Admin
11- 01- 2008, 19:24
على بوَّابة عاشوراء.. عشرُ درجات أو درَكات
''عشرةُ'' مجالس يُوفّرها محرّم الحرام، لخطباء المنبر الحسينيّ الأكارم، بقصد (إحياء أمر أهل البيت)، بمقدور مصلحهم أن يصنع (بالعشر) الكثيرَ لتوعية الناس وتحفيزهم ليكونوا أفضل وأنبل إنسانيةً واجتماعاً.
ليس أفضلَ من موسمِ ذكرى فداء الحسين(ع) وتضحياته لأجل قيَم الإصلاح والتغيير، أن تكون محطّة التغيير والإصلاح لنفوس المستمعين.
''عشرةُ'' فُرَصٍ بإمكان الخطيب أن يستهلكها باجترار التهاويل المذهبيّة، والخرافات اللامنطقيّة، وبما يُضيّع أوقات الناس ويُسطِّح عقولهم ويُخدِّر وعيَهم، بالشفاعة وبحصول الأجر بلا مشقّة بمجرّد استماعه وبالتباكي ولو بدمعةٍ كالدبّوس! بل وبإمكان الخطيب الانفلات بالمنبر ليبذر ضغائن الفرقة والفِتَن الطائفيّة ونبش الكُتب العقيمة، ناسياً ما جاء في حديث المعراج أنّ النبيّ(ص) ''مرّ بقوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم، وكلّما قُرضتْ عادتْ، فقيل له (هؤلاء خطباء الفتنة)''!
كما بإمكان الخطيب الالتزام بالنداء الرحمانيّ: ''وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ''، فيتخيّر ''أحسنَ'' ما يُهذّب النفوس ويؤلِّفها وينفع العقول.
إنّ المنبر الذي لا يُوعّي الناس ويجترّ بضاعته الرتيبة المُغرقة بالمذهبيّة، يتوكّأ على مقولة ''رحِمَ الله مَن أحيا أمرنا''، فيُفسّر الإحياء بالتباكي، وباللّطم، وبالاستماع، وبحشود مواكب العزاء وطقوسها الشعبيّة، وأسوأ منه تفسير إحياء أمرهم(ع) ببثّ الموائز المذهبيّة والفقهيّة يشغلون بها عقول المعزّين، من بركات تربة السجود، وهيئة وضوء، وولاية عليّ(ع) وأحقّيته، وعصمة الآل(ع)، وهي بضاعة رائجة على المنتديات والفضائيّات، يُروِّجها المَلالي نزيرو البضاعة في الثقافة الرساليّة العميقة والعريضة وقيَمها وجواهرها السامية.
ولكنّ الإمام الرضا(ع) يُفنِّد هذه الأفهام والشكليّات لإحياءٍ لأمرهم(ع)، فقد رُوي قوله(ع): ''رحم الله عبدًا أحيا أمرنا''، فسُئل: وكيف يُحيي أمرَكم؟ قال: ''يتعلم علومَنا ويُعلِّمها النّاس، فإنّ الناس لو عَلموا محاسن كلامِنا لاتّبعونا''، فالإحياء بتعلّم العلوم، وما كانت علومهم(ع) انتفاخات فقهيّة، وتفصيلات مذهبيّة، بل روّجوا علوم الحضارة، واللغة، والحكمة، والكونيّات، والإلهيّات، والرياضيّات، والطبّ، والفلسفة، والصناعات، والكيمياء، والنبات، والمنطق، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، وأعظمها علوم الأخلاق والروحنة، يقول المرحوم الغزالي ''الإصاباتُ أحدثت في ثقافتنا نموًّا غير طبيعيّ من تضخّم المرويّات الواهية، وتضخّمَ الأحكام الفقهية في الفروع، والذبول في علم الكون والحياة بموت المكتشفين والروّاد والأوائل في الكيمياء والفيزياء والرياضيات''.
لقد حدّد الرضا(ع) دور الخطيب ''العالِم'' الذي يريد ''إحياء أمرهم''، وأمرُهم هو رسالة الإسلام نفسه، أمرُهم ليس مذهباً وطائفةً، بل هو أمرُ جدّهم(ص)، وهو أمر الأنبياء(ع) والمصلحين، وهو أمر الله بتعليم الإنسان ما لم يعلم، وبالأخذ بيده إلى سُبل الرشاد والاستواء كفردٍ وكمجموعٍ، وإنّ نظرةً عجلى لإسهامات أهل البيت بتأسيس وتطوير علوم الحضارة بتفرّعاتها، تبصّرنا طريق الاقتداء بأدوارهم لنشر العلم والفضيلة، وليس باللطم والمفرّقات المُفرقعة صوتاً الخاوية مضموناً.
''فإنّ الناس لو عَلموا محاسن كلامِنا لاتّبعونا''، وهل انكسفتْ شموسُ أهل البيت إلاّ حين قزّمناهم في المذهبيّات والخلافيّات والمبالغات المُشوِّهة لهم، فالكثير ممّا يجري يشين بأهل البيت(ع) ويُميت أمرهم ويئد الإسلام الذي بذلوا أنفسهم رخيصةً لإقامته.
ومن هو متّبعهم(ع)؟ إنّه متّبع النبيّ(ص) نفسه، لا أكثر، فليس ثمّة خطّ لأهل البيت(ع) يخصّهم إلاّ خطّ الله تعالى، يكون عليه المرءُ مستقيماً أيّاً كان اسمُه ومذهبُه، فقد قال الباقر(ع): ''مَن كان مطيعاً لله فهو لنا وليّ، ومَن كان عاصياً لله فهو لنا عدوّ''، هكذا تسقط الادّعاءات والطقوس والتشكّلات المذهبيّة ومزاعم الموالاة، لأنّ أهل البيت هم (أدلاّء على الله) لا أدلاّء على أنفسهم، وقطعاً لا على مشايخ وملالي ورواديد، فكلّ مَن أطاع الله حقّاً وتورّع عن بذاءات الأخلاق فهو وليُّهم وشيعتُهم ولو كان عبداً نيجيريّاً، وكلّ عاصٍ لله منتهكٍ قيَمَه، فعدوُّهم ولو كان سيّداً نجفيّاً، لطم بالسكاكين صدرَه، وأجهش بالمآتم صوتَه، وسجد على أكبر تربة، وسبّح بأضخم سبحة!
ما أجمل الخطباء، لو استفادوا من مدرسةِ الحجّ قبل المحرّم، للتعارف بإخوانهم المسلمين في البلدان، والاطّلاع على أحوالهم وقضاياهم، ما أجملَهم لو انخرطوا بدورات تثقيفٍ علميّ وأخلاقيّ، تُؤهّلهم ليكونوا مربّين أفاضل لمجتمعاتهم، وأن يتمّ تغذيتهم باستطلاعات لأدواء المجتمع، وبما يجهله وينقصه، ليتّخذوا الموسم العاشورائي فرصة ''تعليم'' الناس (كما قال الرضا) لإحياء أمر أهل البيت(ع) الحقيقيّ، وهو ''تعليم'' الناس بمصالحها ورفع جهلها وجهالاتها.
وإنّه تكريسٌ للجهالة حين يُسمَح لبعض الطلبة يتغيّبون منذ رابع محرّم عن مقاعد دراستهم و''تعلّمهم'' وفيه إحياء أمر أهل البيت الفعليّ، ويسرحون بالطرقات والأزقّة، والّلعب بالموبايلات، والتسكّع خلف المواكب والانشغال بطقوسها المضخّمة.
المنبر الحسينيّ مسؤوليّةٌ جسيمة، وما كلّ راقٍ لمنبرهم(ع) مُحيٍ قضاياهم، بعضُ الأفاضل فقط يتعلّمون ويسعوْن لتطوير أنفسهم ليُواكبوا تحوّلات الأمّة ويُفيدوا مستمعيهم ويُصلحوا أحوالهم، وآخرون عالة، يتكسبّون بالمنبر، ويُوظّفونه لمآربهم بعيداً عن أهداف العترة، قال عليّ(ع): ''عجبتُ لمن يتصدّى لإصلاح الناس، ونفسُه أشدّ شيءٍ فساداً، فلا يصلحها ويتعاطى إصلاح غيره''!
إنّ خطيبَ المنبر كالمدرّس المربّي، لا يُؤتَمن على الطلبة إلاّ بتوفّره على شهادة علميّة وتربويّة، وإلاّ كان كماكينات الأغاني، يُدسّ فيها قطعة نقديّة، فتُلعلع لك بأغنيّتها المختزنة القديمة.
أمرُ أهل البيت أكرم من هذا! الدينُ أكرم! وعقول المستمعين أكرم!
جلال القصاب (http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5748)
''عشرةُ'' مجالس يُوفّرها محرّم الحرام، لخطباء المنبر الحسينيّ الأكارم، بقصد (إحياء أمر أهل البيت)، بمقدور مصلحهم أن يصنع (بالعشر) الكثيرَ لتوعية الناس وتحفيزهم ليكونوا أفضل وأنبل إنسانيةً واجتماعاً.
ليس أفضلَ من موسمِ ذكرى فداء الحسين(ع) وتضحياته لأجل قيَم الإصلاح والتغيير، أن تكون محطّة التغيير والإصلاح لنفوس المستمعين.
''عشرةُ'' فُرَصٍ بإمكان الخطيب أن يستهلكها باجترار التهاويل المذهبيّة، والخرافات اللامنطقيّة، وبما يُضيّع أوقات الناس ويُسطِّح عقولهم ويُخدِّر وعيَهم، بالشفاعة وبحصول الأجر بلا مشقّة بمجرّد استماعه وبالتباكي ولو بدمعةٍ كالدبّوس! بل وبإمكان الخطيب الانفلات بالمنبر ليبذر ضغائن الفرقة والفِتَن الطائفيّة ونبش الكُتب العقيمة، ناسياً ما جاء في حديث المعراج أنّ النبيّ(ص) ''مرّ بقوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم، وكلّما قُرضتْ عادتْ، فقيل له (هؤلاء خطباء الفتنة)''!
كما بإمكان الخطيب الالتزام بالنداء الرحمانيّ: ''وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ''، فيتخيّر ''أحسنَ'' ما يُهذّب النفوس ويؤلِّفها وينفع العقول.
إنّ المنبر الذي لا يُوعّي الناس ويجترّ بضاعته الرتيبة المُغرقة بالمذهبيّة، يتوكّأ على مقولة ''رحِمَ الله مَن أحيا أمرنا''، فيُفسّر الإحياء بالتباكي، وباللّطم، وبالاستماع، وبحشود مواكب العزاء وطقوسها الشعبيّة، وأسوأ منه تفسير إحياء أمرهم(ع) ببثّ الموائز المذهبيّة والفقهيّة يشغلون بها عقول المعزّين، من بركات تربة السجود، وهيئة وضوء، وولاية عليّ(ع) وأحقّيته، وعصمة الآل(ع)، وهي بضاعة رائجة على المنتديات والفضائيّات، يُروِّجها المَلالي نزيرو البضاعة في الثقافة الرساليّة العميقة والعريضة وقيَمها وجواهرها السامية.
ولكنّ الإمام الرضا(ع) يُفنِّد هذه الأفهام والشكليّات لإحياءٍ لأمرهم(ع)، فقد رُوي قوله(ع): ''رحم الله عبدًا أحيا أمرنا''، فسُئل: وكيف يُحيي أمرَكم؟ قال: ''يتعلم علومَنا ويُعلِّمها النّاس، فإنّ الناس لو عَلموا محاسن كلامِنا لاتّبعونا''، فالإحياء بتعلّم العلوم، وما كانت علومهم(ع) انتفاخات فقهيّة، وتفصيلات مذهبيّة، بل روّجوا علوم الحضارة، واللغة، والحكمة، والكونيّات، والإلهيّات، والرياضيّات، والطبّ، والفلسفة، والصناعات، والكيمياء، والنبات، والمنطق، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، وأعظمها علوم الأخلاق والروحنة، يقول المرحوم الغزالي ''الإصاباتُ أحدثت في ثقافتنا نموًّا غير طبيعيّ من تضخّم المرويّات الواهية، وتضخّمَ الأحكام الفقهية في الفروع، والذبول في علم الكون والحياة بموت المكتشفين والروّاد والأوائل في الكيمياء والفيزياء والرياضيات''.
لقد حدّد الرضا(ع) دور الخطيب ''العالِم'' الذي يريد ''إحياء أمرهم''، وأمرُهم هو رسالة الإسلام نفسه، أمرُهم ليس مذهباً وطائفةً، بل هو أمرُ جدّهم(ص)، وهو أمر الأنبياء(ع) والمصلحين، وهو أمر الله بتعليم الإنسان ما لم يعلم، وبالأخذ بيده إلى سُبل الرشاد والاستواء كفردٍ وكمجموعٍ، وإنّ نظرةً عجلى لإسهامات أهل البيت بتأسيس وتطوير علوم الحضارة بتفرّعاتها، تبصّرنا طريق الاقتداء بأدوارهم لنشر العلم والفضيلة، وليس باللطم والمفرّقات المُفرقعة صوتاً الخاوية مضموناً.
''فإنّ الناس لو عَلموا محاسن كلامِنا لاتّبعونا''، وهل انكسفتْ شموسُ أهل البيت إلاّ حين قزّمناهم في المذهبيّات والخلافيّات والمبالغات المُشوِّهة لهم، فالكثير ممّا يجري يشين بأهل البيت(ع) ويُميت أمرهم ويئد الإسلام الذي بذلوا أنفسهم رخيصةً لإقامته.
ومن هو متّبعهم(ع)؟ إنّه متّبع النبيّ(ص) نفسه، لا أكثر، فليس ثمّة خطّ لأهل البيت(ع) يخصّهم إلاّ خطّ الله تعالى، يكون عليه المرءُ مستقيماً أيّاً كان اسمُه ومذهبُه، فقد قال الباقر(ع): ''مَن كان مطيعاً لله فهو لنا وليّ، ومَن كان عاصياً لله فهو لنا عدوّ''، هكذا تسقط الادّعاءات والطقوس والتشكّلات المذهبيّة ومزاعم الموالاة، لأنّ أهل البيت هم (أدلاّء على الله) لا أدلاّء على أنفسهم، وقطعاً لا على مشايخ وملالي ورواديد، فكلّ مَن أطاع الله حقّاً وتورّع عن بذاءات الأخلاق فهو وليُّهم وشيعتُهم ولو كان عبداً نيجيريّاً، وكلّ عاصٍ لله منتهكٍ قيَمَه، فعدوُّهم ولو كان سيّداً نجفيّاً، لطم بالسكاكين صدرَه، وأجهش بالمآتم صوتَه، وسجد على أكبر تربة، وسبّح بأضخم سبحة!
ما أجمل الخطباء، لو استفادوا من مدرسةِ الحجّ قبل المحرّم، للتعارف بإخوانهم المسلمين في البلدان، والاطّلاع على أحوالهم وقضاياهم، ما أجملَهم لو انخرطوا بدورات تثقيفٍ علميّ وأخلاقيّ، تُؤهّلهم ليكونوا مربّين أفاضل لمجتمعاتهم، وأن يتمّ تغذيتهم باستطلاعات لأدواء المجتمع، وبما يجهله وينقصه، ليتّخذوا الموسم العاشورائي فرصة ''تعليم'' الناس (كما قال الرضا) لإحياء أمر أهل البيت(ع) الحقيقيّ، وهو ''تعليم'' الناس بمصالحها ورفع جهلها وجهالاتها.
وإنّه تكريسٌ للجهالة حين يُسمَح لبعض الطلبة يتغيّبون منذ رابع محرّم عن مقاعد دراستهم و''تعلّمهم'' وفيه إحياء أمر أهل البيت الفعليّ، ويسرحون بالطرقات والأزقّة، والّلعب بالموبايلات، والتسكّع خلف المواكب والانشغال بطقوسها المضخّمة.
المنبر الحسينيّ مسؤوليّةٌ جسيمة، وما كلّ راقٍ لمنبرهم(ع) مُحيٍ قضاياهم، بعضُ الأفاضل فقط يتعلّمون ويسعوْن لتطوير أنفسهم ليُواكبوا تحوّلات الأمّة ويُفيدوا مستمعيهم ويُصلحوا أحوالهم، وآخرون عالة، يتكسبّون بالمنبر، ويُوظّفونه لمآربهم بعيداً عن أهداف العترة، قال عليّ(ع): ''عجبتُ لمن يتصدّى لإصلاح الناس، ونفسُه أشدّ شيءٍ فساداً، فلا يصلحها ويتعاطى إصلاح غيره''!
إنّ خطيبَ المنبر كالمدرّس المربّي، لا يُؤتَمن على الطلبة إلاّ بتوفّره على شهادة علميّة وتربويّة، وإلاّ كان كماكينات الأغاني، يُدسّ فيها قطعة نقديّة، فتُلعلع لك بأغنيّتها المختزنة القديمة.
أمرُ أهل البيت أكرم من هذا! الدينُ أكرم! وعقول المستمعين أكرم!
جلال القصاب (http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=5748)