المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوجه الحضاري في الإجابة على التساؤلات في منهج الإمام علي(ع)



أحمد الحي
21- 07- 2008, 01:19
الوجه الحضاري في الإجابة على التساؤلات في منهج الإمام علي)ع)



إن المتأمل في سيرة أهل البيت(ع) يجد أن حياتهم الشريفة مليئة بأسرار التقدم والرقي حتى في أدق تفاصيلها، فحري بأي فرد أو مجتمع أو حضارة تروم الارتقاء أن تستخرج العبر والدروس من كل ما يصلها من هذه السيرة المباركة وحتى من النقاط العابرة فيها. ومن الجوانب المضيئة في سيرتهم(ع) اهتمامهم البالغ بتشجيع ثقافة السؤال والتعلم، وكان أحد أساليبهم في ذلك هو انتهاجهم الطرق الحضارية في الإجابة على التساؤلات المطروحة. سبب اختياري لهذا الموضوع هو أنني لم أجد من تعرض له بشكل مباشر –حسب إطلاعي- رغم حاجتنا الكبيرة لهذه الثقافة خصوصاً في هذه الفترة من الزمن، فإشاعة ثقافة السؤال وتشجيعها عبر أسلوب الإجابة هو مفتاح تقدم أي أمة، فالسؤال مفتاح العلم. ولكن للأسف فإن هذه الثقافة غائبة عن واقع المسلمين اليوم بل ومغيبة في كثير من المجتمعات بسبب اللامبالاة بالتساؤلات المطروحة، وعدم محاولة الإجابة عليها بجدية، وكذلك قمع السائل والاستخفاف به ورميه بمختلف التهم كالسخافة والفضول أو العداء. ولكن كيف كان أئمتنا(ع) يتعاملون مع السؤال؟ وكيف كانوا يتعاملون مع السائل؟ هذا ما نحاول تسليط الضوء عليه لنتمكن من الاهتداء بنور نهجهم(ع) ولا نضيع في غمرة الأحداث المظلمة والمناهج السقيمة.
ولكي نكون أكثر تحديدًا، سننظر لهذا الجانب في حياة إمام واحد من هذه الشجرة المقدسة وهو أمير المؤمنين الإمام علي ابن أبي طالب(ع)، والمقال لا يمكنه أن يعطي هذا الموضوع حقه لأننا لو أردنا التحدث بإسهاب عن منهج أهل البيت(ع) في الإجابة على التساؤلات أو تقصينا إجابات الإمام علي(ع) بالتفصيل لألف ذلك كتاباً من عدة مجلدات وبقينا مع ذلك مقصرين.
والآن فلنأخذ لمحات عابرة على بعض إجابات الإمام(ع) لنستخلص منها بعض الملامح الحضارية العامة في هذه المسألة:


•المحيط المتشنج وسعة الصدر:
لا يستسيغ الكثيرمن الناس الأسئلة عندما يكون الوضع متوتراً،وخصوصاً إذا كان يشم من هذه الأسئلة رائحة تبني الموقف المضاد للشخص الموجهة إليه، فنجد الكثير من الناس يمتنعون عن الإجابة بحجة أن الظرف غير مناسب لطرح مثل هذا السؤال وغيرها من الحجج، أو يجيبون بأسلوب غليظ وغير مقنع لأنه مبني على الغضب –كما يحصل عند السؤال عن سبب الخصومة بين شخصين أو مجموعتين-، وصنف آخر يترك السؤال ويقع في السائل متهماً إياه بشتى التهم، وحتى لو كانت هذه التهم صحيحة فإن هذا التعامل يجعل كثيرًا من السامعين الذين لا يمتلكون المعلومة الصحيحة يتحيزون لهذا السائل وربما تبنوا موقفه وإن كان مخالفاً للأدلة لأنه ظهر بصورة المظلوم المحق وظهر المسؤول بصورة الظالم ضعيف الحجة.
ومن أمثلة ذلك ما ظهر من التساؤلات المشبوهة على لسان بعض المثقفين حول العديد من القضايا الدينية والاجتماعية، و رغم أن الكثير من أصحاب الفكر والدليل تصدوا للإجابة عليها بأسلوب علمي رصين، إلا أن البعض – وبنية طيبة وغيرة على الدين والمجتمع- تعامل معها ببعض الأساليب السلبية التي ذكرناها مما أدى إلى انجرار بعض قليلي الثقافة خلف هذه الإشكالات مع مخالفة كثير منها للعديد من الأدلة. ولكن كيف كان يتعامل أمير المؤمنين(ع) مع السؤال في مثل هكذا ظروف؟
ورد أن حبرًا من أحبار اليهود من أهل الشام دخل مسجد رسول الله(ص) وقال: " يا اُمّة محمد ما تركتم لنبيّ درجة ولا لمرسل فضيلة إلاّ وقد نحلتموها لنبيّكم، فهل عندكم جواب إن أنا سألتكم؟" و رغم ما قد يشم من رائحة عدائية في سؤاله وتشكيك في منزلة نبي الإسلام(ص)، فلم يوبخه الإمام(ع) أو يغلظ عليه بل قد أجابه و بكل رحابة صدر قائلاً: " سل يا أخا اليهود ما أحببت فإنّي اُجيبك عن كلّ ما تسأل بعون الله ومشيئته" فأجابه عن كل أسئلته في خبر طويل.
ولا ننسى أيضًا أن رحابة الصدر لا ينبغي أن تطغى على الصراحة، فالإمام(ع) كان رغم سعة صدره صريحاً مظهرًا للدليل الصحيح. عندما تولى الإمام(ع) الحكم الظاهري، ساوى بين الناس في الفيء، فغضب كثير من المسلمين، وحرضوا على معارضة الإمام(ع) وهتفوا ضده، وتساءلوا عن سبب قراره. ورغم التوتر الشديد في الأوضاع السياسية، فقد أجابهم الإمام(ع) بكل ود وصراحة: "... جعلنا الله وإياكم من المتقين وأوليائه وأحبائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. فأما هذا الفئ فليس لأحد فيه على أحد أثرة قد فرغ الله عزوجل من قسمه فهو مال الله وأنتم عباد الله المسلمون وهذا كتاب الله به أقررنا وعليه شهدنا وله أسلمنا وعهد نبينا بين أظهرنا فسلموا - رحمكم الله - فمن لم يرض بهذا فليتول كيف شاء."


• هدفية الإجابة:
كان الإمام(ع) يستغل كل سؤال محاولاً تحقيق أهداف سامية تعود على السائل وعلى البشرية بالخير، ولم يكن تشجيعه على السؤال بكلمته المشهورة: "سلوني قبل أن تفقدوني" و كذلك إجاباته عن كل سؤال بشكل تام من باب التحدي لتحقيق مصالح شخصية أو من باب الترف الفكري الذي لا يعود بالنفع على الناس. فنراه(ع) في كثير من المرات التي سئل فيها يذكر السائل بضرورة الاستفادة، وأن لا يدع الفرصة تذهب هباءً، فمن ضمن توجيهاته(ع) للسائلين: "سل تفقهاً، ولا تسأل تعنتاً" ، " ويسأل ليفهم" ، "ولك.. وَحَقُّ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ" ولا يخفى ما في هذه الأخيرة من الإشارة إلى احترام حق السائل في السؤال وحقه في الإجابة على أسئلته.


• الإجابة الوافية:
لم يكن الإمام(ع) يقتصر على الإجابة عن كل ما وجه إليه من الأسئلة في مختلف الميادين فقط، وإنما كان يحرص دائماً أن تكون إجابته –وإن كانت مختصرة أحيانًا- متكاملة ومقنعة بالنسبة للسائل. ولم يكن يتضجر(ع) –كما نفعل كثيرًا- عندما يطلب منه السائل المزيد من التوضيح والأدلة. وكمثال على ذلك قصته مع الرجل العابد همام عندما سأله عن صفات المتقين، فارتأى الإمام(ع) أن يختصر في الجواب خشية على صاحبه فقال له: " يا همّامُ، اتقِ اللهَ وأحْسِنْ فَـ (إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) فلم يقنع همّامٌ بِذَلِكَ القول حتّى عزم عليه." فأجابه الإمام(ع) بجواب مفصل عظيم، ولم يتنهي(ع) من كلامه إلا وقد خرجت روح همام من شدة تأثره بهذا الحديث.
نعم، هكذا ينبغي أن تكون إجاباتنا في شموليتها، ولا نكتفي بالأجوبة الناقصة والهزيلة ونعتبر ذلك كافيًا وإن لم نتعرض لكل الجوانب المتعلقة بالسؤال بالإجابات الشافية التي تقنع السائل.


• تعدد طرق الإجابة والاستدلال:
إن طبيعة الناس هي طبيعة تعددية وبالتالي فهم لا يقتنعون بأسلوب واحد للإجابة ولا بنوع واحد من الأدلة، ولذلك فإن من رجحان العقل تنويع طرق الإجابة وتنويع الأدلة لتناسب عقول وشخصيات الناس المختلفة. وقد كان الإمام(ع) يفعل ذلك فنرى إجاباته تارة تكون بليغة ومختصرة، وتارة تكون مفرعة ومفصلة كما في جوابه عن سؤال الحبر اليهودي الذي ذكرناه سابقاً، وغير ذلك من الطرق. وكذلك تعددت طرق استدلاله فقد استخدم(ع) الدليل الشرعي، والسياسي، والمنطقي وجوابه لعمر عندما شاوره في الخروج لقتال الروم يجمع هذه الاستدلالات الثلاثة، والاجتماعي، والعلمي كعلم الفيزياء كما في قصة وزن الفيل عبر كمية الماء، وعلم النفس عندما تظاهر(ع) بأنه يريد نشر الطفل المتنازع عليه أو تزويج امرأة بابنها الذي أنكرته، وغير ذلك من العلوم. ونحن كذلك ينبغي أن نتبع هذا المنهج إذا أردنا إقناع الناس والاستفادة من إمامنا(ع) في ذلك.


• الموقف من تكرار السؤال:
يعتبر بعض الناس إعادة السؤال أكثر من مرة أو طرح أسئلة كثيرة تصرفًا أحمقًا غير مقبول أو أنه من باب " التفلسف" والمعاندة وتضييع الوقت والجهد. ولكن ما كان موقف الإمام(ع) حيال هذه المسألة؟
لقد كان البعض يكرر طرح الأسئلة على الإمام(ع) أو يسأل أسئلة كثيرة في المجلس الواحد، فكان(ع) بأسلوبه الراقي وإجاباته العميقة يشجعهم على مواصلة ذلك –وإن كان بعضهم يسأل من باب التحدي والعناد أو لنشر الشبهات فقط - ولم يتذمر إطلاقًا من هذه الحالة، فالخيار الأمثل للإنسان عندما يخطر بباله تساؤل معين هو معرفة الإجابة الحقيقية عليه. ويظهر ذلك جليًا في إجاباته لمسائل شامي مع ثلاثة أشخاص آخرين والتي بلغت أكثر من ستين سؤالاً في مجلس واحد .


• خاتمة:
لا ينتهي الكلام في هذا الموضوع خصوصًا وأننا نتحدث عن أمير الكلام ومن كان شعاره "سلوني قبل أن تفقدوني" ولكن لا بد لنا من خاتمة، وعسى أن يكون هذا المقال المتواضع مثالاً بسيطًا على ما ذكرناه من أهمية التأمل حتى في أصغر تفاصيل سيرة أهل البيت(ع)، والإبداع في تحليلها من جوانب جديدة لم يتعرض لها من قبل، لنحاول بذلك سبر بعض أغوارعلومهم واكتشاف بعض أسرار النجاح والتقدم من هديهم، ولنجعل من المناسبات المتعلقة بكل واحد منهم(ع) فرصة لهذه التأملات ومن ثم الاقتداء الفعلي والواعي بهم ولتحسين ما ساء من أحوالنا.
وأخيرًا، لا ننسى أن أمير المؤمنين(ع) الذي وجهت له أمواج المسائل طوال عمره الشريف حتى وهو على سرير الشهادة ولم يعجز عن الجواب أو يخطئ قط، لا يزال اليوم كما كان في الأمس يستقبل الأسئلة ويجيب عنها وهو حي عند ربه، فلا نتردد بسؤاله عن ما يحيرنا. وكذلك فلنسأل علماء الدين والدنيا –إن لم نوفق لجوابه(ع)- وبالمقام الأول فلنتوجه إلى وارثه والبقية من أهل بيته إمامنا المهدي المنتظر(عج) فهو ولي الورى وعلم الهدى وهو حي يرزق ومطلع على جميع أحوالنا وقاضي حوائجنا بإذن الله –ومنها إجابة تساؤلاتنا- وإن ارتاب المرتابون، ولنا على ذلك أدلة وبراهين نتركها لمقام آخر.

حسين النهام
22- 07- 2008, 20:08
كيف ترى حالنا اليوم مع كثرة الأسئلة التي توجه للعلماء من أجل أهداف مبيتة مثلا ؟ كيف يجب التصرف معها ؟

أحمد الحي
24- 07- 2008, 06:27
أشكرك أخي حسين على التفاعل والسؤال..
عموماً هذه الأسئلة من هؤلاء الناس ينبغي الرد عليها على كل حال وذلك لعدة أسباب ومنها:
أ- إذا كانت نيتهم صافية نكون قد أجبناهم عن جوانب تحيرهم وبذلك نكون قد حصناهم ضد شبهات محتملة أو أزلناها عنهم بعد اقتناعهم بها.
ب- إذا كانت نيتهم غير صافية:
1- نكون قد سحبنا البساط من تحت أرجلهم وأزلنا حجتهم بأن شبهاتهم حقيقية ودليل ذلك أنه لم يجبهم أحد عنها.
2- نكون قد حصنا بقية الناس وخصوصا ضعيفي الثقافة من أن تنطلي عليهم هذه الشبهات التي يمكن أن تصل إلى مرحلة اليقين عندهم إذا لم يجب عليها.
3- نكون قد عززنا الرأي الصحيح لأن القناعات تتعزز إذا تمكنت من مواجهة الإشكالات والإجابة عليها.

أجدد الشكر لك أخي ووفقنا الله وإياكم لكل خير
بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

Hamid
09- 08- 2008, 20:23
مقالة جميلة أيها الحي ..

{واما السائل فلا تنهر}

إنه سؤال ..

ما أنا بقارئ ؟
أو في بعض الروايات
ماذا أقرأ ؟
هو رد رسول الرحمة ص لجبريل ع

إنه سؤال ..
لما قال موسى ع أنه الأعلم على ما في بعض الروايات
{قال له موسى هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا }؟
قال له الخضر بلطف ورحمة عليه
{قال انك لن تستطيع معي صبرا }
وليس
( بعدك جاهل )
( لين كبرك بخبرك )
( أنا أعلم منك )
( وانا خير منك )!

لغة حب وعطف ورحمة وجذب ..

لذلك بقى علي ع ، وبقيت آثاره ، ومنها (سلوني قبل أن تفقدوني)

وعكس ذلك يعني إن الإنسان لا يستطيع كشف الحجب أمام الشخصية(والشخصيات) الفذة التي تمتلك من الأسرار ما لم يمتلكها إلا بابا سنفور صاحب ال 500 عام من خفايا الغابة ..

فلا نتوقع أن يتبع موسى ع الخضر حينها ، وقد لا يحاول السائل أن يبحث عن الإجابة من جديد .. حتى ينهض من جديد ، او يأتي سائل وباحث جديد ..

وهذا ما حدث في قصة الفراشة (http://www.alnaja7.org/forum/showthread.php?t=893) عندما بدأت تساؤلاتها لا تجاب ..

ويخبرني أحد المسلمين أنه لا يجب أن يسأل في طائفتهم الشيخ لماذا وكيف وأين ، لأن ذلك من أبواب الشيطان ، وهو ما يبين لي كيف أصبحوا أتباع بدون وعي في كثير من الأحيان ..

هنا يبدأ الجهل
فالجاهل لا يعبد رب السماوات والأرض
{قل افغير الله تامروني اعبد ايها الجاهلون}
{قال انما العلم عند الله وابلغكم ما ارسلت به ولكني اراكم قوما تجهلون}

مع إن القران يوضع الامر
{فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون }
وبعض من أهل الذكر لا يجيب أكثر ولا يوضح كيف وصل للنتائج ..

اذا كان الله يأمرنا بالبحث والسؤال ، فلماذا يحجر البعض عقول البعض ؟
{واذا سالك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }

ومع كثرة الأمر بالسؤال ، إلا إن هناك حدود لهذا العقل الإنساني ، الذي لا يجب أن يفكر أنه سيحل كل التساؤلات ، بل هي أكبر منه ، وقد يكون في معرفتها ضرر على ايمانه ..
{يا ايها الذين امنوا لا تسالوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم وان تسالوا عنها حين ينزل القران تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ، قد سالها قوم من قبلكم ثم اصبحوا بها كافرين }
مثلا ما هي الروح ؟
{ويسالونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم الا قليلا }
أويوم القيامة ؟
{يسالك الناس عن الساعة قل انما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا }

سياسة النعامة في دس الرأس في التراب ، ومعها مرجوا ثقافة (يسقط السؤال ) وقبله ( تسقيط السائل ) ، تحت أكثر الشعارات وخوفا من قدوم الأسوأ ، لا يدركون أنهم يحفرون حفر تسقط (أفكارهم ، وسياستهم ، ومناهجهم ، وبقائهم )..

عبارات جميلة عن أهمية السؤال (http://www.alnaja7.org/forum/showthread.php?t=1943)

بوركت أيها المتسائل والباحث الحي