استحضار تفاصيل الذاكرة.

تعاقب القوى

القوة تنزع إلى الاستيلاء. والضعف يُغري أن يكون مستولى عليه. هكذا كانت البحرين ‘’التي لا تعرف السلاح’’ تغري القوى المختلفة للاستيلاء عليها. الشيخ محمد التاجر في ‘’عقد اللآل’’ يعدد في كتابه أكثر من 28 عنواناً، تحمل جميعها صيغة واحدة: استيلاء الـ (.......) على البحرين. في كل مرة يتغير اسم القوة المستولية، ويبقى اسم البحرين قائماً وفعل الاستيلاء. منذ عهد الفينيقيين تعاقبت قوى مختلفة على تاريخ البحرين.

تبقى الغلبة للقوة. كذلك الحق؛ فمن يملك القوة يملك الحق (بالضرورة لا بالحق). أو هكذا يجري مبدأ القوة. الكل له من الحق بمقدار ما له من القوة. ويبقى حق ‘’من لا يملك السلاح’’ خاضعاً لمن يملك القوة. ولأن الإنسان البحريني لم يعرف السلاح ولم يحمله، فقد دفع ضريبة سِلمه ومدنيته، أن خضع لمختلف القوى التي تعاقبت عليه منذ الأزل، وأصبح مستملكاً تتناقله القوى المختلفة وتتوارثه ضمن مغانمها. ذلك أن ‘’كل قوة جديدة تتغلب على سابقتها ترث حقها، ومن ثم فإن الحق يتلاشى بتلاشي القوة، ويتلاشى معه الخضوع الذي لا يزيد على كونه فعلاً من أفعال الضرورة، لا من أفعال الإرادة. إنه فعل تمليه ضرورة الحفاظ على الحياة والأمن، ويمليه الطمع في مغنم أو الخوف من مغرم’’[2].

استملاك الأثر

لا تفتأ الذاكرة الجمعية في قرية جد الحاج تتناقل كيف استملكت القوة بساتين جد الحاج ومزارعها ودواليها ونخلها. وكيف حفظ أهل القرية القدماء، الأراضي التي لا يعرفون أصحابها، أو تلك التي تركها أصحابها فراراً، بأن وهبوها وقفاً للإمامين الحسن والحسين. ‘’لا نعرف من وقف الأراضي للحسين، فقط نعرف أنها أرض الحسين’’، ‘’أرض الحسين مبهومة ولا يعرف واهبها’’، هكذا يجيب أهالي جد الحاج حتى كبار السن منهم، حول سؤالنا من الذي وهب؟. لكنهم يعرفون مسوِّغ الوهب ويدينون له، ‘’لولا الوقف، لما حفظت أراضي جد الحاج، ولما بقي لأهلها فيها مكان’’. هذا الوقف هو ما جعل من مأتم جد الحاج أغنى ثاني مأتم في البحرين بأوقافه الكثيرة المنسوبة إليه، والتي تبلغ مساحة كبيرة من أراضي جد الحاج.

نيوجرفت

عين ‘’نيوجرفت’’ في جد الحاج لها شهرتها الخاصة. الاسم أصله فارسي. قيل إن اسمها الحقيقي هو جرفت. وإنها تقع في إحدى الأراضي التي فر أهلها نحو المحمرة، تاركين وراءهم أرضهم وسكنهم. يروى أن بعض أهل جد الحاج كانوا في زيارة إلى مشهد الإمام الرضا، فلما أن شاهدتهم صاحبة الأرض أو إحدى وريثاتها، ذهبت نحوهم وسألتهم عن أرضها قائلة: خبروني عن نور عيني جرفت. فصار اسم العين منذ ذاك الحين نيوجرفت.

تم ‘’تحويط’’ أرض نيوجرفت الآن ضمن ملك خاص. بعضهم قال وهبت للأوقاف، وبعضهم قال صارت لمالك لا نعرفه. لا يعرف الجد حاجيون لمن هي الآن وكيف استملكت. لكنهم يعرفون أن ‘’بها زراعة بسيطة وعين تؤجر ومصنع للدجاج’’. أو هكذا يرونها من الخارج. اطلع ‘’بروفايل’’ على سجل السيدصالح الموسوي للأراضي الموقوفة، لكن لم نعثر على نيوجرفت ضمن الأراضي الموقوفة بسيحة جد الحاج. هي ملك خاص إذاً. لكن لمن؟ لا أحد يعرف.

استملاك الرمل

لا تنتهي حكايات الاستملاك القوة في جد الحاج. بعضها متناقل متوارث، وبعضها مشاهد معاش. ينقل الحاج عيسى الشوال عما شهده في شبابه ‘’كان أحد الرجال من ذوي القوة والنفوذ، معروف لدى الجميع في قرية جد الحاج، لكنه ليس منها، يأتي بسياح أجانب. يحصر لهم منطقة من البحر مستخدماً تريبات رمل (شحنات الرمل). يأتي السيَّاح ويسبحون في البحر. بقيت المنطقة محصورة له، مختصرة لمن يأتي بهم من السياح، حتى أصبحت ملكاً له’’. هكذا يصبح ‘’تريب’’ الرمل وسيلة استملاك. وحدها القوة قادرة على أن تجعل من ‘’تريب’’ الرمل سياجاً مستلكاً يحصر ويفصل ويختصر. ليس يشبه هذا الرمل ذاك الذي كان يسير عليه الحاج عيسى الشوال، حين كان يقطع أراضي البحرين حافياً، فلا يدوس إلا رمل أرض أصيلاً.

لا تسير الأمور دائماً بهذه الطريقة. فثمة استملاكات تأتي من الداخل لا من الخارج. قد يستعين الضعيف بالقوي أو يستقوي باسمه. يفعل ذلك لا ليصير قوة مثله، بل ليعيش. وهو أثناء استعانته تلك يضيِّع أراضي أو يهب أخرى من دون أن يعني أو يقصد. يلقي الحاج عيسى باللوم على الناس في ضياع حقوقهم والأراضي. ‘’الخيانة أتت منا. نحن ظلاّم. بلاد (أم النمل) سلبها إهمالنا. توضع الأرض في يد أحدهم ليرعاها. فيعطيها لغيره بغير حق’’. لكن كيف يكون هذا؟. لا يفسّر الحاج الشوال أكثر. لكن أحد شباب القرية يفسر كلام الحاج فيقول ‘’يقوم أحدهم برعاية الأرض، فيخاف أن تؤخذ منه، ولأن الأرض لا وثيقة لها، ولا يُعرف صاحبها، فإنه يقول هي لفلان وأنا أرعاها له. عادة ما ينسبها لصاحب قوة ونفوذ ومن خارج القرية. يموت المدّعي. ويدفن سر الأرض. تشتهر الأرض باسم فلان القوي صاحب النفوذ، فتكون له’’.

مختار القوة

منذ أن صدر القانون الذي يمنع تسجيل الأراضي إلا عن طريق مختار القرية. لعب مختار القرية دوراً كبيراً في تسجيل الأراضي غير المعروف أصحابها. يشير أهل جد الحاج إلى أن المختار، يمثل أحياناً سلطة وقوة على أهل القرية لا إليها، يشرح أحد شباب القرية ‘’كان المختار يحاول التقرب من أصحاب القوة والنفوذ، فيدلهم على الأراضي الحيوية في القرية. يضع أيديهم على الأراضي الزراعية التي تتمتع بموقع ممتاز. يمكِّنهم من الأراضي المهمة غير الهاملة. وعندما يأتي أحد أهل القرية يريد أن يسجلها باسمه، يقول له المختار إنها مسجلة باسم فلان (ذو القوة والنفوذ)’’.

تبقى القوة هي نفسها في كل الأحوال. إذاً، الفرق حين تأتي القوة لتستملكنا مرة، أو حين نأتي بها نحن لنُستملك بها حيناً أخرى. ربما لا فرق بين الاستملاكين سوى ما يخرج منا أو ما يدخل إلينا. أو هو الفرق بين أن نمشي حفاة مطمئنين أو بنعال خائفين.

الهوامش:
[1] الشيخ محمد علي التاجر، عقد اللآل في تاريخ أوال.
[2] جاد الكريم الجباعي، غطرسة القوة.


المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=60048)

Admin
23- 06- 2007, 22:30
أعمدة
جهاز استملاكات الخواص
علي أحمد الديري

http://www.alwaqt.com/imagescache/34blog_author100crop.jpg (http://www.alwaqt.com/cv.php?cvid=34&tbl=blog_author)بعد شهرين من المتابعة و’’الحقران’’ الذي يقطع مصران اللباقة، أبديت لرئيس العلاقات العامة والإعلام بـ’’جهاز المساحة والتسجيل العقاري’’ التساؤل الكبير الذي يمكن أن يطرح على ‘’بروفايل’’، وهو ‘’استملاك الأراضي’’ إذا لم يكن لصوت جهاز المساحة حضور فيه. سألني على أرضية مساحتها بالغة الذكاء والفطنة والجدية والخبرة والإعلام ووو.. إلخ: خوي تساؤل من قبل من تقصد؟

هنا لم تسعفني بلاغتي ولا مساحة أرضيتها التي لا وثيقة رسمية لها سوى ما يشهد به الأصدقاء. نعم، لم تسعفني في ابتكار جواب يليق بالمساحة التي تشغلها أرضه في هذا الجهاز من جواب طيلة شهرين.

خرجت من مكتبه، أحمل في مساحتي الخاصة خيبة ، لكني قررت أن أحيل مساحة الخيبة فضاء تحدٍ، لكن لن يكون التحدي استنطاقا، بل محاولة لفهم، لماذا لم ينطق هذا الجهاز؟

النطق هو قدرة على التصرف في الكلام، وهذا الجهاز لا يجيد الكلام، لأن في فمه ماءً ، لأنه يعتبر كل ما فيه من معلومات وخرائط ملكاً له لا ملكاً للناس، إنه مؤتمن على سرّ الحيازات والاستملاكات. هو لا يحتفظ بأسرار عامة بقدر ما يتحفظ بأسرار خاصة، هو لا يتكلم لأن لسانه لا يشف بالحقيقة، بل بالستر والمواراة والإخفاء.

هل يمكن لهذا الجهاز أن يكون جهازاً عاماً من أجهزة الدولة العمومية، وهو يملك في دائرة السر تاريخ أراضينا منذ نشأة دائرة الطابو 1924 إنه بمثابة وزارة الأرض، والأرض ذاكرة وليست مجرد أوراق ملكية، يملك القوي استصدارها بمساحات تنطق بقوته. لا يمكن لهذه الذاكرة أن تكون وطناً وهي قابعة في دائرة السر .

التحدي هو أن أستنطق هذه الذاكرة من جهات تتجاوز قلعة هذا الجهاز المنيعة على الصحافة والمواطنة. ما لم تفتح هذه القلعة الصماء فلن نعرف خارطة طريق أراضينا، أراضينا المرتفعة عن سطح الأرض أو المغمورة بالمياه أو التي كانت مغمورة، وصار 97% منها غير مغمور المالك (ملك خاص)، و3% مشهور المالك (الدولة) بحسب رواية شركة اسكيديمور.

خارطة الـ 33 جزيرة التي لا نراها، هي هناك في هذا الجهاز الأمين فقط على المواطنين الذين لهم حصة في 97% مما كان مغموراً بالمياه.

المصدر (http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=3716)

Admin
23- 06- 2007, 22:50
الدلال.. شاهد سجل الأرض
دِلالـة محـمـد عـلـي المـزعــل

الوقت - علي الديري:

الدلالة هي مهنة الوساطة بين طرفي البيع البائع والمشتري، وتكون للدلال نسبة حددها القانون وهي 1%من قيمة العقار يقبضها من كل من طرفي البيع، وقد صدرت مجموعة من القوانين لتنظيم الدلالة منها الإعلانات 532/,1348184 ,134462 ,1344 و23/1353 والذي يعرف بقانون الدلالين، والذي ألغي بالمرسوم بقانون رقم (21) لسنة 1976 بتنظيم مهنة الدلالة في العقارات.

الدلال، بهذا التعرف هو شاهد على تاريخ بيع الأراضي وشرائها، وهو شاهد على قوانين تنظيمها وتحولاتها وإلغائها، هو شخصية لا يمكن تجاوزها في الشهادة على تاريخ استملاك الأراضي في البحرين.

محمد علي المزعل واحد من الدلالين الذين يروون هذا التاريخ بشيء من الحذر، وبكثير من السخط، وشيء من الاعتداد.

تجربته مع الدلالة بدأت في نهاية الستينات، دخلها وهو يحمل تجربة الإدارة العقلانية الحسابية من شركة بابكو، التحق بها في العام 1951 وهو يحمل خبرة طالب بالصف الرابع ابتدائي بمدرسة سترة الابتدائية للبنين.

في بابكو تعلم الحسابات وظل يتمرس فيها مدة 14 عاماً وفي 1964 خرج منها لكنه لم يخرج من الحسابات، التحق بشارترد بنك، وفرت له تجربة الحسابات حكمتين، الأولى ‘’كل حركة بركة’’ والثانية ‘’فاز باللذات من كان جسورا’’. شكلت هاتين الحكمتين سيرة الدلالة في تاريخ شخصية محمد علي المزعل.

هو لا يدين لأحد في تعلم صناعة الدلالة، يدين للحسابات فقط، الحسابات التي ستكسبه حركة تتجاوز بيئته الساكنة بالخضوع والإذعان لتاريخ طويل من الحكم الدينية التي يتلوها رجال دين ينتظرون عالماً لا يأتي، لم يتعلم (المزعل) من هؤلاء الرجال، بل كان خصماً لهم، لهم في سكونهم، وليس في تدينهم، فقد كان رجلا شديد التدين، وربما تكون هذه واحدة من خصال نجاحه التي أكسبته مصداقية لم يتوفر عليها منافسوه. لقد أكسبته الحسابات درس الحركة، والحركة لا يمكنها أن تعطي ثمارها من غير جسارة، لذلك أضاف إلى بركة الحساب جسارة الحركة، ويعينه في ذلك سيارته (المرسيدس) التي لم يكن يملك أحد حينها في محيطه الستراوي مثلها، وفرت له السيارة سرعة في الحركة وجسارة في شق طرق لم يطرقها أحد قبله.

الحركة الأولى

الإنسان لا ينسى حركته الأولى التي ستؤسس لبركته التالية، كانت مساحة الأرض الأولى التي بدأ منها مهنة الدلالة لا تتجاوز ستين قدماً في ستين قدما، ولم تتطلب منه حركة بعيدة، فقد كانت قريبة من بيته، كانت في مهزة، شراها بسبعين ديناراً، وحرك سعرها بخبرته الحسابية وجسارته الشخصية، فباعها بثمانمائة دينار. لقد اشترى الأرض دكتور الأسنان الهندي قيومجي، لم يعد قيومجي موجوداً في البحرين، لكن الأرض ما زالت موجودة، ومازالت وثيقة ملكها باسمه.

سيستثمر خبرة الحركة الأولى في العاصمة المنامة، هناك سيعمق خبرت الحركة الواحدة، وسيتعلم كيف يضاعف من الحركة الواحدة في الأرض الواحدة خمسة أضعاف، فيصير كأنه باع أرضا واحدة خمس مرات، أو كأنه تحرك في خمس أراض، أو كأنه تجاسر بقوة خماسية، فكيف كان ذلك؟

في السبعينيات في فريق المخارقة، كانت هناك أرض مبنية مساحتها 1200قدم مربع، يملكها راشد أحد سكنة الرفاع، بعتها عصراً بـ 700 دينار، وفي اليوم الثاني دللت عليها فبعتها بـ 900 دينار، وظهراً أعددت التدليل عليها فبعتها بـ 1200 دينار، وقبل العصر كان قد شراها مني أحمد منصور العالي بـ 1800 دينار، وختمت اليوم بالبيعة الخامسة وكانت .2200 كان البيع على ورقة العقد فقط، ولم نكن نسجل، كان التوثيق في المحكمة القديمة، وحين أنهيت اليوم أحضرت المالك وأعطيته 700 دينار، وقد دهش حين سجلنا البيعة الأخيرة بثلاثة أضعاف عرضه. قلت له: هل ظلمتك؟ قال لا. لكن، كيف أمكنك أن تحرك السعر خمس مرات خلال 24 ساعة في أرض واحدة لا تتحرك؟

شيــخان

كان (المزعل) يحرك السوق، لكنه لم يكن يرفعه، كان التاجر الكويتي أحمد شيخان الفارسي هو المسؤول عن ارتفاع أسعار الأراضي في ذلك الوقت، والقانون البحريني كان يسمح للكويتي بأن يشتري ويتملك، وقد تميز شيخان بشخصيته المحبة لبناء المساجد في البحرين، وقد ربطته معرفة وثيقة بـ (المزعل) ويدعوه في العادة لحضور عزوماته الخاصة. وفي إحدى هذه العزومات في 1980 باعه أرضه التي اشتراها في 1974 بثلاثة آلاف دينار. طلبها شيخان بـ 150 ألف دينار.

انفتحت حركة الأراضي، وصار (المزعل) يبيع بسمعته، ويكسب بسمعته، ويدلل بخبرته، صار يطلبه الكبار، ويمنحونه ثقة التقييم ويعترفون له بخبرة لحظة البيع والشراء.

محرك السوق

بلغت حركة (المزعل) الشيخ محمد بن سلمان، فيرسل عليه المراسيل، حتى يصير من رواد مجلسه العقاري، كان الشيخ يطلب منه تسعير الأراضي، ويستشيره في البيع والشراء، ويعهد إليه بيع بعض أراضيه، ظل يطلبه مرتين في الأسبوع، فيذهب إليه بسيارته المرسديس السبعينية التي ظلت ترافقه إلى عهد قريب، لم يكن الهاتف قد انتشر بعد، فكانت نشرة أسعار السوق العقاري يذيعها بسيارته، مقابل فنجان قهوة و10 دنانير. حين طلب الشيخ من (المزعل) أن يوقف السوق، كان يوقفه، لم يكن له منافس في الدلالة، حين احتج أحد الدلالين الكبار على تفضيل الشيخ له، قال له: المزعل صادق وأنت كاذب. ظل المزعل يحكم تدينه في حركته في السوق، فكسب ثقة الكبار.

البعض كان يأتيه ليلاً ليحسم أمر صفقة فيها مستقبله التجاري، جاءه في إحدى الليالي السبعينية يوسف خليل المؤيد، ليسأله عن أرض مساحتها 600 ألف مربع ببربورة قرب نويدرات، فنصحه بشرائها، ففتحت له مستقبلاً متحركاً بالخيرات.

كانت تقديراته، يختصرها في (بع) أو (لا تبع)، ولم تخذله يوماً أمام الناس الذين كانوا يجدون فيه جهة تقدير الأرض والعقار.

كان الكبار يقرؤون المستقبل بتقديرات (المزعل) وخبرته في الحركة، لكن الصغار الفقراء لم يكونوا يقرؤون ولا يرون ولا يحلمون بمستقبل. مازال (المزعل) بحسه الديني الحريص على مصلحة من يتوسطه في الدلالة يتذكر بمرارة بالغة القسوة، كيف فرط هؤلاء بمستقبل أراضيهم وأبنائهم، كما فعل أحدهم بدولابه في سار، باعه وسافر لزيارة العتبات المقدسة، لم يسمع اعتراضاته، ولم يصغ إلى تقدير (لا تبع). فباع، والمفارقة التي أبكت قلب الدلال الجسور الذي صار فيما بعد مقاولا كبيراً يبني الفلل الفخمة، أن مناقصة بناء الدولاب وقعت عليه، وكان أحد العمال قد جاءه يوماً يستحث ذاكرته، فلم يذكره، فقال له: أنا ابن ذاك الذي باع هذا الدولاب يوم قلت له (لا تبع)!!
يطلق (المزعل) زفرة طويلة وهو يروي عشرات القصص التي تشبه هذه القصة، ويتبعها بلعنات غاضبة، وتجهيلات قاسية، ولا يسكته غير السؤال عن جزء آخر من قصته الجسورة بالحركة.

الأراضي هي التي صنعت تجار اليوم وجعلت من فقراء الأمس أغنياء اليوم، والأغبياء وحدهم من باعوا حيث كان التقدير يقول (لا تبع).

الفرائض

‘’الفريضة الشرعية هي الشهادة التي تصدر عن المحكمة الشرعية، وتبين نصيب كل من الورثة بمستحقه من التركة، أو عدد الأسهم التي له من إجمالي عدد السهم من الميراث، وفقا للشريعة الإسلامية’’.

كانت جسارة ‘’المزعل’’ في حركة الفرائض تبلغ حد أن يصفها البعض بالجنون، كان يشتري التركات من المزارع والأراضي من دون أن يكون لها وثائق ملكية، أي أنه يشتري أرضاً أو مزرعة من ورثة لا يملكون وثيقة تثبت ملكيتهم لهذه الأرض أو المزرعة، كان يغامر هو في حركته بين أروقة المحاكم، وذلك بعد أن يعمل فريضة للورثة، وينشط ذهاباً وإياباً بسيارته مع الشهود، جاهدا كي يستحصل حكماً من المحكمة تثبت ملكيتهم، غالباً ما كان ينجح في ذلك، ويكون قد كسب وأكسبهم، لكن هناك خمس حالات خذلته فيها جسارته وحركته، ثلاث حالات في سترة، وحالتان في شهركان، لكن لم تخذله الخبرة التي ضاعفت من تجربته ومعرفته بتاريخ الأراضي وحالاتها.

في إحدى المرات، بعد أن عمل فريضة للورثة عن أرض لهم بكرانة، وكسب القضية في المحكمة، وتناول مع الورثة عشاء الأرض، جاءته إحضارية، تفيد بأن الأرض ليست لهؤلاء الورثة، بل هي لجدة متنفذ في الحكومة، وعلى الورثة أن يدفعوا إيجار ثلاثين سنة من الاستخدام، المفارقة أن الشهود كانوا من كرانة.

في إثباتات الملكية ينفتح تاريخ يُروى لكنه لا يكتب، فالقوة واليد تفرض حيازتها للأرض، أكثر مما يفرض الحق والقانون والقضاء. و(المزعل) لديه معرفة تاريخية طويلة بالملكيات منذ بدأ في الستينيات يسجل الأراضي ويدفع بالناس لتسجيل أراضيهم وعقارتهم

الجهل العالم

‘’العلماء العلماء العلماء’’ هكذا تفسر تجربة (المزعل) الدلالية ضياع حقوق بسطاء الناس، وبقدر ما كان قريباً من العلماء الكبار، كان يختلف معهم وعنهم، منذ أن أصر أن يدخل بناته المدرسة ويكون شريكاً حقيقياً في بناء مدرسة للبنات في سترة. لم يجامل عمه لزوجته الشيخ إبراهيم آل مبارك، على الرغم من سطوته ومكانته في الثقافة الدينية في ذلك الوقت، كان يجادله بحجج من جنس حجج رجال الدين الكلامية وحين يضيق عليه بالحجة كان الشيخ يقول له: خذ عمامتي، فيرد عليه: لا أريد عمامتك أريد دليلاً.

كان يحاججهم بـ(مال خديجة) ويستنكر على علماء الدين إشاعة ثقافة الزهد والترفع عن استملاك المال والحرص على تنمية موارد الناس المالية، حتى بلغ الأمر بهم ألا يسجلوا ممتلكاتهم الثابتة. كان المزعل يعول على (مال خديجة) في فهمه للدين، لذلك كان متديناً (من الدين بكسر الدال) ولم يكن متديناً (من الدين بفتح الدال).


المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=60049)

Admin
23- 06- 2007, 23:00
:: لا تكلمهم إلاَّ رمزاً

الجمعة, 22 يونيو, 2007


"أوقفتني الساحرة وقالت لي: ليس الكلام في الكتب، الكلام في الناس". قاسم حداد

يحدثنا جبران خليل جبران عن مسافرٍ مشَّاء على طريق مدينة زاآد. يشهد حقل واسع على الطريق، فيستثيره أن يعرف شيئاً عن تاريخه. كلما مر عليه أحد من الجوار استوقفه يسأله عنه، فيجيبه جواباً مختلفاً عن الآخر، نافياً أن يكون ثمة تاريخ مرّ على هذا الحقل، غير التاريخ الذي يعرفه مما نقله له أجداده وآباءه. يتعجب المسافر ويتابع مشيه، حتى يجد طاعناً في السن، فيسأله: لقيت على هذه الطريق ثلاثة رجال يقيمون في الجوار، كل واحد نفى ما قاله الآخر، ويروي حكاية جديدة لم يذكرها الآخر! يرفع الشيخ رأسه ويجيب: كل واحد أخبرك في الحقيقة عما كان، لكن قلة من الناس يقدرون إضافة الواقع إلى الواقع، ليؤلفوا من ذلك حقيقة.

عندما مشى بروفايل مسافراً نحو ملف استملاك الأراضي، لقى في طريقه المتعثر حقول واسعة ومساحات. مساحات من الأراضي والكلام. كلام في الناس، لا في الكتب. لكن هذه الحقول هي مساحات ملغَّمة (نسبة إلى "عبارات ملغَّمة"، تلك التي يطيب لمدير تحرير الوقت رشاد أبو داوود أن يطلقها على عبارات بروفايل مازحاً)، لا تجيز لك تلك المساحات أن تشير لها إلا رمزاً، وكأن في فمك ماء.

كلما مشينا ميلليمتر حركة، أوقفتنا الأراضي، والحكايات التي في الناس. أوقفنا تاريخ استملاك الأراضي في قرية جد الحاج، ثم قرية الفارسية المندثرة. نسأل الناس الذين هم في الجوار والذين هم في ذات المكان، نسأل عن الأرض التي كانت، وعن البحر الذي كان، وعن القرية التي كانت، وعن النخل والعين والدالية والبستان والجوبار، وعن الإنسان الذي كان.

لم تتضارب الإجابات، كما حدث مع مسافر زاآد، ولم ينف بعضها بعضاً، ولم يرو كل واحد حكاية جديدة تخالف الأخرى. لم نسمع كلاماً يقول: "لم يكن هنا ثمة....". بل كلٍّ يقول: نعم كان هنا ثمة نخل، ثمة أرض، ثمة بستان، ثمة مُلك، ثمة وقف، ثمة قرية، ثمة إنسان.

الكلام الذي في الناس (لا الكلام الذي في الكتب)، يقول تاريخ هذه الـ(ثمّة)، وكيف تغيّرت إلى (ثمَة) أخرى، فغيّرت وجه المكان وتاريخ المكان وإنسان المكان.

كل إجابة توقفنا، تضيف من واقعها إلى واقع الإجابة الأخرى ما يُصْدِقُها، تضيف روايتها إلى تاريخ الرواية الأخرى ما يثريها، تضيف ماضيها إلى حاضر الأخرى، ما يؤلف من كل ذلك حقيقة خاصة. حقيقة ليست في الكتب، بل في الناس. حقيقة محفوظة في قلوب الناس لا في قوة الكتب. توقفنا هذه الحقيقة، كما أوقفت قاسم ساحرته. تقول "لا تكلمهم إلا رمزاً، ففي ذلك نعمة لهم، ورحمة عليك". لكنها من جهة أخرى تفصح بالرمز مثل اللغة، فحروفها كلها مكشوفة.

المصدر (http://buterfly06.jeeran.com/archive/2007/6/251237.html)

Admin
23- 06- 2007, 23:12
:: استملاكات القوة2

الجمعة, 22 يونيو, 2007


القرية الفارسية.. تفصح بالرمز مثل اللغة

أوقفتني فيبابها وقالت: إذا طرقت لن أفتح، وإذا فتحت لن تدخل، وإذا دخلت لن تصل، وإذا وصلت لن تعرف، وإذا عرفت لن تدرك، وإذا أدركت لن تنال، وإذا نلت لن أكون، فكل هذه الأبواب لا تفضي بك إليّ. قاسم حداد

لم يخطئها اسمها. فالفارسية قرية عجماء، منذ أن هجرها أهلها عام 1925م، مخلفين وراءهم بيوتهم وأراضيهم، مرتحلين إلى قرية المعامير القريبة. لا تنطق قرية الفارسية اليوم كلاماً. فقدت قدرتها على النطق منذ فقدت قدرتها على تجديد دورة الحياة فيها. منذ تحولت من أرض خضراء تضم حوالي 1900 نخلة، كما يصفها لوريمر( 1904م) في دليل الخليج، إلى أرض سبخة يابسة ودثار ميت. منذ تحولت من ظلٍّ غضٍّ كثيف، كما يصفها الحاج جاسم بن حسن بن عتيق "لم تكن الشمس تصل إلى الأرض بسبب كثافة النخيل، من يقف بين النخيل لا يرى الشمس"، إلى أرض جرداء قاحلة مشتعلة بالشمس.

تقف الآن عند باب قرية الفارسية المدثورة. تَطرُق فلا يُفتح لك. منطقة محظورة. وإن فتحتَ أنت، وإن دخلتَ، وإن وصلتَ، وإن عرفتَ، وإن أدركتَ، فستقف عند ما لن تناله. كل أبواب الفارسية، لا تفضي بك إليها إلا دثاراً، أثراً وحجراً وقبراً وشاهداً وركاماً وبقايا إنسان. يكلمك الدثار رمزاً وتكلمه تأويلاً. لم يبق من هذه القرية غير الكلام الذي في الناس. وحده الكلام الذي في الناس يحمل ذاكرة غير عجماء للقرية التي كانت ناطقة بالحياة.

§ التي كانت..

هي واحدة من قرى الساحل الشرقي للبحرين "التي كانت". تمتد على خط واحد مع باقي القرى الساحلية: العكر، المعامير، سابية، شبافة، سلبة، رأس سلبة، الفارسية، زويد، رأس زويد، رأس أبو جرجور، عسكر، ثم رأس حيان على التوالي. لم يبق من هذه القرى الآن غير العكر والمعامير وعسكر، أما باقي القرى، فهُجرت واندثرت وصارت تاريخاً.

جاء فيدليل الخليج، أن الفارسية تقع على الساحل الشرقي على بعد ثلاثة أميال من الرفاع. وجاء في عقد اللآل للتاجر، أن الفارسية تقع على الساحل الشرقي للبحرين في الطرف الجنوبي لمدينة المنامة. يحددها جاسم حسين بوصف أكثر عصرنة "تقع جنوب شركة نفط البحرين بابكو. يحدها من الشرق ساحل البحر وقرية سلباء المندثرة، ومن الجنوب قرية أبوجرجور المندثرة التي أقيم على آثارها محطة أبو جرجور لتحلية المياه، ثم قرية عسكر. أما جهة الشمال فتحدها منطقة سيبة وشباثة والمعامير. وفي غربها تقع منطقة زويد ثم شركة المنيوم البحرين ألبا".

§ لماذا فارسية؟

قيل في سبب تسميتها الفارسية خمس روايات: الأولى تنسبه إلى زوجة القائد الإيراني الذي بعثه نادر شاه ملك إيران للإستيلاء على البحرين ونهبها من يد البرتغاليين. دخل الجيش الفارسي (حسب المروية) من الساحل الشرقي. وأختار أن يقيم في هذه القرية. كانت زوجة القائد (قدمت معه إلى البحرين)، تمتلك سلطة ونفوذاً كبيرين على زوجها. لذا سميت بالفارسية.

الرواية الثانية تنسبها إلى إمرأة فارسية تزوجها أحد أبناء المنطقة، فكان أهل القرى المجاورة يلقبون عيالها بأبناء الفارسية، فتعارف الناس على تسميتها بمنطقة أبناء الفارسية.

الثالثة ترجع أصول سكان هذه المنطقة إلى بلاد فارس. وترجعها الرابعة لعبد الله بن فارس، أول من سكنها، تصفه المروية أنه كان فارسا شجاعا، وقد وفد الناس إلى المنطقة وسكنوا بجواره ليحتموا به من قطاع الطرق والمجرمين.

الخامسة تنسبها للفرسان المرابطين. قيل أنها كانت ثغراً لهم. يعود ذلك لقربها من قرية عسكر التي كانت معسكراً لجنود عبد الملك بن مروان، كانت الثغور موزعة على طول الساحل. وكان تمركزهم في الفارسية، فكانت التسمية نسبة إلى الفرسان. ولا يزال حتى اليوم يطلق على أهل الفارسية لقب "الفراسنة".

تتعدد المرويات هنا، لكن ليس لينفي بعضها الآخر. بل ليكمله. القوة حضور مشترك في معظم هذه المرويات رغم اختلاف أسمائها. هي مرة قوة الفرس، ومرة قوة بني مروان، ومرة قوة القراصنة وقطاع الطرق والمجرمين. كلّ هذه القوى، هي نماذج لمحاولات الاستملاك المستمرة للبحرين عبر الأزمنة المختلفة.

§ جنّة الخوف..

تمتلك الفارسية ساحلاً رملياً نظيفاً له شهرة واسعة. غنيا بأنواع السمك. يرمى الصيادون الشبك فيمتلئ سمكاً. يمتد ساحل الفارسية من قرية سلبا شرقا الى حدود قرية ابو جرجور. كانت سفن الغوص والقوارب ترسوا فيه كلما عبرته. "كأني أراه الآن في ذاكرتي الصغيرة. ساحل رملته ناعمة نظيفة. تقف النخيل قريباً من الساحل. كأنها تطل عليه. يهيج الماء فيصل الموج إلى أسوار المزارع. يدغدغها ببياض زبده، ثم ينسحب عائداً نحو بياض البحر" الحاج جاسم بن حسن. كباقي قرى البحرين الخضراء، الساحلية منها على وجه الخصوص، تبدو الفارسية مصيفاً.

اعتاد أهل القرى النزوح نحو السواحل في الصيف.

ربما كان الساحل الذي جعل من الفارسية جنة خلاّبة، هو عينه ما جعل منها مكاناً غير آمن تتهدده القوة. كانت القرى الواقعة على الساحل الشرقي دائمة التعرض لأعمال القرصنة حتى بدايات القرن العشرين. المقيم البريطاني دوّن في وثائقه ملاحظات تشير إلى وقوع أعمال قرصنة تشكل تهديدا مستمرا للبحرين لاسيما الذين يقيمون قرب السواحل القريبة من الزبارة. هذه التهديدات جعلت الفارسية مكان خوف لا مكان أمن. في كتاب حاضر البحرين يشير الشيخ ابراهيم المبارك إلى أنه "يوجد من الفارسية أناس متفرقون في بلدان البحرين هرباً منها، وذلك لبعدها عن القرى العامرة، فلا يزالون في خوف من تهجم اللصوص".

يروي (الفراسنة) عن آبائهم وأجدادهم، حكايات القرصنة القادمة من البحر والسواحل القطرية. كان أهل الفارسية يعملون في الزراعة وإذا انتهى موسم الزراعة يعملون في صيد السمك ثم الغوص. يغيب الرجال ولا يبقى غير النساء والأطفال. تكثر أعمال النهب والسرقة والقرصنة أثناء فترات الغوص. تتسلل السفن والقوارب للسواحل المجاورة، ويقوم أصحابها بسرقة المال والتمر والماشية.

§ جنّة الماء..

في دليل الخليج، يشير لوريمر( 1904م)، إلى أن الفارسية كانت أرضا خضراء تضم حوالي 1900 نخلة، وجميع أهلها يعملون في الزراعة، ولديهم خمسة حمير، وخمسة من الماشية (الأبقار، وأنهافي عام 1895م، كانت تضم ثلاثين كوخ وبرستج. ويذكر أن خالد بن علي آل خليفة حاكم جزيرة سترة وقراها (عشر قرى)، كان يملك بيتا في الفارسية وكانت الفارسية ضمن القرى التابعة لجزيرة سترة . يحكمها خالد بن علي شقيق حاكم البحرين آنذاك عيسى بن علي آل خليفة.
للفارسية عيون كثيرة. عيونها قريبة من سطح الأرض. وكأن أرض الفارسية الخصبة بالزرع والماء، كانت تفتح ماءها وتدعوك لتستنبعها. "من أراد الماء، ليس عليه سوى أن يحفر الأرض أمتاراً قليلة فقط، فينبع الماء العذب بين يديه". الحاج حسن العازمي (مواليد1943).
أشهر تلك العيون، هي عين الفارسية الكبيرة. تمد هذه العين أذرعها أنهاراً. فيصل ماؤها إلى القرى المجاورة مثل قريتي زويد وسابية. تسقي العين الفارسية زرع هذه القرى ونخلها. ماؤها المعدني بارد في الصيف وساخن في الشتاء. يخرج منها الدخان والبخار لشدة سخونتها. تهيئ العين الكبيرة الناس للسباحة حتى في أشد الأوقات برودة. "كنا نتدفئ بالاستحمام في العين شتاءً". الحاج حسين القصاص(عاصر سنة الطبعة).

§ قوة العين..
تجف عيون القرى المجاورة، وتبقى عين الفارسيةمقصداً للناس ومشرباً وُسقيا. يهجر الفراسنة قريتهم في عام 1925 إثر استمرار تعرضهم للهجمات من القراصنة وقطاع الطرق والمجرمين والسرّاق وأصحاب القوة. يجفّ الناس عنها فتصير خالية من الانسان، وتبقى عينها صامدة بالماء. تنبع العين من الأرض. الأرض قوة تبقى رغم كل شيء. تريد العين أن تقول كلمتها، أن تفصح عن معناها. يتردد أهل القرية على أرضهم وأملاكهم بين حين وحين. تشير لهم الفارسية بعينها، فيقفون عندها، يكلمونها عن فعل القوة، فتكلمهم عن فعل الماء. يتزودون. يسبحون. ثم يعودون، وكأنهم يأتون ليستمدا من قوة العين قوتهم للبقاء. لعل هذه القوة هي ما جعلتهم يعمرون قريتهم الجديدة التي سمّيت فيما بعد بالمعامير. بقى الناس يترددون على عينهم (عين الفارسية) حتى تم انشاء شركة بابكو بعد عشر سنوات من نزوحهم 1935م. "كنت طفلاً أرافق بعض عائلتي وهم يترددون على قريتهم الفارسية، كانوا يذهبون لمزارعهم ونخيلهم في فترات متقطعة، أذكر أني أكلت من رطبها، لكنهم انقطعوا عن زيارتها بسبب بُعدها، وتكرار سرقة تمورها، وتخريبها المتعمد". الحاج جعفر بن عتيق.

§ استسلام العين..
بعد انشاء شركة بابكو تقوم بحفر عين كبيرة وعميقة، فتسحب هذه أغلب مياه العيون القريبة. ستؤثر عين بابكو على عين الفارسية الكبيرة وباقي العيون الصغيرة المجاورة لها. ستجعلها تستسلم للجفاف بعد سنين طويلة من مقاومة الموت. كما ستؤثر على زرع الفارسية والحياة الطبيعية فيها. بقت الحياة الطبيعية في الفارسية تقاروم حتى سبعينات القرن المنصرم. لكنها أخيراً استسلمت للموت. يُروى أنه بعد إنشاء بابكو، قام الحاج عبد العزيز العازمي بحفر بئر عميقة في مزرعته. لما وصل إلى الماء وجده ملوثاً بالكبريت. فلما أن استخدمه لزرعة تأثرت النخيل والزرع.

ضعفت عيون الفارسية، وبقيت ضعيفة مدة من الزمن، إلى أن بنت الحكومةمحطة أبو جرجور حيث حفرت تسعة آبار ضخمة جنوب الفارسية لتزويد المحطة بالمياهالجوفية. فكان هذا المشروع سبباً آخر لجفاف عين الفارسية والعيون المجاورة. بقاء العين مهملة بعد رحيل سكان الفارسية كان سببا رئيساً لموتها أيضاً.

أما عن بيوت الفارسية ومقبرتها، فقد لشركة ألبا دور كبير إتلاف مساحات واسعة منها. حيث شقت طريقاًً لبناء جسر يمر وسط القرية ليصل الى حالة أم البيض. قامت الجرافات والآلات بجرف أجزاء من المنطقة، فاختفى الكثير من أثار القرية ومعالمها.

§ خفقة بن حرز
ليست أعمال القرصنة وحدها هي سبب نزوح أهل الفارسية وهجرهم لأرضهم. يستحضر معمّري الفارسية حكايات حول نشوب خلافات قبلية وطائفية مع القبائل الوافدة على الساحل الشرقي آنذاك، وتضرر أهل الفارسية منها. غياب قوة القانون تستحضر قوة من نوع آخر. قبل الانتقال إلى الطور البيروقراطي عام 1923، كانت الأمور غير مستقرة في مختلف قرى البحرين. الذاكرة الجمعية التي في الناس لا تلك التي في الكتب، تروي عن سيطرة بعض أصحاب القوة على المناطق الغنية بالماء والزرع والنخيل.

في قرية الفارسية قام هؤلاء (البعض) بالاستيلاء على الأراضي والمزارع والنخيل بالقوة. يلجأ المزارع الفقير إلى استئجار الأرض مقابل إعطاء صاحب القوة أغلب خراجها من التمر وباقي المحاصيل. كثيراً ما كان المزارعين وأبناءهم يعملون في أراضيهم التي استولى عليها صاحب القوة، مقابل مال قليل أو محصول زهيد.

تستحضر ذاكرة (الفراسنة) حكاية الحاج عباس بن حرز. تذكر أنه استأجر أرضاً من أحد أصحاب القوة الذين استملكوا أرضاً في الفارسية. في نهاية كل عام عليه أن يسلّم (صاحبها) ستة عشر جلة (160 كلة تمر). في إحدى السنوات قل المحصول. أنتجت الأرض حوالي عشر جلات ( 100 كلة تمر). جاء المتنفذون ليستلموا التمر. اعتذر إليهم بن حرز عن قلّة محصول العام. لم يُقبل عذره واتُهم أنه خبأ باقي التمر أو سرقه. وثِّق بن حرز بالحبال وسحبته الخيل. بقت الخيل تجره على طول المزرعة ليعترف أين خبأ التمر. أحد الأحصنة قام برفس بن حرز في صدره. بقت هذه الرفسة علامة في صدر بن حرز طيلة حياته. تركت الرفسة أثرها خفقة في صدره لم يمحوها الزمن. كما لم يمحوها من ذاكرة الأهالي ومروياتهم.

§ الواقعة الأخيرة..
أما الحادثة الأخيرة، والتي نزح على إثرها آخر من تبقى من أهالي قرية الفارسية، فهي وقعة مقتل الحاج محمد بن يوسف بن قمبر، والحاج عبدالله بن عتيق.

يُروى أن للحاج محمد قطعة أرض تجاور أخرى يملكها أحد أصحاب القوة. زعم الأخير أن الحاج محمد يسد مجرى النخل عن نخله. النهر يمتد من عين الفارسية الكبيرة إلى نخلهما معاً. هجم الأخير مع بعض رجاله على بيت الحاج محمد (برستج)، فتعارك معهم الحاج محمد باليد، وكان عتيداً سريع الغضب. تجمع عليه الوافدون، فوثقوه بالحبل وسحبوه إلى بيت والده وقتلوه أمامه. أما الحاج عبد الله بن عتيق، فقد كان نائما وأيقظته زوجته، فخرج ليستطلع الحادثفأطلقوا عليه النار وسقط ميتاً قرب بيته. وكان أخوه علي قد لحق به فأطلقوا عليه النار أيضاً. لكنه أصيب في رجله وكتفه. نقله على إثرها إثنان أهل الفارسية على حمار للمستشفى الامريكي في المنامة، وهناك تم إخراج الرصاص ومعالجته. شهد هذه الواقعة ابن الحاج عبدالله بن عتيق وكان اسمه محمد وعمره 10 سنوات حينها (مواليد 1915)، فبقت تفاصيل هذه الحادثة قابعة في ذاكرته الصغيرة، لم تفارقها حتى فارقت روحه الحياة. كانت هذه الحادثة آخر الوقائع التي جرت في الفارسية. بعدها هجرها أهلها وتفرقوا في القرى المجاورة.

هاهي القرية الفارسية إذن، توقفنا فيبابها وتقول: إذا طرقت لن أفتح، وإذا فتحت لن تدخل، وإذا دخلت لن تصل، وإذا وصلت لن تعرف، وإذا عرفت لن تدرك، وإذا أدركت لن تنال، وإذا نلت لن أكون، فكل هذه الأبواب لا تفضي بك إليّ. لا تفضي لنا أبوابها عن القوة التي استملكتها. ولا عن الأقدام التي أضاعت معالم خريطتها. ولا عن المسح الذي لم يسجل الحياة فيها كيف كانت وكيف صارت. ليست تخبرنا الفارسية عن وثائق أراضيها كيف ضاعت أو طمرت أو أُخفيت. ليست تكلمنا هذه القرية إلاّ رمزاً. لم يبقى غير الرمز والكلام الذي في الناس.

هامش هام:
جميع المعلومات غير الموثقة، والمقابلات، مأخوذة بتصرف، من دراسة توثيقية غير منشورة، أجراها الباحثالشاب جاسم حسين إبراهيم آل عباس من قرية المعامير. تتناول هذه الدراسة تاريخ قريتي عسكر والفارسية. الشكر الجزيل لصاحب الدراسة على الثقة التي منحها بروفايل، بما قدم من مادة ثرية، وبما سمح بالاستفادة من كافة المعلومات والصور التي تضمنتها دراسته، رغم عدم نشرها حتى الآن.

المصدر (http://buterfly06.jeeran.com/archive/2007/6/251236.html)

Admin
23- 06- 2007, 23:15
جاسم حسين.. رحلة استنطاق الفارسية
الجمعة, 22 يونيو, 2007


"لأني مهتم بالكتابة المسرحية والسينمائية، ولي كتابات سابقة في هذا المجال، فقد بدأت الفكرة عندي بالرغبة في عمل فيلم وثائقي عن قرية المعامير. كان ذلك في العام 2003. أردت أن أتناول تاريخ قرية المعامير وأصول سكانها. لكني اصطدمت بالمادة المرجعية، لم أجد تاريخاً موثقاً أستند إليه. الكتب المتوافرة لا تقدّم سوى معلومات مقتضبة تكاد لا تقول شيئاً. لم يقل الكلام الذي في الكتب ما يكفي، فذهبت أبحث عن الكلام الذي في الناس".

الباحث جاسم حسين ابراهيم آل عباس، شاب في بداية العقد الثالث من عمره. نشأ في قرية المعامير، لكن أصول عائلته تعود إلى قرية عسكر. مهتم بالتاريخ، والتاريخ البحريني على وجه الخصوص، يستهويه البحث والتنقيب واكتشاف الآثار. عندما سُجن في العقد التسعيني المر لمدة أربع سنوات تقريباً (95-99)، كانت قراءة كتب السير والتاريخ هي ما يشغل معظم وقته، وكذلك كتابة المسرحيات والأفلام. عندما بدأ بحثه عن قرية المعامير التي تعود أصول سكانها إلى قريتي الفارسية وعسكر. حيث نزح سكان هاتين القريتين إلى قرية المعامير إثر هجرهما لقراهما. وجد جاسم ضرورة البحث عن تاريخ هاتين القريتين. "لا يمكن الحديث عن تاريخ المعامير دون الرجوع إلى تاريخ الأصول المكونة لها". مع البحث وجد جاسم نفسه يسقط في هاتين القريتين. كان سقوطاً لذيذاً له غوايته الخاصة. أسلم جاسم نفسه بين يدي غوايته أكثر. فتحولت مقدمة كتاب المعامير إلى كتاب آخر عن الفارسية وعسكر.

"ذهبت أسأل الناس، فوجدت التاريخ محفوظاً في قلوب الشيوخ والمعمِّرين. بعضهم من الجيل الأول الذين نزحوا إلى المعامير، وبعضهم من الجيل الثاني الذي أخذ الكلام عن آبائه. خشيت أن يموت هؤلاء فتموت معهم الحقيقة وتختفي. كان لا بد أن أنزح إليهم واحداً واحداً. وهكذا فعلت. جلست إلى كل من استطعت الوصول إليه. كان تحصيل الكلام صعباً في البداية. جاء هؤلاء إلى المعامير محمّلين بإرث الخوف. كانوا يتهيبون الكلام. بقيت أتلقف الكلام من كل طرف وأصله بالطرف الآخر. أجمع ما يبعثرون. أكمل بواحدهم ما ينساه الآخر. كان البعض يستحث الذاكرة على استحضار التاريخ والحدث. معظم من جلست معهم ماتوا اليوم. لكني أحتفظ بتصوير كامل لكل لقاء. قررت أن أجعل من هذا الكلام كتاباً. أن أحفظه للتاريخ".

في محاولته الأولى لزيارة الفارسية، للتعرف عليها، وجدها منطقة محظورة، وحين تحصل على تصريح بالدخول (بعد شهر ونصف)، راح يبحث عنها دون أن يتمكن من تمييزها ومعاينتها بالتحديد. في الزيارات الميدانية الأولى كان الأولى كان جاسم يرد قرية زويد (غرب الفارسية) على أساس أنها الفارسية. " استعنت بأحد كبار السن، ممن كانوا يترددون على الفارسية في السبعينات، وهناك أراني حدودها، فعرفت أني كنت أني كنت أزور المكان الخطأ. دلني على مساجد الفارسية وعينها، ثم بعد تنقيبي الخاص، اكتشفت المقبرة وباقي الأماكن التي تناولتها في دارستي، كما عثرت على بعض العملات والأواني الفخارية". لم ينشر جاسم دراسته بعد، لكنه يعمل على نشرها قريباً.

المصدر (http://buterfly06.jeeran.com/archive/2007/6/251235.html)