PDA

عرض كامل الموضوع : الإسلام ليس جلاداً يبحث عن الانتقام


Admin
05- 07- 2007, 07:33
ضياء الموسوي

لا أدعي الكمال في أطروحاتي، وإني شخص يسعي الي نقل ثقافة الحياة بدلا من ثقافة الموت الى المجتمع.

كل ما في الأمر، أني أحمل أملا يقوم على ايجاد ثقب في جدار اليأس، أملا في زراعة وردة تفاؤل خلف الجدار لهذا الشباب العربي المخطوف نحو الموت والعدمية وكراهية الحياة.

خلال كتاباتي في صحيفة الراية القطرية وطرح بعض الآراء الجريئة، تلقيت صورا مختلفة من ردود الفعل، بين من يلقي علي المقالات القبلات المعطرة والورود، وبين من يلقي عليها الحجارة والرصاص الحي، بين من يعتبرها تقدم مساجا لأكتاف الغرب، وبين من يراها تقدم صورة مشرقة للاسلام المستنير.

بعض من الشيعة يعتبرها صورة ظلامية والبعض يراها تفتح آفاقا في فضاء المعرفة، وهناك من السنة من يعتبرها جميلة، ولكنها ملبسة بلباس التقية . هذه التهمة النمطية التي تلاحق أي كتابة، ولو كانت قد تؤدي باصطدام الحروف بالسكاكين والموت .

في كل الظروف، هناك مشانق معقودة لشنق مثل هذه الحروف السابحة عكس التيار. هناك من يراهن على كسر المجاديف، لكن رهاني علي زراعة وردة على حد السكين مهما تمزقت الحدائق واستبدلت الورود بأسلاك الكهرباء.

كثير من الناس يرونها تحاول أن تعيد طلاء بعض الصورة المرعبة التي قدمها بعض "الاسلامويين" عن الإسلام، من انه عفريت يريد الانتقام من كل ماهو جميل وبعض يراها تسبح عكس التيار بحثا عن الأضواء والمكياج.

بعض يراها تلبس ثيابا تنكرية لتتنقل علي ورق جريدة الراية صباح كل ثلاثاء وبعض يري في حروفها ورودا جميلة لا يمكن أن تصمد في عالم عربي حرارة صحرائه ما زالت تلاحق ورقات الندى، ولا يمكن أن تقبل بالتغيير والجمال وبناء الحديقة في عالم يبحث عن السوط والكرباج.

كل ذلك لا يهم، فأنت ككاتب لن تستطيع ان ترضي الجميع . فهناك قوم لو وزعت عليهم كل صباح أكوابا من العسل والفستق لن يرضوا عنك لإيمانهم بأن الحقيقة ابنتهم وهي إن ولدت من غيرهم لا تولد إلا سفاحا. وهناك قوم لو أنك كتبت أمورا تافهة فسيرون فيها حروفا نبوية تنضح قداسة. لا هؤلاء ينفعون الواقع ولا أولئك.

نحن نبحث عن الموضوعيين الذين يعترفون بالايجابيات وبالسلبيات. وهم قلة في عالمنا العربي. فمن الصعب أن تحب وتكون منصفا كما أنه من الصعب ان تكره وتكون منصفا.

أقول: كل ذلك لا يهم المهم ان نزرع وردة علي حد سكين اليأس. المهم أن نصرخ في وسط صحراء التصحر العربية لنقول هناك كتاب ومثقفون يستطيعون ان يقولوا كلمتهم خارج إطار الزنزانات المؤدلجة وخارج إطار ثلاجات الأحزاب والمذاهب والقوميات التي تخزن عقول أبنائها بحثا عن التعصب والقطعيات الشوفينية لرسول يقول: "المؤمن مثل النحلة لا تأكل إلا طيبا ولا تضع إلا طيبا". اليوم المؤمن أضحي لايأكل إلا عنفا ولا يضع إلا متفجرات ناسفة. بعض الشباب المؤمن اليوم لا يؤمن بالموسيقي ويكره الفن والحياة ويكره الأناقة والرياضة والتمتع بالحياة ولو بالحلال. هذا ما يقوم به بعض شبابنا تحت يافطة الخوف. ونحن مهما كتبنا عن التسامح ستبتلعه الأرض العربية بسبب يبس التصالح مع الواقع.

أقول لكثرة ما أقرأ في عيون الناس من كراهية للحياة وكراهية لكل شيء جميل. شباب في عمر الزهور تخوفهم موسيقي هادئة علي دينهم!!
يخاف من تمثال صغير ملون من أن يحرف أمة بأكملها!
يخشي على الشباب من الذهاب الي "كوفي شوب" صغير بحجة عدم دخول الملائكة وتفقيس الشياطين بيضها في كل إناء وكوب!!

يستوقفني شباب في عمر الزهور يسألونني لماذا تحاول أن تقرب الناس من الدنيا؟ لماذا كتاباتك تحبب لنا الدنيا؟ ويأتي ذلك في سياق الغضب والحزن والشفقة علي كتاباتي!!

بعضهم رأى عندما كتبت عن الموسيقي أن في ذلك تطاولا علي الاسلام الأصيل، الذي هو بالطبع إسلامهم الحزبي الخاص. وبعضهم يري في الاعتراف ببعض إيجابيات الغرب دعوة للأمركة والتغريب والترويج للإلحاد والعلمانية!!

يرى بعضهم في دعم المجتمع المدني مؤامرة علي الدين، والدعوة لحب الوطن طريقا الي التعصيب الشوفيني الخ.. ماذا تقول لشباب كهذا؟ غسلت أدمغتهم فما عادوا يرون إلا الجهاد بالعنف، ولا يعلمون ان أكبر جهاد نعيشه اليوم هو الجهاد الاقتصادي والمعرفي والمدني. نحن بحاجة الي جهاد مدني عصري يتعاطى بلغةأكبر جهاد عندما نغزو الفضاء ونعرف عظمة خلق الله وسرا من أسرار كونه.

أعظم جهاد نعيشه، عندما نقوم بالاكتشافات والاختراعات لا أن نقوم بنسف كل العقول المبدعة تحت حجة التحريم والزندقة والفسق!!

هذه لغة ما عادت تنتج إلا الخراب والفتن في الأوطان، وهي تكره هذا الإسلام الجميل في عيون الجميع. يرون في الدعوة للأناقة تمردا علي الحشمة. يرون في الدعوة الى تمكين المرأة طريقا الي تمردها علي زوجها وأسرتها!!

أقول لبعضهم: لقد أدخلنا الدين في كل شيء حتي بات شبابنا يبحث عن سيارة إسلامية وطائرة إسلامية. ما نعيشه من ثقافة متوترة لا تجدها في أي دولة غربية.

أكثر الشباب الغربي منشغل بالترفيه عن نفسه والبحث عن المرح ونحن شبابنا يستلمهم السياسيون طيلة الاسبوع من مظاهرة الي اعتصام ومن قضية الي أخرى، ومن كآبة الي حزن، ومن توتر الي توتر اكبر حتي في عطلة الاسبوع، يستلمونهم بمحاضرات تحقر الدنيا وتكره الحياة وتحبب الموت والقتل. هذه الثقافة ترسخها كثر صلوات الجمع في العالم العربي؛ فلا تتحدث الخطب إلا عن أهوال يوم القيامة، ولا نسمع عن الجانب المشرق من الحياة الذي ملأ منه الله الكون وكأنما لم يخلق الانسان إلا كي يقهر ويذبح ويعذب ويموت. هذه التربية لا تنتج سيكولوجيا إلا شباباً مشوها في الأخلاق، كارها للحياة حاقدا علي نعيمها.

هذا التدين الخاطئ هو وراء إحباط كثير من شبابنا المسلم. كم من شاب أدخل الي المستشفيات العقلية بسبب هذا الهوس المؤدلج، لأنه لا يوجد في مسلسل حياته شيئ اسمه ترويح عن النفس، او ضحك وأنس، ورحلات جمال او استجمام او أناقة، وكأنما خلقه الله ليعذبه في الدنيا!

هذه قراءة خاطئة للدين فالدنيا أولى بها أبرارها لا فجارها. والإيمان هنا هو الايمان العملي، المتمثل في مدى عمق إنسانية هذا الانسان، ومدي خدمته لأخيه الانسان. فأقرب الناس الي الله أنفعهم لعياله.

السؤال: ماذا اخترع المسلمون اليوم للانسانية والحضارة الانسانية وماذا اخترع الآخرون؟ ماذا قدمنا وماذا قدموا؟
نحن بحاجة الي إعادة النظر في قراءتنا الحياة، فهي نظرة وحشية بوليسية لايمكن أن تقوم علي الرصاص والعسكر. ان الثقافة الميلشياوية لا يمكن أن تنجب شبابا مخترعين، يقدسون المعرفة والثقافة.

العسكري قليلاً ما يعقد زواجا مع الثقافة، وإذا أنجب أبناء لا ينجب إلا مشوهين ساديين للمعرفة. ليس كل عسكري وإنما من يرى في الثقافة طريقا للفوضي.

أعتقد أنه أن الأوان أن نعمل على تغيير ثقافة شبابنا العربي فليست الحياة كلها سياسة وأحزابا ومظاهرات وحروبا وتشنجات سياسية. الحياة أعظم من ذلك ولك أن تعيشها بالأبعاد الأخرى.

شبابنا غير عائش، هو يموت بسبب هذه السجون الحزبية المؤدلجة التي تنقله من وضع بائس الي وضع أكثر بؤسا وتراجعا وضياعا.

يا خطباءنا، أكثروا من الخطب التي تحبب لشبابنا حب الحياة وتقديس الحياة والمرح المتزن فيها.

ان الإسلام أعطى الشباب فسحة من الحياة لا تضيعوها عليه بكثرة الكتب التخويفية التي تحول الدين الى جلاد منتقم حاقد لا يبحث إلا عن الانتقام من هذا العبد وكأنه يتمنى ان يخطئ كي ينتقم منه.


المصدر (http://www.alarabiya.net/views/2007/07/04/36186.html)