PDA

عرض كامل الموضوع : كن رساليا كالوائلي


Hamid
14- 07- 2007, 11:46
كن رساليا كالوائلي

يدق جرس المدرسة ليعلن إنتهاء اليوم الدراسي ، لأكون مع محاضرة فكرية اجبارية في طريق العودة للمنزل. صوت جهور شامخ فصيح مبدع ، يحوي الكلام السهل الذي كان طفلا بعمري يستطيع أن يفهم ماذا يريد رجل كبير مثله أن يقول . من أجمل الأشياء التي أتذكرها والتي كانت تشدني لكلامه أنه دائما ما يتأكد أن حبل التفكير بينه وبين الحضور متصل ولم ينقطع ، فحتى لو كنت متعب من حصص الدراسة وشدة الحر وزحمة الطريق أوعلى شفا حفرة من النوم ، أصحو بصوت يقول :"تنبه لي شوي زين؟" فاشعر أنه كان يراقبنا في السيارة ، واحتراما له ، يجب أن استمع وأحاول أن أفهم وأسال بعدها على طاولة الغداء . ومن الأشياء التي لا تنسى أيضا أنه عندما يذكر إسم الله أو عبارة تحتويه ، فيخرج من الأعماق صوت مدو ، تستشعر به عظمة الله.


قبل أربع سنوات وتحديدا في 14 تموز 2003 غيب الموت عميد المنبر الحسيني الراحل الكبير الشيخ الدكتور أحمد الوائلي . ولد رجل الدين الخطيب والشاعر الأديب يوم ولادة الحبيب سيد البشر محمد ص ، فلم تتردد العائلة أن تسميه أحمد. "جمع الدراستين الأكاديمية والحوزوية حيث أنهى تعليمه النظامي في سنة 1962، ثم حصل على البكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ثم التحق بكلية الفقه التي تخرج منها سنة 1969م ثم حصل على شهادة الماجستير في جامعة بغداد عن رسالته (أحكام السجون في الشريعة والقانون) ثم حصل على شهادة الدكتوراه من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عن اطروحته( استغلال الأجير وموقف الإسلام منه)سنة 1972م".[1]


في سن الرابعة عشر يبحث الكثير من الفتية عن اللعب واللهو ، ويعيش الكثير منهم ، بل أكبر منهم ، غربة عن هذا العالم ، ويبحث من هم أكبر منهم بكثير عن ذواتهم في هذه الحياة . لكن الرابعة عشر عند الوائلي كانت مختلفة عن بقية أقرانه حتى في ذاك العصر حيث اعتلى فيها المنبر.


أسس المدرسة الخطابية الجديدة التي جمعت البحث العلمي والخطابة الحسينية والشعر الحديث والإبداع . جمع هؤلاء حوله الكثير للإستماع والفهم والتفكر والتدبر . "وكانت مجالس ما قبل الشيخ الوائلي تضم عادة كبار السن، وبسطاء الناس. أما مجالسه هو فقد تميزت بحضور الطبقة المثقفة من الطلبة الجامعيين والاساتذة ورجال الادب والفكر. وكل من يحضر يخرج بحصيلة مفيدة ينتفع بها. فالشيخ لا أخذ على نفسه إلاّ أن يفيد سامعيه بالرأي الجديد والفكرة الغنية والموعظة المؤثرة".[2]. فهي ليست خطابة عادية روتينية مملة بعيدة عن العالم الحديث ولغة العلم ، وليست خطابة استدرار الدموع من أجل الدموع ، وليست خطابة التشيع الأسود الكئيب البائس.


عاش قريبا قرب الأحباء ، وغريبا غربة الأنبياء . هاجر المصطفى ص ليأسس أقوى دولة عرفها التاريخ ، وخرج موسى ع من المدينة خائفا يترقب ليرجع إلى فرعون إنه طغى ، وألقي يوسف ع في غيابات الجب ودخل معه السجن فتيان ليصبح عزيز مصر. إنها الهجرة التي تسبق الرسالة ، والضربة القوية التي تحطم الزجاج أوتصقل الحديد والرياح التي تسبق النصر. لقد ساعدت تجربة التنقل والعيش في دول العالم في صناعة فكر شمولي للوائلي وجعله مكتبة وموسوعة إسلامية علمية متحركة .وحتى الخمس سنوات التي احتضنته البحرين ، لعبت دورا كبيرا في صناعة الحراك الفكري فيها في ستينات القرن الماضي .


دعا لإستخدام العقل والعودة للذات والتفكر في أعمالنا اليومية . لم يتردد في إعطاء رأيه صراحة في كثير من القضايا الحساسة التي يتهرب منها الكثير ، بعيدا عن تصديق وتهويل الفقراء والطيبين والسذج ومهاترات المرتزقة الذين يحاولون ملأ القرائح فليس المهم مشاعر البعض ، لكن الأهم هو دين محمد ص. بيّن بصراحة كيف استغل بعض رجال الدين الدين مع وضع تواقيعهم "سيد فلان وشيخ فلان" وكما وصفهم البعض كفيروس الإيدز المتخفي في ثوب الطهارة . حذر من بعض الأعمال المشبوهة التي تسئ للدين والتي ورائها أيدي خفية . دعا الناس بالتشبه بآداب ومبادئ وأخلاق وعزيمة وفكر أهل البيت ع بدلا من أن يظهروا للعالم كمخرفين ، ودعا للقيام بأعمال علمية بدلا من الأعمال الغوغائية المهرجة التي يظهر فيها الإنسان أمام العالم كشخص تافه. يذكر في هذا الصدد أحدهم يسأل الإمام جعفر الصادق ع فيقول "هؤلاء يعيرونا يقولون يا جعفري ، قال له والله ما أقل من يتبع جعفر بن محمد منكم" .ليس لديكم أخلاقنا ولا آدابنا ولا عزمنا. أو من يجعل من بعض الأعمال المشبوهة كشعائر ، "قل له ارجوك ، خل علمك ببطنك واسكت ! ليست هذه شعائر ،الشعائر تحيا بالدين ، بالأخلاق ، بالقيم ، بالوسائل المشروعة وبالوسائلالعلمية". طالب أن نكون منطقيين في تحليل الحسين ع .فيذكر مثلا أن مؤلف يقول أن الحسين يوم العاشر من محرم قتل 12 الف . فيتساءل "لوجئنا ب 12 الف دجاجة منظفين ومعلقين ، كم فترة يحتاج المؤلف المخرف ليقطعها ؟ كلدجاجة نصف دقيقة = 6000 دقيقة . يعني 100 ساعة او 3-4 ايام . مو عيب عليك شيخناتكتب هذه الكتابة ؟ فالحسين لم يقاتل بمعجزة. هل هذا خدمة للحسين أم جعل الناس ترميالفكر بالخرافة ؟ ما هو هدفك ؟ يكفيك أن تقول أن الحسين ابن علي . لا تأتي بتفاهاتتكون سبه وعار علينا. هذه المحاولات للتغطية على عطاء الطفولكن عطاء الطف أكبر من ذلك". وغيرها الكثير من النقاط أو المحرمات التي لا يسع المجال لذكرها.
كبر الطفل الذي كان يستمع للشيخ وكبرت الأسئلة لكن الشيخ قد رحل. ومع ذلك فالفكرة قد كبرت أيضا ليفهم قليلا محتوى الرسالة . الرسالة التي عجزت مدارس وزارة التربية والتعليم أن تزرعها فيه ، مع أن سنواتها كثيرة وكتبها أكثر .الرسالة التي عجزت أن تصل بها خطابات الكثير من رجال الدين والمثقفين. الرسالة التي لم تقرأ من كتب الجامعات العربية والأجنبية ولا من أفواه معظم أساتذتها. الرسالة التي لا يحملها إلا العظماء عربا كانوا أو عجما ، يرحلون بأجسادهم ويبقون بأفكارهم لأن فكرهم مخلد ما بقي الدهر.


شهد حزيران رحيل شريعتي وشهد تموز رحيل الوائلي . مع الإختلاف بينهما ، إلا أن العقل والفكرعامل مشترك بينهما ، وتغيير الواقع نتائج واضحة للعيان. الدعوات تتعالى لإعادة قراءة فكر شريعتي وأتمنى أن يحظى الوائلي بقراءات متجددة أيضا.


الآلاف يعيشون بدون رسالة ، في عصر تنتقل فيه المعلومات قبل أن يرتد إليك طرفك ، نعم حملة شهادت صغرى وكبرى ، لكن بوصلة الرؤية ضائعة أو مضيّعة.التفكير محرم والرواية تقدس والإبداع نكرة والعطاء وهم والإنجازصفر بإمتياز. في مقابل أشخاص يمرون مرورا سريعا في الحياة يخلفون علما وفكرا يتجدد بتجدد الناس ، ويضيفون نكهة ولونا مختلفين . يضيفون لها فصلا جديدا من فصول السنة ، لا الصيف قوي عليه ، ولا الربيع أغواه ، ولا الخريف سقط منه ، ولا الشتاء أمطر عليه . فصلا تتغير كل الفصول السنة به ، يصبح الشتاء دافئا ، والصيف باردا وتزهر الورود في الخريف والربيع.


السلام عليك أيها الوائلي ، لقد عشت رساليا ، ورحلت رحيل العظماء ، ودفنت بجانب الصحابي الجليل كميل بن زياد النخعي رضوان الله عليه ( صاحب الدعاء الشهير دعاء كميل) . فالحمد لله الذي أنعم عليك بقليلا من علمه الذي أحاط بكل شئ ، وجعلك مفكرا قويا بقوته التي قهرت كل شئ ، وعزيزا من عزته التي لا يقوم لها شئ . ، كم نحتاج إلى وائلي جديد وعقل جديد وفكر جديد علّ الروح تنهض من كفن الجمود.


[1] الموسوعة العربية المفتوحة
[2] موقع الدكتور الوائلي http://www.al-waeli.com (http://www.al-waeli.com/)


حامد الحوري

هدى عبدالله
13- 08- 2007, 17:38
اقف على اسطر تصف ذاتا تنغرس في وجداننا ذكر جميلة ترتحل معه في عاصفة الفكر القيمة حيث بحر الفكر حيث الحديث الساحر ...
مازالت تلك المحاضرة عن ضلع الرجل الذي خلقت منها المراة يتردد صدها بين جنبات روحي وعدم صحتها ...
فقدنا الفكر الذي يحدثنا على قدر عقولنا وعلى قدر ما نملك ينزل الى مستونا لكي يرفعنا اليها ...
الله يرحمه ويتغمد روحها الطاهر الجنان في عليا مع اهل بيت النبوة والرسالة ..

Hamid
29- 09- 2008, 01:19
6286005&access_key=key-14herchqf6nuq0guq68p&page=&version=1