Admin
06- 07- 2007, 18:41
*** فرسان الوحدة في مشاريع النضال الوطني ***
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2002/9/25/1_115787_1_3.jpg
تبذل الحكومة الهندية هذه الايام جهودا لاستعادة الرسالة الأخيرة التي كتبها المهاتما غاندي قبل وفاته بعشرين يوما، قبل ان تعرض في مزاد علني تقوم به شركة كريستيز الشهيرة قريبا في لندن. الرسالة كتبها غاندي في 19 كانون الثاني (يناير) 1948 الي احدي الصحف الهندية، يدعو فيها الحكومة لمزيد من التحمل والتسامح ازاء المسلمين في الهند. وبعد أقل من ثلاثة اسابيع خر غاندي صريعا برصاص اطلقه متطرف هندوسي، انتقاما منه لسياساته المعتدلة ازاء التعايش بين الهندوس والمسلمين. الرسالة ليست طويلة في محتواها، ولكنها كبيرة في رسالتها، وتعكس الروح الكبيرة التي كان يتمتع بها الزعيم الهندي. وهكذا هم كبار الرجال المصلحين.
فهم لا يسعون لقيادة مجموعة صغيرة من البشر تتناحر مع الآخرين، وتمارس سياسة الاقصاء والاستعداء تجاه من لا يوافقها الرأي ولا يشاطرها الدين، بل بعملون لوحدة الامة التي يقودونها، ويوجهون طاقاتها نحو العطاء والبناء، بعيدا عن الفتنة والتصدع الداخلي. رسالة غاندي شهادة حية علي عظمة الرجل وعقله واطروحته التوحيدية. فبعد ستين عاما علي اغتياله، ما تزال القضية التي قدم حياته من اجلها تحاصر الساسة ورجال الدين ليس في بلاده فحسب، بل في الكثير من بلدان الدنيا. فالهند ما تزال بين الحين والآخر تتموج برياح الفتنة الدينية، فيهدم مسجد اسلامي هنا، ويفجر قطار يحمل الهندوس هناك، في سمفونية حزينة من الاقتتال الداخلي الذي لا يخدم هدف الهند التي اراد لها مؤسسوها ان تكون نموذجا للتعايش والديمقراطية. ذلك البلد الذي تمرد ضد المحتلين البريطانيين وحقق انتصارا تاريخيا بقيادة غاندي، أصبح بعد ذلك مشغولا بتوتر ديني سرعان ما ادي الي انفصال شطر كبير منه، ليصبح هناك وطن للمسلمين في باكستان. لكن روح التشطير لا تتوقف عند حدود، فاذا بالمسلمين انفسهم ينقسمون بعد ذلك علي اسس عرقية في اثر حرب طاحنة في 1971 بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية. وفي أقل من ربع قرن من الزمن ينقسم المسلمون الي عرقين يقطنان في باكستان وبنغلاديش. ان عقلية التمزق والانقسام، اذا ما تعمقت لدي القيادات الحزبية والفئوية، تصبح داء مستعصيا يدفع اصحابه الي استمراء حالة التمزق والانقسام والانفصال، علي اسس تتغير حسب الظروف والاهواء: سياسية وحزبية وعرقية ودينية ومذهبية.
فهل النضال ضد الاحتلال يؤدي بشكل تلازمي الي التفتت؟ في الاسبوع الماضي صدر عن معهد بروكينغز في واشنطن تقرير كتبه مايكل اوهانلون، الباحث في دراسات السياسة الخارجية بمركز سابان لسياسات الشرق الاوسط، قال فيه ان الوقت الذي يصبح فيه العراق أكثر أمنا عن طريق تشطير خفيف ربما أصبح علي الاعتاب. ويمضي التقرير للقول: ان التشطير الخفيف يعني قيام العراقيين بدعم من المجموعة الدولية، بتقسم بلادهم الي ثلاثة أقاليم أساسية... يقوم كل منها بمهمات الامن والحكم، كما هو الحال في كردستان حاليا . ويقول كاتب التقرير ان هذا الخيار هو الافضل اذا ما قورن ببقية الخيارات: ان تحقيق هذا الكيان قد يكون صعبا وينطوي علي مخاطر، ولكنه اذا قيس بالخيارات البديلة: الاستمرار في الاشراف علي الحرب المذهبية العرقية، او الانسحاب والسماح للخلاف بالتصاعد، فان مخاطر هذا التقسيم تبدو أكثر قبولا ويمضي الكاتب لتبرير هذا الطرح الذي يقول انه اصبح من حقائق الواقع خصوصا بعد تفجير مسجد العسكريين في سامراء في شباط (فبراير) 2006. وليست هذه المرة الاولي التي يطرح فيها مشروع تقسيم العراق، ولو اجريت دراسات علمية لبحث اصول ذلك التفكير، لاكتشف ان تقسيم العراق ربما كان الهدف الاول من وراء الحرب التي شنها التحالف الانكلو ـ أمريكي في 2003. هذا الهدف لم يطرح بصوت عال، شأنه شأن الاحتلال الطويل الأمد الذي عبر عنه الشهر الماضي، وزير الدفاع الامريكي الحالي، روبرتس غيتس، عندما قال انه يتوقع بقاء القوات الامريكية في العراق خمسين عاما علي الاقل. وقارن اوضاع العراق الحالية باوضاع كوريا واليابان والمانيا، التي ما تزال القوات الامريكية ترابط فيها بعد اكثر من ستين عاما علي الحرب العالمية الثانية وخمسين عاما علي الحرب الكورية. كما لم تتطرق الولايات المتحدة وبريطانيا عندما صممتا علي الحرب الي قضية النفط والرغبة في وضع اليد علي أكبر مخزون نفطي في العالم، حسب آخر التقارير. وما قانون النفط الذي يضغط الامريكيون علي الحكومة العراقية لاقراره الا دليل آخر علي سوء النوايا والخطط البعيدة المدي لدي القوتين الاساسيتين في الحرب.
قرار الوحدة او التشطير، كما يبدو، ليس بأيدي ابناء الوطن الواحد، كما يبدو من تجربتي الهند والعراق، ومعهما فلسطين. هذا القرار، وفق معطيات هذه المحطات الثلاث، محصور بأيدي المحتلين الذين يسعون باستمرار لتحريك عوامل الفرقة والشتات، مستغلين النقاط الرخوة في الانتماءات العرقية او الدينية، ومستفيدين من العناصر التي يمكن استغفالها بسهولة وتجنيدها، بوعي او بدون وعي، لتنفيذ مخططاتها. وهل من قبيل الصدفة ان يعلن عن وفاة السياسي المصري في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كشف الموساد الاسرائيلي انه كان يعمل جاسوسا لديه؟ وفي الاسبوع الماضي شنت الصحافة الاسرائيلية هجوما علي اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لكشفها هوية هذا الجاسوس، متسائلة عن جدوي هذا الكشف عن العملاء، وما اذا كان ذلك سوف يصعب مهمة تجنيد المزيد منهم مستقبلا. فمن هو الوطني ومن هو الجاسوس؟ ومن الذي يعمل لتحقيق وحدة الاوطان؟ ومن الذي يسعي لتفتيتها؟ وهل حقا ان من يحمل السلاح ضد المحتلين وطني حقا؟ ام ان حمل سلاح المقاومة قناع لاخفاء الهوية احيانا؟ لا نقول ذلك من اجل التشكيك في المناضلين والمقاومين والوطنيين، لان ذلك التشكيك انما يصب في مصلحة قوات الاحتلال، ولا يخدم مشروع التحرير والاستقلال والحرية الذي يعمل الشرفاء والمناضلون من اجله في اغلب بلداننا العربية والاسلامية. انما الهدف من ذلك تشجيع من يتصدرون العمل السياسي علي اعادة النظر والحسابات في ما يعتبرونه ثوابت احيانا، والتشكيك خصوصا في نوايا المحتلين واجندتهم. ان ما يجري في العراق اليوم من تدمير للوطن، وتفتيت للبلد، وتعميق للفرقة والخلاف بين ابناء الوطن الواحد علي اسس مذهبية وعرقية، لا يمكن ان يصدر عن المواطنين الشرفاء والقيادات النظيفة المعروفة بشخصياتها وتاريخها ومواقفها، ولا يمكن ان ينفك عن خطط المحتلين واساليبهم التي تجيد فن التخفي وراء المساحيق، وتحسن فنون الاخراج. يقابل ذلك مستوي غير معقول من السذاجة السياسية وغياب التوافق وضعف الخطاب السياسي والديني، والاستعداد الداخلي في نفوس البعض لـ الاستعمار وفق مقولة المفكر الجزائري المرحوم مالك بن نبي، او الاستحمار كما يعبر المفكر الايراني المرحوم الدكتور علي شريعتي. وينقل عن المرحوم آية الله السيد حسن المدرس، المناضل ضد حكم الشاه في بدايات القرن الماضي، ان العدو ليس قويا، ولكننا ضعفاء . هذا الضعف هو الذي يدفع البعض للشعور المستمر بالحاجة الي الغير. فبرغم مضي اكثر من اربعة اعوام علي وجود قوات الاحتلال في العراق، وما نجم عن ذلك من مآس ناتجة اما مباشرة عن وجود الاحتلال او نتيجة سياساته الخاطئة، فما يزال البعض يحسن الظن به، ويطالب بتمديد بقاء قواته.
في الاسبوع الماضي تنحي السيد توني بلير، عن رئاسة الوزراء البريطانية، وحل السيد غوردون براون مكانه. وفي الوقت الذي تتعالي فيه الصيحات داخل المجتمع البريطاني للانسحاب من مستنقع العراق، تصل الرسائل من بعض المسؤولين العراقيين مطالبة بعدم سحب القوات البريطانية. وقد يمكن فهم دوافع هذه الدعوات الناجمة عن الاعتقاد بان سحب القوات الامريكية والبريطانية سوف يؤدي الي تفاقم المخاطر الامنية ويشجع التكفيريين و الارهابيين علي ممارسة المزيد من اعمال العنف وتصعيد الحرب الاهلية.
ولكن من جهة اخري فهناك ما يشبه الاجماع علي ان الاحتلال هو أساس المشكلة، وان ادارته الملف العراقي كانت خاطئة، وانه ما يزال يمارس سياسات تشجع المزيد من العنف والارهاب. وكثيرا ما اتهم المسؤولون العراقيون قوات الاحتلال بالتدخل المباشر لاخلاء عناصر ارهابية بعد اعتقالها من قبل اجهزة الامن العراقية. فماذا يعني ذلك؟ وفي الوقت الذي ترتفع فيه الاصوات مطالبة بقيادات وطنية واسلامية توحيدية، علي غرار الرجال العظماء مثل غاندي، فان اثارة الخلافات بين ابناء الوطن الواحد أمر أيسر. فحتي فلسطين التي لا جدال حول هوية المحتل واهدافه وسياساته وقمعه وارهابه، لم تسلم من تدخلاته وتجنيد بعض ابناء الوطن للعمل ضد ابناء جلدتهم ولصالح المحتل. وليس معلوما بعد ما اذا كان تعيين السيد بلير مبعوثا خاصا للرباعية الدولية لقضية الشرق الاوسط سوف يكون عاملا ايجابيا، ام ان ارتباط اسمه بكارثة العراق، وعلاقاته الوطيدة مع اسرائيل ودعم حربها ضد لبنان العام الماضي، سيمنعه من لعب دور ايجابي في هذه المرحلة. ايا كان الامر فان التركة الثقيلة وراءه ستضغط علي العلاقات بين العالم الاسلامي وبريطانيا من جهة، وتضعف محاولات التقريب والتفاهم سواء بين الاديان ام المذاهب من جهة اخري. ومع ان خطاب السيد بلير عموما يتسم بالهدوء والاعتدال الا ان سياساته ومواقفه في المحطات المحورية التي مرت بالمنطقة أظهرت فجوة واسعة بين ما يطرحه من مبادئ وما يمارسه من سياسات.
من هنا فقد تبدو الدعوات الحالية لتحقيق قدر من التقريب والتفاهم بين المسلمين، ضربا من السذاجة، لان هذه ليست المشكلة الحقيقية، خصوصا مع اصرار أغلب زعماء المذاهب الاسلامية علي الرغبة في الوحدة وعدم التكفير، وتجاوبهم مع دعوات التفاهم والتوحد. والواضح ان المشكلة من صنع جهات أخري غير ظاهرة للعيان لكنها معروفة بصفاتها ومعالمها واهدافها. فما أكثر الدعوات والندوات والمؤتمرات التي اطلقت في الفترة الاخيرة في هذا المضمار، ولكن الاحتراب القائم علي اسس طائفية ومذهبية مستمر في بؤر التوتر خصوصا العراق، فمن الذي يؤججها ويعمل علي استمرارها ويمنع توقفها؟ انها مشكلة سياسية في اساسها ومنطلقاتها، وتتصل بالقوي الهادفة لمحاصرة المشروع الاسلامي واضعاف الامة ومنع تبلور هويتها الحضارية. ولذلك تضاءلت في الفترة الاخيرة الدعوات للحوار بين الحضارات، وتراجع الحماس لحوار الاديان خصوصا من الجانب غير المسلم. بل ان البابا نفسه يبدو الآن أقل حماسا لهذا الحوار، وقد اتضح ذلك من تعيينه الكاردينال جين لويس توران، وزير خارجية الفاتيكان السابق رئيسا لمجلس الحوار التابع للفاتيكان. ووفقا لصحيفة التايمز البريطانية فقد تم النظر الي ذلك علي نطاق واسع بانه يعني ان بنيديكت السادس عشر لا يعتقد ان العلاقات مع المسلمين تحظي بأولوية . ان فتور العمل في اطارات الحوار بين الاديان والحضارات، يعتبر تطورا سلبيا وانتكاسة للجهود التي بذلت في العقدين الماضيين لتقوية الثقة بين الاديان واضعاف النزعة نحو التوتر والتشكيك والعداء والقطيعة.
ان العمالقة من رجال السياسة والدين هم وحدهم القادرون علي طرح خطاب توحيدي، بل انهم، وليس سواهم، من يتحلي بروح الحوار والتقريب ضمن الاطار السياسي او الديني الواحد. اما الصغار فهم الذين يدعون للفرقة والشتات ويستجيبون لنزوات الضعف الانساني المنفصل عن العقل والمنطق والفطنة. ويشهد التاريخ المعاصر علي ذلك بنماذج متميزة تجسدت في شخوص علماء وقادة ومفكرين مثل جمال الدين الافغاني الذي أصدر نشرته الشهيرة في باريس العروة الوثقي لتعبر عن روح الوحدة التي ينشدها، وغاندي كما ذكرنا، والامام الخميني الذي رفع شعار وحدة المسلمين ونظم المؤتمرات الدولية لجمعهم، وسعي لتوجيه الامة وهمومها نحو الاجنبي الذي احتل اراضي المسلمين واستضعف اهلها واستحوذ علي خيراتها. ولا يقل الشهيد حسن البنا شأنا عن اولئك العظماء من دعاة الوحدة، فقد أسس دعوته علي اساس مقولة شهيرة: لنتعاون في ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا عليه . نحن امام نماذج تاريخية عملاقة، وما رسالة غاندي الاخيرة التي مهدت لقتله الا نموذج لمدي ما يذهب اليه العظماء لانقاذ اممهم وشعوبهم من شرور الفرقة والفتنة، ورفع هممهم وتطلعاتهم نحو الاستقلال والتطور. ألسنا بحاجة لظهور هؤلاء العظماء مجددا لتسترجع الامة عافيتها، وتستعلي علي جراحها؟
صحيفة القدس العربي 04/07/2007
http://www.aljazeera.net/mritems/images/2002/9/25/1_115787_1_3.jpg
تبذل الحكومة الهندية هذه الايام جهودا لاستعادة الرسالة الأخيرة التي كتبها المهاتما غاندي قبل وفاته بعشرين يوما، قبل ان تعرض في مزاد علني تقوم به شركة كريستيز الشهيرة قريبا في لندن. الرسالة كتبها غاندي في 19 كانون الثاني (يناير) 1948 الي احدي الصحف الهندية، يدعو فيها الحكومة لمزيد من التحمل والتسامح ازاء المسلمين في الهند. وبعد أقل من ثلاثة اسابيع خر غاندي صريعا برصاص اطلقه متطرف هندوسي، انتقاما منه لسياساته المعتدلة ازاء التعايش بين الهندوس والمسلمين. الرسالة ليست طويلة في محتواها، ولكنها كبيرة في رسالتها، وتعكس الروح الكبيرة التي كان يتمتع بها الزعيم الهندي. وهكذا هم كبار الرجال المصلحين.
فهم لا يسعون لقيادة مجموعة صغيرة من البشر تتناحر مع الآخرين، وتمارس سياسة الاقصاء والاستعداء تجاه من لا يوافقها الرأي ولا يشاطرها الدين، بل بعملون لوحدة الامة التي يقودونها، ويوجهون طاقاتها نحو العطاء والبناء، بعيدا عن الفتنة والتصدع الداخلي. رسالة غاندي شهادة حية علي عظمة الرجل وعقله واطروحته التوحيدية. فبعد ستين عاما علي اغتياله، ما تزال القضية التي قدم حياته من اجلها تحاصر الساسة ورجال الدين ليس في بلاده فحسب، بل في الكثير من بلدان الدنيا. فالهند ما تزال بين الحين والآخر تتموج برياح الفتنة الدينية، فيهدم مسجد اسلامي هنا، ويفجر قطار يحمل الهندوس هناك، في سمفونية حزينة من الاقتتال الداخلي الذي لا يخدم هدف الهند التي اراد لها مؤسسوها ان تكون نموذجا للتعايش والديمقراطية. ذلك البلد الذي تمرد ضد المحتلين البريطانيين وحقق انتصارا تاريخيا بقيادة غاندي، أصبح بعد ذلك مشغولا بتوتر ديني سرعان ما ادي الي انفصال شطر كبير منه، ليصبح هناك وطن للمسلمين في باكستان. لكن روح التشطير لا تتوقف عند حدود، فاذا بالمسلمين انفسهم ينقسمون بعد ذلك علي اسس عرقية في اثر حرب طاحنة في 1971 بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية. وفي أقل من ربع قرن من الزمن ينقسم المسلمون الي عرقين يقطنان في باكستان وبنغلاديش. ان عقلية التمزق والانقسام، اذا ما تعمقت لدي القيادات الحزبية والفئوية، تصبح داء مستعصيا يدفع اصحابه الي استمراء حالة التمزق والانقسام والانفصال، علي اسس تتغير حسب الظروف والاهواء: سياسية وحزبية وعرقية ودينية ومذهبية.
فهل النضال ضد الاحتلال يؤدي بشكل تلازمي الي التفتت؟ في الاسبوع الماضي صدر عن معهد بروكينغز في واشنطن تقرير كتبه مايكل اوهانلون، الباحث في دراسات السياسة الخارجية بمركز سابان لسياسات الشرق الاوسط، قال فيه ان الوقت الذي يصبح فيه العراق أكثر أمنا عن طريق تشطير خفيف ربما أصبح علي الاعتاب. ويمضي التقرير للقول: ان التشطير الخفيف يعني قيام العراقيين بدعم من المجموعة الدولية، بتقسم بلادهم الي ثلاثة أقاليم أساسية... يقوم كل منها بمهمات الامن والحكم، كما هو الحال في كردستان حاليا . ويقول كاتب التقرير ان هذا الخيار هو الافضل اذا ما قورن ببقية الخيارات: ان تحقيق هذا الكيان قد يكون صعبا وينطوي علي مخاطر، ولكنه اذا قيس بالخيارات البديلة: الاستمرار في الاشراف علي الحرب المذهبية العرقية، او الانسحاب والسماح للخلاف بالتصاعد، فان مخاطر هذا التقسيم تبدو أكثر قبولا ويمضي الكاتب لتبرير هذا الطرح الذي يقول انه اصبح من حقائق الواقع خصوصا بعد تفجير مسجد العسكريين في سامراء في شباط (فبراير) 2006. وليست هذه المرة الاولي التي يطرح فيها مشروع تقسيم العراق، ولو اجريت دراسات علمية لبحث اصول ذلك التفكير، لاكتشف ان تقسيم العراق ربما كان الهدف الاول من وراء الحرب التي شنها التحالف الانكلو ـ أمريكي في 2003. هذا الهدف لم يطرح بصوت عال، شأنه شأن الاحتلال الطويل الأمد الذي عبر عنه الشهر الماضي، وزير الدفاع الامريكي الحالي، روبرتس غيتس، عندما قال انه يتوقع بقاء القوات الامريكية في العراق خمسين عاما علي الاقل. وقارن اوضاع العراق الحالية باوضاع كوريا واليابان والمانيا، التي ما تزال القوات الامريكية ترابط فيها بعد اكثر من ستين عاما علي الحرب العالمية الثانية وخمسين عاما علي الحرب الكورية. كما لم تتطرق الولايات المتحدة وبريطانيا عندما صممتا علي الحرب الي قضية النفط والرغبة في وضع اليد علي أكبر مخزون نفطي في العالم، حسب آخر التقارير. وما قانون النفط الذي يضغط الامريكيون علي الحكومة العراقية لاقراره الا دليل آخر علي سوء النوايا والخطط البعيدة المدي لدي القوتين الاساسيتين في الحرب.
قرار الوحدة او التشطير، كما يبدو، ليس بأيدي ابناء الوطن الواحد، كما يبدو من تجربتي الهند والعراق، ومعهما فلسطين. هذا القرار، وفق معطيات هذه المحطات الثلاث، محصور بأيدي المحتلين الذين يسعون باستمرار لتحريك عوامل الفرقة والشتات، مستغلين النقاط الرخوة في الانتماءات العرقية او الدينية، ومستفيدين من العناصر التي يمكن استغفالها بسهولة وتجنيدها، بوعي او بدون وعي، لتنفيذ مخططاتها. وهل من قبيل الصدفة ان يعلن عن وفاة السياسي المصري في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كشف الموساد الاسرائيلي انه كان يعمل جاسوسا لديه؟ وفي الاسبوع الماضي شنت الصحافة الاسرائيلية هجوما علي اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لكشفها هوية هذا الجاسوس، متسائلة عن جدوي هذا الكشف عن العملاء، وما اذا كان ذلك سوف يصعب مهمة تجنيد المزيد منهم مستقبلا. فمن هو الوطني ومن هو الجاسوس؟ ومن الذي يعمل لتحقيق وحدة الاوطان؟ ومن الذي يسعي لتفتيتها؟ وهل حقا ان من يحمل السلاح ضد المحتلين وطني حقا؟ ام ان حمل سلاح المقاومة قناع لاخفاء الهوية احيانا؟ لا نقول ذلك من اجل التشكيك في المناضلين والمقاومين والوطنيين، لان ذلك التشكيك انما يصب في مصلحة قوات الاحتلال، ولا يخدم مشروع التحرير والاستقلال والحرية الذي يعمل الشرفاء والمناضلون من اجله في اغلب بلداننا العربية والاسلامية. انما الهدف من ذلك تشجيع من يتصدرون العمل السياسي علي اعادة النظر والحسابات في ما يعتبرونه ثوابت احيانا، والتشكيك خصوصا في نوايا المحتلين واجندتهم. ان ما يجري في العراق اليوم من تدمير للوطن، وتفتيت للبلد، وتعميق للفرقة والخلاف بين ابناء الوطن الواحد علي اسس مذهبية وعرقية، لا يمكن ان يصدر عن المواطنين الشرفاء والقيادات النظيفة المعروفة بشخصياتها وتاريخها ومواقفها، ولا يمكن ان ينفك عن خطط المحتلين واساليبهم التي تجيد فن التخفي وراء المساحيق، وتحسن فنون الاخراج. يقابل ذلك مستوي غير معقول من السذاجة السياسية وغياب التوافق وضعف الخطاب السياسي والديني، والاستعداد الداخلي في نفوس البعض لـ الاستعمار وفق مقولة المفكر الجزائري المرحوم مالك بن نبي، او الاستحمار كما يعبر المفكر الايراني المرحوم الدكتور علي شريعتي. وينقل عن المرحوم آية الله السيد حسن المدرس، المناضل ضد حكم الشاه في بدايات القرن الماضي، ان العدو ليس قويا، ولكننا ضعفاء . هذا الضعف هو الذي يدفع البعض للشعور المستمر بالحاجة الي الغير. فبرغم مضي اكثر من اربعة اعوام علي وجود قوات الاحتلال في العراق، وما نجم عن ذلك من مآس ناتجة اما مباشرة عن وجود الاحتلال او نتيجة سياساته الخاطئة، فما يزال البعض يحسن الظن به، ويطالب بتمديد بقاء قواته.
في الاسبوع الماضي تنحي السيد توني بلير، عن رئاسة الوزراء البريطانية، وحل السيد غوردون براون مكانه. وفي الوقت الذي تتعالي فيه الصيحات داخل المجتمع البريطاني للانسحاب من مستنقع العراق، تصل الرسائل من بعض المسؤولين العراقيين مطالبة بعدم سحب القوات البريطانية. وقد يمكن فهم دوافع هذه الدعوات الناجمة عن الاعتقاد بان سحب القوات الامريكية والبريطانية سوف يؤدي الي تفاقم المخاطر الامنية ويشجع التكفيريين و الارهابيين علي ممارسة المزيد من اعمال العنف وتصعيد الحرب الاهلية.
ولكن من جهة اخري فهناك ما يشبه الاجماع علي ان الاحتلال هو أساس المشكلة، وان ادارته الملف العراقي كانت خاطئة، وانه ما يزال يمارس سياسات تشجع المزيد من العنف والارهاب. وكثيرا ما اتهم المسؤولون العراقيون قوات الاحتلال بالتدخل المباشر لاخلاء عناصر ارهابية بعد اعتقالها من قبل اجهزة الامن العراقية. فماذا يعني ذلك؟ وفي الوقت الذي ترتفع فيه الاصوات مطالبة بقيادات وطنية واسلامية توحيدية، علي غرار الرجال العظماء مثل غاندي، فان اثارة الخلافات بين ابناء الوطن الواحد أمر أيسر. فحتي فلسطين التي لا جدال حول هوية المحتل واهدافه وسياساته وقمعه وارهابه، لم تسلم من تدخلاته وتجنيد بعض ابناء الوطن للعمل ضد ابناء جلدتهم ولصالح المحتل. وليس معلوما بعد ما اذا كان تعيين السيد بلير مبعوثا خاصا للرباعية الدولية لقضية الشرق الاوسط سوف يكون عاملا ايجابيا، ام ان ارتباط اسمه بكارثة العراق، وعلاقاته الوطيدة مع اسرائيل ودعم حربها ضد لبنان العام الماضي، سيمنعه من لعب دور ايجابي في هذه المرحلة. ايا كان الامر فان التركة الثقيلة وراءه ستضغط علي العلاقات بين العالم الاسلامي وبريطانيا من جهة، وتضعف محاولات التقريب والتفاهم سواء بين الاديان ام المذاهب من جهة اخري. ومع ان خطاب السيد بلير عموما يتسم بالهدوء والاعتدال الا ان سياساته ومواقفه في المحطات المحورية التي مرت بالمنطقة أظهرت فجوة واسعة بين ما يطرحه من مبادئ وما يمارسه من سياسات.
من هنا فقد تبدو الدعوات الحالية لتحقيق قدر من التقريب والتفاهم بين المسلمين، ضربا من السذاجة، لان هذه ليست المشكلة الحقيقية، خصوصا مع اصرار أغلب زعماء المذاهب الاسلامية علي الرغبة في الوحدة وعدم التكفير، وتجاوبهم مع دعوات التفاهم والتوحد. والواضح ان المشكلة من صنع جهات أخري غير ظاهرة للعيان لكنها معروفة بصفاتها ومعالمها واهدافها. فما أكثر الدعوات والندوات والمؤتمرات التي اطلقت في الفترة الاخيرة في هذا المضمار، ولكن الاحتراب القائم علي اسس طائفية ومذهبية مستمر في بؤر التوتر خصوصا العراق، فمن الذي يؤججها ويعمل علي استمرارها ويمنع توقفها؟ انها مشكلة سياسية في اساسها ومنطلقاتها، وتتصل بالقوي الهادفة لمحاصرة المشروع الاسلامي واضعاف الامة ومنع تبلور هويتها الحضارية. ولذلك تضاءلت في الفترة الاخيرة الدعوات للحوار بين الحضارات، وتراجع الحماس لحوار الاديان خصوصا من الجانب غير المسلم. بل ان البابا نفسه يبدو الآن أقل حماسا لهذا الحوار، وقد اتضح ذلك من تعيينه الكاردينال جين لويس توران، وزير خارجية الفاتيكان السابق رئيسا لمجلس الحوار التابع للفاتيكان. ووفقا لصحيفة التايمز البريطانية فقد تم النظر الي ذلك علي نطاق واسع بانه يعني ان بنيديكت السادس عشر لا يعتقد ان العلاقات مع المسلمين تحظي بأولوية . ان فتور العمل في اطارات الحوار بين الاديان والحضارات، يعتبر تطورا سلبيا وانتكاسة للجهود التي بذلت في العقدين الماضيين لتقوية الثقة بين الاديان واضعاف النزعة نحو التوتر والتشكيك والعداء والقطيعة.
ان العمالقة من رجال السياسة والدين هم وحدهم القادرون علي طرح خطاب توحيدي، بل انهم، وليس سواهم، من يتحلي بروح الحوار والتقريب ضمن الاطار السياسي او الديني الواحد. اما الصغار فهم الذين يدعون للفرقة والشتات ويستجيبون لنزوات الضعف الانساني المنفصل عن العقل والمنطق والفطنة. ويشهد التاريخ المعاصر علي ذلك بنماذج متميزة تجسدت في شخوص علماء وقادة ومفكرين مثل جمال الدين الافغاني الذي أصدر نشرته الشهيرة في باريس العروة الوثقي لتعبر عن روح الوحدة التي ينشدها، وغاندي كما ذكرنا، والامام الخميني الذي رفع شعار وحدة المسلمين ونظم المؤتمرات الدولية لجمعهم، وسعي لتوجيه الامة وهمومها نحو الاجنبي الذي احتل اراضي المسلمين واستضعف اهلها واستحوذ علي خيراتها. ولا يقل الشهيد حسن البنا شأنا عن اولئك العظماء من دعاة الوحدة، فقد أسس دعوته علي اساس مقولة شهيرة: لنتعاون في ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا عليه . نحن امام نماذج تاريخية عملاقة، وما رسالة غاندي الاخيرة التي مهدت لقتله الا نموذج لمدي ما يذهب اليه العظماء لانقاذ اممهم وشعوبهم من شرور الفرقة والفتنة، ورفع هممهم وتطلعاتهم نحو الاستقلال والتطور. ألسنا بحاجة لظهور هؤلاء العظماء مجددا لتسترجع الامة عافيتها، وتستعلي علي جراحها؟
صحيفة القدس العربي 04/07/2007