عرض كامل الموضوع : خزانة الكتب
وجـهـــــك كـتــــــاب
علي أحمد الديري
http://www.alwaqt.com/imagescache/34blog_author100crop.jpg (http://www.alwaqt.com/cv.php?cvid=34&tbl=blog_author)
يحكي الراوي في رواية اورهان باموك ‘’الحياة الجديدة’’ حكاية حياته الجديدة، بجملة شديدة الكثافة، جملة تقول ‘’ذات يوم قرأت كتاباً غيّر حياتي’’. في رواية بالداسار لأمين معلوف، قصة البطل ترتبط أيضاً بكتاب غير مجرى حياته، بل صارت حياته رحلة ليس لها غاية غير العثور على هذا الكتاب الذي يملك سر نهاية العالم، الكتاب هو (الاسم المئة).
ليست الحوادث وحدها ما يغير وجه الحياة، فالكتب لا تقل فاعلية في تغيير الحياة وتاريخها عن الحوادث السياسية، بل إن الحوادث السياسية تجد أحياناً في الكتب ذريعة لتغيير وجه التاريخ، فالمأمون حين أراد أن يغير وجه الثقافة العربية والإسلامية التي كانت متطابقة مع وجه رواة الأحاديث، وأرادها أن تتطابق مع عقول الفلاسفة، لم يجد غير وجه كتاب جديد يدخله على هذه الثقافة، فابتكر حيلة الحلم بكتاب أرسطو، لغير وجه الواقع، والحكاية كما يرويها ابن النديم في كتابه (فرست) المخصص لفهرست الكتب، تقول ‘’ولما رأى المأمون المنام الذي أخبر به أنه رأى في منامه شيخاً بهي الشكل جالساً على منبر وهو يخطب ويقول: أنا أرسطوطاليس، أتيته في منامه، وسأل عن أرسطو فقيل له رجل حكيم من اليونانيين، فأحضر حنين بن اسحق (توفي 260هـ) إذ لم يجد من يضاهيه في نقله، وسأله نقل كتب الحكماء اليونانيين إلى العربية’’.
إن للكتب حكاياتها، وهي بقدر ما تحمل في بطونها وجهاً للحياة، فإنها تحمل على ظهرها أيضاً حكاية عن الحياة، فكتاب أرسطوطاليس لا يحمل في بطنه المنطق فقط الذي ظل العلماء، علماء الدين والدنيا يرون من خلاله العالم، يحمل أيضاً على ظهره تاريخ الحضارات واللغات التي ترجم إليها، وحكاية حلم المأمون هي واحدة من هذه الحكايات التي من دونها لا يمكن أن نفهم وجه تاريخنا الحضاري والسياسي والديني. لا يمكن أن يكون هناك كتب، ولا تكون معه حكاية تُروى، فالحكاية إن لم تكن هي معناه، فهي معنى من معانيه التي يمكن ان تُروى.
بروفايل الوقت الصيفي، سيكون مخصصاً للكتب وحكاياتها، سنروي عبره حكاية بطونها التي تضمنتها وظهورها التي عبرتها. من كان منكم لديه حكاية مع كتاب غيّره أو خبّأه أو أحرّقه أو عشقه، أو كرهه، أو حذّره أحد منه أو حرّمه عليه أو دعاه لإحراقه أو منعه منه، فليخبرنا بحكايته، بروفايل الصيف بروفايل حكايات مجتمعنا وثقافتنا مع الكتب.
المصدر (http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=4013)
خــرائط كـــتب المســـيري
http://www.alwaqt.com/imagescache/64428articles200.jpg (http://www.alwaqt.com/imagescache/64428articles.jpg) الوقت - علي الديري:
تعرفت على خارطة المسيري الفكرية، مع مطلع العام ,2001 كنت حينها قد انقطعت مدة تزيد على السنوات الخمس عن قراءة الكتب والمجلات التي تصدر عن نفس إسلامي أيديولوجي، لأسباب ليس أقلها أنها ما عادت تستطيع أن تقول شيئاً جديداً، وليس أكثرها أني كنت أبحث عن أفق جديد، في فهم ذاتي وعالمي، لكن في العام 2001 زرت (قم المقدسة) وهناك تعرفت على مشروع عبدالجبار الرفاعي، عبر مجلته «قضايا إسلامية معاصرة»، بدأت أكتشف أن هناك نفساً جديداً، يمثله علم الكلام الجديد.
مشروع الرفاعي كان معنياً بتقديم علم الكلام الجديد الإيراني خصوصا ضمن عنايته بتقديم خطاب ديني معرفي جديد، فيه المعرفة تروض الأيديولوجي، تعرفت في هذا السياق على عبدالكريم سروش، محمد مجتهد شبستري، ملكيان، وغيرهم، كان أفقهم مغايراً تماماً ومنصهراً تماما مع الأفق الذي أقرأ فيه، تحضر في هذا الأفق النظريات الحديثة والمفاهيم الجديدة والأعلام الذين صاروا يمثلون المشهد الفلسفي الحديث. كأني اكتشفت قراءة جدية وجديدة للتراث الديني.
في هذا السياق حضر عبدالوهاب المسيري كواحد من كتاب مجلة قضايا إسلامية معاصرة، لكني لم أكن قد قرأت له في هذه المجلة بعد، لكن المجلة قادتني إلى أن أتعرف على مجلة (إسلامية المعرفة) التي تصدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أميركا، هناك قرأت للمسيري، دراسة لا تنتمي أبداً إلى نفس الكتابات الإسلامية الأيديولوجية التي لا أخطئ شمّ رائحتها ولو على بعد سبعة فراسخ.
قرأتُ للمسيري، فشدني حديثه عن النماذج المعرفية، وكيفية بنائها، وأهميتها في قراءة الوقائع. هنا استحضرت خارطة قراءتي النقدية مفاهيم قريبة من هذا الحقل، كالنماذج الإرشادية والأنظمة المعرفية والابستمية والعقل المكوِّن والعقل المكوَّن، وجدت في خطاب المسيري اكتشافاً جديداً يستحق الاحتفاء، فرحت أقرأه بفرحة المكتشف. هكذا كانت خارطة الطريق إلى المسيري.
النموذج أداة تحليل
كان مفتاح دخولي إلى خارطة المسيري، هو اعتماده النماذج التفسيرية بوصفها أدوات تحليل، وليس المنافحات الأيديولوجية، ولا التراكمات المعلوماتية، وكم فرحت حين قرأت في سيرته غير الذاتية غير الموضوعية (رحلتي الفكرية.. البذور والجذور والثمار)، عن تذمره الشديد من التلقي المعلوماتي له، فهو يقول بألم ‘’للأسف الشديد قام كثير من النقاد ولعهد طويل بحصري داخل إطار المعلومات الضيق والمستوى التحليلي السياسي.. هناك البعض ممن ينظرون إلى دراساتي من هذا المنظور فلا يجدون فيها معلومات صلبة كافية، ولا الجداول التي يتوقون لها، ولا الإحصاءات التي تشفي غليلهم المعلوماتي ومن ثم فهم يرون أعمالي لا قيمة لها’’.[1]
لقد أٌهمل البعد الفلسفي المعرفي الذي يقف خلف الكم المعلوماتي الذي يديره المسيري ببراعة، لكنها براعة ليست منبعها الكم بل الكيف الذي يكمن سره في قدرته على بناء نماذج تفسير، وهي نماذج غير مغلقة، بل مفتوحة، والدليل على انفتاحها أن المسيري لا يمل من أن يذكرنا أن النموذج يحمل قدرة تفسيرية لكنه لا يحمل كل القدرة، أي أن النماذج تتفاوت في قدرتها على تفسير الوقائع والمعلومات، فهي توصف بأنها أكثر تفسيرية وأقل تفسيرية، ولا توصف بالصحة والخطأ، وهي قابلة دوماً للتعديل والتطوير، لذلك لم يكن يجد حرجاً في أن يروي لنا كيف تطورت نماذجه التفسيرية منذ السبعينات وحتى التسعينات، عبر المراجعة والاختبار.
معارك النماذج
كانت معاركه طيلة سيرته معارك سببها إيمانه بفكرة النماذج والتفسيرية والخرائط الإدراكية ودفاعه عنها، معاركه مع النقاد الذي لا يعطون قيمة لغير المعلومة، ومع زملائه الأكاديميين في الجامعات الذين يراكمون معارف تاريخية عن الشعراء وظروفهم وعصرهم وأسماء قصائدهم، ويبنون أحكاماً سطحية لا تستطيع أن تنفذ إلى عمق ما يراكمون.
ولعل من المفارقات التي تحسب للمسيري هنا، هي المفارقة بين إيمانه بالنماذج التفسيرية، والكم الكبير من التفاصيل التي يرويها في كتبه وسيرته، حتى تظن أن لديه مركز معلومات وطاقم سكرتيرات يدرن سجلاته الشخصية والأرشيفية، تجده يتحدث عن تفاصيل سيرة أطروحته للدكتوراه وكتابتها ومحتويات فصولها وحكاية الأساتذة الذين تولوا قراءتها وصدامته المعرفية والشخصية معهم وما حدث يوم مناقشتها، وتجد حكايته مع مرضه وتفاصيل زيارته للأطباء وأسمائهم وخلفياتهم وطريقة إدارتهم للمرض ورؤيته للموت وتطورها، وحكاية قسم الدراسات العليا بالجامعات السعودية وصراعه مع أساتذة كم المعلومات. وحديث عن مدينته دمنهور وتاريخها وحكايات ناسها.
ما الذي يجمع هذه الحكايات؟
يجمعها النموذج التفسيري والخريطة الإدراكية، تأتي هذه التفاصيل والحكايات في سياق نموذج يفسر من خلاله المسيري ببراعة ما يحدث ويقع. لن تجد حكاية من غير سند يشدها، ولا تفصيلة من غير سياق يُكمل معناها. وسند الحكايات وسياق المعنى تجده في النماذج التفسيرية، والخرائط الإدراكية التي هي ‘’المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها الإنسان نفسه وواقعه ومن حوله من بشر ومجتمعات وأشياء. وهذه المقولات والصور تشكل خريطة يحملها الإنسان في عقله ويتصور أن عناصرها وعلاقات هذه العناصر بعضها ببعض تشكل عناصر الواقع وعناصره’’.
إن التفاصيل الخاصة الصغيرة التي يجيد المسيري عبرها كشف خرائطنا الإدراكية، هي ما يعطي لكتاباته ألفة وسلاسة وبياناً بالغ البلاغة من غير تكلف ولا زخرفة. والدرس الذي يعيطك إياه المسيري في سيرته منذ الصفحات الأولى هو: انطلق من الخاص إلى العام. من تجربتك، من حكايتك، من سيرتك، من قريتك ومدينتك وحضارتك وثقافتك.
الموقف والرؤية
الفرق بين الكاتب والمفكر، يكمن في الفرق بين الرؤية والموقف، يصير الكاتب مفكراً متى كانت مهمته إنتاج رؤى، ويظل كاتباً فقط متى انحصرت وظيفته في بناء مواقف. وهذا الفرق الذي قد يبدو بسيطاً أجده عسيراً وشاقا، وكثيراً ما تجد أنك تصنف بمجرد أن تبدي أنك مهتم بكتب مؤلف ما. حتى إني صرت أتحاشى أن أبدي اهتماماتي القرائية لهذا السبب، فعلى سبيل المثال، إعجابي بكتب الفيلسوف المغاربي طه عبدالرحمن، لم يكن إعجاباً بمواقفه تجاه الغرب وتجاه الحداثة وتجاه ما بعد الحداثة، ولا تطابقاً معها، بقدر ما هو إعجاب بمفاهيمه المبتكرة في قراءة التراث الفلسفي، كمفهوم فقه الفلسفة ومفهوم التأثيل، أي إعجاب بهذه المفاهيم بما هي مفاتيح للرؤية والفهم والتحليل.
كذلك إعجابي بالمسيري، ليس نابعاً بمواقفه تجاه ما بعد الحداثة والغرب والصهيونية ونظام الحكم المصري. وإنما إعجاب بمفاهيمه التي ابتكرها في قراءة خطاب الحضارة الغربية، كمفهوم التحيز، الخرائط الإدراكية، النماذج التفسيرية، العلمانية الشاملة، الجزئية، والكمونية والحلولية.
من الصعب أن توضح هذه الفروقات التي تكشف من خلالها سر إعجابك وقراءتك للمسيري أو طه عبدالرحمن، ليس صعباً أن توضحها لقارئ عادي فقط بل هي أشد صعوبة مع مثقف يكتب ولديه مواقف مختلفة معهما. مع ذلك أجد في هذا التفريق ما يجعلني على مسافة من الانحياز لهما انحيازاً يغلقني عليهما، كما يجعلني أدرك أيضاً أن مفاهيمهما ونماذجهم التحليلية ليست منفكة تماماً من مواقفهما.
الناقد الثقافي
لعل ما عزز من حضور المسيري في خارطتي الإدراكية، أو ما جعلني أجد في خطابه ما يمكن أن يعزز من قدرة خارطتي على القراءة والتفسير والإدراك والرؤية، هو تكوينه النقدي الأدبي، الذي هو تكوين تخصصي الأساسي، فهو قد طوّع هذا التكوين واستثمره في بناء نماذجه التفسيرية.
يقول المسيري في سيرته ‘’كيف يمكن لمتخصص مثلي في الشعر والنقد الرومانتيكي أن يتحول إلى متخصص في الصهيونية، ويترك تخصصه الأصلي تقريباً؟ وفي محاولتي الإجابة عن هذه التساؤلات أزعم أن الدراسات الأدبية عمقت من فهمي للصهيونية، وأنني استفدت من مناهج التحليل الأدبي في محاولتي تفكيك وإعادة تركيب الظواهر اليهودية والصهيونية والإسرائيلية. كما أزعم أن ثمة وحدة فكرية تجمع بين جانبي حياتي الفكرية. فالدراسة الأدبية هي في نهاية الأمر تدريب على قراءة النصوص قراءة نقدية لتحديد ما هو هامشي عرضي في نص ما، وما هو مركزي جوهري. وهذه مهارة أساسية مطلوبة للتعامل مع كل من النصوص والظواهر الأدبية وغير الأدبية. وكثير من النصوص الصهيونية قد يكون بسيطاً، ولكنها نصوص ماكرة مراوغة تحاول أن تخبئ أطروحتها الأساسية’’.[2]
لم يستخدم المسيري، أبدا مصطلح النقد الثقافي، ولم يُنظّر له، لكنه في جوهر تحليله للنصوص الأدبية الغربية والأساطير والأغاني والروايات والشعر الصهيوني، كان يبحث عما هو مراوغ فيها خلف ما هو جمالي. وهذا العمل على النصوص الأدبية بهذا المنظور، عزّز في خارطتي القرائية ما فتحه النقد الثقافي. وربما يكون شغل المسيري على المجاز بمنظور مختلف تماماً عن منظور البلاغة التقليدية، هو الأكثر لفتاً بالنسبة لي، حينها عرفت أن المجاز ليس تبسيطا للواقع بل تركيباً له وتعقيداً.
وتحليل الصور المجازية هو أحد الخبرات الأدبية المهمة التي تمرس فيها المسيري من خلال تخصصه النقدي، وقد استخدمها بكثرة في دراسته للصهيونية، كما يقول ‘’فالصورة المجازية ليست مجرد زخرفة تضاف، وإنما هي مقولة إدراكية متخفية في شكل صورة. وقد درست وظيفية الدولة الصهيونية من خلال مجموعة من الصور المجازية التي استخدمها الصهاينة وأعدائهم في وصف الدولة الصهيونية. فكثير من الصهاينة ينظرون إلى إسرائيل وهم يَعدونها ‘’رقعة’’ أو ‘’مساحة’’ أو ‘’مكاناً تابعاً’’ أو ‘’بلداً’’ تحت الوصاية هكذا صار المسيري، بالنسبة لي، جزءاً من خارطتي التي أقرأ بها وأفسر بها، وأحياناً ربما أقف بها حين تهتز الجغرافيا الثقافية، وكانت في حرب يوليو/ تموز 2006 ملجئي في الرؤية والموقف.
الهوامش
[1]، [2]، [3] المسيري، رحلتي الفكرية.. البذور والجذور والثمار، ص .560 ,556 ,579
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=64428)
حوار بوفايل..
اليهود فـي البحرين.. فـي كتاب
http://www.alwaqt.com/imagescache/64432articles200.jpg (http://www.alwaqt.com/imagescache/64432articles.jpg)
نانسي إيلي يوسف خضوري فتاة بحرينية من الجالية اليهودية. نشأت وترعرعت في البحرين درست في مدرسة القلب المقدس وأكملت دراستها في المملكة المتحدة (لندن)، وحصلت على ليسانس في القانون. وتعمل الآن لدى شركة يوسف خضوري وأولاده، تدير شركة العائلة. بروفايل التقى خضوري وأجرى معها هذا الحوار حول كتابها الصادر حديثاً عن تاريخ اليهود في البحرين بعنوان “From Our Beginning to Present Day..”
؟ تاريخ وجود الجالية اليهودية المعاصرة في البحرين تجاوز المئة عام، لماذا تأخر صدور هذا التاريخ؟
- تأخر صدور كتاب الجالية اليهودية في البحرين لعدم وجود أي شخص من الجالية لديه الاهتمام لكتابة أي شيء عن تاريخنا إلى أن وجدنا أن أناس كثيرون يسألون عن التاريخ وعن وجود الجالية اليهودية في بلد خليجي وإعجابهم بطريقة معيشتنا في المملكة الحبيبة البحرين بانسجام تام في المجتمع البحريني.
؟ ما الذي رصدته في هذا الكتاب؟ وما الذي بقي خارج الرصد؟
- الكتاب هو عبارة عن أوائل العائلات التي جاءت إلى البحرين من العراق وعن أعمالهم في البحرين وعن اختلاطهم بالشعب البحريني وصداقتهم وحرية ممارسة دينهم، كذلك ذكرت العائلات الباقية ليومنا الحاضر.
لا أعتقد أن هناك شيئاً لم أذكره إلا أن بعض من الجالية تردد في كتابة أي شيء عن عائلاتهم وأنا احترمت شعورهم وقدرت لهم ذلك فلذلك إذا كان أي شخص لم أذكره أو أضع صورته لم يكن هذا التقصير مني شخصياً.
؟ كيف جاءت فكرة هذا الكتاب؟ وكم استغرق منك؟ وموجه لمن؟ ولماذا كتب باللغة الإنجليزية؟
- بدأت الفكرة بمزحة مع ابن خالة والدي إبراهيم داود نونو عضو الشورى السابق عندما ذكر أن كثير من الناس أو السواح الأجانب يسألون عن الجالية اليهودية في البحرين وعن وجود مقبرة لهم أو بيت للعبادة كان يضطر لأخذهم لرؤية هذه الأماكن ففكرنا أن نطبع معلومات في صفحة أو صفحتين ونقدمها للناس المهتمين، ولكن أثناء الكلام توصلت إلى هذه الفكرة وكتابة هذا الكتاب الذي لم يخطر ببال أي أحد أن يكتبه، الفكرة بدأت قبل سنتين ولكن بالضبط أخذ مني تحضير المعلومات وجمعها في نيويورك ولندن والبحرين سنة ونصف إلى أن طبع الكتاب وأصبحت الفكرة في حيز التنفيذ.
هذا الكتاب موجه إلى كل من يحب أن يطلع على تاريخنا العريق وإنجازاتنا في مجال التجارة والصرافة وأنا أتشرف بكل من يقرأ كتابي هذا ويستمتع به وخصوصاً الأشخاص الذين تذكروا التاريخ الجميل مع أصدقائهم من الجالية في المدارس والعمل والمحبة التي لا تزال موجودة في قلوبهم.
كتب هذا الكتاب في اللغة الإنجليزية أولاً لمقدرتي على الكتابة والتعبير بالإنجليزية أكثر من العربية ولجذب الجاليات الأجنبية وخصوصاً اليهود منهم ليتعرفوا على حياتنا في الخليج وبين الشعوب المحبة والحكومة الرشيدة التي تعطينا الحرية في ممارسة ديننا وتعطينا السلام والأمن والأمان لجميع الشعب مهما كان دينهم أو عرقهم أو جنسيتهم. وسيترجم قريباً إلى العربية ليسهل لجميع قراءة هذا الكتاب.
؟ هل كنت معنية بتثبيت صورة معينة للعوائل اليهودية في البحرين؟
- لا لم أكن أعني أن أضع صورة معينة للعوائل ولكن بعض العوائل استطعت أن أحصل على الصورة مثل عائلة نونو وعائلة خضوري.
؟ هل يقدم هذا الكتاب صورة مغايرة عن الصورة النمطية عن الشخصية اليهودية؟
- لا أعتقد ذلك لأن ما كتبته هو الواقع للشخصية اليهودية التي تعيش في مملكة البحرين في الوقت الحاضر والتي عاشت في الماضي ولم أكتب عن الشخصية اليهودية من خارج البحرين.
؟ هل واجهت صعوبة في مصادر مادتك في هذا الكتاب؟
- نعم واجهت صعوبة في إقناع بعض الأشخاص لإعطائي معلومات وصور ولكن أحمد الله أن قدرتي على إصدار هذا الكتاب على أجمل صورة ولم أكن أفكر أنه سيحوز على إعجاب الجميع وأشكر الله على أن كل من قرأ الكتاب أعجب به وبأسلوب كتابته البسيطة.
؟ ماذا يعني هذا التعبير يهودي بحريني؟
- يهودي بحريني يعني أننا بحرينيون ولكن نعتنق الديانة اليهودية ونحن فخورون بأننا ننتمي إلى مملكتنا الحبيبة البحرين أدامها الله لنا تاجاً على رؤسنا وحفظ الله ملكنا العزيز وحكومتنا الرشيدة وأدام لنا الأمن والأمان والسلام.
؟ كيف تقرأين الآن تاريخ هويتك اليهودية؟
- أقرأها بأني يهودية عربية أنتمي إلى بلد عربي.
؟ هل هناك خصوصية مغايرة لليهود في البحرين تختلف عن اليهود في الخارج؟
- لا أظن أن هناك أي خصوصية مغايرة عن اليهود في البحرين عن باقي اليهود في الخارج سوى أن ليهود البحرين أصلاً شرقياً معظمهم من العراق. ولا أفهم عن أية خصوصية تتكلم؟
؟ الكتاب يتناول بعض العوائل مثل عائلة سويري ونونو وخضوري وكوهين وروبن، فهل هناك عوائل يهودية أخرى لم تتعرض الكاتبة لها؟
- هناك عوائل عدة من أصل فارسي كانوا يسكنون في البحرين ولكني لم أجد أي أحد منهم في الخارج ليعطيني أي معلومات عن اسمائهم وتواريخهم ولكن هناك في الكتاب ذكرت عوائل أخرى وعند قراءة الكتاب ستجد أسماءهم.
؟ قبل مدة طالبت الجالية ‘’بكنيس’’ جديد (دار عبادة) غير التي في المنامة حالياً، وذلك لإشارتها أن موقع الكنيس الحالي ليس مناسباً، فهل بني كنيس جديد؟ أو تم تحديد ورصد أرض لبناء الكنيس الجديد؟
- لا لم يبن كنيس جديد ولا أعتقد أنه تم تحديد أي مكان لبناء هذا الكنيس لأني ليس لدي أي معلومات عن هذا الموضوع.
؟ كيف يتم عقد قران أبناء الجالية بدون وجود رجل دين داخل البحرين؟ وكيف تقيم طقوسها الدينية في غياب رجل الدين والكنيس؟
- في السابق كان لدينا واحد من الجالية اليهودية يقوم بهذا الدور وهو المرحوم يعقوب كوهين، أما الآن ومن سنوات عدة أصبح الأمر صعباً فيضطر الشباب أن يتزوجوا في لندن أو أميركا أو أي بلد موجود به كنيس. أو إذا أرادوا يستطيعون أن يحضروا رجل دين من الخارج لإتمام الزواج ولكن بما أنه يوجد كثير من الجالية غير متزوجين أو راغبين عن الزواج ومشكلاتهم لاضطرارهم للبحث عن الشريك المناسب من خارج البحرين.
في المناسبات الدينية يجتمعون مع بعض ويؤدون الطقوس البسيطة التي يستطيعون أن يقيموها من غير وجود رجل ديني.
؟ في كتابك أشرت إلى مخطوطة كتاب علي الجلاوي عن اليهود في البحرين، بشأن التزاوج من خارج الجالية اليهودية، سواء بمسلمين أم بمسيحيين، ألا يوجد لدى الجالية رصد لتاريخيها التفصيلي؟
- بالضبط لا أعلم عن أي تاريخ من هذه الزيجات ولكن إذا كان الأخ علي الجلاوي قد ذكره في مخطوطته فهو أعلم مني بتواريخ هذه الزيجات.
؟ كم يبلغ عدد البحرينيين الذين ينتمون للجالية اليهودية في الوقت الراهن داخل البحرين؟
- في الوقت الحالي عدد أفراد الجالية اليهودية لا يتعدى ستة وثلاثين فرداً في البحرين.
؟ هل هناك شخصية يهودية تمثل البداية الحقيقية لوجود الجالية اليهودية؟
- ذكرت في كتابي أن أول شخص جاء إلى البحرين من جاليتنا هو من عائلة يادكار المرحوم الياهو يادكار.
؟ كيف تصف نانسي علاقة أبناء الجالية اليهودية بباقي أصحاب الديانات في البحرين؟
- سؤال جميل جداً وأود أن أصف علاقة أبناء وبنات الجالية اليهودية بباقي أصحاب الديانات في البحرين بأنها أجمل الصداقات الحميمة والعميقة بجذورها التي ترجع إلى أيام الطفولة والدراسة والشباب ولا تزال هذه الصداقات قائمة وخصوصاً عن نفسي يوجد لدي صديقات كثيرات وأصدقاء كثر من جميع الأديان وهذه الصداقة بعضها ممتد من أيام المدرسة ولا نزال نتصل مع بعض ونحب أن نسمع أخبار بعضنا ونفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم ونشكو لبعضنا عن هموم الدنيا، وأرجو من الله أن يديم هذه الصداقات الحميمة ولا يفرقنا عن بعض.
؟ هل واجهت الجالية اليهودية طوال تاريخها في البحرين توترات دينية؟
- ذكرت في كتابي عن بعض التوترات سنة 1948 وسرقة بعض الأشياء التي تخص الدين وتستعمل بالصلاة في الكنيس.
وذكرت عن قول المستشار شارلز بلجريف عن ذكر هذا الموضوع بكل وضوح في كتابه
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=64432)
المســــــيري..
كــائن ذو قصــد.. أحيــاناً
http://www.alwaqt.com/imagescache/64440articles200.jpg (http://www.alwaqt.com/imagescache/64440articles.jpg) الوقت - حسين المحروس:
لمّا وجد علي الديري سائق التاكسي المصري جاداً في قوله ‘’ما رأيكم أن أزوجكم؟’’، وأنه يعني ذلك ‘’بحق وحقيقي’’ وأنّ الأمر خرج عن مزحة طريق تنتهي بوصولنا إلى الفندق ضرب - الديري - على غلاف كتاب ‘’رحلتي الفكرية’’ للكاتب المصري البارز عبدالوهاب المسيري وقال ‘’أنا حتزوج كتاب عبدالوهاب المسيري’’. استغرب السائق من هذا الانسحاب السريع من الموضوع وقال ساخراً ‘’مين المسيري ده؟’’ فقدم الديري شيئا عنه لم يكن مهماً لدى سائق التاكسي، واعتبر ذلك خروجاً على الموضوعية وعلى القصد من وراء حديث الزواج، فقال محبطاً ‘’يبأه لما تتزوج هات أبوك المسيري معاك’’.
على غلاف الطبعة الثانية للسيرة الذاتية للمسيري ‘’رحلتي الفكرية - في البذور والجذور والثمر’’ كُتبتْ عبارة ثالثة لافتة للنظر ‘’سيرة غير ذاتية غير موضوعية’’. صدرت هذه الطبعة عن ‘’دار الشروق’’ المصرية في أغسطس/ آب .2006 هذه العبارة كانت موجودة على غلاف الطبعة الأولى الصادرة في العام 2001 وفي طبعته الثانية عبدالوهاب المسيري، وبحسب ‘’رويترز’’ (20 يناير/ كانون الثاني 2006) فإنّ عبارة ‘’سيرة غير ذاتية غير موضوعية’’ قد حذفت من الغلاف وظلّت في المقدمة فقط. ولعلّها طبعة دار الشروق الأولى الصادرة في يناير/ كانون الثاني 2006 بمناسبة معرض كتاب القاهرة 38 الذي أقيم في يناير/ كانون الثاني .2006 لماذا حدث ذلك؟ إيه.. إحنه حنستعبط يا عبدالوهاب ولا إيه؟
أناقة «لماذا؟»
ماذا تفعل وجود أو غياب عبارة مثل ‘’سيرة غير ذاتية غير موضوعية’’ على غلاف سيرة ذاتية؟ ماذا تفعل ‘’غير’’ هذه في الكاتب؟ ماذا تفعل في القارئ أيضاً؟ في مكتبة ‘’دار الشروق’’ الأنيقة جداً في حي ‘’السادات’’ - وتقابلها مكتبة مدبولي غير الأنيقة جداً، ولا يشبههما غير الخروج من ‘’الهيئة العامة للكتاب’’ والدخول في ‘’مكتبة الجامعة الأميركية’’ - قلت للديري انظر العبارة ‘’سيرة غير ذاتية غير موضوعية’’. أيّة عتبة خلقتها تلك العبارة؟ أخذتني مباشرة إلى سؤال ‘’لماذا’’ الذي يحاول غالبية كتّاب السير الذاتية، أو الذين ينوون كتابة سيرهم الذاتية وضع تبريرات مقنعة لهذه الكتابة. وأيّة بواعث استفزته لهذه الكتابة. هل هي مجموعة ‘’تبريرات’’ لما مرّ في حياته من سلوكيات فهم القصد منها أو لم يُفهم فتأتي السيرة لتضع حداً لعدم الفهم، القصور الذي اعتراه لدى القارئ؟ أعني فضح تلك الافتراءات التي ناله نصيب منها في حياته السالفة. افتراءات تنال منه أو تبجله وتفضله فلا يكون فيه شيء من ذلك فيبدو شخصاً زائدا على ما فيه، زائدا على ما يمكن أن يصدر عنه.
مدائح «لماذا؟»
سوف يحاول كاتب السيرة فعل ذلك، وكأنّ كتابة السيرة لا تنفك عن سؤال ‘’لماذا’’. حينها ستكون عبارة ‘’سيرة غير ذاتية غير موضوعية’’ عتبة للمدح كما هي بياناً للإجابة على سؤال ‘’لماذا’’. بص يا عبدالوهاب.. هذه العتبة لن تكون من الزجاج لتكشف كلّ شيء أو تمنع تبرم القارئ من تقريرك ما يحذف من السيرة وما يثبت عندما قلت ‘’والصفحات التالية هي قصة حياتي أو رحلتي الفكرية كمثقف عربي مصري، وليست قصة حياتي الخاصة زواجاً وأباً وابناً وصديقا وعدوا.. إنني استبعدت كل الوقائع والتفاصيل التي ليس لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتطوري الفكري’’ (ص 12) لكنها ستكون ‘’سلم نايلون نايلون’’ لن يصمد كثيراً ملثما أنك لم تصمد فوضعت لها تبريراً ‘’أن يكون لها علاقة بتطورك الفكري’’.
وإلى جانب ‘’التبرير’’ سيكون هناك دافع آخر أكره أن أسميه ‘’عقلاني’’ هو ‘’الشهادة’’ التي ستحفظ حياة كاتب السيرة بأنواعها بعد رحيله. المسيري جعل سيرته التي أطلق عليها ‘’فكرية’’ وصار ينوه لذلك مرّات عدّة، وأنه لن يذكر من الذاتي إلاّ ما له شأن في ‘’الفكري’’ ممّا يجعله كائنا ذي قصد، بعيداً عن الذاتية. لكنه كان يقضا أيضا لفكرة استحالة الموضوعية، وأنّها ‘’وهم’’ إذا قيل يمكن تحقيقها كاملةً منفصلة عنه انفصالا حاداً عن الذاتية. ربما لهذا كنّا نضحك كلما وجدنا أحدهم يدعو إلى الموضوعية، ويا ‘’أخي خلّك موضوعي’’، طبعا هذا لا علاقة له بالإحباط الذي نال من سائق التاكسي ذلك أن الديري خرج عن الموضوع كلّه وليس عما يمكن تحقيقه من الموضوعية في موضوع الزواج.
استحالات
كتب المسيري مرّة في هذا الأمر مادة بعنوان ‘’الموضوعية والذاتية’’ قال فيها ‘’تُعبِّر الموضوعية عن إدراك الأشياء على ما هي عليه من دون أن يشوبها أهواء أو مصالح أو تحيزات، أي تستند الأحكام إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل، وبعبارة أخرى تعني الموضوعية الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجوداً مادياً خارجياً في الواقع، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المدركة) إدراكاً كاملاً. وعلى الجانب الآخر، كلمة الذاتيّ تعني الفردي، أي ما يخص شخصاً واحداً، فإن وُصِف شخص بأن تفكيره ذاتي فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه، ويُطلق لفظ ذاتيّ توسُّعاً على ما كان مصدره الفكر وليس الواقع’’. ثم راح يوضح قضايا أساسية لها علاقة بهذا الموضوع، وعلاقة اللغة ومجازها بكل ذلك واستحالة أن يلغي الموضوع الذات أو العكس.
غير.. غير..
كانت ‘’رويترز’’ قد عللت وجود عبارة ‘’سيرة غير ذاتية غير موضوعية’’ على الغلاف بقولها ‘’ويبدو أن هذه الجملة حررت المؤلف من الالتزام بكتابة صارمة يتتبع فيها تصاعد الحوادث الشخصية وتراكم التجارب الخاصة من الطفولة الى الشباب الى سن الحكمة ليصبح الكتاب تقطيرا لخبرات مفكر ينظر من خلاله الى حياته وانجازاته بكثير من الرضا وان لم يصرح بذلك’’. فقد كان المسيري في صغره عضوا بجماعة الإخوان المسلمين ثم عضوا في الحزب الشيوعي المصري لكنه ظل على مسافة ذهنية تسمح له بالنظر إلى الأمور بكثير من التجريد إذ يقول ‘’وضعت جهازي العصبي داخل ثلاجة مدة ربع قرن. كنت أتباهى في أثنائها بأنني انظر الى وقائع الحاضر نظرة مؤرخ وأنني يمكنني أن أراقب العمال يغيرون رخام منزلي وأكتب في الوقت ذاته عن الفيلسوف الألماني’’ عمانويل كانت. لم تفعل عبارة ‘’سيرة غير ذاتية غير موضوعية’’ ذلك فحسب. هذه العبارة أرادت مدح قدرات المسيري ومنذ الغلاف على بيان أنّه كائن ذي قصد، وأن سرد تفاصيل الحياة من دون استبعاد وتهميش وتركيز وإبقاء لا يكون في كتابة السيرة. وأنّه لا مناص من الانتقاء. لكنه يفعل كل تلك بقصد ‘’فهذه رحلة فكرية يتم سردها من خلال موضوعات لا من خلال مراحل متتابعة’’.
الهوامش
موقع المسيري الالكتروني www.elmessiri.com (http://www.elmessiri.com)
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=64440)
العوائل اليهودية البحرينية
الوقت - علي الجلاوي:
العوائل التي بقيت في البحرين من الجالية اليهودية قليلة، بسبب الحوادث التي أدت إلى الهجرة والانتقال، إلا أن بعض العوائل بقيت في البحرين، ومازالت تمارس أعمالها ونشاطها التجاري.
يذكر بلجريف أن أحد المهاجرين اليهود عاد من إسرائيل وفضل أن يدخل السجن سنة واحدة مقابل أن يبقى في البحرين، وبعض العوائل استقرت في دول أوروبية، ولكن مازالت تجيء كل حين إلى البحرين لزيارة أقارب لهم أو أصدقائهم أو متابعة شؤون تجارتهم، وهناك عوائل تكاد لا تجد لها أثراً.
العوائل التي بقيت لها اتصال بطبقة معينة من المجتمع، وتجد أفرادها في متاجرهم والأسواق التي يرتادونها، ولا يمكنك التفريق بينهم وبين المحليين لسمة ما، وقد وجدت أن الكبار في السن منهم يجيدون اللغة العربية أكثر من الجيل الثاني، وأكثر أبناء هذه العوائل لا يدرسون حالياً في المدارس العامة
ولكن مع الجيل الثاني بدأ الاحتكاك والاختلاط في المحافل والمؤسسات الرسمية والأهلية، فنجد منهم من دخل في مؤسسة لحقوق الإنسان، والبعض الآخر في مؤسسات تختص بعضوية نيابية، وآخرون لهم نشاطاتهم التي لها اتصال بالمجتمع المسلم في البحرين، لم أجد فيهم الآن من يلبس الثوب أو ‘’الصاية’’ التي أتت معهم من الثقافة العراقية، ويمكن أن نقول إنه تمت عملية تبيئتهم وفق الثقافة والتقاليد البحرينية بصورة ما.
العوائل التي بقت في البحرين بعد الحوادث التي مضت هم قلة وسأتناولهم بشيء من التفصيل.
عائلة نونو
قدمت عائلة نونو إلى البحرين مع بداية القرن التاسع عشر، وسكنت المنامة، ومنها داوود نونو وزوجته ابنة عائلة يهوذا، وداوود يُعد الآن عميد الجالية اليهودية في البحرين، وهو من مواليد ,1927 أبيض طويل يضع الآن نظارات، ذا شعر أبيض أنزع قليلاً من الأمام، قليل الحديث لكنه بشوش، التقيته مرة في المنامة وسألته عن الجالية اليهودية في البحرين إلا أنه لم يجبني. وقال لي أن قناة الـ ‘’بي بي سي’’ أجرت حوراً معه، لكنه لم يستجب لهم إلا بعد إلحاح كبير لمدة ثلاثة أيام.
قال لي حين وجهت له مجموعة من الأسئلة ‘’اذهب لنادر في المتجر’’ فذهبت له، كان المتجر صغيراً ضيقاً، يجلس في نصفه موظفو المكتب الذين يطلُّون عليك من زجاج به فتحات، والنصف الآخر ممر صغير للزبائن. أين أجد نادر؟ أخبروني أنه في الطابق العلوي يصلي، لم أكن أعرف أن اليهود يصلون في الظهر أو أن لهم وقتا محددا للصلاة، الأمر الذي أثار دهشتي. وبعد انتظار قليل أطل شاب في الثلاثين، فعرفت أن داوود لا يريد أن يخبرنا أو يتحدث معنا عن تاريخ الجالية اليهودية في البحرين.
عائلة كوهين
عميدها يعقوب كوهين، وهي من أصول تنحدر من العراق، بعد الثورة في العراق توجهت عائلته إلى الهند ومن ثم إلى البحرين، يملك محلاً للأقمشة، وتعد عائلة كوهين من العوائل القديمة أيضاً في البحرين، ويذكر المعاصرون الذين التقيتهم أن كوهين كان يقوم بأعمال رجل الدين لعدم وجود رجل دين في البحرين لليهود، وقد أقام بعض الطقوس الدينية، ولإلمامه بالعبرية كان يقرأ بعض الأذكار للجالية.
عائلة يادكار
يعرف منها اسحق يادكار، وعائلته عرفت بامتهانها بيع الأقمشة أيضا، وكان لهم متجر بالمنامة، وهذه العائلة من العوائل التي تنحدر من أصول إيرانية، وأحد أبنائها كان يملك متجراً آخر في سوق ‘’المقاصيص’’ وهو سوق عام في المنامة، وقد كان هذا المتجر مخصصا لبيع الأسطوانات، وكان يأخذ المغنين إلى الهند لتسجيل أسطواناتهم، وأحد أفراد هذه العائلة مدفون بمقبرة المنامة الخاصة بأبناء الجالية اليهودية واسمه إلياهو صالح يادكار ولد في العام 1933 وتوفي في 14 يونيو/ حزيران ,2001 يشار إلى أن لقب يادكار يخص عائلتين في البحرين، واحدة تدين باليهودية وواحدة تدين بالإسلام السني، والبعض يرجع هذه العائلة إلى القبائل التي هاجرت من السواحل المحاذية لإيران أو ما يطلق عليه بر فارس.
عائلة سويري
يعرف منها اسحق سويري والد سلمان سويري الذي شغل منصب مساعد مدير ‘’تشارتر بنك’’ وقيل إنه كان مدير البنك، فهو من يعطي القروض ويقابل التجار، كما تعارف بين العامة على توصيفه بـ ‘’روح البنك’’، كان خلوقاً لدرجة عالية، كما أن له أخا يقال له ‘’إلبير’’. كان لسلمان ابنان، واحد اسمه إسحاق والآخر لم أعرف اسمه، ويقال إن اسحق هاجر إلى إسرائيل ثم إلى بريطانيا أما الابن الثاني فقد أحب فتاة شيعية من أصول إيرانية وتزوج بها، ويذكر أحد المعاصرين أنه حضر إعلان تشيعه على يد الشيخ باقر العصفور في المنامة، وأنه لما زار الهند التقاه هناك، فقد كانت له خالة في منطقة ‘’قلابي’’ وبعد ذلك توجه لانجلترا، وأما بيتهم في البحرين فقد كان قريبا من جامع المهزع حالياً، وفي مارس/ آذار من سنة ألفين تزوج فرانكي بن اسحق سويري ببريطانية هي أميرة نسيم صفر، وقد شغل فرانكي عمل محاسب، وأمه تدعى رحيمة سويري، وقد أنجب فرانكي وأميرة ابنتهما الأولى ناتالي، وأميرة هي ابنة نسيم صفر هاجرت إلى إنجلترا من العراق، وقد تلقت تعليمها في بغداد، ومازالت أمها وأخاها يعيشان في بغداد، وبعد انتهائها من المرحلة الثانوية دخلت كلية الطب وتخرجت منها طبيبة في العام .1991
مراد وبروين وروبن
يعرف منها ناجي مراد، كان تاجراً ولديه متجر في العاصمة المنامة، كان وكيلاً لساعات رولكس، وله عم يقال له إبراهيم، كما أن لناجي أبناء، منهم فيكتور وأنور ويوسف، وهم الآن يعيشون في بريطانيا، ويأتون إلى البحرين بين حين وآخر.
وعائلة بروين عائلة لم نعرف عنها غير أنها عائلة يهودية تنحدر من أصول إيرانية، سكنت البحرين في بداية القرن التاسع عشر، هذا ما تناقله المعاصرون عنها فقط.
وعائلة روبن عائلة كبيرة وقديمة في البحرين تصل جذورها إلى مئة عام، ويوجد منهم روبن الابن صاحب وكالات عدة للأجهزة الإلكترونية، وصاحب متجر، يقارب سنّه من الثانية والخمسين، كان والد روبن يعمل في تشارتر بنك مصرفياً، دمث الأخلاق دائم الابتسام.
عائلة خضوري
يعرف منها يوسف خضوري، وهي عائلة تنحدر من أصول عراقية، وقد تزوج من إحدى بنات يهوذا، وعنده متجر مطل على شارع باب البحرين، يبيع فيه التحف والصوف والسجاد، وله متجر للأقمشة أيضاً، وهو تاجر كبير وصاحب أموال بعد أن كان قد أفلس في العراق، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى، ثم أتى إلى البحرين. كان مثقفاً ومتحدثاً وأنيقا، وكما تذكر بعض المصادر أن هذه العائلة مقتدرة بصورة كبيرة، فأحد أبناء هذه العائلة أهدى أرضا كبيرة لبلدية هونج كونج، وقد أصبحت الآن حديقة ويطلق عليها لحد الآن حديقة خضوري، وقد دفن في مقبرة اليهود أحد أبناء هذه العائلة واسمه يوسف إلياهو خضوري، وقد ولد في 25 ديسمبر/ كانون الأول ,1891 وتوفي في 19 سبتمبر/ أيلول من العام ,1982 وقد كتب اسمه، ميلاده، تاريخ وفاته باللغة الإنجليزية.
هارون وحسيقل وحوقي
وعائلة هارون لم نعرف عنها غير أنها عائلة يهودية سكنت البحرين في بداية القرن التاسع عشر، وقد ذكرها أكثر المعاصرين.
وعائلة حسقيل هي عائلة يهودية تنحدر من أصول عراقية، وقد عملت في حقل الصرافة، وكان لابنها عزرا حسقيل متجراً في باب البحرين، وقد وجد مقتولاً في متجره في شهر رمضان العام ,1973 وله ابن يقال له إبراهيم، درس في المدرسة الغربية التي يطلق عليها حالياً اسم مدرسة أبي بكر الصديق بالمنامة.
وعائلة حوقي يعرف منها خضوري حوقي، له متجر في العاصمة المنامة لبيع الأقمشة، وقد تزوجت إحدى بناته من مسلم وهي ‘’تفاحة’’، أما المسلم فيقال له ‘’عبود الربل’’ ومازالت ‘’تفاحة’’ في البحرين، ولها أبناء منه، وقد أسلمت وجميع أبنائها، وتعيش حالياً في المحرق.
غرجي وزلوف ومنشي
عائلة غرجي عائلة لم نعرف عنها شيئا غير أنها من الأسماء التي يتذكر المعاصرون أنها عائلة يهودية سكنت البحرين في بداية القرن التاسع عشر.
وعائلة زلوف يعرف منها سلمان زلُّوف، وله أربع أخوات، كما أن له أخا يقال له سلمان، لهم بيت ملك على شارع الإرسالية الأميركية، وهناك أحد أبناء الجالية أيضا يقال له صهيون زلوف، لكننا لم نطلع على صلة القرابة بينهم، وفي مجلة تختص بشوؤن الجالية اليهودية في لندن أشار أحد أبناء العائلة وهو حسقيل زلوف في سنة تسعين إلى أنهم ذهبوا لمدينة بومبي الهندية، ثم بعد ذلك في العام ,1949 هاجروا إلى إسرائيل.
وعائلة منشي يعرف منها داوود منشي، يعمل في حقل الصرافة، وله ابنة يقال لها منيرة، وقد هاجرت هذه العائلة من البحرين إلى مدينة طهران بالجمهورية الإيرانية، وقد كان داوود منشي يشترك مع إبراهيم والد داوود نونو في بعض التجارة ثم انفصل عنه، وكانت حادثة الاشتراك والانفصال تتكرر بينهم.
عائلة يهوذا
وعائلة يهوذا يعرف منها يهوذا وزوجته تفوحة، وقد عرفت زوجته في مجال التجارة، وفي بيع الأقمشة بالخصوص، فقد كانت تجول على كل قرى ومدن البحرين تقريباً لبيع الأقمشة، ولها أبناء هم ساسون وجميس وقد كان هذا الأخير (أبكما)، وابنتان واحدة منهن تزوجت بداوود نونو والثانية بيوسف خضوري.
وعائلة خضوري سيّار، لا يعرف عنه غير حادثة وقعت لابنته، يقال تعرضت ابنته لاعتداء ولم يُعرف من وراء هذه الحادثة، كانت الفتاة قادمة من عوالي لناحية مدينة عيسى، وقد تم نقلها على إثر ذلك لمستشفى عوالي، وبقيت فيه مدة، ثم سافرت إلى لندن ولم ترجع، كان أبوها يسكن لندن أيضاً، ويدار متجره من قبل موظفين.
علاقات ملتبسة
يبدو واضحاً أن هذه العلاقة كانت قوية قبل العام ,1948 أي بعد إعلان بلفور، وأخذت بالتضائل فترة حتى العام ,1967 أي أيام حرب الستة أيام أو حرب حزيران، وهذه الفترة تعد من أضعف الفترات في علاقة اليهود بالمسلمين في البحرين، ولكن بعد ذلك أخذت بالتحسن للوقت الراهن، فالكثير من المسلمين لديهم أصدقاء يهود، وقد حدثت بينهم بعض الزيجات، والتي غالباً ما يتخلى فيها طرف عن مذهبه، وعلى الأعم في حوادث الزيجات التي وقعت في البحرين يكون التخلي عن المذهب من جانب معتنق الديانة اليهودية، ربما يرجع ذلك لكون البحرين دولة مسلمة رسمياً، وقد تكون لضعف في التمسك الديني، وقد ترجع لجانب من التسامح في الأديان، ولكن أتصورها تكمن في القوانين الإسلامية واليهودية التي تمنع الزواج المختلف، وهذا الأمر يدفع هؤلاء للتخلي عن مذهبهم لصالح الآخر وخصوصاً المسلم بسبب كون القوانين القضائية والشرعية للحكومة هي قوانين إسلامية، فزواج ابن سلمان سويري ربما هو الدافع الذي جعله يعلن تشيعه، وحادثة زواج ‘’البحريني’’ ربما هي التي دفعت بزوجته اليهودية لإعلان إسلامها وإن بطريقة رسمية فقط، فالبعض يشير إلى أنها مازالت محافظة على يهوديتها، غير أن أبناءها اعتنقوا الإسلام ومازالوا كذلك وقد تزوجوا بمسلمين، إلا أنهم لا يكشفون عن أصل والدتهم، حتى لأحفادها. أما بالنسبة للعمل فإن أكثر المؤسسات التجارية اليهودية يعمل فيها مسلمون، وقد قام البعض منهم بإنشاء مؤسسة مشتركة بين يهودي ومسلم، وقد أصبحت بين اليهود والمسلمين في البحرين لقاءات عائلية، والكثير من هؤلاء دخل بيوت بعضهم كما يروي روبن إلا أنه عندما يزوره أصدقاء مسلمون ويحين وقت صلاتهم يذهبون لغرفة في بيته ويقيمون صلاتهم، ويقول إنه لم يجد فيهم من يقول إن هذا بيت يهودي لن أصلي فيه، ويذكر أحد الأصدقاء حادثة، أنه كان على باب الزواج ولا يملك الأمور الأساسية لتجهيز بيته، فقام أحد أصدقائه من الذين يعملون عند عائلة نونو في حقل الصرافة بإخبار إبراهيم نونو بذلك فطلب منه أن يلتقي بالشخص، وأخذه لمتجر روبن وأعطاه المستلزمات الكهربائية من ثلاجة وغسّالة وأمور أخرى.
يبدو أن النسيج الاجتماعي في المجتمع البحريني قادر على استيعاب الاثنيات وإذابة الحواجز في المجتمع بصورة ما، أو جعلها أقل حدة، ودمجها في مجتمع ينتمي لمفهوم المواطنة، وعلى رغم ذلك كان هناك نوع من رفض الآخر، واعتباره نجسا أو كافرا، فقد نقلت إحدى اليهوديات والتي كانت جدتها تسكن البحرين، أن جدتها مرت بمتجر بائع فاكهة، فقامت بلمس الفاكهة لمعرفة الناضج منها، وكان بائع الفاكهة شيعي، ما دفع ببائع الفاكهة إلى رمي سلة الفاكهة التي لمستها جدتها على الأرض، وهو يصرخ في وجهها أنها قامت بتنجيس الفاكهة، ومازال البعض يعتبرهم جزءا من الاحتلال الصهيوني، ففي رأيه أنهم وقفوا إلى جانب إسرائيل، ولذلك فنرى أن هناك موقفا غير معلن ضد أبناء الجالية اليهودية، ويبدو أن أبناء الجالية اليهودية لديهم حذر غير معلن أيضا تجاه المسلمين، وربما يكون رد فعل داوود نونو عند مقابلتي له نابعا من هذا الحذر الذي لم يصرح به، وهناك حادثة أخرى يذكرها أحد المعاصرين، كان بعض أبناء الجالية إذا دخلوا سوق السمك في المنامة وقاموا بلمس السمك يقوم الجزّاف وهو بائع السمك بضرب اليهودي على يده، اعتقاداً منه بأنه قام بتنجيس السمك.
- شاعر وكاتب من البحرين
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=64435)
مكان
خزانة الكتب.. خزانة الضوء
حسين المحروس
http://www.alwaqt.com/imagescache/98blog_author100crop.jpg (http://www.alwaqt.com/cv.php?cvid=98&tbl=blog_author)''إذا جئت هات الكتب معك'' هذه عبارة أحمد المناعي كلما أخبرته أنّي في طريقي إليه وبصراحة ليست هي العبارة تماماً لكنها لم تخرج من حضور الكتاب لدى المناعي. أخبره برغبتي في الحضور فيقول'' إذا لم يكن عندك كتاب لي لا تأتي'' أقول له مازحاً ''ليس عندي'' فينفعل يكتم ضحكة توشك على الانفجار ''أقول ليك إذا ما عندك كتب لا تجي سمعت''.
يحتفي بالكتاب بشكل غير عادي. يطلبه من الباعة ويلاحقه كمن يملك سيرة حركته. لا يكتفي بشراء نسخة واحدة منه ولا يرتاح حتى يجعلها نسختين. ولا يمكن أن يغيب عن باله أن في مكتبته نسخة واحدة من كتاب ما، وأن مكمن راحته في جعلهما نسختين! سألته لماذا تفعل ذلك؟ فيقول ''علمتني وقائع اختفاء كتبي بقصد وبغير قصد أن لا أقتني نسخة واحدة من الكتاب. أنا حريص على كتبي غير أن حبي لمساعدة الباحثين يغلبني فلا أرى آفة الإعارة من خلفها. آه.. تعرف يا حسين يصعب ملاحقة المستعير ومطالبته خاصة إذا كان صديقاً. ولا يكتفي أحياناً فيحوّله هذا الصديق إلى آخر''
اشترى من الكتب حتى فاض بها، وفاض البيت أيضاً تماماً مثلما فاض أرشيف عبد الله الخان بالصور فشغلنا كثيراً فترة إعداد كتاب ''المحرق.. وردة البحر'' فالأرشيف العظيم لا يعني غير الحيرة في تخير الصور منه. يتصل يقول ''إزيّك يا حسين.. ممكن أضيف خمس صور جديدة في الكتاب'' حدث ذلك أكثر من عشر مرّات وفي كل مرّة يقول بضحكته اللذيذة ''آخر مرة والله.. بعد ما أتصل فيك'' لكن ذلك لا يحدث. يعود يسرد لي قصة مكان في المحرق تنتهي بقوله ''أنا صورته اليوم. غدا الصور عندك للكتاب'' تعب منفذ الإخراج حسن مهدي من هذه الإفاضات ولم يتعب الخان ووجدت فاطمة الحلواجي ذلك مهمّا حتى يستقر خاطر الخان، ولم يتبرم الدكتور محمد الخزاعي بغير ضحكة ثم ''حاضر لك وله''. أما السفيرة الفرنسية السيدة مليكة براك فقد جعلت ذلك من أولوياتها، وتابعت مراحل إنتاج الكتاب وتفتح بستان وردة البحر فيه.
المناعي والخان.. كلاهما يفيضان.. كلاهما من المحرق..
المصدر (http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=4085)
مكتبة المناعي.. من خــزانة الشيخ المحمود.. من «رواشن» كتبه
http://www.alwaqt.com/imagescache/65580articles200.jpg (http://www.alwaqt.com/imagescache/65580articles.jpg) الوقت - حسين المحروس:
لا تغفر لمنْ يأخذك إلى خزانة كتب شخص في مكانة الشيخ المحمود تنظر إلى كلّ ما فيها لكنك لا تستطيع تقليب خاطرك فيها. الذين يجيئون إليه كلّ يوم أيضا لا يستطيعون. لا يمسّ أحدهم كتاباً إلا بأمر.
في قرية ''قلالي'' بالمحرّق بيت ومكتبة الشيخ عبدالمحسن المحمود مملوءة بالوقار والسكينة والمعرفة الدينية والتاريخ والمخطوطات النادرة ورائحة مجلدات الكتب وبالسؤال أيضا.
مجلدات متراصة على الأرفف ورواشن الكتب صارت تلفت عين الطفل أحمد المناعي. كلما أحاط الناس بصوت الشيخ قلّب عينه في المجلدات الكبيرة. يقول المناعي ''كنت في الحادية عشرة من عمري أتيحت لي الفرصة لزيارة مجلس الشيخ المحمود بصحبة احد أفراد عائلتي.
استمتعت برؤية الكتب وهي مرصوصة على الأرفف والرواشن. وكانت بأحجام مختلفة، وبهرني بشكل خاص الكتب ذات الأحجام الكبيرة المجلدة تجليدا جيدا، ورغبت في تلك اللحظات تفحصها والاطلاع على محتوياتها، غير ان وقار الشيخ وهالته الدينية كانت تضفي على المجلس احتراما وهيبة تمنع طفلا مثلي أن يقوم بذلك أو حتى يسأل عن طبيعتها أو محتوياتها''.
رواشن الكتب
ينشغل الناس بالشيخ ويصيخون السمع لكلامه: مسائل فقهية، أحاديث، فتاوى، رأي في مسألة اجتماعية تسندها مُدونة من التاريخ وحكاية تشبهها لولا مسافة الزمن. في مجلسه القضاء. يتسلل الطفل أحمد وحده هذه المرة. يضع عينيه على نافذة مجلس الشيخ.. الشبابيك الخشبية.. على رواشن الكتب. ''عرف الشيخ عبدالمحسن بثقافته الدينية الواسعة التي اهلته للفصل والفتوى في القضايا الاجتماعية والدينية، وإبرام عقود الزواج في القرية. كما عمل خطيبا بمسجد سالم بن درويش المناعي، واعتقد أنه مارس مهنة التعليم في بدايات حياته بمدرسة الحد الابتدائية آنذاك. وتوفي شيخا معمرا في منتصف خمسينات القرن الماضي''.
رحل الشيخ. مكتبته التي كانت تضجّ بالإصغاء إليه وبالسؤال هُجرت. لا معنى لرواشن الكتب من دون إنسان. رحل الشيخ فانتقلت أسرته من ''قلالي'' للعيش في مدينة ''الحد'' شمال شرق المحرق. أهملت رواشن الكتب. استطاعت الأسرة لاحقا الاحتفاظ ببعض مجلدات الكتب. يقول المناعي ''ثمة حاجة ملحة جداً للبحث والكتابة عن مثل هذه المكتبات النادرة وعن تلك الشخصيات التي كانت مختلفة بعلامة القراءة وسط أمية لها علامتها الواضحة أيضا''
خزانة عبدالرحمن المناعي
وهبته مكتبة خاله ومدرس اللغة العربية عبدالرحمن المناعي مزاجاً آخر . حملت إليه الشعر والأدب. تأثر بها وبه، بسيرته حتى صار تلميذ الابتدائية ''أحمد'' يشتري الدوريات وما يأتي من مصر وغيرها من مجلات وصحف. قراءة مكثفة، متواصلة لا تهدأ، أعّدتها تلك المناقشات التي تعقب كلّ قراءة مع ابن خاله علي عبد عبدالرحمن المناعي. صار كل منهما يحمل ما يقرأ مفتوناً للآخر وليس حينها ثمّة مصدر للمعرفة غير القراءة. قليل ذلك الذي يأتي إليك. استمر بهما لحال حتى نهاية المرحلة الثانوية العام .1962 مكتبة خريج القسم العلمي صارت ممتلئة بكتب الأدب والفلسفة والتاريخ.
عمل المناعي الخال مديرا لبعض المدارس. كان من أوائل من ابتعثوا في دورات تعليمية وتربوية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت في بداية الخمسينات. تخصص في تعليم اللغة العربية. وعرف بموهبته الأدبية وحسن الخط . برع في مجال التعبير الأدبي وكتابة الشعر العمودي وتأليف المسرحيات والمونولوجات الفكاهية. وكون مع المرحوم عتيق سعيد - الإذاعي المعروف - ثنائيا مسرحيا مشهورا، حيث نهضا بالفن المسرحي المدرسي بمدرسة الحد الابتدائية، حيث كانا يعدان المسرحيات ويؤلفان لها الأناشيد والمقطوعات الشعرية ويقومان بإخراجها على خشبة مسرح المدرسة.
يصف المناعي مكتبة خاله في قوله ''كانت مكتبته تحوي العشرات من الكتب الحديثة في مجال اللغة والنقد الأدبي والتاريخ التي تصدرتها مؤلفات طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل واحمد أمين وغيرهم من الأدباء والكتاب في تلك المرحلة، إلى جانب احتوائها على عدد من دوواين الشعر لأبرز الشعراء العرب القدماء والمعاصرين، وكذلك وجود بعض الكتب التراثية المهمة. وتعرضت مكتبته للإهمال والتلف بعد أن هجرت العائلة الكبيرة المنزل القديم وتفرقت فروعها متخذة مساكن أخرى داخل البحرين أو خارجها. ولم يتسن لي الاحتفاظ بها بسبب الأوضاع والظروف الخاصة التي أعقبت ذلك وجعلتني اعتقد بأن خالي قام بنقلها معه إلى موقعه الجديد خارج البحرين، وحين علمت ببقائها داخل خرائب البيت قمت بالبحث عنها فلم أحصل سوى على عدد قليل من الكتب، التي تعرض معظمها للتلف والسرقة''.
المكتبة والأرشيف.. تحريض مستمر
مكتبة ''المناعي الخال'' ورواشن مكتبة الشيخ المحمود أسسا لتحريض المناعي لما كل هو فيه الآن من متابعة غير عادية لكل ما يُطبع من كتب. وحوادث المكتبات وضياعها لم يغب عن باله. فكرة الأرشيف عنده نالها شيء من ذلك. من رواشن الكتب التي فقدت أيضا.الأرشيف مصدر قوة قيل مقصودة، وقيل غير مقصودة نستمد منها الجرأة، ونستند بها. لكننا قد نخاف هذا الأرشيف، فنأتي على تدميره أو نمارس تغييبه بالقوة. يأخذ الأرشيف شكل المكان الذي أنشئ فيه وما تعاقب عليه من قوى لذا هو تاريخ أيضا. أليس تاريخ الشيء ما تعاقب القوى عليه؟
عند أحمد المناعي يحضر مفهوم الأرشيف بشكله الفعلي المنجز لا النظري. هنا لا يختلط مفهوم الأرشيف بمفاهيم أخرى مثل المخزن! الأرشيف عنده أحد أوصاف للتوثيق بالورق أو الصورة أو الصوت أو ما يعرف حديثا بالتوثيق الإلكتروني. الأرشيف عنده ما يساندك عند الحاجة وما يسند ظهرك ولا يخذلك عندما تستدعيه. يحضر الأرشيف والمكتبة معاً فكلاهما يحفظان النتاج البشري الذهني في مجالات الكتابة والمعرفة. قال لي ''المكتبة والأرشيف كلاهما يقود إلى الآخر ويستند عليه، ويدعو إليه. هذا الانشغال الجديد لم يؤثر على اهتمامي بالمكتبة وساعدني في الكتابة كثيرا إذ المعلومة تكون قريبة جدا منك: مكتبة وأرشيف معاً. ليس أجمل من ذلك''.
الكتاب يدعو للكتاب
منذ الشيخ المحمود والكتاب يدعو إلى الكتاب، والقراءة إلى القراءة ''منذ تلك الفترة صار لي اهتمام غير عادي بالكتاب. صار لي اهتمام بأن أكوّن مكتبة شخصية كان لها دور في تحريضي المستمر في نمو علاقة جميلة بالكتاب. وفي المرحلة الثانوية صار لي مكتبة شخصية لا بأس بها''.
من البحرين سافر المناعي إلى العراق بحب الكتاب والمكتبات. عَمِلَ ونشط المناعي في أكثر من جانب. صار يهتمّ بِركنٍ خُصص لكلّ ما له علاقة بالخليج في المكتبة. أصبح هذا الركن أفضل ما يقدّم من معلومات للطلاب الذين يدرسون مادة الخليج. من هنا، من جامعة البصرة بدأت اقتراحات المناعي تتحول إلى سيرة عملية، أخذت الجامعة، توجه اهتماماً خاصاً لتاريخ الخليج وتعطيه دوراً وأهمية كبيرين، فأخذت تبحث عن كل ما له علاقة بهذا التاريخ في المكتبات والمصادر الأخرى. يساعدها في سعيها المناعي الطالب، فإذا وجد منها شيئاً أطلع الجامعة عليها لضمها للمكتبة. كانت البصرة مليئة بالمكتبات القديمة الخاصة التي تحوي نوادر المخطوطات والكتب والوثائق، كان أشهرها مكتبة ''باشا أعيان'' وهي مكتبة قديمة تعد من أشهر المكتبات الخاصة في العراق، تقوم عائلة باشا أعيان على رعايتها والاهتمام بشؤونها منذ القرن الرابع الهجري. ولعبت دوراً مهماً في إفادة الباحثين والدارسين في كل مجالات الأدب والتاريخ. كان في البصرة أيضاً شخصيات أدبية وباحثون لهم اهتمام كبير بحفظ الوثائق والمخطوطات القديمة وعلى دراية واسعة بها. هذه البصرة في قمة حيويتها الثقافية، على رغم الوضع السياسي غير المستقر. يقول المناعي ''عشت فيها أوقات سعيدة لا تنسى، ماتزال يومياتها في ذاكرتي''.
الكتاب هوية عراقية
تخرّج المناعي في جامعة البصرة العام 1968 بشهادتين: الأولى الجامعية في الآداب بدلاً من العلوم لحبّه للكتاب الذي غيّر توجهه نحو الأدب، والثانية شهادة من رئاسة الجامعة تقدّر مساهماته البارزة في تأسيس جامعة البصرة وفي أهم مكتبة متخصصة عن الخليج العربي في الجامعة، وتشكره على نشاطاته ومشاركاته الثقافية. يقول المناعي ''هذه الشهادة تعتبر أهم من الشهادة الدراسية، لكني حزين لضياعها أثناء نقل مكتبتي من بيتنا في قرية قلالي إلى المنامة''.
كان العراق غير، والجو الثقافي في تلك الفترة في أوجه. الكتاب هوية عراقية بامتياز. دوريات مختلفة، أنشطة لا تهدأ، زادت من اهتمام المناعي بالكتاب. وفي البحرين انشغل المناعي مع رفاقه في تأسيس ''أسرة الأدباء والكتاب'' يقول ''هذه الانشغالات دفعتني أكثر فأكثر لاقتناء الكتاب. صرت أشتري كل ما يدخل في حقل اهتمامي الثقافي الفنّي''.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=65580)
أوان الوقت
خــــزانة الســيرة..
باسمة القصاب
http://www.alwaqt.com/imagescache/66blog_author100crop.jpg (http://www.alwaqt.com/cv.php?cvid=66&tbl=blog_author)سأتجرأ وأزعم أن الرواية ما هي إلا سيرة. وأن كل رواية تقول عبر شخوصها أنا كاتبها وأفكاره ووجوده وتجاربه وشيء من سيرته، هذا إن لم تكن روايته كلّها سيرته. غرض كل سيرة كما يقول علي حرب في سيرته الفكرية (خطاب الهوية) هي أن ‘’يروي صاحبها حياة الكثيرين، فيما يروي حياته الخاصة’’.
يجمع الكاتب في سيرته (روايته) الذوات التي تشبهه فيكون نطقها. ويجمع الذوات التي تختلف معه فيكون سؤالها. وعبر هذا النطق أو السؤال تعيد الذات اكتشاف علاقتها بالوجود، وعبره تخلق لها وجوداً جديداً. نعبر السيرة فإذا بنا نعبر ذواتنا. ترينا السيرة حيواتنا وأنياتنا وواقعنا ومآزقنا ومعضلاتنا وسؤالاتنا ورغباتنا وحاجاتنا ومشاعرنا وأفكارنا وشكوكنا وهواجسنا. فالسيرة مرآة.
في روايته الشهيرة (الخيميائي)، يروي كويلو شيئاً من تجربته الصوفية في الشرق عبر شخصية بطله سانتياغو. تدور أحداث الرواية بين كل من إسبانيا والمغرب ومصر. تترجم الرواية إلى أكثر من 51 لغة، وتبقى على قائمة أفضل المبيعات لأشهر طويلة. 34 مليون نسخة مجموع ما بيع من روايات باولو كويلو حتى .2006
ما الذي يجعل هذه الروايات تحظى بكل هذا العدد من القراء والمهتمين؟
هل هو تحقيق لرغبة كويلو وأسطورته الشخصية عبر ما تؤكده مقولته ‘’إذا رغبت في شيء فإن العالم كله يطاوعك لتحقيق رغبتك’’، تلك المقولة التي تدور حولها روايته الأشهر الخيميائي؟
أم لأن كتابات كويلو فيها شيء من سحر المرآة. بمعنى أنها تروي شيئاً من حياة الـ34 مليون الذين ابتاعوها، شيئاً من شغفهم للوصول إلى أسطورتهم الشخصية وإنجازهم العظيم، شيئاً من رحلة بحثهم عن كنزهم الخاص في صحراوات حياتهم؟ هل كانت تروي كل هذا فيما هي تروي شيء من تجربة كويلو الخاصة في صحاري الشرق؟ وهل هذا ما جعل رئيس الوزراء الايطالي يصف الخيميائي عام ,98 بأنها ‘’كناية عن كل فرد’’؟
ليست السيرة سوى تراكم كنايات الإنسان. ليست سوى آثار فراشاته (تجاربه) التي مرت به وبقت فيه. ليست سوى ما يتذكره من ضوء فراشاته ليرويه. السيرة صورة واحدة و34 مليون ضوء به نُخلق ونَخلق..
بهذا الضوء راحت فضيلة الموسوي، بعد قراءتها رواية دافنشي، تخلق معرفتها التي فتحتها على أدبيات الدين المسيحي ومقدساته وشخوصه الأولى. وبهذا الضوء راح حسن العلوي، بعد قراءته رواية السجينة، يخلق في نفسه مفاتيح وأسرار البقاء. وبهذا الضوء راحت سامية حسن، بعد قراءتها رواية ,1984 تخلق فهمها الخاص لألعاب أنظمة القوة التي تحكم العالم. وبهذا الضوء راح إبراهيم الشاخوري، بعد قراءته رواية ‘’قتل الطائر المحاكي’’ يخلق تساؤلاته التي وصفها بالقاتلة. وبهذا الضوء راح هؤلاء يخلقون شيئاً من سيرهم في بروفايل خزانة السيرة
المصدر (http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=4152)
بـــين هندســــة الفكـــر وخـــرائــــط الأدب
http://www.alwaqt.com/imagescache/66701articles200.jpg (http://www.alwaqt.com/imagescache/66701articles.jpg) الوقت - باسمة القصاب:
‘’الطابع العام والملاحظة التي آخذها على النقد والإنتاج الفكري عموماً في البحرين، أنه أقرب إلى النتاج الأدبي والخواطر منها من الأفكار، نحن في البحرين لا يوجد لدينا نتاج فكري، كل ما لدينا هو قصة أو شعر أو مسرحية أو ما شابه، هذا هو مأخذي الأساسي على ما كتبته باسمة القصاب’’.
كان ذلك بعض النقد الذي وجهه السيد كامل الهاشمي في حوار خاص مع بروفايل، لمقالة: ‘’سواد فاطمة بين بهجة اللون وفتنة الرؤية’’. معتبراً سردي لتجربة فاطمة في بروفايل الحوزويات أقرب إلى ‘’خواطر تحاكي المشاعر والوجدان بدلاً من الفكر والعقل’’، وأن النقد يجب أن يأتي وفق خطاب عقلي بدلاً مما أسماه بالخطاب الأدبي الطويل.
قد تسألون (ولكم الحق في ذلك) ما العلاقة بين بروفايل خزانة الكتب الذي نحن بصدده، وذاك البروفايل الذي استدعى من مشاعر الغضب والاستياء ما استدعى؟
هندسة أكثر
قبل العام ,2003 لم يكن رأيي يختلف عن رأي السيد كامل الهاشمي، أن للفكر خزانته الخاصة، وأن للأدب خزانته الخاصة. الأدب بما هو خزانة مزخرفة منمَّقة تحاكي الشعور والعاطفة (دون العقل). والفكر بما هو خزانة حادة دقيقة لا تحاكي غير العقل المتعالي فوق الحواس. الفكر بما يحيل إلى العقل، والأدب بما يحيل إلى الحسّ. وكأن الكتابة إما أن تكون عقلاً محضاً، وإما أن تكون حاسة محضة. عبر هذا الفصل كانت ذاتي تؤسس علاقتها بالكُتب والكُتَّاب. ومنه تحدِّد أولوياتها واهتماماتها. ولأنني كنت أصنف نفسي ضمن فئة المهتمين بعالم الأفكار (المحضة)، فقد كنت شغوفة بقراءة الكتابات التي تلتقي مع معتقدي الفكري (المحض) وتدعم يقينياته وبديهياته ومسلماته.
لم أكن ألتفت إلى أن الفكر الذي أقرأه لم يكن عقلاً محضاً، بل هو عقل تنطقه اللغة، وتطوّقه الثقافة، وتبرمجه التربية، فتجعله ينطق بحسّها وشعورها وعاطفتها ووجدانها ومسلّماتها ويقينياتها وبديهياتها. لم أكن أعرف أن الفكر عقل ممسوس بالحسّ.
من جهة أخرى، لم أكن أميز بين الكتابة الأدبية بما هي صورة فنية تحاكي خواطرنا ووجداننا وانفعالاتنا، وبين الكتابة الأدبية بما هي صورة مفهومية، بما تخاطب الوعي والفكر والثقافة، وبما تبتكر من معان جديدة للأشياء المألوفة، وبما تقيم من علاقات جديدة بين الذات القارئة وبين هذه الأشياء، وبما تعيد من فهم هذه الذات لنفسها وللعالم.
وفق هذا الفصل الحاد، كانت الروايات والسير، لا تحتل جهة في قراءاتي. كنت أرى إلى الروايات فكراً أقل، وحسّاً أكثر، وكنت أحسبني باحثة عن حسٍّ أقل، وفكرٍ أكثر، ومع اعتذاري لعنوان كتاب الأديب المفكِّر أمين صالح ‘’هندسة أقل خرائط أقل’’، فقد كانت هندسة الفكر عندي تستدعي خرائط أدبية أقل. فيما الروايات كما كانت تبدو لي، تنتج خرائط زخرفية أكثر، وفكرا أقل.
سلام القلب
كانت الرواية الأولى التي أُثرت لقراءتها بشغف، هي رواية ‘’سدهارتا’’، للكاتب الألماني هرمان هسّة، بعد أن قرأت على سبيل الصدفة مقاطع منها، وعلمت أنها تجربة فكرية وروحية، علمت بعدها أنها جاءت نتيجة لتجربة الكاتب الخاصة في الهند الشرقية، وقد نقل فيها حالة اضطرابه النفسي والروحي. كان ذلك مشجّعي الأول لقراءة تلك الرواية القصيرة، رغم حسّي الذي يقلل من قيمة أن أقضي وقتي في قراءة رواية.
لم يكن سدهارتا غير ذلك الباحث عن عقل محض متعال فوق الحسّ. أو هكذا علّمته خزانة ثقافته البوذية. وهذا ما جعلني أراه قريباً مني فكراً وشعوراً. سدهارتا ابن البراهما (أحد أفراد طبقة الكهنوت العليا في الهند)، يبحث عن سلام القلب الخاوي: عندما تقهر النفس وتموت، وحين تخرس العواطف والرغبات، حين إذٍ فقط يستيقظ النهائي. ويمتلك السر الأعظم. سدهارتا متعطش للحكمة منذ صغره، لم تكن روحه تهدأ لحكمة يلقنها. فالحكمة ليست وعاء. الحكمة ماء. يقرأ في الكتب المقدسة ‘’روحك هي العالم كلّه’’. يؤمن أن المنبع هو القلب، وأن على المرء أن يجد منبعه في نفسه ذاتها. لا في الآخرين. لم يعرف سدهارتا حكيماً استطاع أن يروي عطشه الفكري الأبدي تماماً.
سيغادر هذا الفتى عالمه المستقر نحو الغابة لكي يصبح سامانا (متصوف زاهد داعٍ إلى المساواة). يبحث عن بلوغ الحكمة بالتجربة لا بالقول. حتى ثلاث سنوات يمارس سدهارتا إنكار الذات مع التأمل حسب قواعد السامانا. ينحل جسده فيصير عظماً من دون لحم. وكأن سدهارتا كان يرى إلى العظم بأنه الفكر واللحم بأنه الحسّ. فعمل على أن يتخلص من الحسّ ليمسك الفكر. يمارس سدهارتا التأمل طيلة وقته، تدخل روحه في كل شيء فيصير هو كل شيء يراه في الطبيعة، يصير حيواناً مرة وجثة متعفنة مرة وخشباً وماء وفي كل مرة يستيقظ من جديد. يضيع نفسه ألف مرة قبل أن يجدها. لكن روحه تبقى مفقودة. وغايته تبقى وعاء لا ماء.
سدهارتا فقط
تجربة سدهارتا ستجعله يعطي معاني جديدة للأشياء. ليست المعاني هي تلك التي لقنه إياها البراهما والحكماء. المعاني هي ما تضيفه تجربته إلى الأشياء. فقد سدهارتا الإيمان المطلق بالكلمات التي تأتي من المعلمين من دون أن يفقد إيمانه بالمعلمين. لم يكن تواقاً إلى التعاليم، إذ لم يخطر له أنها ستعلمه شيئاً جديداً. يقول ‘’التعاليم لا تفسر العالم لأولئك المتعطشين للمعرفة’’. لكن رغم ذلك، لم يكن سدهارتا متمرداً على التعاليم أو نافياً لها، لم يكن متخاصماً مع البراهما والحكماء، ولم يكن كذلك مع تعاليم بوذا الذي يوقّره ويجلّه، كان يريد أن يصل إلى المعرفة بنفسه ‘’أتابع طريقي، ليس للبحث عن مبدأ آخر أفضل، بل للوصول إلى هدفي وحيداً أو أموت’’. بدا له أن إدراك الأسباب هو التفكير، وعبر الفكر وحده تصبح المشاعر معرفة، ولا تتبدد، بل تصبح حقيقة وتبدأ بالنضوج.
يريد سدهارتا أن يقع على نفسه، ‘’النفس، صفتها وطبيعتها، هو ما أردت أن أتعلمه’’. لم يستطع سدهارتا أن يمضي في طريق تعلمه لنفسه وطبيعتها، إلا عندما تخلى عما وجد نفسه عليه، تخلى عن أن يكون براهما مرموقاً، تخلى عن أن يكون إنساناً نبيلاً، أن يكون منتمياً إلى عائلة أرستقراطية، أن يكون منتمياً إلى تجمع، وصار سدهارتا، سدهارتا فقط.
روح العالم
قبل أن يتخلىّ سدهارتا عن كل شيء، ليصبح سدهارتا فقط، كان كل ما في العالم بالنسبة إليه حجابا خادعا. الحقيقة موجودة في الطرف الآخر مما يرى. لكنه حين أخذ طريقه وحده. بدأ يرى العالم مدرسته وصوت حكمته. بدأ يمعن النظر في هذا الطرف. فصار يرى العالم روحه. ‘’روحك هي العالم كلّه’’. رأى المرئي وأدركه، وأخذ يبحث عن مكانه في العالم. لم يكن يسعى إلى الحقيقة. وهدفه ليس في أي طرف آخر. ‘’العالم جميل حين تنظر إليه بهذه الطريقة (دون تقص)’’. صار يتعلم شيئاً جديداً مع كل خطوة في طريقه. لأن العالم بدأ يتحرك، وهو صار كالمأخوذ. صار منتميا إلى كل ما يراه في الطبيعة. بعينيه رأى النور والظلال، وبعقله وعى القمر والنجوم. المعنى والحقيقة ليسا متخفيين وراء الأشياء، بل هي فيهما، وفيها كلّها.
يريد سدهارتا أن يحصل بنفسه على التجربة. كان يعرف منذ زمن أن نفسه هي ائتمان (جوهر الشخصية الخالد). إلا أنه لم يسبق له أن وجد نفسه لأنه كان يريد اصطيادها بشبكة الفكر وحده. وكأن الفكر يعني تدمير الحواس.
طريق الآلهة
يختلط بالناس، فيتذوق جسده الغنى والعواطف والجاه، يظل لفترة طويلة في قلبه سامانا. لكن مع الوقت يمسك العالم بسدهارتا. تمسك به المتع واشتهاء ما لدى الغير والبطالة والحرص على الكسب. تنبعث رائحة الخمر من فمه، والعطر من شعره، والثراء من مظهره، وأجساد الراقصات من مخدعه. يتوقف سدهارتا أن يكون سامانا في قلبه. يصير قلبه مترعاً بالمتع، فيمتلئ بالقرف. يهمين الحزن على سدهارتا من الحياة التي تذوقها واستنزفها حتى القرف. ‘’أمامك طريق أنت مدعو لأن تسلكه، فالآلهة تنتظرك’’. يسمع سدهارتا هذا الصوت وهو جالس تحت شجرة في حديقة متعته. تتحرك في داخله روح العالم. يودّع كل شيء ويغادر.
تعلِّم التجربة سدهارتا: ليس الإنسان عقلاً محضاً، ليس جسداً محضاً، ليس شيئاً محضاً، بل هو كل شيء، هو العالم كلّه، يضع نهاية لاحتقار الذات، ولتلك الحياة الفارغة البلهاء. وحين يضع سدهارتا نفسه أمام هذه النهاية، تبدأ الحكمة في التكشف له. يرى حقيقة الحكمة في كل شيء، يسمعها في صوت النهر. يتعلم فن الإصغاء للنهر، يسمع فيه الأصوات المختلفة. الأصوات كلها والأهداف كلها والأشواق كلها والأحزان كلها والمتع كلها والخير والشر كله. كلها مجتمعة في جدول الماء. صار يسمع الأصوات كلها يسمع أغنية واحدة ذات الألف صوت. يعثر سدهارتا على سلام القلب الذي كان يبحث عنه، يتعلم أن البحث يعني أن يكون لك هدف، والعثور يعني أن تتحرر، أن تصبح قابلاً للتلقي، قابلاً لأن تكون روحك هي العالم.
خرائط أقل
رواية سدهارتا لم تبدل فهمي لعالم الروايات فقط، ولم تعد إنتاج علاقتي بها فقط، بل فتحت أمامي أسئلة ليس أولها الذات الباحثة عن حكمة من ماء لا وعاء، وليس آخرها محاولة الإصغاء للأصوات المختلفة التي مرت عبر التاريخ على جدول نهر العالم. فتحت روحي لتدخل في روح العالم.
لا أعرف كيف يمكن أن ‘’يحاكي المشاعر والوجدان بدلاً من الفكر والعقل’’ ما يبدل مفاهيمنا ويعيد خلق علاقاتنا بذواتنا وأفكارنا وأجسادنا وحواسنا ومحيطنا والعالم والأشياء..
لا أعرف كيف يمكن أن ‘’يحاكي المشاعر والوجدان بدلاً من الفكر والعقل’’ ما يصدم بداهة معتقداتنا، ويزحزح يقين مسلماتنا، ويزلزل صورنا الساكنة، ويقلب تصوراتنا الأحادية..
لا أعرف كيف يمكن أن يكون كذلك، ما يستثير سؤالاتنا الراكدة في عمق بحيراتنا، ويستحث براهين عقولنا لتجيب عليها..
لكن أعرف، أن رواية سدهارتا فتحت لي أفق عالَم من الروايات، التي فتحت لي عالماً من السير، التي فتحت لي عالَماً من الأفكار والمجتمعات والثقافات والمعتقدات والأديان.
إن قراءتي لهذه الرواية التي تبعتها بقراءة رواية ‘’دميان’’ للكاتب نفسه، ثم انفتاحي التدريجي والمتأني على عالم السير والروايات (رغم نسبية قراءتي في هذا العالم)، قد غيرت هندسة الفكر عندي، وجعلته أقل حدِّية، أقل جفافاً، أقل محضيَّة (عقل محض)، أقل غروراً، أقل تعالياً، أقل جزمية. لكن ليس أقل جدّية، ليس أقل ثراء، ليس أقل فكراً، ليس أقل فهماً، ليس أقل شقوة، ليس أقل تساؤلاً، ليس أقل نقداً. السيرة المتجسِّدة في رواية، هي كل ذلك، وربما أكثر، لكن بخرائط أقل، وبتواضع لا يتنطّع بامتلاك الحقائق والمطلقات، كما يفعل الفكر المتمحِّض في أحيان كثيرة.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=66701)
من قرأ هذه الأعمال سيشمله السحر
الكيخـــوتي والمــوبي ديـك وسـنــوات العـزلــــة
الوقت - حسام أبوأصبع:
لا أملك مكتبة ضخمة، ولكن حسبي أن بعض ما أقتني، بل القليل منه مهم وضروري. ورغم نشأتي في أسرة تحب القراءة، وبلغات متعددة، إلا أن حب القراءة كان شيئاً متأخراً للغاية بالنسبة لي أنا الابن البكر. أختي التي تصغرني سناً - على سبيل المثال - قرأت ما تحتويه مكتبة البيت من روايات لنجيب محفوظ وهي في بداية المرحلة الإعدادية، وربما قبل ذلك. وفيما أظن أن تبكيرها هذا كان سبباً في عزوفها لاحقاً عن القراءة. على أية حال كنت أتسكع في سوق المنامة العام 1989 بصحبة صديق العمر خالد محمد إسماعيل. شربنا عصير الورد المخلوط بالحليب، وكان هذا العصير فرض عين علينا كلما نزلنا إلى المنامة. المطعم الذي نبتاع منه هذا العصير الأسطوري ليس ببعيد عن محطة النقل العام التي كنا ننزل فيها قادمين من الرفاع الشرقي.
وقد وجدت بعد غزوة للمنامة مع هذا الصديق، ولكن من دون ركوب النقل العام بل سيارته الزرقاء الصغيرة التي كان يسميها ‘’سيمون’’ تيمناً بالمغنية المصرية. وجدت عصر يوم 2 أكتوبر/ تشرين الأول من السنة المذكورة في واجهة مكتبة مزروعة في أحد دواعيس هذا السوق كتاباً ذا عنوان لافت هو ‘’الآيات الشيطانية، الظاهرة والتفسير’’.
دلفت إلى المكتبة واشتريت هذا الكتاب عله يفسر لي سبب الضجة التي لا تزال في وقتها تفعل فعلتها بخصوص رواية سلمان رشدي هذا. ويا للمفارقة الرواية وكاتبها يثيران ضجة هذه الأيام أيضاً. وفيما أعتقد أن هذا الكتاب من أوائل الكتب العربية التي تحدثت عن هذه الرواية. وسأعرف بعد ذلك بسنوات أن صبري حافظ هو أول من كتب عن رشدي مشيداً بأدبه، وبالطبع قبل صدور الآيات، وكان ذلك في مجلة ‘’إبداع’’.
منذ ذلك التاريخ وعلاقتي بالكتب والمكتبات وطيدة نوعاً ما. والحق، فللناقد إبراهيم غلوم ونحن على مقاعد الدرس اليد الطولى في دفعنا نحو المكتبات لشراء كتب الأدب العربي الحديث في: الرواية والقصة والمسرح والشعر، وفي النقد الأدبي بالضرورة. كان غلوم يحفزنا، وكانت مكتبة الجامعة فقيرة في محتوياتها، وكنا نخشى من غضباته العارمة المزلزلة. فغلوم لا تأخذه شفقة أو رحمة بأي طالب يُقّصر في القراءة أو حتى لا يقصر أحياناً. كانت طلباته - أطال الله في عمره - لا تتوقف ولا تنتهي، ومن دون مبالغات تفوق الوقت المتاح لأي طالب يدرس عدداً من المقررات. وبعد ناقدنا الذي يشغل الآن عمادة كلية الآداب بجامعة البحرين، كان الناقد المصري صلاح فضل أحد الذين يدفعون بطلبتهم دفعاً نحو المكتبات، ولكن بطمأنينة، ومن حسن الحظ كنت أحدهم. ومع هذين العلمين هناك النقاد علوي الهاشمي وحلمي مرزوق وعبدالله يتيم، وجميعهم كانوا لا يكتفون بتدريس ملزمة أو كتاب محدد، بل كانت طلباتهم متعددة ومتنوعة، وتقودك إلى ما يشبه تشجير تشومسكي لاستيفاء المطلوب إذا كنت غير فضولي. أما لو كان الفضول سمة في شخصيتك، فحتماً ولابد أن تدخل في متاهة تشبه متاهات بورخيس.
وعموماً، في هذه اللحظة صرت من أشد المؤمنين بأن المكتبة الشخصية لا ينبغي أن تكون ضخمة في محتوياتها. لا داعي للضخامة، لا بسبب التكنولوجيا التي تقيك شر إضافة الرفوف، بل لقناعة - ليست هي الأخرى وليدة أن تعيش في شقة صغيرة - أن العناوين المميزة والراسخة معروفة، وأن أمهات الكتب، وأمهات الأمهات من الشهرة بمكان، وقراءتها تقيك شر الملاحقة واللهاث في المتابعة.
في هذا السياق أتذكر مقالاً طريفاً لجابر عصفور نشرته مجلة ‘’العربي’’ يتحدث فيه عن علاقته بمكتبته، وكيف أنه كلما حلت ‘’تقليعة’’ نقدية أو فكرية محل أخرى تحتل كتب التقليعة الجديدة أبرز الأماكن في المكتبة، والقديم يشغل مكتبات ثانوية في أماكن ثانوية من المنزل - لم يستخدم عصفور كلمة تقليعة أبداً ولم يشر إلى أنه يتخلص من الكتب التي لا لزوم لها أو صارت في عداد القديم -. وما تسعفني به الذاكرة أن أستاذنا صلاح فضل أخبرنا أنه قرر وقف نمو مكتبته. الجديد يحل محل القديم، ووقف النمو، وإضافة لكارثة أخرى اسمها الفينغ شوي. فلو قادك حظك العاثر إلى هذه الشوي، وقرأت بقلب مفتوح بعض الأفكار في هذه الفلسفة الصينية، فأول ما ستقوم به هو التخلص عن طيب خاطر من جزء أو كل ما تملك وتقتني، وقد فعلت بخصوص المكتبة، وندمت ندماً شديداً بعد فترة قصيرة على فعلتي في بعض ما تخلصت منه.
ثربانتس وديكارت هبة أوروبا
وفي مقامي هذا لست بصدد الحديث بشأن ما أقتنيه من كتب، فقد سألت الزميل علي الديري عن كنه الملف الخاص بالكتب. فأجابني أن هذا الصيف هو صيف الكتب في البروفايل. طلبت منه مزيداً من التوضيح فسرد عليّ مجموعة من الأفكار. وقد راقتني فكرة العلاقة مع المكتبة الشخصية والكتب الأكثر تأثيراً. ولأنني بت مع زيادة اللهاث وراء الرزق أقل التصاقاً بمكتبتي فإن هذه المساحة أتاحت لي سانحة عقد صلح ببنود مخففة مع ما أملك من كتب، هجرتها لكن آثارها باقية. وسأخصص حديثي عن الكتب المصنفة في باب السرد، وتحديداً في الرواية.
ألم يقل ميلان كونديرا مرة أن ثربانتس فتح الطريق أمامنا وأغلقه وورطنا. متسائلاً عن الموئل والمصير؟ كونديرا يتحدث عن الرواية، ولكن حديثه يمكن التوسع فيه فيشمل الكتاب. فهناك كتب كانت ذات تأثير كبير، وبصدورها جبت ما قبلها، وقادت إلى تشكيل ما بعدها في الفلسفة والآداب تحديداً. ما يدفع للتأمل حقاً أن الأديب التشيكي / الفرنسي جعل الدون كيخوتي وجهاً للعملة الأوروبية، فيما الوجه الآخر هو عقلانية ديكارت. وبطبيعة الحال فالوجهان يكملان ويتممان بعضهما بعضاً.[1]
من ناحية ثانية أجاب غابريل غارسيا ماركيز مرة على أحد الأسئلة الموجهة إليه بالقول ‘’ أحاول أن أكون أفضل كاتب في العالم. لأنك إذا لم تستطع أن تكون الكاتب الأول فليس ثمة أهمية إذا كنت الثاني أو العاشر’’. ويتابع ‘’عندما أجلس للكتابة، أحاول أن أتفوق على سربانتيس، وإلا فإنني أكون كررت سربانتيس’’.[2] صاحب ‘’مئة عام من العزلة’’ التي تصنف بأنها من أهم الآثار في النصف الثاني من القرن العشرين، كأني به يدرك بعمق إشكال ‘’الدون كيخوتي دى لامنشا’’. وهو الإشكال الذي أفاض في تشريحه وتحليله كونديرا لاحقاً - كما أشرت قبل قليل -. منتهياً إلى وجود مشكل حقيقي ومأزق عميق في هذه الكتابة. وعموماً فإن قراءة هذا الأثر المؤسس ومعه ما كتبه هرمان ملفل في سفره الضخم ‘’موبي ديك’’ لن يثريا القارئ فحسب، بل سيضعان أمام ناظريه ما كتب ويكتب تحت هذا الجنس تساؤلات كثيرة. وأذكر فيما أذكر أن ملاسنة حصلت هاهنا - أي في البحرين - حيث اتهم الخصم الأول الثاني بأن كتاباته دونكيخوتية. وبعد مدة توصلت إلى قناعة راسخة أن هذا التشبيه لم يكن صاحبه موفقاً فيه فحسب، بل إنه ينم عن جهل. ولو صدق الموبخ في هجائه هذا فستكون هذه الأرض الطيبة قد أنجبت روائياً من طراز رفيع، وهي لم تفعل ذلك حتى الآن.
لذا، فإن قراءة الكيوخته والموبي ديك من الضروريات القصوى في هذا الباب. ولكن من يملك وقتا لفعل هذا الشيء؟ الرواية الأولى تقع في نحو 1000 صفحة، والثانية في 700 صفحة من القطع الكبيرة. صفحات هائلة لكنها تغني من دون شك عن ملايين الصفحات الأخرى. والسؤال هل نجح ماركيز في تجاوز ميجيل دي ثربانتس سابيدارا؟ في ظني أن الكولومبي نجح في إضافة هامش على المتـن. وفي هذا السياق لابد من إرسال تحيات حارة إلى أستاذنا سليمان العطار - أطال الله في عمره - الذي كان هنا - أيضاً - وقد تجشم عناء ترجمة فاتحة طريق، وصدرت العام .2002 وكذلك فعل من قبل مع رواية ماركيز التي اشتريتها من القاهرة العام 2004 ضمن إصدارات مكتبة الأسرة بمبلغ 3 جنيهات. في تلك السنة كان الدينار يساوي 16 جنيهاً وبضعة كسور !!
الإفراط في مساءلة الزمن
إذاً إحدى المحطات على طريق سابيدرا أي رواية ماركيز، أحسبني فخورا بامتلاك أربع ترجمات عربية لها. أولها التي صدرت عن دار العودة ببيروت العام ,1989 وآخرها ترجمة صالح علماني .2005 وبين الترجمتين واحدة لمحمد الحاج خليل والثانية لسليمان العطار. أما أول من اضطلع بترجمة الرواية الأولى فكان محمد مسعود.
بعض هذه الأسفار الضخمة وللمفارقة، مثل موبي ديك لم تحظ بالاهتمام النقدي بل لم تعامل كما ينبغي من قبل الناشرين في حينها. من يتذكر حكاية مارسيل بروست مع الناشر الذي رفض طباعة ‘’البحث عن الزمن الضائع’’ معللاً ذلك بالقول ‘’قد أكون محدود التفكير ولكنني لا أستطيع فهم كيف أن شخصاً يكتب ثلاثين صفحة لكي يصف لنا كيف أنه ظل يتقلب في فراشه قبل أن يداعب النوم جفنيه’’.[3] آه من يملك الجلد على قراءة هذه الرواية ذات المجلدات السبعة. وبالمناسبة فالأجزاء الخمسة الأولى فحسب متاحة بالعربية. نحن الآن ننتقل ونترحل ونقفز من العام 1605 إلى 1851 إلى .1967 التاريخ الأول شهد ولادة الكتاب العمدة، ومنذ التاريخ الثاني حتى العام 1891 أي سنة رحيل ملفل وهو يعيش حزناً كبيراً. فلم يكن آخاب وحوته الأبيض كافيان لإقناع النقاد بأهمية هذا العمل فضلاً عن عظمته وخلوده. فعاش الأول والثاني حياة بائسة، وكان بؤس سربانتس أشد وطأة. أما الأخير فكان حظه وافراً، فالزمن غير الزمن بل أسعفته الظروف وصعد مرة على خشبة المسرح بصحبة مواطنته الشهيرة شاكيرا. وقد قال عنها في مقال له ما لم يقله مالك في الخمر.[4]
الكيخوته والموبي ديك وسنوات العزلة، روايات تتجلى عظمتها في إفراطها في مساءلة الزمن، ومساءلة النفس البشرية، وليس الأمر مقتصراً على مغامرات الصعاليك، أو إحدى القصص البحرية، أو حكاية الكولونيل وأحفاده فحسب. هذه الروايات تضرب عميقاً في زمنها، وتعالجه باستفاضة بديعة. كما أنها تسائل الأخلاق الإنسانية، وتسطر بإبداع رفيع لا نظير له أسئلة وجودية غاية في التعقيد. فالروايتان الأوليان عالجتا عصراً بأكمله، بينما اكتفى ماركيز بقرن ركب فيه وأعاد تركيب تاريخ بلده عبر مراكمة الحدث فوق الحدث، بشكل دائري. وجميع هذه الروايات تؤكد رغم الفوارق الزمنية مسألة الخروج وطلب شيء من دون جدوى. وهذا بالضبط ما فعله صمويل بيكيت في سؤاله الأم، وهو ما فعله جيمس جويس وسواه في سبر أغوار النفس البشرية، طالت رحلة الغوص في الزمن أم لم تطل. النماذج الثلاثة لا تنفي أن الإشكال في الخارج.. في المحيط، بل في داخل النفس البشرية أيضاً. تلوين مذهل على سلم إيقاع النفس البشرية في صورها المتعددة.
أشعر بالانتشاء مع قراءة هذا المطلع ‘’بعد سنوات طويلة، وأمام الفصيلة المكلفة بتنفيذ حكم الإعدام - لم يجد الكولونيل أويليانو بوين ديا سبيلاً إلا تذكر تلك الأمسية البعيدة حين حمله أبوه ليرى الثلج’’. وأصاب بلذة عارمة في تتبع خطوات الكيخوتي وخادمه سانشو بانثا. من قرأ هذه الأعمال بصبر وجلد وبذهن صاف سيقدر جهد المرحوم إحسان عباس الذي لم يجرؤ أحد سواه على الاقتراب من ملحمة موبي ديك الإنسانية الرفيعة. وسيقدر مترجمي الكيوختي وهم: عبدالعزيز الأهواني، وعبدالرحمن بدوي، وسليمان العطار، ورفعت عطفة وهذه أحدث الترجمات .2005 وكذلك مترجمي مئة عام، بقطع النظر عمن أساء فيهم ومن أحسن. ومع هذا التقدير ربما لن يُقّدر الكثير من قراء هذه الأعمال روايات أخرى كثيرة.
هوامش:
[1] ميلان كونديرا. فن الرواية. ترجمة بدرالدين عرودكي، ص11 ص .26
[2] عصام محفوظ (اختيار وتقديم). عشرون روائياً عالمياً يتحدثون عن تجاربهم، ص 13 -..14
[3] أمبرتو إيكو. 6 نزهات في غابة السرد. ترجمة سعيد بنكراد، ص .87
[4]جابرييل جارثيا ماركيز. غريق على أرض صلبة. ترجمة مها عبدالرؤوف، ص 65 - ص .74
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=66702)
«قـتــل الطائــر المحـــاكي»
أسـئـلــــة تقـتـــــل مـــن يحـــــاول إجابتــهـــــــا
خاص ـ الوقت - إبراهيم الشاخوري:
في المكتبة العربية الكثير من الروايات التي تستثير داخل قارئها الأحصنة، وتحرك الغبار في ذهنه بل وتجره أحيانا معها في عربة من رياح نقدية تحرك المياه الآسنة في الذهن. وفي رفوف المكتبة العربية أيضا تلك الروايات التي لا تعدو كونها حجرا يلقى في محيط النفس، ليرسم بضع دوائر على سطح الماء ثم سرعان ما تستقر في القاع فلا تطالها الذاكرة بعد ذلك. ولا أدري لماذا، ولكن بدايات محبي الاستطلاع والقراءة كانت ولا زالت عبر بوابة الرواية أو القصة.
أعلم أن ادعائي بأن قراءة الرواية أو القصة هي من الأبجديات الأولى لبوابة القراءة، يقف على أرجل من خشب، لأن الأرقام والإحصاءات لا تستطيع أن تبني له قواعد أكثر ثباتا، لكن كل شيء يتعلق بعالم الروايات لا يجد للأرقام سبيلا. لنتحدث عن مملكة البحرين مثلا، وهي المملكة النقطة على وجه العالم، هل يستطيع أحد أن يجيب عن التساؤلات الأبسط في عالم الرواية مثلا، فما هي الرواية الأكثر انتشارا؟ وكم هو أكبر عدد لقراء روايةٍ ما؟ لن تعدو بعض الإجابات على أن تكون رجما يالغيب في أحسن حالاتها. وحين النظر للوطن العربي الكبير فإن الحالة تحتفظ بنفس الطعم واللون والرائحة، بمعنى أن الحال هي الحال، فلا داعي للسؤال.
وبرأيي فإن الرقم ‘’المليون’’ هو الرقم المستحيل في عالمنا العربي، فحين يتعلق الأمر بالروايات، فإن أي رواية لن تتعدى مبيعاتها أو قرائها حاجز المليون، ولماذا المليون؟ هو رقم خرافي موغل في اللامعقول لمن يعرف الوطن العربي، نصف المليون بل وربع المليون نسخة هو شيء لم يحصل ولا أظنه سيحصل لبضع سنوات مقبلة، فرواية ‘’عمارة يعقوبيان’’ لعلاء الأسواني مثلا بالكاد وصلت مبيعاتها للمئة ألف نسخة، بكل ما تحويه من جنس وشذوذ وتطرف، أما ‘’بنات الرياض’’ التي أثارت أقصى الزوبعات في فناجيننا العربية فتعدت نصف هذا العدد بقليل. فمالذي يحويه العالم في الطرف الآخر؟
الطرف الآخر، أو العالم الغربي يتكلم عن بيع أكثر من أربعة ملايين نسخة لرواية ‘’هاري بوتر’’ في يوم واحد! فلماذا لم يحقق الوطن العربي هذا في قرن؟ أسئلة أقصى ما ستحصل عليه منها قليلاً من ‘’ضغط الدم’’. وبعيدا عن هذه الرواية، هناك رواية أخرى استوقفتني قبل بضع سنين، أهملتها لكن الزمن عاد ونشرها أمام عيني مكرها لا بطلا، والفضل يعود للرئيس المخلوع صدام حسين.
فأول عهدي برواية ‘’قتل الطائر المحاكي’’ للكاتبة ‘’هاربر لي’’ كان في العام ,2004 حين أهدتني إحدى زميلات الدراسة هذه الرواية، وكتبت على أول صفحة إهداء قالت فيه ‘’إبراهيم، قرأت هذه الرواية سبع مرات ومازلت أستمتع بقراءتها.. أتمنى أن تقضي وقتا ممتعا في قراءتها’’. ظننت حينها أنها إحدى المهووسات برواية لم تسعفني لغتي الانجليزية حينها على قراءة أكثر من بضع صفحات فيها. أخذت الرواية وركنتها في الرف إلى أن عاد الزمن، مع عنوان عريض في الصحف مفاده ‘’محامي صدام يهديه رواية (قتل الطائر المحاكي) في سجنه’’، ويقول الخبر أن ‘’الرئيس العراقي السابق صدام حسين سيتمكن من قراءة كتابه المفضل في السجن بعد أن أعلن محاميه أنه سيمنحه نسخة من الكتاب كهدية. وقالت صحيفة ‘’ديلي ميرور’’ البريطانية ‘’ إن محامي صدام جيوفاني دي ستيفانو ذكر أنه سيعطي نسخة من رواية ‘’قتل الطائر المحاكي’’ للكاتبة هاربر لي التي فازت بجائزة البوليتزر الأدبية بعد أن أعرب صدام عن تأثره وإعجابه الشديد بالرواية’’.
الكاتبة ‘’هاربر لي’’ لم تكن تعيش حياة الرفاهية حين كتبت مسودة هذه الرواية، فكانت قبلها تعيش حياة التقشف إلى أن جاء عيد الميلاد وكان ذلك في مطلع الستينات، لتحصل على هدية من أحد أصدقائها عبارة عن رواتب لمدة عام، مرفقة برسالة صغيرة تطلب منها التركيز على كتابتها، بل وكتابة ما ترغب فيه. وكتبت في هذا العام مسودة لما أصبح فيما بعد رواية تعتبر من أشهر الكتب المئة في القرن الماضي. وفد بيع نحو 15 مليون نسخة من هذه الرواية في العقود الماضية. فما هو السر في رواية يطلبها أكثر الطغاة دموية في القرن الماضي، وتقرأها طالبة أميركية سبع مرات؟
بعيدا عن تحليل الرواية وشخصياتها والرسالة التي كان يريد الرئيس الأسبق تمريرها عبر هذه الرواية، فإن المدى والصدى الذي استطاعت هذه الرواية الوصول إليه، يفتح الباب على مصراعيه حول أسباب غياب روايات من هذا الحجم، فلماذا لا تجد رواية تحقق نصف أو حتى ربع ما حققته هذه الرواية؟ وعموما، فإن الحديث ليس عن مكامن القوة في هذه الرواية بقدر ما هو مساءلة لواقع لا تستطيع أن تجد فيه عتمته للنور أثرا.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=66706)
علاقتي بالنصف الذي ينشر ويباع ويقرأ ويفهم..
خاص ـ الوقت - فضيلة الموسوي:
نصف الكتب لا تنشر، ونصف الكتب التي تنشر لا تباع، ونصف الكتب التي تباع لا تقرأ، ونصف الكتب التي تقرأ لا تفهم، ونصف الكتب التي تفهم يساء فهمها. (مثل فرنسي قديم)
مكتبة السلام
علاقتي بالكتاب بدأت منذ وعيت على مكتبة والدي (الخطيب العدناني) - رحمه الله -، الصورة الحاضرة في ذهني إلى الآن. غرفة اسمها: السلام، احتضنت الكتب، كلها مجلدة بلون واحد، ومفهرسة، اصطفت على رفوف تبدأ من الأرض إلى السقف، صفّت متراصة لكن بعناية وترتيب فائق، فملأت كل الجدران. كان لوالدي مكتبات أخرى في بيوته الأخرى، لكن مكتبة النعيم هي المكتبة الرئيسة وهي الكبرى بينهم. عندما كنت صغيرة كنت أتهجأ عناوينها المكتوبة بخط يده، لكن إذا لمح يدي تقترب فقط من كتاب، ينهرني قبل لمسه. عرفت منذ تلك اللحظة مدى قدسية الكتب لديه. أما المحافظة عليها فذلك شأن آخر. لا يعير كتبه لأحد كان، لكن إذا وافق يكون ذلك بعد إلحاح، وللثقاة فقط الذين يطمئن إليهم. كنت من أبنائه الثقاة، كان يفتح لي دفترا كي أمضي على استلام الكتاب المعار، وكلما رآني ذكرني به. ولكن حدث ذات صيف أن سافر الوالد مع أمي الى سوريا، مدة شهرين، فكلفت بإدارة البيت في وقت كان الذين يكبرونني في السن، مسافرين للدراسة. لا أذكر كيف أعطِيت مفتاح المكتبة، (فلم يكن يثق حتى في والدتي، حيث كان يرتب وينظف المكتبة بنفسه ويحمل مفتاحها أينما كان). كنت أدخلها بشغف وكأني داخلة مغارة علي بابا، أبحث فيها عن كل ما أريد، فالحصول على أي شيء سهل لأن الموضوعات مكتوبة على الأرفف، كنت ارتقي السلم الخاص بالمكتبة وأصل إلى الرفوف العليا، أضع أشارة كي لا أضيّع مكان الكتاب وقت إرجاعه. كانت صيفية جميلة استمتعت بها أيما استمتاع. من هنا تعلمت المحافظة على الكتب. ويعلم أصدقائي كم أنني حريصة وأمينة جدا عليها، مما حدا بالصديق الكاتب الروائي فريد رمضان، أن يعيرني جزءا كبيرا من مكتبته الشعرية، في انتقاله لسكن مؤقت، قال لي: اقرئيها واستمتعي بها بدل أن أخزنها في كوارتين، كنت وقتها أتهجأ الشعر، (ولازلت) وكان يشجعني كثيرا على الكتابة، ظلت الدواوين في حوزتي مدة ست سنوات تقريبا، وصار فريد يسألني كلما احتاج لأي شيء منها، كنت ألبي سؤاله بسرعة لأنني فهرست تلك المكتبة التي تتكون من 334 كتاباً، واستفدت أثناء عمل الفهرسة في التعرف على أسماء كل الشعراء، وانغمست وافتتنت بالشعر في قراءة محمومة، تلك الفترة لا أبالغ إذا قلت انها من الفترات الجميلة في حياتي، وهذه فرصة لأشكر الصديق فريد رمضان ثانية على ذلك.
الاحتفال الأول
هنا لي وقفة مع الشعر. تعلقت منذ طفولتي بالشعر العمودي، وكنت منحازة تماما إليه، ربما لأن المقرر المدرسي شعر عمودي، طقس البيت كله قافية مغناة. مراثي حسينية نسمعها من الصنّاع، وكذلك شعر الوالد، إضافة إلى نديمي في الشعر أيضاً، وهو الشاعر ميرزا الحداد (زوج أختي). كان ذلك عالمي، شعراً عمودياً فقط، الى أن تعرفت على الكاتب فريد رمضان في العمل، وتبادلنا الكثير من الكتب، وكان يدسّ لي بين تلك الكتب دواوين شعر حديث من دون أي تعليق وهو الذي يعرف ذائقتي في الشعر (كان ذلك قبل إعارة المكتبة)، أعجبت بديوان شعر: شمس في خزانة، للشاعرة لينا الطيبي، قلت لنفسي: أنا أيضا أعرف كتابة هذا اللون، فكتبت قصيدة، أسميتها: احتفال. سألت فريد عن رأيه فيها، فتفاجأت من شهقته، كان مبهورا بأول محاولة، قال لي: هذه بداية جد طيبة.. اكتبي.. اكتبي ولا تتوقفي.. من هنا كانت الانطلاقة في كتابة الشعر.
حكاياتي مع الكتب كثيرة، غالبية أصدقائي تعرفت عليهم بسبب الكتاب، لكن أعتب كثيرا على الذين ضيعوا كتبي لأنني أحبها (وهل أبصرت محبوبا يعار؟)، خصوصا تلك التي أضع عليها إشاراتي بقلم الرصاص.
لاحظت في الكتب القديمة التي استعرتها من زوج اختي، لاحظت في بعض صفحاتها تواريخ ميلاد أولاده واسمائهم، سألته: لماذا تدونها هنا؟ قال: كانت هذه عادة في أيامنا، أن ندون الخبر المهم الذي يردنا في نفس الصفحة التي وصلنا إليها لكي نضمن البيان من الضياع. أحيانا يكون الخبر حزينا كموت إنسان عزيز.
شيفرة تفتح شفرات
قرأت شيفرة دافنشي، لدان براون. افتتنت بالرواية. فذهبت لمشاهدة الفيلم في السينما في نفس اليوم الذي انهيت فيه قراءة الرواية، دفعتني تلك الرواية إلى قراءة رواية: الإغواء الأخير للمسيح، لكزنتازاكي. لكني لم استوعبها. توقفت. احتاج إلى قاعدة معلوماتية كافية عن الدين المسيحي. فاشتريت الكتاب المقدس وهو العهد القديم والعهد الجديد، وكتاب التفسير التطبيقي للعهد الجديد، وروائع السيد المسيح، وواصلت البحث في (الجوجل) عن مريم المجدلية، والكأس المقدسة ثم رجعت الى كتبي القديمة، واسترسلت في قراءات ثانية للأديان الحيّة، للكاتب أديب صعب. قفزت بعدها إلى قصص الانبياء. قبل أن انفرد بقراءات جديدة، خصوصاً عن الدين البهائي. تهت عن إغواء المسيح لغوايات أجمل. ولكن بين تلك الكتب لابد من فسحة الشعر، فإذا قرأت ديوانا لا أقول أنني قرأت كتابا، لأنه بمثابة الهواء الذي اتنشقه فأحيا.
فتوحات الصوفية
ذات مرة بهرني هذا النص للنفري (اظهرني على لسانك كما ظهرت على قلبك)، وصار سؤالي ملحا يطلب كتاب المواقف والمخاطبات للنفري، لما وضعت يدي عليه، وضعت أيضا اشاراتي على أجمل النصوص، ونشرتها في مجلة هنا البحرين كأجمل اختياراتي في ذلك الكتاب، ثم صعقت بالنصوص الصوفية الأخرى ولاسيما نصوص ابن عربي، وغصت في التجربة الصوفية، فاصطفت كتبا جديدة في مكتبتي: الموسوعة الصوفية، الفتوحات المكية، فصوص الحكم، الاشارات الالهية للتوحيدي، مقابسات التوحيدي، رسائل ابن عربي، وغيرها من كتب الدراسات حول التجربة الصوفية. وكنت أرسل للأصدقاء أجمل الرسائل النصية من النصوص الصوفية، نعم الأجمل، أليست صوفية؟، وبسبب ولعي بها شاركني الكاتب حسين المحروس في اختيار نصوص لابن عربي لمعرضه الفوتوغرافي: سوق الجنة، حيث كان الاحتفاء بجنة ابن عربي. كما انتبهت اختي، الكاتبة عصمت الموسوي لهذا العالِم من خلالي، فزودتها ببعض المقالات، فاقتنت هي الاخرى الموسوعة الصوفية. وأثرّت على أخي الدكتور عقيل أيضا، فكان سؤاله: أين أجد الفتوحات المكية؟ وجاءته السلسلة كهدية عيد ميلاد حين شاورتني احدى المصاهرات: دليني على هدية مفرحة اشتريها لعقيل؟.
بريد الجن
في العمل تبادلت كتبا كثيرة، وقعت عيني على كتب ممنوعة من الرقابة (لذيذة الكتب الممنوعة). في عملي ببنك الخليج الدولي تعرفت على الكاتب جمال الخياط، كنت قريبة منه وأذكر تفاصيل إصدار كتابه الأول، لكن لا أذكر كيف أقنعني بكتابة خطوط غلاف تلك المجموعة القصصية: ليلة دافئة. وفي عملي الثاني مع الكاتب فريد رمضان، والكاتب عيسى الحمر، مع كل الأسماء التي ذكرت تبادلت وتهاديت كتبا متنوعة المجالات، أبرزها الكتب الأدبية. وبالمناسبة كنت أهدي والدي كتبا وبالعكس، ومرة كتب لي إهداء على ديوان: سلطان الغرام، حب وعشق وهيام. هذا الإهداء اعتز به كثيرا. كتب (يسرني أن أهدي هذا الكتاب إلى ابنتي العزيزة السيدة فضيلة صالح الموسوي تخليدا للمودة والوفاء). وفي الآونة الأخيرة كان رحمه الله يهدينا نسخا من إصدارات كتبه كلما جاءته مجموعة من بيروت، يوزعها علينا بفرح وكأنه يوزع حلوى على أطفاله.
وفي وقت بعيد أعرته مجموعة لا بأس بها من دواوين شعر لنزار قباني، ولما زرته بعد أسبوع وجدت تلك الدواوين مجلدة ومفهرسة، ومصفوفة في مكتبته. ضحكت.. فكم أسعدني ذلك. وبمناسبة حضور والدي ثانية يجدر أن أشير إلى أن علاقتي به كانت تتركز في الموضوعات الشعرية وكنت في فترة أصف له القصائد وأطبعها ثم أراجعها معه، حتى طلب مني ذات مرة أن أصف كتبه المخطوطة وأطبعها في إخراج معين حسبما يريد، ولما اعتذرت بسبب ضيق الوقت، كما أن ذلك العمل ممل ومضن مع خطه المرهق في الفهم. حاول أن يغريني بعرض، قال: سأعطيك أجرا لقاء ذلك. لكن أجمل الطرق في إهداءات الكتب، كانت من الصديق الكاتب حسين المحروس، حيث كان يفاجئني بأن يضع الكتاب في صندوق بريد بيتي، يقرع الجرس ويمضي، في هذا الوقت تردني منه رسالة نصية على هاتفي تقول: تفقدي بريد الجن.. أفتح الباب فأرى الكتاب إما في الصندوق، أو على عتبة الباب، إذا لم يسعه الصندوق.. وعندما يعلم ان الكتاب سيروق لي أو أنني أبحث عنه، كان يفعل نفس الشيء لكن رسالته هذه المرة تقول: بريد الجن الممتاز، فأرد عليه: شكرا حسين.. شكرا للرب لأنك جاري.. كتب ومجلات ثقافية كثيرة وردتني من بريد الجن، وعائلتي كلها تعرف أيضا من هو الجني الذي يرسلها.
عيد الكتاب
هناك كتب كثيرة استوقفتني وأثرت فيّ بشكل كبير. قرأت كتبا أتعبتني نفسيا، وأخرى عزفت عنها لصعوبتها خصوصا كتب التراث، وروايات لم استطع مجاملة مهديها وإتمام قراءتها بسبب ركاكة اللغة. لكن لا أعلم لماذا ينتابني قلق وسؤال دائم؟: متى سأقرأ هذا الكتاب أو ذاك خصوصا أمهات الكتب، الكتب المشهورة، العالمية، الأكثر مبيعا؟، أفتش في المكتبات الالكترونية اسبوعيا عن أحدث الاصدارات، ولا تفوتني آخر الاصدارات التي تنشرها جريدة البيان الالكترونية كل يوم اثنين. وأتابع معارض الكتب السنوية في البحرين. أعد جدولا مفصلا عن الكتب التي أريد، غير الموجودة في البحرين، وأعطيها زوجي عندما يسافر الى سوريا. وعندما يسألني الاولاد ماذا تريدين هديتك في عيد الأم؟ أقول: الكتاب. هناك في مكتبتي الصغيرة كتبا مركونة جانبا لم يحن دورها بعد، بالنسبة لي هي مثل كتب الدرس، وإني ملزمة بقراءتها.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=66703)
قوة الرواية حين تكتب سجننا وانتصاراتنا..
خاص ـ الوقت - حسن العلوي:
كثيرة هي الكتب وكثر هُم الكُتّاب، منهم منْ نتحد مع ما نقرأ، ونذوب في تفاصيل سردهم، نتماهى مع حكاياتهم ورواياتهم ، نعيشُ أزمنتهم وأمكنتهم، بين سطورهم تنطلق الأسارير ويبوح الصمت بكلامه المُعتق بالأسئلة. نقرأ للكثير منهم، كي نقرأ أنفُسنا، نقرأهم لأنهم يكتبوننا، يستلهمون ما يدور في أدمغتنا، يجترون أحلامنا وأوهامنا، ولا ينسون حيرتنا ومتاهاتنا حين نجلسُ بإذاء ذواتنا والكون من حولنا.
هم كثيرون من نثروا عبقهم وظللونا بكتاباتهم، كروائيين وقاصين كعبدالرحمن مُنيف في رائعتيه ‘’مُدن الملح’’ و’’أرض السواد’’، رضوى عاشور في ‘’ثلاثية غرناطة’’ المنسدلة بشره، أو أحلام مستغانمي في ‘’ذاكرة الجسد’’ أو الطاهر بن جلون حين يتمرغ في عُتمته الباهرة أو ككتّاب مُميزين كأركون ومُطهري وريجيس دوبرييه أو كشعراء يصدحون بحناجرهم كنزار ومُظفر وآخرين. أغلبهم - إن لم يكونوا كُلهم - حفروا في ذاكرتنا أزمانا وأبحروا في أنفسنا حتى ما عرفنا أتركونا، أم نحن المتشبثون بهم.
ولكن في الآونة الاخيرة وقعتُ - من الوقوع - على رواية ‘’السجينة’’ لمليكة اُوفقير، حينها طاردني الهّم، وضجّ ضمير الصمت بصراخه، حينها خجلتُ من انتساب أناس الى الانسان.
وأنا اُقدم تجربتي الشخصية لرواية ‘’السجينة’’، يتردد في أصدائي مقولة للنكولن ‘’تستطيع القوة أن تنتصر، لكن انتصارها لا يدوم’’ - وأيقنُ بصدقها وحِرفيتها.
قد يكون هناك الكثير ممن يفوق ‘’السجينة’’ من الجانب الفني، ولكن واقعيتها السردية تعملقت وفرضت اسلوبها، وتركت ندوبا لا تندمل.
‘’السجينة’’ هو نص وجداني أدبي سردي لسيرة ذاتية، يحملُ أبعاد المأساة التى حلت بعائلة الجنرال المغربي محمد اُوفقير في العام 1972 حين قام الجنرال بمحاولة انقلاب فاشلة على نظام الحكم المغربي الملكي (الحسن الثاني). وهذا ما جعل المأساة تحل على أبنائه وزوجته، فقام الحسن الثاني آنذاك بسجن أفراد العائلة لما يُقارب العشرين عاما.
بدت مليكة في كتابها كأنها بطلة تراجيديا إغريقية قديمة. نلحظ ذلك من بداية حياتها، مرورا بتربيتها ووصولا الى دخولها السجن وعودتها الى رحاب الحرية.
أخذها الملك محمد الخامس من والديها عندما كانت في الخامسة من عمرها لتُلازم ابنته المُدللة. وبعد موت الملك، تكفل بها الملك الشاب الحسن الثاني. عاشت مليكة 11 سنة بعيدة عن أسرتها، بين القُصور يرعاها العاهل الجديد بعطف وصرامة أبويين.
بعد محاولة الانقلاب التى حصلت، واجهت مليكة مأزقا مؤلما: والدها ‘’البيولوجي’’ الجنرال اُوفقير ? مخطط الانقلاب ? حاول قتل والدها بالتبني (الملك المغربي). هكذا بدأت رحلتها مع الشقاء. اذ أمر الملك الحسن الثاني بقتل والدها، فيما أرسل مليكة وأسرتها الى سجن في قلب الصحراء. فغدت مليكة - حبيسة الترف الملكي، سجينة في صحراء الغاب.
علاقة اشكالية ربطت مليكة بهذين الرجلين اللذين غيّرا مجرى حياتها برمّته. ومع أنهما كانا مصدر تعاستها، ظلت تحبهما بشغف وعجزت عن كُره أي منهما، فيا له من حِداد وتيتم مُزدوج.
روت مليكة كيف تخلصت عائلتها من السجن في قصة فِرار ‘’أسطورية’’، وما لبثت أن قضت خمس سنوات أخرى من الاقامة الجبرية في مراكش.
تجربة إنسانية عميقة جدا، شهادة عن البقاء، عن القمع وجشع السلطة، عن الصبر والرغبة في النسيان، عن الحرية والصفح، عن السجن والسجّان، وعن الكبت بأنواعه: النفسي، الجسدي وحتى الجنسي.
كان على الراوية أن تُعيد تعلم الحياة من جديد بعد الاربعين من عمرها، فالتحول لم يُطاول الأشياء فحسب، بل نفسيتها وكيانها أيضا. لقد قضم السجن جسدها من الباطن.
اختزلت الرواية الكثير وتطرقت الى الكثير. تناولت التناقضات بين حياة الترف والترح، بين الانضباط والتمرد، بين حياة السجون المُخيفة وبين قدرة الانسان على الصمود، على قهر الانكسار، على قدرة العقل البشري لاستراق مصادر الامل النافذ من اقعار جوفاء.
هنا الصبر يحفر أوجارا من التأمل ويتسائل عن مقدرة الانسان على صهر ذاته وسحلها بعنوان الصمود. كيف لأم لا ترى من أبنائها - وهم على مقربة أقدام منها - سوى أطياف على بقع الماء التى يُخلفها المطر.
ينفردُ (عبداللطيف) - الاخ الاصغر بسنواته الثلاث يلاعب رمال السجن الغابرة ويركلُ الحصوات التي اتخذتها أمه دثارا لهما. اتذكر عندما أصبحت أرضية السجن لوحة يتعلم منها صياغة الحرف والكلم متخذا أعواد الكبريت مِدادا. يخرج بعدها فارا من اسوار السجن راغبا في اكتشاف كل شيء، حتى جسده!
وهناك في الجانب الآخر يقبع الاخ الاكبر (رؤوف)، يُطوع النفس لتنعم بالهدوء والسكينة والتأمل وهذا في جوٍ من الحقد والكراهية والرغبة في السحق.
وفي زاوية أخرى، يُذهب الهذيان بعقل مليكة طالبا إجابات على تساؤلات عن معنى الحب والبغض وكيف يتوحد النقيضان، الرغبة في المعرفة وسبر أغوار لماذا؟ ولِما؟ والى متى؟
الموت مراراً ممزوجاً بفداحة الضيم والإذلال. أتذكر ‘’ليلة الحِراب الطويلة’’ - كما أسمتها الراوية - عندما أرادت الأم مفارقة الحياة وعناق الموت، لكن الموت أبى الا أن يلفظها، وعندما اختارت القرعة (سكينة) الاخت، لتبدأ علبة السردين العفِنة تُكشّر عن أنيابها لقطع أوردتها، ليتجلى الالمُ في عينيها، والاملُ في احتضان الموت. وبين لفظ الموت لهن في عهر السجون، تبدأ الرغبة في استعادة الحياة. أردن معالجة أنفسهن من الشقاء غير العادي. هل استطعن الشُروع في رحلة التطهر من الماضي الصعب؟
عشقتُ أنا هذه الرواية، لما حوته من عُشق الرغبة المستبدة لشخوصها للعودة للحياة بقوة والتعلم من جديد. ألهبتني وهى تؤكد كم الارادة التي تحويها النفس البشرية لتبقى عصيّة على كُل شيء متى ما ملكت مفاتيح واسرار البقاء. ذكرتني بأن السجن لم يعد مجرد منفى يسلبُ الهوية ويقتل الآمال، أو ينهي أحقية الحياة الرفيعة، ويُغرق في دهاليز الضياع، لكنه صنع الطموحات ومنح الأمل. كرهتُ ما خبأته بين دفتيها من قمعٍ، سحقٍ واذلال للنفس البشرية حين يحمل الاخرين أخطاء غيرهم ليُدفع الثمن باهضا. وحين أستذكر وقائعها بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، تتعبني وتُصيبني بالانكسار.
كتابٌ يستحق القراءة، مهما كانت مساحات الاختلاف - إن وجدت - بين الكاتب وبيننا كقُراء.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=66705)
الرواية حين تكشف كذب التاريخ وتفضـح القـــوة
خاص ـ الوقت - سامية حسن:
في البدء كانت اقرأي.. وهو أول فعل أمرٍ أقوم بهِ للقراءة.. ولا أعرف فعلاً غير القراءة.. وليس عبثاً أن كنت أتعلم.. وأتهجأ.. وأقرأ.. فالابتداء إذاً أني كنت أقرأ..
كانت بعدها القراءة فعل ولوج، فالكلمات فتنة وكذا النص مراودة، والاشتغال بالقراءة غواية.. يا ما ويا ما كنت مسحورة في ابتداءت المدرسة الأولى بـ ‘’سندريلا’’، ‘’بياض الثلج’’، و’’بحيرة البجع’’.
فجأة، يأتلق في البال الشعر ويسحرني بفتنة تفعيلاته، وأتعثر عند دهاليز إشاراته وتلميحات علاماته، فعند أطلال ‘’امرؤ القيس’’ وحبه ألج الشعر، وعند ‘’جميل بثنية’’ أتزجج بولعه المرهف وأتسمر، ومروراً بهجاء ‘’جرير للفرزدق’’ وبتفاخر ‘’المتنبي’’ أهدأ قليلاً؛ لأن النص أغواني وباح لي ببعض ألغازه. فأتوقف واشتاق مع ‘’السيّاب’’ في مكانٍ ما من بغداد على ضفاف دجلة بعد طول اختناق، وأكون مع ‘’نازك الملائكة’’ برفع قنديل رخاء واطمئنان للإنسان المتعب، وأخيراً مع ‘’الماغوظ’’ المهمش أنتصر لمفهوم الإنسانية المهمل وعناصرها.
بتُ أعرف أقرأ بعد أن كنت أقرأ وأقرأ، فكما القراءة غواية، صارت المعرفة غواية..
المعرفة عندي تتحول من غواية إلى سلطة، وقلق السؤال اللامتناهي ‘’هل شبعتِ؟’’ يصدمني بأسيجة المعرفة المعقدة فكنت أقرأ.. وأقرأ.. أفتح كتاباً.. وأغلق كتاباً.. أتأمل..أكتب على هامش الصفحة ما يشككني.. أقترب لليقين.. وأبتعد.. اختلف مع الرفيقات وأتجادل معهم وبالأخص فيما يتعلق بـ (الكتب الدينية)، وأحياناً يصل بنا غضب الشباب حد الخصام، فعندها تكون القراءة شكلاً من أشكال اغترابي عن الآخرين. فأتخذ من القراءة وطناً.
يكبر بيّ الزمن، وتأخذني الدراسة الجامعية لأن أصل إلى مرحلة أكثر وعياً وأوسع انفتاحاً، والهمل المعرفي يقودني إلى متسع أرحب لحرية التفكير. ففي هذه المرحلة بالذات تأثرت بالأدب العالمي وبالشعر خصوصاً. فقرأت لـ Robert Frost وEmily Dickinson وتأثرت بهما، وإن كانت الأخيرة أكثر الشعر حضوراُ عندي لإنسانيتها. ولا يزال نفس النسق الإنساني يراودني. ففي سنة ,1998 وقعت بين يدي رواية زادت الكثير من المعرفة لدي وغيرت من نمط تفكيري أيضاً. هي رواية ‘’’’1984 لجورج أورويل. كاتب حدود الخوف على المستقبل الإنساني أقلقتهُ كثيراً، وحضارة ما بعد الإنسان دعته لأن يستصرخ من أجل الخصوصية الفردية، فالتقنية ستستبيح وتلغي كل شيء. رواية 1984 نبهتنا من الأنظمة الشمولية (التوتاليتارية) المستبدة وإلى المستقبل الحالك الظلمة الذي بتنا نعيشه، يدعونا للانتصار لقوى النور على قوى الظلام، والديمقراطية على الديكتاتورية. صرت كلما أرى مجتمعاً استبدادياً، يقودني ‘’أورويل’’ إلى أن هذا المجتمع سيُقّيد ويعيق حرية التفكير والاتصال ويلغي الحرية السياسية، وأن المتنفذين سيكونون في كل مكان، وأن الثروة المادية بأيديهم ستؤدي إلى عدم المساواة الاقتصادية والاستقرار السياسي وتزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء. والعالم الذي قسمه أورويل في روايته هو نفسه العالم الذي يقوم بتزييف الحقائق، ويمحو الفواصل ما بين الحقيقي والزائف وفق متطلبات السلطة ‘’القوة’’ وتطلعات ‘’الأخ الأكبر’’. ها هو التاريخ تعاد كتابته بمقتضى مسار اللعبة السياسية، وتتواتر رواياته بمقتضى اللعبة نفسها، يقول أوريل ‘’إن الروايات عندما تُرَدّدُ نفسَ الشيء بشكل متواتر فإن الكذب يمرّ في التاريخ ويصبح حقيقة’’.
كلمة ‘’إنسان’’ لم أعد أراها موجودة في مفردات العالم الشجاع الجديد إلاّ تحت مقصلة القتل والفتك والتدمير. قادني أوريل إلى أن أنزع شخصية الفرد ‘’المزدوج’’ داخل قرارة نفسي، وأنطلق للتغيير.
أما رواية ‘’مزرعة الحيوانات’’ لنفس الكاتب، تلك الرواية الصغيرة الحجم الكبيرة المقام والقامة، فأعتبرها من أجمل ما كتب في الأدب السياسي في القرن العشرين. وعندما قرأتها لأول مرة في طفولتي فتنت بشخصية الحمار العجوز بنجامان. الذي كان من الحيوانات القليلة التي تعرف القراءة في المزرعة. مع ذلك لم يحدث أبدا أن رآه أحد يقرأ لأنه يرى ببساطة شديدة أنه ‘’لا يوجد شيء يستحق القراءة’’. عندما تسأله الحيوانات عن الفارق بين حالهم الرازح تحت حكم الخنازير، وبين حالهم أيام حكم مستر جونز، يتنهد ويهز رأسه ويقول ‘’الحمير تعيش طويلا جدا.. أكثر من الخنازير والكلاب والخيل وأي حيوان آخر في المزرعة. وسوف أعيش بعدكم جميعا، وأنا أعلم جيداً أنه لا يوجد معنى لكلمة (أفضل). ولا كلمة (أسوأ). لم يتغير شيء. ولن يتغير شيء. ولا فارق بين العصرين والعصر الثالث الذي سيجيء’’.
شكراً أوريل أنك جعلتني أجد ما يستحق القراءة، شكراً أنك أوصلتني إلى مرحلة بتُ أعرف معها ماذا أقرأ..
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=66704)
في بيت عبدالرحمن النعيمي..
حين تنشأ فـي مكانٍ يجمع أثقالاً من الكتب وأحمالاً من السياسة
الوقت - أمل عبدالرحمن النعيمي:
منذ أن فتحت عيني وأنا أرى أكوام الكتب حولي، كانت توضع في أماكن لا تصلها أيادينا الصغيرة، أتذكر عندما بلغت الأربع سنوات أو أصغر وقع تحت يدي كتاب استعاره أبي من احد أصدقائه (وكما عرفت بعد ذلك انه نسخة نادرة) وأخذت انتقم من ذاك الكتاب إلى أن وصلت بعض الأوراق إلى قطع صغيرة أطعمني بعدها الوالد علقة ساخنة لم أسلم من يده إلا وأنا مستسلمة بين يدي أمي.. مازالت تلك الحادثة تسرد كلما التقينا مع بعضنا البعض.. بعدها حرّمت على نفسي الاقتراب من صومعة والدي المتناثرة الأرجاء في المنزل.. وغاب الوالد عنا زمنا طويلا وباتت كتب المدرسة هي ما تطاله الأيدي.
لذا فإنني عندما اتحدث عن الكتب داخل اسرتنا اكون قد تحدثت عن والدي، فهما متلازمان كان يقرأ الكتب بكل الالوان والاحجام، حتى أنني استغرب من قدرته السريعة على اتمام كتاب في ليلة واحدة احيانا كثيرة اجده كالبرق، كان لوالدي بصمة القراءة (كيف؟) سأخبركم: كنت اعرف ان هذا الكتاب قد قرأه والدي او لا!! فقد تعودت ان ارى بعض الشعر المتناثر من رأسه داخل بعض الصفحات وكأن الاوراق تضم ما اختزنه واستبدل بالكلمات مكان ما على رأسه.. هكذا كنت اقول في نفسي، حينها ادرك ان هذا الكتاب حاز على اهتمام ابي..
وكم من الوقت ظل بين يديه، قد يجدني البعض أنني مهووسة بحب هذا الاب الى حد الجنون لذا كنت اقلده، حتى انني حاولت مرارا تقليد خطه وهذا الذي افقدني صوابي يوم قالت لي امي حديثاً وانا اسجل بعض الملاحظات بجانبها (امل هذا الخط يشبه تعاريج خط والدك بالضبط) حينها ادركت مدى الشموخ ولو كان بالخط.. لذا تعودنا ان نعانق تلك الاوراق قبل ان ننام، لأن الكتب هي الشيء الوحيد المتوافر في المنزل بعد الراديو والحمدلله.. الى ان جلب لنا العزيز (حسين موسى) تلفزيوناً ابيض واسود يفي بالغرض.. لكننا احببنا اوراقنا ودفاترنا القديمة مثل كتبنا.
فقد كانت حرية تواجدها بيننا تعلمنا ان نصادقها، او قد يكون نوعاً من التقليد لوالدنا وهروبا من العزلة التي نعيشها ضمن إطار المكان والزمان، كانت شراهتنا للقراءة في كل الموضوعات وقد اكون اقل اخوتي التزاما بالقراءة، ولكن كانت تستهويني الكتب الصفراء القديمة الاوراق حتى انني احيانا كثيرة اضعها على وجهي واشمها فأجد لها رائحة مختلفة، كنت اتناول موضوعات خاصة وقد تكون اجبارية في القراءة وضمن الاطار التنظيمي كان من الواجب علي اتمام المقرر الاسبوعي للتثقيف الذاتي، كانت بعض الكتب لاتستهويني فلم اكن احب الكتب الجافة التي لا تحاكي شغاف القلب او النفس وحكاياته كنت مولعة بالروايات الروسية حين ذاك، اتذكر انه كان علي ان اتعلم الضرب على الآلة الكاتبة وانا في الاعدادية لحاجة التنظيم لطباعة بعض الاصدارات التي يجب ان لا تخرج عن النطاق الخاص كنت كالآلة اطبع ما يكتب لي ولا اترجمه للوعي وكان هذا هو المطلوب مني (اتذكر اول ما استلمت الطباعة) قال لي ابي وهو جاد: عليك طباعة ما اعطيك اياه على أن تنسي كل ما قمتي به أو قرأتيه حال خروجك من هذه الغرفة، كنت أحب ان اصل الى رضا والدي والطمع في ان اكون شيئا ضمن هذه السلسلة الطويلة من الناس القريبة منه، والاقرب لثقته، كان الكتاب اثمن شيء نمتلكه وتعلمنا كيف نحافظ عليه وان يكون داخل نفوسنا ارشيفا خاصا، وكانت الكتب اجمل الهدايا.
كنت كثيرا ما ارى ابي يحمل اكياس الكتب او مغلفات تزن اثقالا، كنا نتعاون على فرزها من دون ان نعرف انها طبعت من اجل اشخاص ولم يكن لدينا القدرة على ان نفصح عن تلك الاسئلة فقد تعودنا ايضا ان كل ما بيد والدي هو لوالدي وليست لدينا القدرة (من باب العادة) ان نتدخل بذلك، كان يحترم كلمته التي يعطيها لمن ائتمنه من الكّتاب العرب او الخليجيين.. كان يتقن فن الائتمان... وفن الحب للجميع.. والثقة بالجميع.. من دون النظر الى الكسب المادي، يأخذ المادة من الكاتب ويدققها ويصحح الاخطاء التي سقطت سهوا ويذهب بها للمطبعة في بيروت على رغم تقلب اوضاع تلك العاصمة.. دار الكنوز هي الولادة الاولى لذلك الحب والعشق للكتب.
واذا انتقلنا للحديث عن اخوتي فقد كان اخي خالد يتابع احيانا كثيرة الاصدارات من خلال الراديو والمحاضرات في المراكز العلمية والثقافية المنتشرة في سوريا، ونتيجة لحاجته للمساعدة في اتمام قراءة المقررات الدراسية نتيجة لضعف بصره، كان اخوتي يتناوبون على إتمام الكتب الدراسية له، كان مولعا بالاطلاع على الكتب العلمية مثل الفيزياء والكهرباء. اما اخي وليد فقد كان مولعا بالقصص البوليسية وبعد ذلك اخذ ينهل من كل الكتب والمرغوبة لدينا كلنا.
اما اختي الدكتورة سلوى تدهشني بطقوسها، كانت من فرط اجتهادها في الدراسة تؤجل احيانا (اكواما من الكتب التي تشتريها) الى ايام الاجازات، وتنفذ هوايتها مع فاكهتها الصيفية (الدراق) وتكمل فصول كتابها احيانا مع تلك الفاكهة! ولا تزال مهووسة بالكتب التي تكدسها لحين حصولها على الفراغ لكي تقرأ.
اما صغرانا عائشة فقد كانت طقوسها ضمن طفولتها الجميلة وسارت على دروب من سبقوها وتجاوزتنا بقدراتها على الاقناع وكانت مرسالنا حين تصعب علينا المراسيل الى المهم والاهم في المنزل.. كان لها وهج القدرات على الاقناع..
مازلنا نحتضن كتبنا ونسجل عليها الحواشي ونحب ان نتبادل الكتب فيما بيننا بعد ان يقرأها أولنا لتصل للتالي.. احب ان اقرأ الكتاب بعد اخوتي.. احب الحواشي.. اجدها كتابا آخر ضمن هذا الكتاب.. مازلت احتفظ ببعض الكتب لوالدي والتي سجل عليها بعض التعليقات.. اجد الفضول يعصرني لاعرف ملخصات الكتب.. لا أدري أهو كسل ام فضول؟ مازلت امارس حالات الاختفاء في منزلي حتى وانا في هذا العمر.. فأجد المكتبة تحتضن افكاري من دون أي دخيل.. اقلب صفحات بعضها.. واضحك احيانا كثيرة من بعض المواقف التي رافقتني معها.. ابنتي الثانية (وفاء) أنهت طباعة مسودة كتابها الاول من اسبوع ولشدة اعجابي به كنت انشر على مسامع الجميع هذا الخبر الجميل.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=67813)
كل الطرق إليك كتاب.. ولا خلاص أيها الخلاص..
الوقت - أحمد يحيى الساري:
‘’احلب حلباً لك شطره، واشدد له اليوم أمره، يردده عليك غدا’’. خاطبت أستاذي في اللغة العربية في إحدى سنوات الدراسة بهذه العبارة. وأنا أقف معه على باب الصف. مستشهدا فيها على نحو الجري والتطبيق، فقال لي أستاذي، الذي لا يتكلم إلا الفصحى، والذي كان متميزاً باتساع أفقه واطلاعه، قال لي: لاتقرأ كثيراً.
أما أمي، فقد كانت وفي السنوات نفسها، تشفق مني وعلي إذا جلست تلك الجلسة وسط الصالة محاطا بالكتب (التي ترتفع عمودياً) من كل جانب، وكأنني في حلقة درس كل أساتذتها كتب..
أؤمن تماماً بأننا يجب أن نقرأ (وأن نستمع) أكثر من أن نكتب و(نتحدث).. والكتاب كونه قالب القراءة.. ولربما قالب الإصغاء.. يترك أثره الكامل وغير الملتزم في شخوصنا وأنفسنا. الفلسفة النفسية التي لا أظن أن أحدا لا يعيشها ولو بداخله.. هي نتاج المعرفة.. والمعرفة إما أن تقرأ أو أن يصغى إليها.. وكلتا الطريقين تؤديان إلى كتاب.
والدي كتاب
طريقي إلى المعرفة.. كان طريقي إلى الكتاب.. وطريقي إلى الكتاب هو في حد ذاته كتاب كبير.. إنه والدي.. ذلك الإنسان الذي صاغ فلسفته النفسية لأجل الحياة، لا لأجل الكلام. قد كان والدي (رحمه الله) كتاباً تجتمع بين دفتيه كل الإنسانيات وكل الحقائق وكل الوجود.. قد كنت أصغي لوالدي في مرضه، وهو لا يقوى على الحراك كما كنت أصغي له وهو في عافيته على أني كنت طفلاً يافعاً.. إن والدي هو ذلك الرمز الذي يقود إلى حقيقة.. في عافيته ومرضه.. كان والدي بتاريخه الطويل.. الملهم الأول لكل أبنائه في التحصيل والتعلم.. أول ما تعلمه أخوتي على يدي والدي هو القرآن الكريم بنهج ‘’الإعراب’’.. وبين هذا الدرس وذاك كان والدي يلقنهم بعض علوم القرآن.. ويشرح لهم بعض آياته.. ونشأ إخوتي جميعاً على قراءة القرآن، حتى أنك تسمع لدارنا دويا كدوي النحل عندما نجتمع جميعا وينزوي كل منا لقراءة القرآن لختمه في شهر رمضان المبارك.. وكثيرا ما تحتوي جلساتنا العائلية نقاشات معرفية بشأن بعض الآيات.. جعلنا والدي نعيش القرآن كأعظم وأقدس كتاب ومنه نعيش الحياة..
دعوة صامتة
بث فينا والدي حب التحصيل والمعرفة بقوة.. ولكن من دون أن يوجه ولا أن يتكلم.. كان رمزا صامتا لطلب العلم وتقديس العقل.. بدأ والدي مشواره العلمي مع أخواله رجال الدين في موطن الهجرة.. فكان يتلقى الأوليات على أيديهم.. وله ما يمكن أن نطلق عليه تقريرات على ما تلقاه من دروس.. اهتم والدي باللغة على أنها وسيلة التفكير وإبداء الفكرة.. وفي خط مواز.. كان والدي يحب أن يكسب قوت يومه بيديه.. واضطره ذلك للسفر بقصد العمل.. كانت حصيلة ذلك أنه إنسان يتعلم للحياة.. ويحيا ليتعلم.. توسع والدي في طلب المعرفة، واستمر في ربطها بحياته، عندما انضم في عمر متأخر إلى المدارس الحكومية (في السبعينات)، ومازال خطه يملأ تلك المذكرات الدراسية بتاريخ الأوطان والأمم، وعلوم الرياضيات والفيزياء، وما كان يحفظه من الشعر العربي أو يدرسه من العلوم الأدبية، قد كنت أرى في هذا الخط رمزاً للشقاء وحب العل، وقد كان دافعاً لي شخصيا أن أدخل إلى أبواب أخرى من أبواب معرفته.
امتدت دعوته الصامتة لتكون أكثر تأثيراً إلى تأسيس مكتبة متواضعة جمع فيها الكتب التي كان يشتريها وهو يتنقل بين إيران، العراق، الكويت والبحرين.. كان يراكم المعرفة ليدفعها في نفوسنا ويوطن فيها أخلاقا وحكمة متعالية.. ولما أعجزه القدر.. تحملت مكتبته الثمينة هذه المهمة.. وقد نجحت في إحداث أثر عميق في نفس كل من يقرأ منها.. إذا ما عرف بأنها كتب والدي!
الكتاب هوية
لقد أطلقت لنا تلك الكتب العنان لأن نحدد هويتنا بحرية وباتساع، وأن نؤسسها على الإدراك. كان لتلك الكتب تأثيرها في تربية النفس وفي نمط التفكير، على أن هذا التأثير قد لا يظهر جليا في كل مواقف الحياة أي أننا لن نستطيع أن نحلل كل المواقف والمحطات لنربطها به بعد أن كونت هذه الكتب إنساناً بنفسه وعاطفته، بعقله وفكره، وبكل عناصر إنسانيته أو شخصيته.. إننا لا نستطيع أن نقرأ كيف تشكلت أنفسنا من الكتب ببداهة وبسهولة، ذلك أن أنفسنا في حد ذاتها تحتاج إلى قراءة وبعد أن نطمئن إلى ما خرجنا به من هذه القراءة نبدأ استقراءً آخر نرى فيه كيف أثرت الكتب في نفوسنا وذلك استقراء يحتاج إلى الكثير من الخوارزميات الرياضية (Algorithms).
وفي الطريق إلى ذلك، وجدنا في مكتبة والدي، كتب مصادر ككتب التفسير الروائية، وكتب السيرة (التاريخ)، وكتب الأصول، والرسائل الفقهية، وكتب النحو، ودواوين الشعر، وكتب الدعاء. وكان هناك كذلك كتب الأخلاق التي لا شك بأنها البداية الصادقة لبناء فلسفة إنسانية ككتاب ‘’الذنوب الكبيرة’’ وكتاب’’جامع السعادات’’، وكذلك كانت هناك كتب العلوم مع ما يغلفها من ‘’أتموسفير’’ ديني كالكتاب المعروف ‘’التكامل في الإسلام’’.
المصادر في قبال المراجع
أول ما واجهني وأنا أبحث، هو نوع الكتاب الذي أبحث فيه، فهل أميل إلى المصادر أم إلى المراجع. وجدت في بيئة المدرسة ومكتباتها ميلا شديدا للمراجع (الدراسات والتحليلات وكتب الشرح والتفسير والتنظير التي تقتبس وتنقل من المصادر: الحدث أو الآثار أو النظريات أو الآراء أو العلوم عموما)، ولكن مكتبة والدي علمتني أن أبدأ بالمصادر أولاً، فكيف أقرأ تفسير القرآن وأنا لمّا أقرأ القرآن بعد، وما الذي يجبرني على الأخذ بكلام هذا وذاك في خبر من الأخبار وأنا لا أعرف هذا الخبر وأتلقاه منهم، وماذا يضيرني لو أني حصلت على العلم الأولي بشكل مباشر من مصادره، ماذا لو اطلعت على كتاب ‘’الأصول من الكافي’’ أو ‘’تاريخ ابن الأثير’’ أو ‘’الصواعق المحرقة’’ أو ‘’الملل والنحل’’ أو ‘’الإرشاد’’ أو غيرها..
على ذلك، بدأت أحمل معي إلى المدرسة كتاب ‘’شرح ابن عقيل’’؛ لأنني لا أستطيع أن آخذ النحو عن كتب المدرسة، وبدأت أحمل معي وريقات من كتب التاريخ أطبعها من المكتبات العامة، بدأت أطلع على دواوين الشعراء لأقرأ قصيدة عرفتها ناقصة في السابق، وبدأت أتتبع الرسائل الفقهية بدلا من دروس المسجد أو محاضرات المأتم، وبدأت أقرأ الدعاء من ‘’المفاتيح’’ لا من ‘’الكتيبات’’.
قادني ذلك، إلى ترسيخ في المعرفة، وبحث عن البرهان، وتحقيق في الكنه، إذا لم يتنافي كل ذلك مع القدرة على الإدراك، وفي خط آخر قادتني بعض الكتب إلى الحيرة الخائفة والبحث عن الحقيقة.. كتب مثل ‘’يوم الخلاص’’ الذي كنت أرى منذ صغري أن كل من حولي يقرأه ويؤمن به، ولا أزال أتذكر كيف كانت أختي تسير بين جنبات البيت وفي يديها ذلك الكتاب الأخضر.
علمني «جامع السعادات» كيف أحب
وأنا أتنقل بين رفوف مكتبة والدي الصغيرة، وجدت كتاباُ لا تتسع له كل المكتبات، إنه جامع السعادات للفيلسوف الواعظ المتعظ المولى الشيخ محمد مهدي النراقي الذي ارتشف من مناهل الفلاسفة كما يقال، ولأن هذا الكتاب كان في مكتبة والدي فقد أورثني من أبي النفس الطيبة وعمق في ذهني صورة ‘’المدينة الفاضلة’’. وهو كما يوصف: ‘’يخاطب النفس، والعقل، والقلب، والروح.’’ يحدث هذا الكتاب علم النفس وقوى النفس، والخير والشرّ، وأصناف الفضائل والرذائل، وكل ذلك استقاءً مما استقرأه المؤلف من تراث أهل البيت، ومما استفاد منه بشكل أو بآخر من كتاب ‘’إحياء العلوم’’. قد قال أحدهم عن الكتاب الشهير إنه ‘’يثير الدفائن ويحرّك الأحاسيس ويوقظ الضمائر وينبّه الأفكار، فيدخل إلى مراكز التأثير والتغيير، ويبدّل حال من يقرأه بإمعانٍ وانبساط’’.
لقد كان لجامع السعادات، الأثر المباشر والملحوظ هذه المرة، في أن تؤول قوة الحب في نفسي إلى غاية غير متناهية.. جمعني الحب بأصدقاء لا أقوى على فراقهم ولا خصومتهم، وساقني قلبي إلى حب هذه الأرض الغالية وإرخاص الغالي والنفيس فداء لها.. أحببت أساتذتي وكل من ألتقيهم في المدرسة، أو المسجد، أو القرية، أو العمل..
أحببت كل من وجدته عالي النفس سياسيا كان، أو مفكرا، أو رجل دين.. أحببت أهلي القريبين والبعيدين.. من رأيتهم ومن لم أعرف وجوههم.. أحببت كل إنسان قد أشفق عليه أو قد يشفق علي.. أحببت الفقير والضعيف والمبتلى.. وقبل كل ذلك أحببت من علمني أن أحب.. أحببت والدي.. ومنه أحببت ‘’أنوار السماء’’.. صرت أرى القاحل زهراً فأحبه.. وأرى السراب ماء فأحبه.. وقد زادني في ذلك إيليا أبو ماضي، الذي قرأت أبياته لأول مرة في مذكرات والدي:
أيـقـظ شـعـورك بـالـمـحبة إن غفا
لـولا الـشعور الناس كانوا كالدمى
أحبب فيغدو الكوخ كونا نيرا
وأبغض فيمسي الكون سجنا مظلما
لو تعشق البيداء أصبح رملها
زهراً وصار سرابها الخداع ما
لا تطلبن محبة من جاهل
المرء ليس يحب حتى يفهما
صرت أهتم بالسياسة اهتماما كبيراً، وصارت السياسة عالمي؛ لأنها اشتقت من اعتقادي بالإله، وبنفسي، وبالوطن. قد تعدى اهتمامي بالناس المصالح المتبادلة، ورأيت بأن أسير أنا في قضاء حوائجهم إذا استطعت. من ذلك فهمت ما قاله أستاذنا في الفيزياء أن الشخص غير الطبيعي هو من لا يحب الجمال أو من لا يجتذبه الجمال. ومن الحب تعلمت أن أبكي.. وهكذا رأيت أن كل ذلك ربما يقودني إلى المعشوق الحقيقي مالك هذا الوجود والحقيقة المطلقة..
كتب العلوم.. الوجه الآخر
سألني أستاذي في الصف الثاني الابتدائي كباقي التلاميذ، ماذا تتمنى أن تكون في المستقبل.. فقلت له: عالماً. كانت تلك أمنية، ومع أنني كنت أردد دائما مقولة ابن قتيبة الدينوري: ‘’العالم عالم ما طلب العلم، فإن ظن أنه قد علم، فقد جهل’’ إلا أنني لم أبلغ حتى أن أكون طالب علم! قادني التسديد الإلهي إلى التحصيل الجيد في المرحلة الدراسية، وبشكل تلقائي وكجميع أخوتي (8 أخوان) انخرطت في القسم العلمي في المرحلة الثانوية.. كان لذلك أثره الجيد في تنويع المعارف.. لم تعجبني الموسوعات العلمية الفضفاضة على رغم أني اعتمدت عليها كمرجع آخر خارج كتب المدرسة.. ولكن.. أعجبني العلماء الذين جمعوا بين الأدب أو الدين وباقي علوم المادة.. كالطوسي، والبيروني وابن سينا إلا أن تحصيلي لم يستوعب الأخذ من مصادرهم.. كنت أحب بقوة كتب علم الرياضيات وعلوم الفيزياء..
في دراستي الجامعية، وعلى رغم تعثرها، كنت قد وعيت حقا كتب العلوم البحتة.. فزادت المتعة في الأخذ من مراجع الرياضيات والفيزياء (كتب الجامعة) إلى جانب كتب المنطق الرقمي، الخوارزميات، ولغات الآلة.
في خط مواز، وعلى قرب من مكتبة والدي، وجدت كتابا بدا بالياً وممزقا من الزمن، إنه ‘’التكامل في الإسلام’’.. ذلك الكتاب جعلني أتأمل كيف يرتبط العلم الحديث (بجوهره وبكل حقيقته) بالإيمان المطلق بالله تعالى.. لم يحتو هذا الكتاب كما يشكل من اسمه تنظيرات إنشائية.. ولكنه بحوث علمية بحتة تقود إلى عقائد نؤمن بها.. أدمجت هذه البحوث التي انطلقت من الرياضيات وعلوم الطبيعة بأمثلة وأحاديث ممتعة قد جعلتني أطيل التأمل..
المكتبات العامة والإنترنت
على بعد الشقة، وبفضل أخوتي، صرت أرتاد المكتبة العامة، وهناك امتد بصري للكثير الكثير من المصادر والمراجع، وكنت أقضي فيها وقتا لا بأس فيه، وانفتحت على عالم أكبر، والحاصل أن مفاتيحه كانت لدي بسبب مكتبة والدي.
ولأن الاستعارة محدودة، كنت أقوم بنسخ ما أهتم به أو أحتاجه من بعض الكتب وأرشفتها في مكتبة والدي، وكنت أستعين بها للاطلاع ولإعداد بحوثي في المدرسة. ولأن حصيلة المعرفة كان يجب أن تتفرغ في نفسي، بادرت إلى أن أقدم نشاطاً أسبوعياً أجمع فيه شيئا مما قرأته وأسلمه لأستاذي في اللغة العربية وأستاذي في الرياضيات، إنه إذاً ‘’حديث السبت’’ الذي سرقت عنوانه من كتاب ‘’حديث الأربعاء’’ لطه حسين. كان ذلك أشبه بالمجلة المعرفية المذيلة بالمصادر والمراجع. ومع بروز ‘’الاستنساخ الجيني’’، ذهبت لأبحث في المكتبة عنها لفائدتي الشخصية، لم أستطع أن أجد كتابا بالطبع، فاقتبست مقالات من بعض الصحف، ورأيت بأنني أجهل الكثير من أساسيات هذه العلم (الجينات)، فطرقت باب أحد الأطباء في عيادته، وقادني إلى البحث في الإنترنت، وكانت هي المرة الأولى التي أنفتح فيها على الإنترنت إذ كان هناك كما أتذكر مقهى واحد للإنترنت في البحرين وقد كان في العدلية (1996)، ومن هناك بدأت فصول جديدة في تنويع مصادر الاطلاع والتحصيل.
أثر الفراشة والدائرة المغلقة
في فترة متأخرة، أحكم ‘’الأتموسفير’’ الديني التقليدي، غلاف كل معارفي، بكل مصادرها ومراجعها، وفجأة وجدت نفسي لا أطيق ذكر اسم عالم أجنبي (غربي أو شرقي) أو فيلسوف أوروبي وأحتقرهم أشد احتقار. تجرأت فقلت ذلك أمام أحد أفاضل أساتذتي يوما ما، فقال صارخاً: أستغفر الله!!
في الوقت ذاته، كان لدي زميل دراسة، أرد أن يشاركني نشاطا معرفيا لا علاقة له بالمدرسة، إذ قام بشراء كراسة وقال لي، فلنكتب فيها أقوالاً خالدة، كان زميلي يوثق فيها ما يعرفه وما يطلع عليه من أقوال لجاك روسو، أو لطاليس، أو لكونفشيوس.. كنت أنا أسخر منه، ولا أنقل لو سوى أحاديث الأثر الشريف!! كنت كذلك أنظر إلى العولمة في جانبها السلبي فقط، وأسخر من كل من يقول إنها قد تكون إيجابية. في زمن قريب، تعلمت من ‘’أستاذي الشيخ’’[1] أن أضع نفسي في كل مكان، وبعد ذلك، أن أبحث عنها. كان يقول لي: ماذا يضر لو أننا دخلنا الكنيسة يوماً من الأيام، وماذا يضر لو أننا جلسنا مع شيوعي أو علماني وسمعنا منه؟ شيئاً فشيئاً بدأت أهتم باللغة الإنجليزية، وبكل الفنون، وبكل الثقافات، وبكل الأديان والمذاهب، ومع ذلك صرت أصر بأنه قد لا يوجد ما يمكن أن يمثل مرجعا معرفيا قبال المدرسة التي أنتمي إليها.
لن أزايد.. ولكنني أستطيع أن أقول.. إن ‘’أثر الفراشة’’[2] فتح لي باباً على أن أنظر (لنفسي) بأن العالم بكل فلسفاته وحقائقه، بكل أديانه ومذاهبه، بكل فنونه وآدابه، بكل علومه ومعارفه قد ينصهر في اعتقادي بالحقيقة.. قد يدور بشأن فلك مدرستي وحقيقتي.. قد يتقاطع معها فيجعلني أصححها أو أعتقد بها أكثر. قادني ‘’أثر الفراشة’’ إلى أن ابن عربي، وأمين معلوف وداون بارون ليسوا سذجا ولا جهال.. وصل بي هذا الأثر إلى أن أصغي لسودهارتا والنهر.. تشعبت بي خطوط الضوء المستقيمة لأنفتح على أن الآخر موجود.. وأن من أنصار ‘’الإنسان’’[3] من يسمع به فيؤمن به وقت ظهوره!.. لكل ذلك.. صارت تلك الكتب أيضاً جزءاً مني ولن يكون إسقاط شيء من عقيدتي عليها ما يخرجني عن الحقيقة..
الهوامش
[1] ‘’الأستاذ الشيخ’’ هي كنيتي الخاصة لأحد أصدقائي تأسيساً على منظورنا المشترك للمثقف الديني.
[2] أثر الفراشة: أردت بذلك النظرية التي جعلتني أؤمن أن كل ما في الكون يتأثر ببعضه البعض، وعلاقتها بتجربة ‘’باسمة القصاب’’ في الانفتاح على الأفق بعد إحكام غلق الذات ضمن ‘’جماعة الأمر’’.
[3] ‘’الإنسان’’: أوردت هذه الكلمة تعبيرا عن رجل يخرج آخر الزمان مع ‘’عيسى’’ ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجورا في أحد ‘’الكتب المقدسة’’، وبحسب الرؤية الشيعية فهو الإمام المهدي.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=67815)
الخارق غير الموجود.. والمذاقات التي تبقى على الفم
الوقت - فاطمة العمّار:
http://img374.imageshack.us/img374/6627/untitled1wq5.jpg
هل يُوجد كتاب خارق حتى هذا الحد.. يمكن أن يغير حياتك؟
هذا السؤال هو أول ما تبادر لذهني حين قرأتُ عنوان ملف بروفايل. يمكنني أن أستدرك وأقول: حسناً.. لولا قراءة الكتب لكنتُ كائناً آخر، وربما اخترتُ لحياتي طرقاً/ سبلاً أخرى. حين تكتشف ولعك بالقراءة، تظن أنك مختلف. حين تقرأ بضع عشراتٍ من الكتب، تشعر أنك تتميز عن البقية. أيُّ وهم؟ حين تواصل القراءة، تدرك أي قَدَرٍ مرهقٍ وجميل وقعتَ فيه. كثيراً ما تساءلت: هل تصطفينا الكتب منذ البدء/ منذ الخلق، هل تختارنا لنكون الرفقة المخلصة؟ يلح عليّ هذا السؤال الغريب أكثر، حين أتمسك بقراءة روايةٍ ما، وأقاوم إغواء التعب والنعاس. أيضاً، حين أقرأ كتاباً صادماً، وأشعر أن خلايا رأسي تتألم، وأستغرب كيف لمجموعةٍ من الأوراق أن تعبث بكيميائنا الداخلية.
إن صحّت نظريتي، أعني تشبث بعض الكتب بنا / اختيارها لنا من دون سوانا، فسأزعم - وبضميرٍ مرتاح - أن كتب الأدب وجدتني صديقةً ملائمة، وأظنني أعطيتها من الوقت والجهد ما يجعلها مطمئنة لإخلاصي!
أحب الشعر، لكني اكتشفت أن قراءة ديوان من الشعر تتطلب مزاجاً/ جواً خاصا. الروايات هي المتعة الخالصة/ فعلُ القراءةِ الأثير. بين يديّ الآن ‘’عودة البحار’’ لجورج أمادو، مبهرة جدا. كثيرة هي الروايات التي تركت فيّ دهشة لا تُمحى: كتب أمين معلوف، ‘’عطر زوسكيند’’، والرواية التي لا يمكن أن أنساها ‘’الحب في زمن الكوليرا’’ لماركيز. هل نسيتُ أن أذكر ابراهيم الكوني؟ هذا الذي قلتُ عنه يوماً: أحب أن أقرأ له بتأنٍ، تماماً كما تشرب القهوة و تود أن يظل مذاقها على فمك طويلا.
«خرافات» القراءة
لن يصدّق أحد هذا المعتقد الغريب الذي صاحب اهتمامي المبكر بالقراءة. فبحسبه؛ التهام الكتب يؤدي إلى نتيجة واحدة هي الإصابة بالعمى. وكنتُ أقاوم هذا الهاجس- الذي سكنني وكوّن له هالة إيمانية غريبة- كنتُ أقاوم ذلك بالإسراع في القراءة وإتمام أكبر قدرٍ ممكن من الكتب قبل أن تحين اللحظة الخطرة، لحظة انطفاء العينين، حينها سأنشغل بالبكاء بدلاً من الانشغال بالكتب!
طبعاً، كان للخرافةِ ما يبررها، فمنذ الثامنة اكتشف والديّ أن عيني طفلتهما لا تؤدي المهمة كما يجب، وعاماً بعد عام كان القصور يشتد، أو ينمو تزامناً مع عمليات نموّ الجسم. كانت القراءة إذاً، محفوفة بالمخاطر، بوصايا الأب، بقلق الأم، بحذري الممزوج بالرغبة. ياه، أدرك الآن حجم المعاناة، وربما لهذا السبب تعلّقت بالقراءة.. كنتُ أشعر أني سأُحرم منها في أي لحظةٍ غادرة.
بقي أن أقول عن النهاية السعيدة، عملية على يد طبيبٍ ماهر كانت كافية لتقتل تلك الهواجس، وتمسح الخرافة للأبد.
الكتاب الأهم!
إن كان هناك كتابٌ يستحق أن يكون ‘’الأهم’’، فأنا لم أقرأه بالتأكيد. لم أجده بعد. ثمَّ كتبٌ حفرت عميقاً، لكنها لن تحوز هذا اللقب.
في وقتٍ مبكر، ربما في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، نبتَ في قلبي حبٌ - سأصفه اليوم بالمتوحش - تجاه ‘’الفلسفة’’. أرجو أن لا يتمادى أحدٌ في التصور، ويتخيلني أشتري الكتاب الفلسفي تلو الآخر. لا، لم يحدث هذا. كنتُ في المرحلة الإعدادية، في مدرسةٍ إعدادية ثانوية - المسار الأدبي بالتحديد -، المكتبة كانتْ ضخمة وبالنسبة لتلميذة في مثل عمري يجب أن أقول أنها ‘’مكتبة عظيمة’’ قادرة على إغرائي في كل وقت، وبها قسمٌ كبير علِّقت عليه لافتة توضيحية ‘’كتب الفلسفة والفكر الإنساني’’.
لا أجد حرجاً في الاعتراف اليوم بأني لم أكن أفهم ‘’مزاعم’’ نيتشه، ولا ‘’اتجاهات’’ سارتر، ولا ماذا كان يريد ‘’ديكارت’’ قوله بالضبط، لكن في الوقت نفسه، سأذكر أني كنتُ ألتهم الكتاب من البداية إلى النهاية، وتزداد قناعتي اليوم بأن هذا الإصرار/تحمل مشقة القراءة الصعبة ليس سوى هبة من الله، وإلا لماذا كنتُ أصبر على تمرينٍ قاسٍ كهذا ؟
تخلّصت من هذا العبث الجاد لأتجه للسياسة. لم أكن أقرأ الكتب، صار لديّ هوس اقتناء الدوريات، أتذكر على سبيل المثال مجلة الوسط (عن دار الحياة) قبل أن تتحول إلى مجرد ملحق للجريدة ثم تختفي. مجلة ‘’المجلة’’ التي لم يمنعني الإعجاب بها من التذمر من سعرها المبالغ فيه.
لماذا لم يستهوني الشعر أولا؟ لماذا لم تأخذني القصص والروايات منذ البداية؟ هل يليق بمراهقة أن تثرثر في أمور السياسة وتتشدق بمقولاتٍ فلسفية لا تفقهها؟
أستطيع أن أقول - محاولةً أن انصفني - أن وراء كل شيء غريب.. ذكرى لذيذة ومحرّضة.
جهة القلب
استهوتني الكتب الدينية، الفكرية خاصة، مدةً من الزمن. وحتى اليوم، أجد لبعضها عمقاً لافتاً وللبعض الآخر قدرة على التنفير لا تُحتمل. لكني سأدّعي، وبالقليلِ اليسير من الغرور، أني ‘’منذورة’’ للأدب، ففي هذه المحطة آن لي أن أستقر، وأحلّق، وأؤثث الوقت بالممتع والجميل.
الشعر: حوّلته إلى غناء في الليالي الباردة. قرأتُ لبدر شاكر السيّاب، لنازك الملائكة، لعبدالوهاب البياتي، وراقتني لعبة حفظ الشعر لكني لم أذهب فيها بعيدا. لستُ أدري لماذا لم يستهوني نزار قباني كثيرا؟ قليلة هي القصائد التي قرأتها له وقلت ‘’واااو’’. كما هو متوقع أدمنت محمود درويش، وبدرجة أقل سميح القاسم وفدوى طوقان. قرأت قصائد متفرقة لشعراء كثيرين في المجلات/ في الصحف. لاحقاً سأكتشف قاسم حداد - ويا للمفارقة في أن أكتشف البعيد قبل القريب - وسيعجبني كثيرا.
بعض الذين كنتُ أقرأهم بدهشة، خفّتْ وانطفأت اليوم. أمل دنقل وفاروق جويدة مثلاً، ولا تسألوني لماذا!
تطلّبات كثيرة
أفشيت - منذ البداية - حجم تعلّقي بالروايات. لا أدري إن كان ثمَّ معيارٌ دقيق أتبعه في الاختيار، لكني ‘’أتطلب’’ كثيراً. أحلام مستغانمي التي أبهرتني في ‘’ذاكرة الجسد’’ وصفتُ روايتيها اللاحقتين بـ ‘’التنويع الذي لا يضيف شيئاً’’. ربما لأن الروايات المسرفة في الشاعرية ما عادتْ تروقني، مع استثناء أمين صالح الذي أعشق لغته الاستثنائية.
أحببتُ الكثير من الروائيين الذين صحبوني إلى عوالم مدهشة، ايزابيل الليندي التي علّمتني كيف أعشق التفاصيل، ماريو بارغاس يوسا الذي يملك أسلوباً ساحراً ومتفردا، عبدالرحمن منيف، هاديا سعيد، باولو كويلو وآخرين أشعر تجاههم بالامتنان وأحمل لهم من التقدير ما يكفي لحفلة.. أهتف فيها:
أيها الراااائعون.. شكراً
ما يبقى على الفم
فيما يلي بعض المذكرات والقراءات المنشورة على مدونة ‘’فاطمة العمّار’’، والتي تحكي عن بعض المذاقات التي بقت على الفم، رافضة أن تذوب..
«جيشا» الرواية المدهشة
الخميس تشرين الأول 2006 12
المصادفة وحدها جعلتني أقرأ ‘’جيشا’’ - رواية اليابان الأولى كما يقول الناشر.
حتى وقتٍ قصير، وقبل أن أستسلم لإغواء قراءتها، كانت كلمة جيشا لا تعني لي شيئاً. اليوم، وبعد رحلة عمرها 500 صفحة هي عدد صفحات الرواية الصادرة عن دار ورد للنشر، للمؤلف آرثر غولدن والمترجم عدنان محمد، صرتُ أستحضر كل ذلك العالم الفريد الذي تدخله الجيشا في اليابان..
الرواية بحسب الناشر ‘’تنقلنا وسط عالم غرائبي تمتزج فيه الإثارة بالانحراف، القسوة بالترف، والإغراء بالغموض’’ إنها، بكلمة واحدة، متميزة لا تشبه رواية تقرأها عادةً..
ممتنة كثيرة لأني كنتُ على موعدٍ مع ‘’جيشا’’ غولدن، في ثلاثة أيام من الفضول والحيرة والتأثر والإعجاب الشديد، كانتْ تجربة لا تمحى تفاصيلها من الذاكرة.. بقي أن أقول عن المؤلف أنه يدرّس الأدب وتقنيات الكتابة في بوسطن، وقد ‘’ترسّخ اسمه بوصفه من الروائيين الأكثر موهبة بين كتّاب جيله’’ أيضاً بحسب ما قالته دار ورد.
العطر: التجربة المحرِّضة
الخميس تشرين الأول 2006 12
قرأتُ العطر، لراويها باتريك زوسكيند، وكنتُ سمعت بها كثيراً. هذه المرة فقط، منحتني الجرأة يداً أسحب بها الرواية من بين كتبٍ عديدة. لا أدري كيف تتم عملية الانتقاء، لكنها أبعد ما يكون للتنظيم والمنطق، هي فوضى غريبة وقريبة للقلب في آن. يبدأ الجزء الأول هكذا ‘’في القرن الثامن عشر عاش في فرنسا رجل ينتمي إلى أكثر كائنات تلك الحقبة نبوغاً وشناعة، وهي حقبة لم تكن لتفتقر إلى مثل هذه الكائنات’’ وأكاد أجزم أن مثل هذا النوع من المقدمات لا يستهويني إلا قليلاً، أو بمعنى أدق لا يمنحني الطاقة الكافية لألتهم رواية من 240 صفحة. وهذا ما حدث فعلاً، توقفت عن القراءة بعد ثلاثين أو أربعين صفحة، واتجهت لكتاب آخر، من دون أدنى شعور بتأنيب الضمير.
رداءة الكتاب الآخر، فقط لا غير، جعلني أتركه احتراماً لوقتي الذي صرتُ أحتفظ به لقراءة الأكثر متعة وجمالا. عدتُ للعطر، وأخذت أقرأ إلى أن أُخذت بالعالم المدهش، ومع الوقت تسرب إلي الحسد من هذا الكاتب البارع ومن قدرته المدهشة على النسج والوصف وإضاءة ما كنتُ أعتقد إلى وقتٍ قريب أنه معتم ومستحيل على الانكشاف. واصلت الإبحار، مشدودة تحت تأثير السحر، أتذوق الرواية كلمة بعد كلمة وفكرة بعد أخرى، وأنهيت الرحلة، آسفة أنها لم تمتد أكثر، لأدرك أني سهرتُ حتى الصباح من أجل إنهائها. كيف لي أن أصف انطباعي الأول؟ إنها رواية مجنونة، ليست غريبة جداً، إلا أن أحداثها عصية على التكرار. وإن تحدثت عن الانطباع اللاحق، يمكنني الإدعاء بأني أحببتها، ومن الإجحاف أن أدّعي غير ذلك.
جان باتيست غرنوي، بطل الرواية صاحب الموهبة الفذة التي عبر عنها بقوله لأحد العطارين ‘’أنفي هو الأفضل في باريس كلها، يا معلمي. أنا أعرف روائح العالم كله’’ هو أيضاً المجرم القاتل، وجرائمه لا تقل شناعة عن ‘’الأوغاد المعروفين’’ كما يقول الكاتب، ولكن لنقرأ بعض ما دار في خلد ريتشي صاحب الفكر المستنير -قبل أن يقدم غرنوي على قتل ابنته - ‘’لو تصور المرء كل هذه الضحايا، لا كذوات فردية، وإنما كأجزاء من مبدأ أعلى، وفكر بطريقة مثالية بذوبان صفاتها الفردية في كل موحد، فإن الصورة الناتجة عن مجموعة أحجار الموزاييك هذه ستكون حتماً صورة الجمال، والسحر الصادر عنها لن يكون ذا طابع بشري، بل إلهي’’.
العطر - قصة قاتل، هي الرواية الأولى لزوسكيند وقد ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة وأوصلت كاتبها الألماني إلى الشهرة العالمية، قرأتها مترجمة عن دار المدى للمترجم د. نبيل الحفار، وأحرضكم على اقتنائها.
تعثري بالبنيوية
الثلثاء،نيسان 2007 ,24
الصدفة والمزاج، تضافرا، ومنحاني الرغبة في قراءة كتابٍ، هو بمثابة المرجع، عن البنيوية. أما الصدفة فتحققت حين تعثرتُ به وأنا أبحثُ عن أمرٍ آخر يتعلّق بدراستي الأكاديمية. اعتدتُ الفضول في مثل هذه الحالات، احتضنتُ بيدي غلافه الذي ارتدى قرطاساً مُعالَجا، الطبعة ,1971 ياه. إنه يستحق أن يُنتشل من نومهِ الطويل. وهكذا أسعفني المزاج للتعاطف معه. قلتُ: ما أعرفه عن البنيوية لا يعدو كونه ‘’شذرات’’ و’’نتف’’ مقالاتٍ ألقت الضوء عليها.. هذا الكتاب سيعطيني وجبة غنيّة كفيلة باستيعاب الصورة كاملةً. أو بقليلٍ من التواضع: قريبة من الكمال..
الكتاب مُترجم. والمؤلف ‘’جان بياجيه’’، الذي بحسب مقدمة الكتاب ‘’لم يترك أحداً من هؤلاء البنيويين - المقصود كلود شتراوس وفردينان دي سوسور ولوي ألتوسير وميشال فوكو وجاك لاكان - إلا وتناول منطقه البنيوي محللاً ومفسراً ومهنئاً وناقداً، مُظهراً عند كل منهم نقاط الضعف ونقاط القوة’’ أما مترجما الكتاب فهما: عارف منيمنة وبشير أوبري، وهو من منشورات عويدات، بيروت. وفي حين تُرجم هذا الكتاب إلى العربية، كانتْ الأجواء في الغرب تحوّل البنيوية إلى ‘’موضة’’ راقتْ للألسنة العامة وأثارت الإنزعاج لدى البنيويين والفلاسفة. الكاتب ناظم عودة، وفي مقالٍ له نشره في جريدة الزمان ,2003 كتب: ‘’إنّ نهاية الستينيات وبداية السبعينيات كانت المخاض الحقيقي للتحول الذي حدث في النظرية النقدية البنيوية. وساهمت عوامل عدة في حدوث هذا التحول’’ ومن ضمن هذه العوامل ‘’ الرواية التي تمردت على التقنين اللساني، والصراع الذي كان يخوضه النقاد اليساريون ضد البنيوية، متمثلاُ بجورج لوكاش، وبتلميذه الناقد الروماني الأصل لوسيان جولدمان في مجموعة من كتبه’’ بحسب عودة.
في الكتاب، أعني ‘’البنيوية’’، يؤكد المؤلف على أن ‘’البنيوية تملك تراثاً طويلاً في تاريخ الفكر العلمي، ولو أن تكوينها حديث نسبياً بالنسبة لتاريخ الربط بين الاستنتاج والاختبار’’ ويشدّد بياجيه على أن ‘’البنيوية لا يمكن أن تشكل موضوعاً لعقيدة أو لفلسفة وإلا لأمكن تجاوزها بسرعة، بل تشكل بالضرورة طريقة مع كل ما تنطوي عليه هذه اللفظة من التقنية والالتزامات، والشرف الفكري، ومن التطور في التقريبات المتتالية’’. وقد احتوى الكتاب على سبعة فصول، الأول كان مدخلاً وطرحاً للمسائل، الفصل الثاني تحت عنوان ‘’البنيات الرياضية والمنطقية’’ وقد بدأ المؤلف الفصلَ بالقول: ‘’من المستحيل، أن ننكب على عرضٍ نقدي للبنيوية قبل أن نبدأ بدراسة البنيات الرياضية، وذلك ليس لأسبابٍ منطقية فحسب بل لأنها أيضاً تتعلق بتاريخ الفكر نفسه’’، أما الفصل الثالث فعن البنيات الفيزيائية والبيولوجية، الفصل الرابع عن البنيات النفسية، وتحدث الفصل الخامس عن البنيوية اللغوية، وهو الفصل الذي شدّني كثيراً، وكتب المؤلف: ‘’إن اللغة مؤسسة جماعية ذات قواعد تفرض نفسها على الأفراد وتتتناقل بطريقة جَبرِية من جيل لآخر’’ و’’بالاختصار، تشكل اللغة كونها مستقلة عن القرارات الفردية، وحاملة تقاليد ألوف السنين وإضافة إلى كونها أداة ضرورية لتفكير أي واحد، تشكل فئة ذات امتياز في الحقائق الإنسانية’’.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=67816)
أنـــــــــا وفتيـــــــــات أمـــــيركـــــــــــا
الوقت - آلاء الليث:
ما زلت أذكر ذلك اليوم جيداً، يوم كنت قد نسيت فيه نفسي. ربما كنت في الصف الثاني أو الثالث الابتدائي. كنتُ كعادتي أذهب لمكتبة المدرسة بعد انتهاء الدوام المدرسي، فأقضي وقتاً أجول فيه بين مختلف أقسام المكتبة، بحثاً عما يثيرني، عما سآخذه معي إلى البيت هذه المرة. حينها، كنتُ أعرف مكان معظم ما في المكتبة، وفي أغلب الأحيان كنت أعرف بأن هذا الكتاب الذي سأخرجه لاكتشافه (من بين الكتب الأخرى على الرف)، هو كتاب غلافه كذا ويتخلل صفحاته كذا وكذا، لأنني كنتُ قد تصفحته من قبل، وربما استعرته كذلك. كان يسحرني سقف المكتبة وجدرانها الزجاجية التي تدخل منها أشعة الشمس إلى المكان لتُبقي روح الزائر متجددة.
في ذلك اليوم، بينما كنتُ ألهو بين الكتب (كعادتي)، دخلت معلمتي المكتبة مسرعة ويداها مشدودتان إلى جنبها في حركة قلقة. لاحظت مباشرة بأن أخي الكبير ‘’أحمد’’ الذي يكبرني بسبعة أعوام تقريباً كان خلفها. منظرٌ لم أكن أتوقع رؤيته من قبل، أخي ومعلمتي يدخلان المكتبة بعد الدوام المدرسي؟! ما علاقة كل تلك العناصر ببعضها البعض؟!
احتجتُ إلى بضع ثوان حتى استوعبت الأمر كاملاً، فشعرت بإحراج وإحساس بالذنب شديدين، كأنني ارتكبتُ جرماً شنيعاً. كنتُ قد تأخرت كثيراً كثيراً عن موعد عودتي إلى البيت. لم أمكث الوقت المعهود لي المتفق عليه مسبقاً مع أمي في المكتبة، ولم أمكث ضعف ذلك الوقت، كم من الوقت مضى لي في المكتبة؟ لم أذكر حينها. لا أشعر بالوقت حين أكون في المكتبة. بل، لم أكن أشعر بالوقت حين كنت في تلك المكتبة تحديداً.
صفحات بلون حليب الفانيلا
من بين تلك الكتب التي كانت تسحرني وتجعلني لا أشعر بدقات الساعة، السلسلة القصصية (مجموعة فتيات أميركا - The American Girls Collection). لا أعرف ما الذي كان يبهرني في تلك المجموعة القصصية، هل كانت الصفحات الملساء ذات لون حليب الفانيلا؟ هل كانت الفتيات عينهن اللواتي يذهبن بي بعيداً بنشاطهن واستقلاليتهن؟ أم الرسوم الصغيرة التي تظهر في زوايا الصفحات بين حين وآخر لتشير إلى ما يحدث أو ما سيحدث في تلك الصفحات؟ أم الرسوم التعبيرية التي تظهر في كل فصل لتملأ صفحة كاملة شارحة بألوانها الزاهية حدثا مهما في ذلك الفصل ويظهر تحتها تعليق مقتبس من نص الفصل؟
كانت المجموعة القصصية ‘’فتيات أميركا’’ تسحرني بكل ما فيها. كنتُ أضمها إلى صدري من فرط حبي لها، وما زالت يداي تجول في صفحاتها وتتحسسها في كل مرة أرتب فيها مكتبتي الصغيرة الخاصة بي، والتي تبعد رفوفها عن سريري بما لا يزيد على مسافة مدّ اليد.
أتذكر كم من الوقت كنت أقضي متأملة الصفحة التمهيدية التي تظهر فيها شجرة العائلة، أدرسها جيداً وأستغرق في تأمل صور العائلة ثم أبدأ بالقراءة. كنتُ أعود إلى شجرة العائلة كلما تطلّب الأمر للتأكّد من شخصية ما، وأعود كذلك إليها حين لا يتطلب الأمر مدَّعية أنني أريد أن أتأكد من صلة شخص ما بآخر.
فتيات أميركا
حين كنت مولعة بمجموعة ‘’فتيات أميركا’’ كانت المجموعة القصصية تتألف من خمس فتيات أميركيات، كل فتاة تنتمي إلى حقبة زمنية تلي الأخرى. لم تسحرني كل الفتيات بقدر ما سحرتني ‘’سامنثا’’ الأرستوقراطية، ذات الطلة والمبادئ الفكتورية، التي تنازعها رغبة احترام عادات جدتها التقليدية الأصيلة ومغريات الحياة المتغيرة الجديدة. و’’آدي’’ الأميركية الأفريقية، التي كانت تقاوم شتى أشكال العنصرية التي تواجهها بسبب لون بشرتها حالمة برسم مستقبل لها يتحدى ويقلب معادلات الواقع.
تهرب ‘’آدي’’ إبنة التسع أو العشر سنوات مع أمها في القصة الأولى، إلى مدينة فيلادالفيا في ولاية بنسلفينيا لترمي عذاب قطف القطن في مزارع الجنوب خلف ظهرها، وتتذوق لذة الحرية في الشمال، بعد أن بيع أبوها وأخوها إلى مالك متسلط آخر.
أحداث القصة (التي أراها بسيطة وطفولية الآن، كانت عميقة بالنسبة لي آنذاك، عندما كنت في عمر مقارب لعمر آدي) بالإضافة إلى أحداث القصتين الأخريين اللتين أمتلكهما لآدي تظهران مراراً وتكراراً خصال محورية في كينونة ‘’آدي’’، ربما كنت أربطها بي أو بما أريد بطريقة أو بأخرى. فسواء في رحلتهم نحو الحرية، أو في قصة ‘’آدي’’ وهي تتعلم القراءة والكتابة بإصرار وعزم شديدين وتحدّ للمعرقلات.
كنت أرى في ‘’آدي’’ أيضاً مثالاً على الطموح المفتوح المغلق في الآن نفسه. فحين كانت تحرص على اغتنام الفرص المتاحة لها (كالتعلّم) ولا تبخل على الآخرين بما تعرفه (تعلّم أمها ما تتعلمه في المدرسة)، كانت في الوقت نفسه ترسم لنفسها لوحة شاحبة لمعنى الحرية وآفاق السعادة، بما تراه في فتيات أخريات جميلات وذكيات وغنيات ومحبوبات، لا يتعرَّضن لمكدّرات الحياة وظلمها التي تتعرض هي لها، غير مدركة بأن هناك حرية وسعادة يمكنها أن تستطعمها إن أرادت، إن أدركت بأن الكأس نصفه مملوء لا فارغ. حين وصلت ‘’آدي’’ حرة إلى مدينة فليدالفيا، تفاجأت بمنغصات حريتها، لأنها كانت قد حددت مسبقاً طعم الحرية قبل أن تتذوقها.
لم نعش العبودية التي عاشها الأفارقة في أميركا، لكننا جميعاً عبيد بصورة أو بأخرى ليس للإله فحسب، وإنما لمجتمع يحكمنا ويجلعنا نضيِّق على أنفسنا لذة الحرية والسعادة وحلاوة استطعام اكتشاف الذات.
سامانثا: الأرستقراطية المتجددة
‘’سامانثا’’، كانت تنتمي إلى نمط حياة (الفخفخة) كما نسمِّها نحن، يتيمة تربيها جدتها الغنية ذات المبادئ الصارمة التقليدية الفكتورية. في تلك الفترة (عام 1904)، كان المجتمع ينقسم إلى قسمين، القسم الأول (وتنتمي إليه جدة سامانثا) آراؤه محافظة، يؤيد الحفاظ على لبس المرأة الفاخر والساتر ويناضل من أجل عدم إعطائها حق التصويت. أما القسم الآخر فيؤيد تحرير النساء من القيود المجتمعية المفروضة عليهن (في مسائل اللبس والظهور الاجتماعي وغيرها) ويعمل على منح النساء حق التصويت.
حين كانت نساء المجتمع ‘’الجدد’’ يؤيدن نزع الكورسيه (Corset)، كانت جدة ‘’سامانثا’’ تجبرها على لبس ملابس داخلية متصلة بجوارب طويلة تحت فستانها. موقف لا أنساه في إحدى قصصها، تدعمه صورة تعبيرية كنتُ أحب التأمل فيها. تشتكي سامانثا إلى ابنتي عمها التوأم الشقيقتين من لبس الجوارب الطويلة في هذه الأجواء الحارة، فما كان لهما إلا أن تردا عليها: ‘’لمرة واحدة فقط يا سامانثا، اتخذي قرار نفسك بنفسك’’.
ما قصة الجوارب تلك إلا موقف بسيط من حبكة أكبر، لكن ذلك الموقف يعكس ببساطته مُجمل صراعاتنا اليومية المتشربكة في هذه الحياة. هل نفعل ما نريد أم نفعل ما لا نريد؟ أو لم يقسّم فرويد النفس لنا إلى ثلاثة أقسام، اثنان منهما لا يصلان إلى اتفاق على الإطلاق؟ فيبقى على الحكم أن يحكم بقراره، فنفعل كما يأمرنا.. فإن أعدلت (الأنا) واويلاه، وإن لم تعدل.. أيضاً واويلاه.
مفهوم البحث عن الذات كما أراه
قرأت عدداً من الروايات التي تتمحور حول بحث البطل عن ذاته علناً (أي صراحة في صياغة القصة وليست مخفية في طيات الأحداث والحوار)، عن محاولته في فهم الحياة أو في خلق معنى لها كقصة (الخيميائي) لباولو كويليو و(دميان) و(سدهارتا) لهرمان هيسه، روايات يخاطب فيها الأبطال النهر والصحراء والرياح ليتحدثوا مع ذواتهم الداخلية وليكتشفوا كينوناتهم.
كان يضاف كذلك في نهاية كل كتاب من السلسلة كوبوناً (قسيمة)، تطلب من القارئ معلومات كإسمه وعنوانه بالإضافة إلى توقيع أحد الوالدين، ومن كان يرسل هذا الكوبون إلى الشركة الخاصة بنشر السلسلة القصصية، كان يحصل في المقابل عن طريق البريد على كتيب يحوي المزيد عن قصص سلسلة ‘’فتيات أمريكا’’، وعن الدميات التي تُباع وتمثِّل أشكالها بطلات السلسلة، وغير ذلك.
كنت أتخيل نفسي مراراً وتكراراً وأنا أقوم بإرسال الكوبون كي أحصل على كتيب في المقابل (والذي سيغذي نهمي لمعرفة المزيد عن فتيات أمريكا). كنت أرى سحراً في ذلك الكوبون، كأن عملية إرساله ستقودني إلى مدينة ملاهٍ. لكنني لم أفعل، لم أرسل قط ولا كوبون واحد.
لماذا كانت تنقصني الجرأة لإرسال الكوبون؟ هل كنت لا أتجرأ على طلب توقيع أحد والديّ في الكوبون؟ ما الخطأ الذي كنتُ سأقترفه لو فعلت؟! هل طلبت من أحدهما في يوم من الأيام ذلك؟ أم إنني لم أصارحهما بالأمر أبداً؟ لا أذكر. كنتُ أتخيل إرسال الكوبون مراراً، حتى إنني نزعت مرة أحد الكوبونات من القصة، فما الذي منعني إذن من إرساله؟ لا أعتقد بأن للأمر علاقة بالخجل، هل كنتُ أريد أن أحافظ على خصوصية عالمي بعالم ‘’فتيات أمريكا’’؟ ما هو التفسير الصحيح؟ هل هذه تفسيرات ‘’الكبار’’ التي لا تمت بصلة لعالم الطفولة؟ لا أعرف وليتني أعرف.
لن أنكر دور هذه الروايات في فلسفة حياتي وفي إعادة صياغة جملة من المفاهيم التي ربما كنت آخذها مأخذ المسلّمات. لكنني لن أنكر أيضاً بأن القصص التي لعبت حقاً دوراً أساسياً في تشكيل من أكون (بالذات في مرحلة الطفولة التي شكّلت بدورها شبابي) وساهمت في فتح أبواب ونوافذ بديلة لي على العالم هي تلك القصص.. قصص الطفولة التي ما زلت أحنّ لها، قصص يبحث البطل فيها عن ذاته بين أحداث القصة وحبكتها الديزنية (على نمط أفلام كارتون ديزني Disney)، يبحث عما هو عليه كجزء من روتين يومه بدلاً من أن تُقضى الصفحات والبطل يتأمل شجرة أو يخاطب بحراً.
حضور كل من ‘’آدي’’ و’’سامانثا’’ في ذاكرتي لا يمكن أن يكون عبثاً. كنت أرى كطفلة في قصصهما ما يراه الآخرون في تأمل سدهارتا للنهر أو مخاطبة سانتياغو للرياح والصحراء في الخيميائي.
لقد اشتريت جميع القصص التي أملكها لهذه السلسلة القصصية من معرض بيع الكتب الذي تقيمه مكتبة المدرسة، ولا زلتُ أرى صورتي في ذهني وأنا واقفة في المكتبة أمام منضدة خاصة ببيع مجموعة ‘’فتيات أميركا’’، أعدُّ نقودي محاولة التفكير في الصفقة الأفضل للحصول على أكبر عدد من حكايات ‘’فتيات أميركا’’ التي كنت أرغب في اقتنائها بما يتناسب والمبلغ الذي كنتُ أحمله من النقود حينها.
ما بعد البحث عن الذات.. يأتي البحث عن الذات
كنت حين أقرأ القصص، أحرص على ألاّ تقع عيناي عن طريق الخطأ على صفحة لاحقة لم أصل إليها بعد، لكي لا أفسد على نفسي متعة رؤية الصورة التي في الصفحة في حينها، والتدقيق فيها، وهذه عادة عندي أتبعها حتى اليوم، ولكن ليس فيما يتعلق بالصور التي لم تعد موجودة فيما نقرأ اليوم، بل فيما يتعلق بالكلمات، فأخاف أن تُفتح صفحة لاحقة بالخطأ فتلتقط عيناي كلمتين أو أكثر من الرواية قد تفضحان الحبكة، فأفسد على نفسي متعة المفاجأة بما سوف يأتي من أحداث.
أحِنُّ لعلاقة آلاء الطفلة بالقصص، بالبحث عن كيانها.. حين كانت تستلقى على جانبها في الفراش، تمسك القصة وتقرأ فيها ولا تفعل شيئاً غير القراءة، حتى لا يتبقى إلا بضع صفحات عن النهاية، فتترك القصة وتباشر شيئاً آخر من حياتها، ثم تعود وتنهي الرحلة حتى تبدأ رحلة أخرى من جديد... إلى أن أبدأ أنا و’’فتيات أميركا’’ وغيرهن بعد رحلة البحث عن الذات، رحلة أخرى في البحث عن الذات.
المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=69931)
فـي المسافة بين مطبخي ومكتبتي..
رباب النجار:
علاقتي بكتبي تشبه في بعض جوا