View Full Version : عندما نطق السراة
قراءة في ( عندما نطق السراة )
فوزية رشيد
«جمعية التجديد« والوعي الجديد
العدد 11336 - الاثنين 6 ابريل 2009
اخبار الخليج
* قبل ان اقرأ سلسلة (عندما نطق السُراة) وهي تسعة كتب صدرت الى الآن، كانت الصورة عن (جمعية التجديد) صورة ضبابية، ملتبسة، غامضة، وتكثر فيها وحولها الشائعات. وحين تم افتتاح مقر الجمعية، قبل عدة سنوات، كنت بين المدعوين للحضور فذهبت، سمعت بعض كلمات عن (السراة) وعن القراءة الجديدة للتراث وللأديان، فعلق بعض الغموض بالذاكرة لأن الحديث كان مغايرا ومختلفا أو غير مصدق ربما، ورغم اني اخذت جميع كتبهم المهداة، فإني ركنتها انتظارا لوقت ملائم اطلع فيه عليها، ولم يحدث، حتى جاءت احتفالية (وديعة محمد) ضد الاطروحات الطائفية، وقد ذهبت الى المؤتمر للاطلاع وتفحص الشائعات الملتبسة حول الجمعية ومؤسسيها، فوجدت ان روح المؤتمر روح مسئولة شجعتني على اخذ كتب الجمعية مجددا، اعتقادا مني انها استكمال لسلسلة الكتب الاولى، فإذا هي ذاتها بعد ان قارنتها بما املك.
* هكذا إذاً. الآن لدي نسختان من كل كتاب، وهنا روادني احساس قوي بالبدء بقراءة هذه الكتب، وحسب عادتي في القراءة، حين أهتم بموضوع ما، احاول استيفاء كل المعلومات عنه، فأقرأ كل ما يقع بين يدي حوله، بل أبحث عن كل ما كتب عنه. حين بدأت قراءة أول كتاب (مفاتح القرآن والعقل) وجدت فيه تناولا جادا، دفعني إلى قراءة الكتاب الذي يليه حسب الاختيار، حتى وصلت إلى الكتاب الثامن، فإذا بي أفكر في الاتصال برئيس الجمعية (الاستاذ رضا رجب)، طالبة اللقاء به، لفك بعض الطلاسم والالغاز المتعلقة بجمعيته وبالكتب الصادرة قبل الكتابة عنها، وقد اثارت اهتمامي بل اعجابي لما فيها من جهد تجديدي في الرؤية والوعي مقارنة بما قرأت سابقا حول الاساطير والاديان، وادعي انها كثيرة ومختلفة المنطلقات في التناول.
* وبالفعل جمعني به اللقاء في مقر جمعيته، وطرحت بصدق كل ما اثير ويثار حول الجمعية، سواء حول التأسيس أو تسمية جماعة السفارة، أو العناوين المطروحة بل كل شكوكي الاخرى، فوجدت في نموذجه، ونموذج من التقيتهم في لقاء آخر من المتخصصين الذين أسهموا في اصدار الكتب، كل رحابة وسماحة وصدق ودماثة خلق، لا نظير لها الى جانب الردود المقنعة، تبددت من خلالها كل الشكوك المطروحة الى غير رجعة، وحين قرأت سلسلة مقالات (صمتنا لن يطول) التي نشرتها الجمعية عام 2006 في احدى الصحف المحلية، أدركت حجم الظلم الذي تعرضت له هذه الجمعية، وتعرض له اعضاؤها، رغم (الجهد الكبير) الذي تمّ بذله في ايصال قراءة جديدة للقرآن وللتراث وللتاريخ وللأساطير القديمة بل للحالة العربية الراهنة، وهو جهد قائم على (مراجعات لغوية للغة الاساطير، ومراجعات تاريخية، وفكرية، كبرى) ازعم انها شكلت مفاجأة حقيقية بالنسبة إلي واستغربت ان تصدر كل هذه المراجعات، في اطار (صمت اعلامي وثقافي) لا يليق بالجهد المطروح، وأهمية الموضوعات التي تم تناولها، بل واجهت استخفاف البعض، وتهما من البعض الآخر بالنقل، فلم اجد - للأمانة - في السياق البحثي المطروح شيئا من ذلك، وان تداخل بعض الرؤى، مع بعض ما طرحه مفكرون غربيون وعرب، الا انه جاء كاستشهادات تؤكد مصداقية أو اثبات ما وصلوا اليه من اطروحات جديدة، أو لتأكيد نفي ما تمّ نفيه في ابحاثهم.
* سلسلة (عندما نطق السُراة) تتضمن بحوثا فكرية اساسية تنوعت عناوينها، وجميعها تصحح الرؤية للتراث العربي ولأساطيره من جهة، ومن جهة اخرى تقدم قراءة مغايرة ومختلفة للقرآن وتفسير بعض نصوصه، بحيث تنسجم الرؤى التفسيرية الجديدة، (بشكل طبيعي ومنطقي) سواء مع المكتشفات الاثرية، حول الانسان وتاريخ النشأة الانسانية، أو مع الاسس اللغوية للسريانية القديمة ولهجاتها التاريخية في المنطقة في اطارين معرفي ومنطقي جديدين، حيث تعيد الحق الى نصابه أيضا بما يتعلق بالمعلمين العرب الاوائل، وتأثيرات الحضارات العربية القديمة في كل الحضارة الانسانية في العالم، استنادا الى عقلية منفتحة تراجع الخطأ في التفاسير سواء من المفسرين العرب القدماء أو المحدثين، أو من المستشرقين الذين تناولوا الاساطير العربية، فشوهوا لغتها وتفسيرها لتعود (الترجمة) أكثر تشويها الى شعوب منطقتنا، مما اسهم في تغييب الوعي الانساني مدة طويلة تمتد آلافاً من السنين.
* وما بين (مفاتح القرآن والعقل) الى كتاب (التوحيد.. عقيدة الامة منذ آدم) و(اختطاف جغرافيا الانبياء) و(طوفان نوح.. بين الحقيقة والوهم) و(بين ادمين.. آدم الانسان وآدم الرسول) و(مسخ الصورة.. سرقة وتحريف تراث الامة) و(الاسطورة توثيق حضاري) و(عصى آدم.. الحقيقة دون قناع) و(الخلق الاول.. كما بدأتم تعودون)، يتضح الجهد العلمي والفكري واللغوي الكبير.
* ان كل تلك التنويعة من الكتب والبحوث تؤسس لمراجعة ضخمة لأفكار دينية وتراثية ارتبطت بوعي الانسان، (تحت تأثير التوراة المحرفة) وغيرها وامتدادها الى قراءات المفسرين للقرآن نفسه، فجاءت المراجعة ضرورية، وسنحاول طرح خلاصات لافكار كل كتاب بينها، وحيث هي قابلة للنقاش (بشرط الجدية في التعامل معها، بعد قراءتها كاملة) لأن السلسلة (عندما نطق السُراة) تمثل تحديا حقيقيا للوعي، وتفترض التخلص من الجمود الفكري أو الاستخفاف، للانفتاح على الحركة الفكرية الدينية الفاعلة، ولتدرك هذه الامة حقيقتها وحقيقة عطاءاتها الحضارية، التي لا تتناسب اليوم مع حالتها المتردية الراهنة.
* كما تمثل السلسلة مراجعة لكتب العديد من المفكرين العرب أو غير العرب، الذين طرحوا الموضوعات الكبرى، وتم البناء الفكري والتاريخي عليها، من دون ان يتمكنوا من تقديم رؤية تفسيرية متماسكة في الجوانب المختلفة، اللغوية والدينية والاثرية فجاءت هذه السلسلة (لتسد الكثير من الثغرات)، وتترك القليل الذي بالامكان التصدي له من باب النقد السلبي أو المناكفة. وهي البحوث التي اعتقد ان قرأها القارئ، فسيجد نفسه أمام (مشروع فكري ضخم)، رغم انه قدم نفسه بتواضع شديد، وبعيد عن أي ضجة اعلامية، يجيدها البعض رغم ضحالة ما يطرحه في ميزان الوعي والفكر. وسنتناول في الحلقات القادمة تقديم الكتب واحدا بعد الآخر، لأننا نشعر بأمانة التوصيل لهذا الجهد الفكري الذي يستحق من الجميع كل الاهتمام، لو تمكنوا بعد ذلك من الاطلاع عليه وعلى بحوثه المنشورة في الكتب بالجدية التي تستحقها، ونشعر من خلالها بالفخر وتقدير الجهد من مجموعة باحثين من البحرين، تجاوزنا معهم مقولة ان (مغني الحي لا يطرب)، وهو التجاوز القائم على تجاوز آخر، بأن الشيء لا يكتسب قيمته، الا إذا جاء من اسماء فكرية شهيرة، لأننا ادركنا بصدق كيف يكون الغثاء احيانا مبررا، ومن دون سبب لمجرد ان خلف ذلك الغثاء إما اصدارا غربيا، وإما اسما مشهورا.
عندما نطق السراة: مفاتح القرآن والعقل
فوزية رشيد
العدد 11337 - الثلاثاء 7 ابريل 2009
* أي كتاب لا يمكن إدراكه كاملا، وإدراك حججه، والجدّة في طرحه الا بقراءته كاملا، وحيث التلخيص يحمل قدرا من المغامرة "بتنحية الكثير من الأفكار"، التي تقدم نفسها سطرا بعد سطر وصفحة بعد صفحة، خاصة إذا كان قائما على "محاججة لغوية عميقة".
في كتاب "مفاتح القرآن والعقل" دعوة تجديدية لكي لا يعلو اللغو أو التفسير الجامد على صوت القرآن نفسه، وصوت الحق فيه، لأنه الكتاب الديني الوحيد الذي لم يتعرض "للتحريف"، وبقيت تحدياته قائمة إلى اليوم، ينتظر قراءات أخرى، تنفض الكثير من الغبار عن النص القرآني وبعيدا عن الكثير من التفاسير القديمة والحديثة، لأنه ضمّ بين دفتيه "قوانين علمية واكسير الحضارات ونظم الكون ومناهج الحياة وأسباب الغلبة وتسخير القوى" ليكون التفسير خاضعا للغربلة، وخاضعا لقواعد اللغة القرآنية ذاتها، بعيدا عن حشو تعرّض له، لتنمو القاعدة الأساسية تجاه فتح القرآن والعقل وتثويرهما، لا إغلاقهما والتضييق عليهما.
والكتاب يطرح إضافة إلى ذلك أن مصدر قواعده ومنهجيته في فتح الفهم القرآني قائم على:
أولا: كتاب الله نفسه، بالالتزام بمحكماته من جهة، وباستقراء آياته لاستكشاف نظمه من جهة أخرى.
ثانيا: الالتزام بنظام "اللسان العربي المبين" الذي نزل القرآن به ميسرا، وجعله مدخلا وواسطة لفهمه.
* يتناول الكتاب قواعد فتح القرآن والعقل في فصله الأول، ويتناول في فصله الثاني "معطيات إرشادية".
وقواعد فتح القرآن والعقل تصل إلى ست عشرة قاعدة، تبدأ بالقاعدة الأولى حول "معوقات فهم كتاب الله" والثانية هي "الالمام بعلوم القرآن" لتتدرج القواعد إلى "فوقية القرآن عن الاحاطة البشرية" و"حكمة النسيج القرآني ونفي الترادف" و"التحرر بكتاب الله من أسر فهم السالفين" و"الوحدة الموضوعية والسياق القرآني" و"الضمائر في القرآن" و"دلالة اللامذكور" و"آحاد كلمات القرآن" و"المنظومات المعرفية القرآنية" و"القرآن والتطور المعرفي والتاريخي" و"أدوات التعامل مع القرآن" و"المفردة القرآنية والمدلول التاريخي" و"لغة القرآن حيوية تصويرية" و"نسبية الوصول المعرفي" وأخيرا القاعدة السادسة عشرة "سيادة القرآن على المرويات".
حرصت على نقل عناوين القواعد التي يقوم على أساسها الكتاب لفتح القرآن والعقل، لكي يدرك القارئ أهمية البحث القائم، ومدى جدة المداخل في القراءة القرآنية، وحيث كل عنوان، يشمل حيثيات مختلفة لتوضيح سياق القراءة الجديدة للتفسير وهو ما سيعرضه بشكل مكثف ليتواصل به مع عناوين الفصل الثاني الذي يتناول معطيات إرشادية بأن:
أولا: القرآن مطلق، وفهمنا نسبي.
ثانيا: القصص القرآني حامل زمني مطلق لغايات.
ثالثا: القسَم الالهي.
رابعا: النسبية المعرفية في خطاب الكائنات.
خامسا: عربية الأسماء في القرآن.
ليصل بعدها الباحث أو الباحثون إلى ثوابتهم حول القرآن.
* في قاعدة "معوقات فهم كتاب الله" مثلا يطرح الكتاب أهمية التخلي عن معوقات فهم كتاب الله من "تحكمات" وضعها بعض المفسرين والمتكلمين، "حيث رفض القرآن أن يكون فيه عوج، أو ريب، أو سحر، أو شعر، بل قد أحكمت آياته على مواضعها إحكاما، وفصلت لها تفصيلا بعناية تامة، فنزل الكتاب بالحق لا بالأوهام المحتملة والاذواق"، لذلك لا كناية في القرآن ولا خيال ولا مجاز، فاذا أراد سبحانه التشبيه والتمثيل فانه يقول صريحا "مثل"، "كمثل"، "كاف التشبيه".
* حين يقرأ الكثير من المفسرين النص من خلال اعتقادهم، ليستنبطوا قواعد يتم بها قراءة القرآن، مع أن العكس هو الصحيح، فذلك يدفع إلى لوي عنق بعض النصوص التي دار حولها جدل كبير من بينها "ليس كمثله شيء" و"يد الله"، و"وجه الله" والكتاب يطرح رؤية مغايرة لكل ذلك وغيره قائمة على "اللسان العربي المبين"، وحيث يتم تفسير الكثير من النصوص القرآنية "الخلافية في المعنى" بمرجعية جديدة متبحرة في اللسان العربي، وهذا ما يحتاج إلى قراءة في الكتاب نفسه، حيث الأمثلة التفسيرية الجديدة فيه كثيرة، لا يتسع لها هذا المقام.
* وللإلمام بعلوم القرآن "لابد من الاجتهاد في معرفة ألفاظ القرآن، واستخداماتها في لهجات العرب الصحيحة والمعاجم، ومعرفة أحكام الله الثابتة فيه لئلا يتجاوزها جهلا، ويدرك منطق الكلام الذي يحوي الخاص والعام والمطلق والمقيد ومفهوم النسخ والمنسوخ وعمله فيها وفق ما يقوله القرآن، لا وفق ما اختلفوا فيه، ويلم بمناسبات نزول الآيات العملية ليرى تفاعلها الواقعي الأول، ولاسيما آيات الأحداث والجدل المجتمعي، ويعرف مكيّها ومدنيّها، وعلم القراءات في الرسم، وعلم السيرة والأحاديث الصحيحة المفيدة المبيّنة لما أجمل وغمض ان استدعي، والزبدة النافعة "الصحيحة" والمختصرة لما كتبه علماء المسلمين الأجلاء، لا للتسليم به بل الانتفاع بنافعه، ليكون في أجواء القرآن وفي فلكه، لا غريبا عنه، ولا دخيلا عنيفا عليه، فهذا مدخله الأول لتناول القرآن التناول الصحيح" كما جاء في الكتاب.
* إن كتاب "مفاتح القرآن والعقل" إبحار لغوي في اللسان العربي، وفي معوقات الفهم القرآني، وفي أخطاء التفاسير، وفي محاولة التحرّر من أسر الكثير من الفهم السابق والكثير من المفاهيم، التي "أضاعت أعماقا لغوية كثيرة للنص القرآني".
وبالتالي هو محاولة "جريئة" قائمة على بناء تفسير مغاير، للنص من خلال محكم لغة النص نفسه، وصولا إلى "المنظومات المعرفية القرآنية" وباعتبار أن التأويل في غاية الأهمية وأخطر الأمور، لتضيع المسافة ما بين التأويل وما بين التفسير أحيانا، ولتتوه المفردات القرآنية في عباءة التأثيرات المختلفة، على عقول بعض المفسرين، الناقلين والمتأثرين بالروايات بما فيها الاسرائيليات لتكون دلالة على نسبية "الوصول المعرفي" في فهم الكثير من المفردات القرآنية التي تفي بغرض كل الأزمان، سواء تلك المحدودة أو المطلقة، لأن "المعنى مبني على طبقات" يتم الكشف المتلاحق لأغوارها وهندستها، وحيث قواعد القراءة التفسيرية للقرآن من المفترض أن تقفل الباب أمام "الفوضى التفسيرية" بحيث لا تكون هناك دعاوى زائفة تبيح "الحرية الفردية" في التفسير، وحيث أيضا يفتقدون النظام القرآني، مما يجعل من مهمة توحيد "المختلفين في التفسير" على نظام قرآني واحد، يحتاج إلى جهد علمي حقيقي بعد التدقيق والغربلة.
ولأن الكتاب بحث تفصيلي جاد، لا يمكن الالمام بسياقه، خاصة أنه قائم على "محاججة لغوية للفهم اللغوي لمفردات القرآن" لدى الكثير من المفسرين القدامى والمحدثين، وبالتالي فان نقل أفكار هذا الكتاب تحديدا، يشبه من يريد أن ينقل كتابا عن معادلات رياضية أو فيزيائية، لا يمكن تلخيصها أو الوصول إلى زبدتها الا بقراءتها كاملة كما هي، وهو ما ندعو القارئ إلى القيام به، بعد ان استعرضنا مجرد استعراض "بعض" عناوين الافكار التي تم تناولها.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: مفاتح القرآن والعقل (2) فوزية رشيد
العدد 11338 - الاربعاء 8 ابريل 2009
{ بعد المحاججة اللغوية (المتقنة) القائمة على استيعاب عميق للسان العربي المبين باعتباره كما يقول الكتاب (قمة تراكم جبل العربية القديمة، التي مازالت المعاجم تحتفظ بالكثير من مفرداتها، إضافة الى تلك التي تسميها سريانية، فارسية، يونانية، «عامية«، فلهجاتنا تحتفظ بالكثير منها، فالعربية الفصحى، لا أقلّ المستخدمة، قد تخلّت عن كثير من التركيبات والأدوات القديمة، حتى ان المتتبع للمعاجم واللهجات العامية يحار في بعض الصياغات والأوزان، بناء على عدم وجودها في الفصحى، فنجد كلمة «تابوت« يختلفون في أصلها، و«تارة« أيضاً، وقد عمدوا لتسمية بعض الأسماء «أعجمية« فظن الباحث أنها «غير عربية«، وإنما معناه أنها غير عرباء «فصحى« بل عربية قديمة قبل إيجاد التنوين)، وبتفاصيل لغوية أكثر يصل الكتاب الى طرح استخلاص مهم بقراءة القرآن (كمهيمن معرفي ولغوي) أيضا ضمن (تراث قديم واحد)،وليس باعتباره منقطعاً عن لهجات العربية منذ آدم، كما يعتقد الأغلب. { وعليه فإن الأساطير القديمة المرتبطة بالتراث العقائدي لهذه الأمة، وعكس ما يعتقد الكثيرون، كانت قائمة على لهجات السريانية القديمة حيث اعتقد المفسرون الأثريون أن (الكنعانية والكلدانية والأرامية) هي غير عربية، مع أنها مجرد لهجات سريانية قديمة، والقرآن يجمع في نصّه مفردات العربية العرباء (الفصحى) ومفردات من اللهجات العربية القديمة وهي اللهجات التي كما أوقعت مفسري الأساطير في الكثير من الأخطاء والتفاسير اللغوية، أوقعت أيضاً الكثيرين من مفسري النص القرآني، لبعض مفرداته، في العديد من الأخطاء التفسيرية أو التأويلية، باعتماد العربية الفصحى، من دون اللهجات العربية القديمة في تفسير المفردة القرآنية، مما أفقد بعضها صلته بالعربية من خلال إحالتها الى لغات أعجمية فيقعون في (لا عربية) القرآن في بعضه من جهة، كما يقعون في مسألة إفقاد الرموز بيانيتها القرآنية ودلالاتها وأسرار مفرداتها، وكلاهما خاطىء. { وفي هذا يسرد الكتاب أمثلة كثيرة من نمطية التفاسير، غير العارفة بأصول المفردة القرآنية، مثلما يعطي دلالات قاطعة ارتباطا بالسريانية ولهجاتها باعتبارها عربية قديمة، استخدم القرآن نمطية بعض ألفاظها وأسمائها، وحيث الجهل بذلك أوقع الكثير من المفسرين في (اختلافات لغوية) أعاقت فهمهم لعمق الدلالات والمعاني القرآنية الصحيحة. ولجمعية التجديد بحث مهم كامل في ذلك لم يصدر بعد، تحت عنوان (اللسان العربي.. بُعد فطري وارتباط كوني).
{ إن النسبية القائمة على مناسبات نزول الآيات سرعان ما تتحول في القرآن الى المطلق، القادر على استيعاب كل الأزمان والأحداث وهو المؤشر الذي يدل على (فوقية القرآن عن الإحاطة البشرية) وحيث حكمة النسيج القرآني تعتمد (الوحدة الموضوعية)، بما فيها السياق اللغوي الدال على المنظومة المعرفية بإحكام إعجازي، لا يمكن بسببه إبدال مفردة بدل الأخرى، أو وضع المفردات القرآنية في إطار «الترادف« الذي اعتمده الكثير من المفسرين، فالمفردة القرآنية ونسيجها وضمائرها ودلالاتها اللامذكورة، هي ذات مدلولات معرفية وتاريخية، أثبتت ان القرآن مطلق بكامل سياقه اللغوي والمعرفي، فيما التفاسير والأفهام هي النسبية، وهذا يجعل من ضرورة مراجعة التفاسير وغربلتها وإعادة المفردة القرآنية الى سياقاتها اللغوية الصحيحة، من دون الاعتقاد بأعجمية بعضها، لمجرد الجهل بلهجات العربية القديمة (السريانية) هي مسألة تعلي من شأن (المرجعية اللغوية) في القرآن، لبحثها مجددا، من دون الخجل من كشف قصور تفاسير الكثير من المفسرين، الذين لا بأس من إجلالهم، ولكن من دون أن نجعل من ذلك الإجلال، إعلاء له على كشف الكثير من المعاني البعيدة للمفردة القرآنية التي قصر هؤلاء في ايصالها. { إن العقل واللغة مرتبطان ارتباطا شرطياً، حيث الفكرة والمعنى هما نتاج ذلك الارتباط الشرطي باللغة، ومن هنا فإن القرآن، باعتباره (إعجازا لغويا)، بين مسببات إعجازيته، لا يمكن تجاهل الأساس اللغوي فيه، أو تجاهل العودة الى أصوله اللغوية الصحيحة، وإفقاد المعنى ارتباطه الشرطي باللغة التي نزل بها، وفي إطار التأكيد القرآني أنه (لسان عربي مبين) ثم الركون بعد ذلك الى تفاسير تجاهلت كل تلك الأسس، وجعلها تفاسير «مقدسة« وإعلائها من دون قصد على قدسية المفردة القرآنية ذاتها. هذا تحديدا ما يحاول كتاب (مفاتح القرآن والعقل) إيصاله، حيث اللغة القرآنية تكتسب بلاغتها الإعجازية من ارتباطها بمصدرها اللغوي الأصل، ما بين العربية الفصحى وما بين اللهجات العربية القديمة، التي تم تجاهلها أو الخلط فيها في كثير من التفاسير، مما ضيع الدلالات المعرفية والتاريخية، حتى تلك المتعلقة بنشأة الانسان والكون لتأخذ في اطار تأثيرات أخرى من بينها (المرويات) والربط القسري ببعض التحريف التوراتي، لتأخذ دلالات لا تمت الى متن اللغة القرآنية في بعض نصوصها بصلة، مما أفقد اللغة القرآنية أيضاً الكثير من اعجازيتها.
{ من جهة أخرى يشير الكتاب الى (التقديرات الجزافية التي ملأت كتب التفسير، وفتحت المجال لتحريف معنى الآيات بحقائقها ودقائقها، وصارت آيات القرآن بالتقديرات المضافة، والتقديم والتأخير، وتفكيك الآية وإعادة تركيبها بلبنات ليست منها، صارت آيات القرآن المحبكة تلك، فضفاضة جدا لتكون شاهداً على حق وباطل مدارس اللغويين ومذاهب الفقهاء والكلاميين، ما يُعد عينه التفسير بالرأي الذي نُهي عنه، حتى انك لا تجد تفسيراً لا يخلو من عبارة «والتقدير كذا وكذا« يعقب أكثر شرح آيات كتاب الله العزيز). { وإذا كان البناء القرآني، قائما بين ما هو قائم عليه، ومبنيا على أساس (من المحدود الى المطلق، ومن المطلق الى المطلق) فإن الحكمة المخفية وراء ذلك، بحاجة الى سياقات تفسيرية قائمة على (معرفة محكمة) بكل دواعي اللغة وأسسها، وبالكثير من تفاصيل التاريخ، التي كانت مغلقة زمنا طويلا، ثم تمّ فتحها اليوم بالقراءات الأثرية التاريخية الجديدة وبالقراءات العلمية، مما يجعل من نشوء حركة معرفية جديدة بلغة القرآن، وأبعادها ودلالاتها، التي تمّ هضمها طويلاً لدى الكثير من المفسرين، ضرورة ملحّة اليوم وهذا ما يقع في إطار المشروع الفكري لجمعية التجديد، الذي يروم الى الوصول الى نبع المعرفة القرآنية الكلية من خلال تقديس القرآن ذاته، وليس تقديس التفاسير أو التأويلات القاصرة أو المقصرة في جمع أدوات فك المعرفة القرآنية، وفتح العقول التي لاتزال تتعامل بجمود مع القرآن من جهة، ومع العقل الإنساني المعرفي، الذي استحصل الكثير من المعارف والعلوم المساعدة على الفهم الأكثر تطورية من جهة أخرى. { وهنا يكمن الفرق بين ما درج الوعي السابق على فهمه واعتقاده وراثة، وبين ما يقوله القرآن العظيم. ومن هنا أيضا تطرح المفاهيم القرآنية سياقاتها المتعددة، ما بين خاص وعام، وناسخ ومنسوخ ومعنى «الوحي« و«القرآن« و«الفرقان« و«الترتيل« و«المحكم والمتشابه«، وكل ما يتعلق بتفسير آياته وأحكامه، وإدراك قصصه، وفكّ رموزه، ليتطهر بعدها الوعي من الكثير من أدران الفكر والفهم التي طرحت نفسها في سياقات قائمة على (نيات حسنة) ولكن بنتائج غير حسنة في كثير من الأحيان، لأن المنهجية الواضحة والشاملة، كثيرا ما كانت غائبة أيضاً، ولا محال من العودة الى الكتاب نفسه لقراءة (جدة الوعي) فيه ومقالنا القادم وقفة مع أفكار أخرى في كتب (التجديد).
عندما نطق السراة: «الأسطورة توثيق حضاري« وتاريخ مكتوب
فوزية رشيد
العدد 11342 - الاحد 12 ابريل 2009
* هذا هو الكتاب الثاني الذي نتناوله من اصدارات سلسلة «عندما نطق السراة« الصادر عن جمعية التجديد البحرينية، ونرى فيه التفاتة مهمة الى اللغة الاصلية لأساطير المنطقة العربية، وحضاراتها التي توزعت ما بين وادي الرافدين ووادي مصر وسوريا وفلسطين وغيرها. وحيث يشير البحث الى ان «المؤسسات الغربية نجحت عبر مئات السنين في فرض طرائقها في تفسير وتحليل الاحداث التاريخية ومكونات الشعوب والامم عبر صياغة التاريخ وتوظيفه لخدمة مصالحها« وحيث صيغ التاريخ بدوافع الرغبة في التسلط والهيمنة وخدمة المصالح الغربية الخاصة، ليتم بعد ذلك فرض الصياغة واعتمادها على العالم كما يقول (ويل ديورانت) نفسه في كتابه (قصة الحضارة) الذي يعد الاكبر في كتب التاريخ الحديثة يقول: «معظم التاريخ ظن، وبقيته من املاء الهوى« مما ترتب عليه رؤية قاصرة للتاريخ ونظرة مخلة لمراحل الانسانية المختلفة، وهو الامر الذي ادى الى جهل الشعوب بتاريخها الحقيقي.
* يحاول الكتاب - ومن المنطلق السابق بالرجوع الى الوراء - كشف الحقيقة، حيث الغايات سعت منذ البداية نحو فصل الامة في المنطقة العربية، عن اصولها وتاريخها وتراثها وتشويش معالم وعيها بذاتها وكينونتها، لتفكيكها وتجريدها من مصادر قوتها ليسهل بعد ذلك اصطيادها وقهرها. يقول المؤرخ الفرنسي الكبر (بيير روسي) صاحب كتاب (التاريخ الحقيقي للعرب): «إذا كان مؤرخونا المسلمون الاوائل قد اخذوا نظرتهم الى التاريخ بذلك القصور المبتسر، فقد كانت لهم اسبابهم ومبرراتهم الكافية، فهم من جهة كانوا يعملون على تكريس التوحيد الاسلامي، فكان لزاما عليهم «رفض وتجاهل كل ما سبق الاسلام من عقائد« ومن جهة اخرى لم يكن لديهم أي اطلاع على الحضارات القديمة، إذ كانت قد بادت وانطمرت شواهدها في التراب، فلم يكن المؤرخون المسلمون «قادرين على القفز فوق شروط عصرهم ومستواه العملي والمعرفي العام«. أما في العصر الحديث بمناهجه العلمية المعاصرة ووسائله التقنية المتفوقة، التي لم تكشف فقط عن الاثار المادية لـ «حضارة الشرق القديم«، بل كشفت عن «وحدة الاصل بين اللغة العربية ولغات منتجي الحضارة منذ ان بدأت«، لتدل على وحدة الجنس والمنشأ والثقافة بين البشر الاولين وبين العرب«. ويضيف المؤرخ الفرنسي: «ومازال المؤرخون الغربيون الباحثون، ومن بعدهم تلامذتهم العرب، يقيمون القطع الحاد بين المرحلة الاسلامية وبين ما سبقها، وهو يكرس تجاهلا متعمدا للحقائق التاريخية التي تثبت نفسها الآن وبالوثائق الصريحة، وهذا امر يدفعنا الى اكثر من «مجرد الشك« في دوافع «الباحثين الغربيين« ومقاصدهم ما يتطلب اليوم اعادة بناء صورة شاملة للصيرورة الحضارية في الشرق« وحتما في العالم.
* إن تعديل الفكرة، ولو كانت فكرة واحدة، في منظومة التاريخ العربي المتصل ببعضه منذ قديم الأزمان، وبدايات الحضارة الانسانية في العالم، قد يحدث فارقا كبيرا في تقدير العرب لذواتهم وعلاقتهم بأنفسهم ومع الآخر، فكيف لو تغيّرت الأفكار وتم تصحيح المفاهيم كلها؟ إنها مهمة كبيرة بالفعل، حاول الكتاب إلقاءها على عاتقه، لتصحيح النظرة السلبية للعرب اليوم، في ظل معاول الهدم التي تعمل على ترسيخ تلك الصورة جزافا، كأن العرب أمة خارج التاريخ، فيما هي التي صنعته منذ أقدم الازمان، وتأثرت حضارات كل دول العالم بذلك الصنيع. يقول الكتاب «سنشهد التاريخ مباشرة، وهو سيشهد بعظم هذه الأمة، وعظم هذه الارض، وسيشهد بأن هذه الارض هي مهد الانسان ومهد دينه وعلمه، وسيعلن أنها الأمة التي جعلت أمة وسطا وحملت الرسالة وتوارثت الأمانة «خلال التاريخ كله«، بها كانت البداية ومنها تكون النهاية«.
* ومراجعة الأساطير في هذا الوقت الذي انفصل فيه العرب عن تاريخهم وحضاراتهم الأولى، بعد أن وسمت بالوثنية والخرافة، هي مسألة ضرورية حيث «نحن بحاجة إلى إعادة قراءة للتراث والمدوّنات بعقلانية واحترام بعيدا عن أقوال المفسرين والمترجمين«. وتقوم مراجعة تراث الآباء الأولين الذين سكنوا المنطقة العربية، «منطقة انطلاقة الانسانية العاقلة« ومهد التوحيد والحضارات على خلاف ما يعتقد الكثيرون حول «وثنيتها«، فان ذلك يقتضي النظر والتدقيق في تراثهم بكل ما يتضمنه من أبنية ومدخرات ومدافن ومدونات، فكلها تشهد بأن «الانسان القديم« في جميع مناطق حضوره في الحضارات القديمة «السومرية والبابلية والاشورية والمصرية والاوغاريتية« قد تناول موضوعات مشتركة تشكل المفاصل الرئيسية في خطه الاعتقادي والعلمي عن الكون والانسان.
* هكذا يعتني البحث بدراسة الاساطير القديمة، حيث يتناول في «فصله الأول« مقدمة تعريفية عن الأساطير ونشأتها، والفرق بينها وبين «الخرافات« وتعداد لأنواعها. ثم في «الفصل الثاني« يعالج علاقة الأسطورة بالتاريخ، ويجيب عن السؤال الأهم في البحث وهو: هل يمكن اعتبار الاسطورة مصدرا معتمدا من مصادر التاريخ؟ ولماذا؟ ثم يتعرض الفصل نفسه لـ «أساطير الأولين« الواردة في «القرآن الكريم« ويمضي في محاولة للتعرف على سر ذكر هذا التعبير في كتاب الله. وفي «الفصل الثالث« يطرح البحث آليات مقترحة لفهم الأساطير والتعرف على أسرارها وفك أقفالها، ثم يقدم بعض المحاولات والاجتهادات لتفسير عدد من الاسماء المشهورة في الاساطير، على اعتبار أن الاسماء تشكّل «مفاتيح الولوج لتفسير الاساطير« وبالاخص مع ارتباط الاسماء في الاساطير باللغة العربية ولهجاتها القديمة، وهو ما تعرض للكثير من التشويه والخطأ في التفسير من خلال المفسرين والمترجمين الغربيين على السواء، ولم يقترب من ضفاف تلك اللغة العربية ولهجاتها القديمة الا البعض القليل، الذي ضاعت تفاسيره في ذلك الخضم الهائل من بحر التفاسير والتراجم الغربية، هكذا يقول الكتاب. وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: "الأسطورة توثيق حضاري" وتاريخ مكتوب (2-2)
فوزية رشيد
العدد 11343 - الاثنين 13 ابريل 2009
{ يحاول الكتاب (الاسطورة توثيق حضاري) ايجاد وعي جديد بالاسطورة من خلال فصلها أولا عن (الخرافة)، وثانيا من خلال قراءته لأشهر الاساطير في المنطقة العربية، اي اساطير (بلاد سومر وبابل واشور ومصر وأوغريت) والأساطير (الاغريقية) التي انتحلت من تلك الحضارات العربية، وحيث جميع شعوب هذه المنطقة كانت تتحدث بلغة واحدة هي (اللغة العربية) بلهجاتها القديمة "السريانية" أو "الفينيقية"، خاصة ان (علم التاريخ) كان ساحة من ساحات الحروب غير المعلنة طوال الزمن الماضي، ولايزال، تم من خلالها تحقيق مطامع وغايات ادت الى تفكيك الصلة بين شعوب هذه المنطقة ووعيها بتاريخها، ووقوع شعوب العالم الاخرى في ذات الفخ الذي تم بناؤه بدهاء تاريخي مقصود، كما يوضح البحث.
{ الاسطورة في اللغة العربية تعني (الكلام المسطور المصفوف) وقد ظن الباحثون ان الكلمة مقتبسة من كلمة سHistoriaس اليونانية، وهو الخطأ حيث للكلمة أصل في معاجم اللغة العربية، ولهذا قصة يطرحها البحث بالتفصيل، حيث الكلمة وغيرها الكثير من الكلمات (العربية في أصلها) عبرت الى اليونان مع حركة (القدماء العرب وهجرتهم) وبالتحديد على يد (الفينيقيين) الذين استوطنوا سواحل البحر المتوسط وانتقلوا مع لغتهم وتراثهم وكنوزهم واساطيرهم اليها. وهذه الكلمة كغيرها من مئات الكلمات العربية شكلت (جذور اللغة اليونانية) التي - للغرابة - نسب إليها (واضعو التاريخ) في عصرنا الحديث كل الاصول العريقة للمصطلحات والألفاظ، وغضوا الطرف عن (أصولها العربية) وهو ما افقدهم في كثير من الاحيان الموضوعية والمقدرة على ادراك الحقيقة والصواب.
ورد اللفظ في القرآن الكريم الذي نزل (عربيا كله) وعلى لسان القرشيين الفصحاء المعتزين بلغتهم أيما اعتزاز، الذين لم يتصلوا (باليونان) اصلا، وحيث لم يرد في التاريخ قبل البعثة النبوية ان العرب قد اقتبسوا من غيرهم.
وما ينطبق على هذه الكلمة ينطبق على الكثير من الكلمات التي يلقي البحث الضوء عليها، ليصل الى استنتاجات لغوية وتفسيرية للأسطورة هي الأقرب الى روحها، قياسا الى التفاسير والتراجم الاخرى، التي يبين لنا البحث ايضا الخلل في اتجاهها وتوجهها، وهو ارتحال لغوي يكشف الكثير عن مضمون الاساطير.
{ إن الكلمات العربية ومن خلال اللهجات العربية القديمة انتقلت بدورها الى الغرب عبر (البوابة اليونانية)، بدراسة لغوية يطرحها البحث حول (كلمات اللهجة العربية الفينيقية) وكيفية تحويرها في اليونانية ثم في الغرب الآخذ عن اليونانية لاحقا، وهي (رحلة لغوية شائقة) كما قلنا تلقي الكثير من الضوء على الاساطير العربية القديمة ومعاني كلماتها، وتأثير كلمات الاساطير وفحواها في البلدان الاخرى التي هاجر اليها العرب القدماء وعلى رأسهم (الفينيقيون)، وحيث الاساطير هي تلك المدونات التي سطرها الانسان الأول ليحفظ علومه ومعارفه وعقائده، مما يجعل من التفصيل بين (مواد "الرقم الطينية" أو الحجرية والخشبية والبرديات والجداريات والرسوم المكتشفة) وتصنيفها بحسب موضوعاتها أمرا في غاية الأهمية للتفرقة فيها بين نوع الاساطير ان كانت اساطير عقائدية مقدسة أو اخرى غير ذلك.
{ ويركز البحث في تلك المدونات أو الاساطير التي تناولت موضوع الكون والخلق والانسان الأول والتطور المعرفي للإنسان وأساليبه في التعلم ونشر الحضارة، باعتبارها تحمل صفة القدسية وتتضمن مفاهيم (عقائدية) وحقائق كونية وبيانات تعليمية بنائية حضارية، وهي تلك المدونات التي حفظت في المعابد وحظيت برعاية الكهنة والملوك.
من خلال دراسة الاساطير يمكن اكتشاف المستوى المعرفي والعقائدي والعلمي والاخلاقي والثقافي للشعوب، والتعرف على اطوار التاريخ الانساني، لأنها تمثل انعكاسا لمعارف الانسان الأول وعلومه وحكمته، كما يحقق البحث.
{ ولقد ادرك (الكهنة والأحبار اليهود) الابعاد التي تتركها الاساطير في نفوس اتباعها، فحين سعوا الى انشاء (كيان غير شرعي) لهم في فلسطين، اختاروا شعارات وعناوين مزورة اقتبسوها من توراتهم (الموضوعة) وصبغوها بصبغة اسطورية تحرك المشاعر، فأطلقوها وزمجروا بها، وروجوا لها بالوسائل كافة، وفي مختلف المناسبات، فكلمات مثل "أرض الميعاد" و"شعب الله المختار" و"هيكل سليمان" و"نجمة داود" وميراث الأنبياء" و"ارض الآباء" و"جبل الرب" و"العرق السامي" و"أورشليم" وغيرها من اشكال التزوير والتحريف، ما هي إلا شعارات اخرجت على هيئة اساطير، ليجدوا لها في آذان اتباعها صدى مؤثرا فاعلا قادرا على الوصول الى الاعماق واستلاب الوجدان.
{ إن الاساطير في المنطقة العربية، نالت (كما يقول الكتاب ايضا) الكثير من اصناف التجني مما ادى الى نتائج خلت من الأمانة والوفاء لتلك الشعوب التي (اوجدت فكرا وعلما)، فلتلك الاساطير خصوصية ينبغي ان تبحث وتدرس بمعزل عن اساطير الشعوب الاخرى لأنها تنطوي على (حقائق دينية وعلوم سماوية لا على اكثار خيالي خرافي) وهذا ما يحاول الكتاب تقديمه للقارئ من خلال بحث شائق ورحلة جدلية مشوقة ايضا، يفرق فيهما بين النظريات التي وضعها علماء التاريخ والميثولوجيا لمعرفة نشأة الاساطير، التي تتراوح ما بين (النظرية الدينية) و(النظرية التاريخية) و(النظرية الطبيعية) و(النظرية الرمزية)، وبين تقديم النماذج من الاساطير، وتقديم شروح مختلفة لها.
{ ويقدم الكتاب أو البحث رؤيته عن (التوراة) ويصل من خلال التحليل الى ان الاساطير (الاغريقية) في الاصل ما هي إلا امتداد - ولو مشوّه - لأساطير العرب الفينيقيين، وفي مقدمتهم (قدموس العربي) الذي انطلق من (سوريا) باتجاه الغرب، وبنى مدينة (اثينا) وقلعة (قدميا)، فالعرب الفينيقيون نقلوا تراثهم وأساطيرهم العربية الى بلاد اليونان قبل مولد (موسى) بكثير، ومن جملة ما نقلوا اساطير خلق الكون وخلق آدم والشجرة والمعصية وطوفان نوح، وهي ذات الموضوعات الموجودة في اساطير (سومر وبابل وأوغريت) وذكرتها مدونات الكهنة اليهود التي سموها (التوراة) اقتباسا من ذلك التراث، فإن (اراد مصنفو التاريخ) ان يرجعوا الى اصل الاساطير اليونانية، فلينسبوها الى اصلها الحقيقي الذي انبثقت منه، وحيث الوحدة في شكل ومضمون الاساطير تدل على وحدة مصدرها، وحيث الاقدم بين الاساطير في العالم هي الاساطير العربية القديمة التي انتقلت في مرحلة تاريخية كان العرب القدماء فيها ينزحون وينتشرون، حاملين معهم عقائدهم وافكارهم وادواتهم وعلومهم، وحيث كان (مزج العلم بالدين) هو اساس قيام الحضارات القديمة.
وحيث ايضا (التوراة الموضوعة) ليست مركز التاريخ و(اليهود) ليسوا (أصل الحضارة) كما يدعي الباحثون الغربيون الذين يدعون ايضا في العصر الحديث بأن اوروبا هي مركز العالم ومنبع حضارته وبداية التاريخ الإنساني، وتفاصيل كثيرة يحويها البحث لا غنى منها عن قراءة الكتاب ومعرفة استنتاجاته المهمة.
عندما نطق السراة: "التوحيد" عقيدة الأمة منذ آدم وليس من شِرك ووثنية وآلهة متعدّدة
فوزية رشيد
العدد 11349 - الاحد 19 ابريل 2009
{ في الكتاب الثالث من كتب (جمعية التجديد) الذي نتناوله بالاشارة هو كتاب (التوحيد عقيدة الأمة منذ آدم) وحيث جاء على الغلاف الخارجي للكتاب (ان النظرة الضيقة للدين اليوم، وعدم التفتح الذهني لقبول الحقائق كما هي، والتسليم من دون تمحيص بصحة الكثير من الأغاليط المدونة بشأن "تراث السابقين وأساطيرهم" كل ذلك حال دون رؤيتنا للحقيقة الكبرى التي عرفها الأولون وآمنوا بها، وهي ان الله واحد لا شريك له، وان دينه واحد، وانه فطر الانسان على معرفته منذ ان خلقه)، ولتوضيح الهدف من تأليف الكتاب والبحث في اسرار رحلة (التوحيد) كعقيدة للأولين يتابع:
(فكان لابد من غربلة هذا التراث وقراءته من جديد قراءة لقيد رسم الصورة لتنطق بمضمونها الصحيح، ان اريد لهذه الأمة ان تنهض وتتعافى من ادوائها وتستعيد الثقة بنفسها، وتتواصل مع ذاتها والعالم من حولها، وتأخذ موقعها الريادي في الحياة، لأن ما قيل لها من انه "شرك ووثنية وآلهة متعددة" هي قراءة "خاطئة" للنص الذي لم يكتب ليقرأه الآخرون فضلا عن ان يترجموه، وكان الأولى بقراءته هم من كتب بلغتهم، لأنهم الاقدر على فهمه والاقرب الى استيعابه.
ولو أنا اعدنا قراءة "تراثنا" بتجرد لأدركنا حقيقة اليد الربانية التي امتدت لرعاية الانسان منذ خطواته الاولى على الارض، بما خطت له من الهدي، ولم تتخل عنه أبدا، بل واصلته بالانبياء والرسل في محطات الضلال التي كانت تهدد مسيرته الايمانية، فالتوحيد منذ أن بدأ بآدم، استمر في بنيه يخبو حينا ويزهو حينا آخر، ولكنه لم ينطفئ).
{ النزعة الدينية أصل كامن في التكوين الداخلي للإنسان:
يتطرق البحث حول نشوء النزعة الدينية، ان كانت بتأثير المحيط والبيئة، أم انها مرتبطة بأصل كامن في تكوينه الداخلي، ويتعرض لاختلافات الباحثين بحسب اختلاف الايديولوجيات والمصالح، من دون النظر بعين (الدقة العلمية)، وينحو البحث نحو تحديد مركز (الانسان الأول) ونقطة انطلاقته، واستكشاف جذور حضارته بدراسة آثارها، وحيث التقدم العلمي الهائل اليوم يساعد على ذلك البحث، رغم ان المبادرة وقعت بيد الغرب الذي اتجه الى (المنهج المادي) بعد ان حسم صراعه مع السلطة اللاهوتية للكنيسة، فقرأ تراث الأولين بعيدا عن الجوهر الايماني وعن الروح والاخلاق، وهي الصفات التي لا يتصف بها الغرب بشكل عام اليوم.
{ إن اخطاء الترجمة غير المقصودة واخطاءها المقصودة تحت عنوان (المنهجية العلمية) أظهرت دراسات مغلوطة عن تاريخ شعوب هذه المنطقة وعقائدها، لتصف التاريخ العربي القديم ولاسيما في بلاد وادي النيل بالشرك وعبادة الاوثان وتعدد الآلهة، وزرع الاعتقاد الخاطئ في كل العالم أن (التوحيد بدأ بموسى) وأن ما قبله كان شركا ووثنية.
كما عملت الترجمة الغربية على انكار الاصل العربي لسكان هذه المنطقة لتكون المحصلة ان العرب هم سكان (شبه الجزيرة العربية فقط) وان تاريخهم يبدأ بما قبل البعثة النبوية، اي بعصر الجاهلية بحسب التسمية في رسالة واضحة للعرب، رددها مفكرون وباحثون عرب ايضا: ان الجاهلية هي بدايتكم واصولكم، جهل وظلمات وتخلف، وبهذه الطريقة فصلوا هذه الأمة عن عمقها التاريخي والحضاري.
{ وهذا ما قبله العرب انفسهم عن تاريخهم القادم من الغرب، واخذ الجميع في ترديده، عبر مناهج الدراسة ومنابر الاعلام والتثقيف الديني، ولم يفكر أحد من العلماء والمثقفين في تمحيص هذه المقولات، ولا في دراسة تاريخ المنطقة واكتشاف آثارها وتفكيك أساطيرها، وانما الغالبية العظمى منهم وقع في فخ الترويج للرؤية الغربية، التي روجت لذلك الفصل عن العمق التاريخي والحضاري باعتباره تاريخا وحضارة عربيين قديمين، وكمثال للترديد (الببغائي) مازال الحديث يدور مثلا عن (المكون السكاني لشبه الجزيرة العربية قبل البعثة بأنه من: اليهود والنصارى والعرب عبدة الأوثان، وكأن اليهود والنصارى ليسوا عربا) وكأن الذين (ارتحلوا شرقا وغربا من سريان واشوريين واموريين وفينيقيين وتركوا بصماتهم الحضارية اينما رحلوا لا يمتون الى هذه المنطقة بصلة).
{ - هل كان الأولون يعبدون آلهة متعددة؟
- هل عبدوا النجوم والكواكب والحجر والشجر والماء والنار والحيوان كما عبدوا الأولياء والآباء ايضا؟
- أم انهم ظلوا فترات طويلة موحدين ومؤمنين بتعاليم السماء، واستطاعوا بهذا الايمان ان يشيدوا حضارتهم في بلاد "سومر ووادي النيل" ولكننا نحن الذين نقصر اليوم عن فهم عقيدتهم؟
- اين ذهبت اذًا ثمرة دعوات الكثرة الكاثرة من الانبياء والرسل طوال التاريخ الانساني؟
- واذا كان الانسان في احقابه الأولى ليس "موحدا" كما يتوهمون، فكيف وصل الى عقيدة التوحيد منذ البداية؟ (كما سيوضح البحث).
- هل صحيح انه تدرج من طور التعدد الى طور التمييز والترجيح ومنه الى الوحدانية، كما يذهب الى ذلك اكثر الباحثين في تاريخ الديانات واصلها؟ ام انه تعلمها تعليما ربانيا منذ البداية؟
{ مثل هذه الاسئلة الصعبة يرتحل البحث للإجابة عنها في اطار ثلاثة اسئلة اساسية:
1- هل الانسان الأول عاش بلا عقيدة، ولم يكن لديه ادنى تصور عن الخالق والخلق والكون؟ أم ان ثمة مشروعا ربانيا بدأ مع بدايات خلق الانسان لتأهيله لخلافة الارض؟
2- وهل مر على الامة زمان خلت فيه من الموحدين لله تعالى؟ ام ان تراث الامة يحتفظ لنا بنماذج من الموحدين طوال التاريخ؟ وهذا ما سيتم توضيحه.
3- وكيف عبر أولئك (الأوائل) عن عقيدتهم التوحيدية؟ وما تفسير ما قيل عنهم انهم عبدوا آلهة متعددة؟
{ وفي ضوء هذه التساؤلات المهمة جاء البحث في ثلاثة فصول، يعتني الأول منها (بإثبات التوحيد) منذ بداية خلق الانسان وانه مرتبط بالمشروع الرباني لجعل الانسان خليفة، بينما يورد الفصل الثاني ما يثبت استمرارية خط التوحيد وتواصله بذكر نماذج (للموحدين) عبر الازمان، (ممن كان يعتقد انهم وثنيون). اما الفصل الاخير فيعالج (بالتحليل المنطقي واللغوي) كيف عبر الاولون عن عقيدتهم التوحيدية، والاسباب التي ادت الى تشويه هذه العقيدة.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: "التوحيد" عقيدة الأمة منذ آدم وليس من شرك ووثنية وآلهة متعددة (2-2)
فوزية رشيد
العدد 11350 - الاثنين 20 ابريل 2009
{ إذًا وحسب (التحليل المنطقي واللغوي) لكتاب جمعية التجديد، الذي سنتعرض لبعض مقتطفات منه كتحليل فإن الأولين وأصحاب الحضارات القديمة، (كانوا عربا وكانوا موحدين) ولم يكونوا اهل وثنية وشرك، وان الخطأ في الاستنتاجات الرائجة، هو خطأ متعمد في المنهج العلمي المادي الذي عمل على فصل هذه الأمة عن عمق تاريخها وحضارتها باعتبارها لم تكن حضارات عربية، وقدم قراءة خاطئة لتطور التاريخ البشري، وبزوغ النزعة الدينية عند الانسان، باعتبارها متدرجة من التعددية في الآلهة الى التوحيد (الذي يبدأ بموسى) رغم ان الانثروبولوجيا وعلم الآثار، لا يثبت إطلاقا التدرج في تطور الانسان، ولا يقدم تفسيرا على الاطلاق بشكل مقنع كيف انتقلت البشرية من طور الهمجية الأولى الى طور ظهور بوادر الحضارة في قفزات لا يمكن تفسيرها.
وبالمقابل فإن الاطروحات الدينية لا تذهب بوجود الانسان المعلم الى ابعد من تاريخ ظهور بوادر الحضارة الانسانية، وحيث الاديان تتحدث عن الانسان باعتباره خلقا آخر غير البشر الذي يتحدثون عنه (وهو ما لدى البحث تفسير له)، وهو ما يحتاج ايضا الى قراءة الكتاب نفسه، وحيث لا يسع المقام هنا كالعادة لشرح تفاصيل وحجج الكتاب، وانما الاشارة الى الاسئلة المهمة التي يعالجها، وتقديم الرؤية المناقضة للراسخ في المفاهيم حولها.
{ إن عبادة الاصنام مثلا حسب الرأي الراسخ لدى الباحثين والمفكرين، يفترض انها مرحلة طبيعية مرت بها البشرية في طريقة تعرفها إلى الله، بينما يرفض (القرآن الكريم) هذا المنطق ويعتبر عبادتهم للأصنام (انحرافا من اولئك القوم عن جادة التوحيد) وهناك آيات كثيرة تثبت ذلك، أما الذين لا يعترفون بالقرآن أو الملحدون، فإن رؤيتهم (تتبع) ذات الرؤية المادية التي تفسر نشوء العقيدة والاديان، وهي الرؤية التي يحاول البحث تقديم كل (مآزقها الرؤيوية) التي يناقضها اليوم الكثير من الابحاث العلمية الجديدة، بقدر ما تناقضها المكتشفات الأثرية الحديثة، التي يضعها الغرب في اطار (الاسرار) التي يتم التعتيم على كثير منها، خوفا من انكشاف بؤس تلك الرؤية المادية للتاريخ البشري وتطور وجوده.
{ ويقدم البحث رؤية مغايرة لتاريخ المعرفة الانسانية (دينيا وحضاريا) ومن خلال استقراء التراث القديم وتقديم ترجمة مختلفة له، ليصل الى نتيجة يؤكدها أن (الانسان كان في بدايته أعرف بالسماء والايمان منه بعد تطاول الزمان عليه، لأنه كان يعرف ربه بروحه وايمانه معرفة مباشرة، لا عن طريق العقل والاستدلال، ولكنه بعدما ضعفت فيه الصلة الروحية واعتمد على العقل والتفكير صارت معرفته متدرجة ونامية بعدما كانت كشفا متكاملا) لاتزال تزخر به تراثات الحضارات العربية القديمة، وغيرها من الأمم ذات الحضارات المتصلة بتراث العرب الأوائل، ولذلك تفسير آخر ايضا يقدمه البحث.
{ وعليه فإن (الفرضيات جميعها) تنقلب لتصبح البداية الانسانية هي (بالتوحيد) ثم التدرج شيئا فشيئا نحو الشرك نتيجة لطول الأمد وقسوة القلوب وصراع الانسان ما بين الشهوات والغرائز وما بين السمو الروحي، لتأتي معها الحاجة الى ارسال الرسل والانبياء (مبشرين ومنذرين ومذكرين) وحيث التذكير لا يكون إلا (لشيء منسي) سابق وجوده على لحظة التذكير.
{ ويحاول البحث تقديم حقائق مغايرة ايضا بما يتعلق بخلق الانسان الأول وكيفية ظهور هذا الكائن العاقل وكيفية تطوره الى ما هو عليه الآن، ناقضا في منهجه التحليلي رؤيتين:
الأولى: رؤية الباحثين الماديين الذين لم يفرقوا بين (مرحلة البشرية) التي عاشها هذا الكائن و(المرحلة الانسانية) التي اعقبتها، ولم ينظروا الى هذه (النقلة النوعية) الا في سياق ما تطرحه نظرية التطور (النشوء والارتقاء) التي ينقضها اليوم الكثير من العلماء في الغرب ايضا.
الثانية: إن (اكثر الباحثين المسلمين) يرون ان خلق الانسان تم بنفخ الروح في قالبه الطيني المعد مسبقا لهذا الغرض، حيث لم يسبق لهذا الكائب - حسب رأيهم أو تفسيرهم - وجود (بيولوجي فيزيولوجي) حي.
فيذهب البحث الى تقديم تحليله وتفسيره من خلال العلم للرد على الرؤية الأولى، ومن خلال العلم والقرآن للرد على الرؤية الثانية، فهو يرد على التفاسير الغربية بما يتعلق بظهور الانسان، مثلما يرد على تفاسير أكثر الباحثين المسلمين في ذات الخصوص، ولكم ان تقرأوا لمعرفة الحجج التي يقدمها الكتاب في هذا الشأن وهي حجج تعتمد الآيات القرآنية ايضا.
{ كما يقدم البحث باعتبار ان الملائكة في مراحل الانسان الأول، كان منهم (الرسل) كحلقة اتصال بين السماء والارض وكمعلمين لتحل محلها صورة الرسول البشري، ليصل الى دور الانبياء والرسل في اطار آخر، ثم ليقدم البحث رؤيته التفصيلية حول (الموحدين عبر التاريخ) وباعتبار ان الجهل بحقائق التاريخ والجغرافيا نجم عن تقصير او قصور في الفهم أو تحريف للحقائق بقصد او بغير قصد، أسهم في رسم الصورة غير الصحيحة لما جرى عبر التاريخ منذ (آدم الانسان الأول) حتى يومنا هذا، نافيا - اي البحث - الصورة التي رسخها اعداء هذه الأمة (بأن العرب كانوا مجموعة من البدو الرحل سكنوا الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية، وكانوا جهلة ووثنيين يعبدون الاصنام) متناسين وجودهم قبل ذلك وجغرافيتهم الواسعة التي شملت العراق وسوريا ووادي النيل، او تاريخهم الموغل في القدم الذي مثله السريانيون (كالسومريين والبابليين والفينيقيين).
{ يقدم البحث ايضا رؤيته عن (الحنفاء) وعن (المندائيين الصابئة) وطقوسهم العبادية القديمة، وعن عرب العراق وسوريا القدماء، حيث شهدت بلادهم أعظم حضارة عرفها التاريخ قبل الميلاد بآلاف السنين، وصلة آثارهم ومدوناتهم، بعد تفسيرها التفسير الصحيح، بالقوانين والتعاليم السماوية.
كما يقدم رؤيته عن (عرب وادي النيل) وتقديم تفسير مغاير لرؤية المترجمين الغربيين للحضارة فيها، وهي الرؤية التي تداولها العرب انفسهم عن هذه الحضارة، ليصل الكتاب الى استنتاج مهم حول (اخناتون والتوحيد) وخطأ التفاسير حوله ايضا.
وكثيرة هي التفاصيل في مناقشة العناوين السابقة، وكبير هو الجهد المبذول في البحث وتقديم الرؤية الأقرب الى روح الحضارة العربية القديمة في المنطقة والى روح المنطق، ولنا وقفة أخيرة مع هذا الكتاب في المقال القادم.
عندما نطق السُراة: "التوحيد": آلهة الأساطير وأسماء الله الحسنى ووحدة المعنى فوزية رشيد
العدد 11351 - الثلاثاء 21 ابريل 2009
{ (لم يأت على الأرض زمان قط خلت فيه من حجّة على الناس، فلابدّ من وجود نماذج مؤمنة وموحدة طوال التاريخ الإنساني) هذا ما يشرحه كتاب ("التوحيد" عقيدة الأمة منذ آدم) من خلال العودة الى الحضارات العربية القديمة في (سومر) وحضارة الأكاديين والبابليين والأشوريين وحضارة قدماء السوريين، الذين كانوا يرتلون في المعابد (مزامير التوبة) فيضعون الخالق الذي يتوجهون إليه بالإله الخفي، المخبوء، المحجوب، مقرين بعجزهم عن معرفته (إلهي إن آثامي كثيرة وذنوبي فظيعة.. أيها الإله الذي أعرفه أو الذي لستُ أعرفه، إن آثامي كثيرة وذنوبي فظيعة) وهذا مثال.
{ في الأساطير العراقية القديمة، تكثر التراتيل والترانيم والابتهالات أيضاً التي تُقدم الى الإله كمظهر من مظاهر التعبير عن فكرة الحب الإلهي وتجسيده الواقعي، من بينها ترتيلة للإله "إنليل" وحيث الكلمة بالعربية القديمة تعني "عين إيل، أي عين الله" ليس كما ترجمها أو فسرها الغربيون في بحوثهم، تقول الترتيلة:
(إنليل ذو السلطان الشامل المطلق والكلمة السامية المقدسة، يقدّر المصائر والأقدار الى الأبد، فلا تبديل لأوامره، الرب العظيم، ذو السيادة والقدرة المتسامي في السماء والأرض، العليم بكل شيء والمتمرس بالأحكام) وهذا مجرد مثال واحد أيضاً.
{ وأما "عرب وادي النيل" فإن الكتاب يعلق على أنه بالرغم مما ذكره الباحثون (الغربيون) عن كثرة الآلهة وتعدّد أشكالها واختلاف مسمياتها، لأسباب لا صلة لها بالحقيقة، بالرغم من كل ذلك تجدهم يعترفون بوجود صورة في أذهان المصريين القدماء (لإله أعظم وأكبر)
من هذه الآلهة، يقول: (أدولف إرمان) في كتابه "ديانة مصر القديمة": (ومما يبعث على الدهشة ان المصريين القدماء كثيراً ما تحدثوا ــ علاوة على آلهتهم المعينة ــ عن "إله عام" ويحدث ذلك عادة في الأدب عندهم عندما يفكرون في تلك القوة التي تتحكم في مصائر الناس.
فمثلاً يقولون "ما يحدث هو أمر الله"، "صائد الطيور يسعى ويكافح ولكن الله لا يجعل النجاح من نصيبه"، "ما تزرعه وما ينبت في الحقل هو عطية من عند الله"، "إذا جاءتكم السعادة حقّ عليكم شكر الله") وهناك أمثلة كثيرة أخرى في ذات السياق، ثم يضيف قائلاً:
(هؤلاء القوم الذين كان هذا هو شعورهم وحديثهم لم يكونوا بمنأى عن العقيدة الحقة) أي عقيدة التوحيد.
ــ في محاضرة له عام 1869 صرح "دي روجيه" منقولاً عن كتاب (ديانة مصر الفرعونية) لـ"إريك هورنونج" قائلاً:
(إن الخاصية الأولى للديانة المصرية القديمة هي "وحدة الإلة" التي نعبر عنها بكل قوة فنقول: الإله الواحد، الفرد، هو الكائن الأوحد ــ الحي في الحقيقة ــ أنت الواحد، وملايين الكائنات انبثقت منك، خلق كل شيء وهو الوحيد الذي لم يخلقه أحد. لقد سادت فكرة الإله الفرد الأول، هو الجوهر الواحد الدائم في كل مكان، موجود بذاته، إله لا يمكن الوصول إليه).
ــ العالم "هينريش بروجش" من أبرز علماء المصريات "الألمان" في أيامه، وقد ظهر الجزء الأول من كتابه (الدين والأساطير عند المصري القديم) في عام 1885، يعترف عن اقتناع بأن (المصريين قد عبدوا، في تلك "العصور السحيقة" الإله الواحد المتعذّر وصفه أو إدراكه، الأبدي في صفاته الأسمى) وهناك تراتيل مصرية قديمة موجهة للإله (آمون) حيث أطلق (عرب وادي النيل) على الإله الواحد اسم "من" أو "معن" أي (المعنى)، إذا كانتُ تكتب الكلمات من دون صوتيات، وقد قرأها الدارسون خطأ: "مانا، مينا، مون، مونا، آمون". والكلمة في لغة "جامد" المندائية العربية القديمة التي تكلم بها إدريس، والتي هي إحدى لهجات العربية السريانية القديمة هي (مانا) وتعني (المعنى) أو الله باعتباره المعنى المطلق (مأخوذا من كتاب أحمد داود، تاريخ سوريا الحضاري القديم).
{ ويستعرض كتاب "التوحيد" لجمعية التجديد، المزيد من الأمثلة والتفاصيل اللغوية حول معاني كلمات في الأساطير العربية القديمة في العراق وسوريا ووادي النيل، الى جانب الكثير من شروح لتلك الأساطير، مما يثبت (الرؤية التوحيدية) عندهم، عكس ما اعتقد الكثير من الشارحين والدارسين الغربيين والعرب.
ومن خلال التراتيل والأدعية ووصف أحوال الموت وما بعده يتضح ان عرب وادي النيل مثلهم مثل العرب القدماء في العراق وسوريا، كانوا موحدين، وباعتراف الكثير من الباحثين الغربيين الذين درسوا ديانة المنطقة، رغم محاولات البعض الآخر منهم تشويه هذه المنطقة بدءا بموسى.
{ ويطرح كتاب "التوحيد" التالي:
(إن الفكرة أرقى من الكلمة والكلمة عادة تقارب الفكرة أو المعنى ولا تكون بديلا عنهما. كذلك الأمر بالنسبة الى كلمة (الله) الذي هو اسم يدل على معنى، وهو كما قال الامام الصادق لهشام بني الحكم حينما سأله عن أسماء الله سبحانه "الاسم غير المسمى، فمن عبد الاسم من دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الأسم والمعنى فقد أشرك وعبد الاثنين، ومن عبد المعنى من دون الاسم فذلك هو التوحيد. فقال له زدني، قال: لله تسعة وتسعون اسماً، فلو كان الاسم هو "المُسمّى" لكان كل اسم منها هو "إلها"، ولكن الله عزّ وجل "معنى" يُدلّ عليه بهذه الأسماء وكلها غيره)، أي أن الله واحد والأوصاف والأسماء متعدّدة، وجميعها غير قادرة على الدلالة عليه وإنما على تجلياته في الكون.
{ هكذا أيضا فعل العرب القدماء في أساطيرهم وتراتيلهم، وما اعتبره المفسرون الغربيون تعدّد آلهة، أو بمثابة آلهة هي في حقيقتها أسماء مختلفة لمعنى الآله الواحد، مثل أسماء الله الحسنى، فيما التوحيد هو أصل كل تلك الأسماء، من إله القوة وإله الخصب وإله الجمال وغيره، وحيث المعنى واحد والتجليات والأوصاف مختلفة.
ــ ثم إن الأولين حين عبّروا ورمزوا وكتبوا عن عقيدتهم، فعلوا ذلك حسب مستواهم المعرفي وبلغتهم البسيطة المتاحة.
ولم يكن في اعتبارهم مثلا ان دارسين من أزمان بعيدة قادمة، سوف يخضعون تلك التعابير والرموز للدراسة والتحليل بغية فهمها بعد آلاف السنين، فهم قد كتبوها لأنفسهم وبلهجاتهم التي يفهمونها ويتخاطبون بها، فإنهم مثلاً حين يصفون الإله بـ(كثيرة عيونه وكثيرة آذانه) إنما يقصدون بذلك أن يصفوه بـ(البصير السميع) وهما اسمان من أسماء الله الحسنى في الدين الإسلامي أيضا.
{ المشكلة إذاً في فهمنا نحن، خصوصاً مع تضليل أخطاء الترجمة، ومرور الكلمات بأطوار مختلفة عبر آلاف السنين، وتلاقح اللهجات، وغير ذلك من أسباب يشرحها الكتاب، ولفهم المعتقدات القديمة الفهم الصحيح، لابدّ من الرجوع بها الى أصلها العربي القديم. اللغة العربية القديمة وما تفرع بها الى أصلها العربي القديم. اللغة العربية القديمة وما تفرعّ عنها من لهجات (سريانية وامورية وفينيقية) وتشعباتها، ولابدّ من قراءة الكتاب وتحليلاته التاريخية والجغرافية واللغوية (وحيث التفاصيل كثيرة في ذلك).
عندما نطق السراة: مسخ الصورة: سرقة وتحريف تراث الأمة
فوزية رشيد
العدد 11352 - الاربعاء 22 ابريل 2009
{ هذا بحث مهم آخر من بحوث وكتب (جمعية التجديد) يطرح فيه الباحثون اسئلة كبيرة واشكاليات استعصى فهمها على الكثيرين، ويقدم البحث تحليلات تصل ما بين التاريخ المعاصر، وتتعرض لجذور ما وصل اليه العرب اليوم، وكيف بنى الغرب اسسه الحديثة في خلق الصورة النمطية (المغلوطة) التي غرسها في اذهان الشعوب الغربية عن (الأمة العربية) والتي تم بثها عبر المنافذ التعليمية وفق منهج سيطرت عليه الأطماع الاستعمارية، ووجهته لمصالحها، بعد حصار الأمة (المعَلمة) التي كانت على الدوام منهلا للأمم.
وبحسب خاتمة الكتاب وخلاصته فإن (الدين والتاريخ) قد تم اقحامهما للسيطرة على عقول الناس، وتم ادخال الدين والانبياء في
أتون معركة كانوا اشد المحذرين منها، وحيث يقع الدور على ابناء هذه الأمة في غربلة الحقيقة الدينية والتاريخية بفصلها عن التزوير والتفسير الخاطئ، اللذين يبعدان المعنى عن حقيقته، ويسهمان في العبث بالعقائد والمقدسات.
{ إن الذي تم ترويجه في الغرب عن العرب سواء من خلال الاعلام او الصحافة أو الكتب او مراكز البحوث او السياسة او غيرها، هو (صراع الحضارات) باعتبار (ان الغرب المسيحي المتقدم يواجه حضارة الشعوب العربية المتخلفة التي تقطن منطقة الشرق الأوسط، وان هذه الأمة "العربية او الاسلامية" غير المتحضرة تكره الغرب بلا سبب غير الغيرة وبربرية متخلفة تصدر الارهاب، ولها تاريخ حافل بالبداوة والجهل مدون باختصار في "ألف ليلة وليلة"، أمة وجدت "مصادفة" في منطقة حضارات الشرق العظيمة تنازع "الأمة العبرية" في إرث الأجداد. أمة لا تريد السلام، وهي تحاصر دولة ديمقراطية صغيرة "إسرائيل" التي تؤمن بكتاب سماوي "التوراة" وتنشد السلام. تعيش هذه الدولة في وسط بحر عدائي متلاطم، والغرب انما يؤدي دورا انسانيا أخلاقيا في دعم هذا الكيان، بل هو دور الهي يحقق مشيئة الرب بتثبيت اركان دولة شعب الله المختار، هذا الشعب المنتمي الى أسمى عرق، والموعود بهذه الأرض من قبل الرب).
{ هذه هي الصورة في الغرب اليوم عن الامة العربية، وهي صورة عمقتها الصهيونية العالمية في الثقافة الغربية ورسختها ضد كل عربي واينما كان ووجد.
في عام 1905 انعقد (مؤتمر لندن) الاستعماري وانفض في عام 1907، اوشكت وقائع هذا المؤتمر ان تُمسح (بضم التاء) من الذاكرة العربية. في هذا المؤتمر رسمت خريطة المنطقة كما ارادتها الدول الاستعمارية، خوفا وهلعا من نهضتها، وكل ما جرى لاحقا من "سايكس - بيكو" الى "وعد بلفور" الى تقسيم فلسطين الى يومنا هذا يدين لهذا المؤتمر ونتائجه.
{ هذه هي الصورة التي تم رسمها، ومن خلالها تم استلابها، ولم تصدق الشعوب الغربية ذلك، بل صدق الكثيرون من العرب تلك الصورة المشوهة التي تم رسمها بخبث استعماري لهم، رغم ان الحضارات الشرقية القديمة هي حضارات عربية قديمة بامتياز. وعمل الباحثون الغربيون على فصلها عن العرب، ورغم ان "الجزيرة العربية" هي منبع كل الاديان السماوية، ورغم ان الاسلام هو دين السلام، وليس (التوراة المحرفة)، ورغم ان اليهود لا علاقة لهم بفلسطين، ورغم ان الغرب نهل من الحضارة العربية وتقدم العلوم العربية القديمة ما نهل، وصولا الى العصر الذهبي العربي أو عصر النهوض العلمي، بعد الاسلام ايضا، وهو العصر الذي وضع حجر الأساس لما عرف لاحقا بالنهضة الأوروبية بما فيها (المنهج العلمي) الذي اول من وضعه هم العرب في ذلك العصر، فإن عملية (تزوير وتحريف) ضخمة تعرض لها التاريخ العربي منذ القدم من الغرب واليهود والحركة الصهيونية، لتهيمن على العرب بعد ذلك وبلادهم، فتم من خلال تلك العملية الضخمة تضليل الشعوب الغربية بل والشعوب العربية نفسها عن تاريخها الحقيقي، وجذور حضاراتها، وليستند الغرب إلى ذينك التحريف والتزوير للقيام بحملاته الصليبية، حيث تشويه الصورة العربية وفق تخطيط مدروس ما بين القرنين السابع والثالث عشر، وهو ذات التخطيط الذي تتم ممارسته اليوم، والذي تأثر به الكثير من الكتاب والمثقفين العرب ومن دون تمحيص.
{ لقد تم قطع أوصال التاريخ العربي وتجزئته بشكل متعمد لقطع حبل التواصل ما بين الماضي والحاضر من اجل (اغتيال الذاكرة العربية) ولتعيش الاجيال العربية بلا تاريخ في زمن استعماري سابقا واليوم وفي زمن عولمة الرعب، استنادا الى مدونات (التوراة المحرفة) وأسفارها، وحيث الغرب لا يعرف شيئا طوال قرون عن الشرق العربي والاسلامي، الا من خلال مدونات التوراة تلك أو ما يدعى بـ (العهد القديم) الذي ضمته الكنيسة المسيحية الى الاناجيل لتخرج بـ (الكتاب المقدس) بعهديه القديم والجديد.
{ يقول "بيير روسي" في كتابه (التاريخ الحقيقي للعرب): (اننا لم نعثر حتى اليوم على اثر، ولا على اقل اشارة، تجبرنا على التحدث عن عاصمة عبرية أو عن ملوك عبريين ولم يسجل في مكان ما اسم داود او سليمان، ولم تسجل في اي مكان الفتوحات الكبرى التي يمجدها العهد القديم. إن الديوان الفرعوني ايضا صامت في هذا الصدد، وهو الذي يحلو له ان يقص ابسط الاحداث السياسية أو العسكرية للمنطقة) ورغم ذلك أصبح (التراث العربي في مصر) هو تراث الأجداد بحسب تعبير الصهيوني "مناحيم بيجن".
لقد بلعوا تاريخ أمة العرب بشهادة العصر في مشهد يجسد مقولة نبي الله عيسى لليهود: (ايها القادة العميان الذين يعفون عن البعوضة ويبلعون الجمل).
إن عنوان كتاب مثل (علم الآثار أمام الدجل والتضليل) لمؤلفه "ج.ب.آدم" يصلح عنوانا كبيرا لما تم في هذا العلم الخطير، وهو المؤلف الذي صدمته حقيقة التزوير، واذهله الاستهزاء بالعقل السليم، وهو ذاته ما سيواجهه اي مثقف غربي يقرر معرفة الحقيقة.
ورغم وفرة (الوثائق الاثرية التاريخية المصرية) فليست هناك "وثيقة واحدة" تتضمن ادنى اشارة الى وجود "بني اسرائيل" في مصر او طردهم منها، فقد سعت اجيال من الباحثين وعلماء الآثار الى الربط بين (جبل سيناء) وبين (مواقع تيه اليهود في الصحراء) غير ان (لا احد منهم) عثر على اي مكان يتطابق مع المواقع المذكورة في الروايات التوراتية، والحقيقة ان شيئا من ذلك (لم يحدث في مصر ووادي النيل) وان مصر أو (مصرين) هي في جزيرة العرب بجانب (جبل السراة) مهد الانسان الأول ومهد الانبياء عليهم السلام. ومن يرد الحقيقة فليبحث عنها في مكانها الاصلي، ومن يرد الحقيقة فليبعد التزوير والتحريف عن قراءة التاريخ وجغرافيته وعن قراءة التراث والاساطير.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: "مسخ الصورة" وتزوير كتب التراث و"مقدمة ابن خلدون"
فوزية رشيد
العدد 11353 - الخميس 23 ابريل 2009
* الغرب ناكر الجميل:
قال المفكر الفرنسي "اناتول فرانس": (أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة "بوايتيه" (بلاط الشهداء) عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام "بربرية الفرنجة"، الا ليت "شارل مارتل" قطعت يده ولم ينتصر على القائد الاسلامي "عبدالرحمن الغافقي").
هذه الشهادة وغيرها من شهادات المفكرين وباحثين غربيين يبحثون عن الحقيقة وحدها بعيدا عن التشويه المتعمد وعن التزوير، تؤكد ويؤكد التاريخ أن الغرب هو الذي جحد جميل الصنع، لمن علمه وادبه، ورفع منظومة قيمه وفنه منذ فجر الحضارات العربية القديمة والأولى، ومنذ انتشار الاديان من ارضه، ومنذ عصر الفتوح والعصر العربي الذهبي، حيث لم يكن للمدنية وجود في الغرب قبل (الاندلس) وذلك ما يؤكده جميع المؤرخين فالاندلس تحولت خلال فترة حكم المسلمين من بلد فقير مستعبد الى بلد عظيم مثقف، اهدى اوروبا سبل نهضتها وشق طريقها للتخلص من الانظمة المتخلفة التي تعاقبت عليها.
{ إن القناعة المترسخة عن فضل (الحضارة الغربية) على العرب، يدحضها (التقليب النزيه) لصفحات التاريخ القديم والحديث، ويميط اللثام عن هذا التضليل. فالعلاقة بين العرب والغرب كانت باستمرار علاقة (عطاء من جانب العرب) سواء بالعطاء الحضاري القديم والاسلامي، او من خلال الثروات التي نهبها في زمن الاستعمار القديم (الجديد)، او من خلال النهضة الصناعية التي قامت على اسس النهضة العربية قبلها، او من خلال الزمن الحالي حيث السعي الحثيث لتحويل هذه الأمة الى (اكبر سوق استهلاكية للبضائع) التي تنتجها ماكينة الصناعة الغربية وشركاتها الكبرى، التي تحظر على هذه الأمة التقدم في الصناعات المتقدمة أو التقنية العالية، ناهيك عن الاستغلال الكبير للنفط.
{ فمن يمحص التاريخ كله باعتباره (كلا لا ينقسم) يعرف ان التاريخ العربي ليس تاريخ (قبائل بدوية متفرقة) هذا التشويه المجتزأ والمقصود لرسم الصورة العربية، ترافق معه تعطيل العقل العربي ومنعه من النهوض في زمن الاستعمارات المتلاحقة.
يبين التاريخ ان هناك (نسقا واحدا يتكرر) هو انه كلما شعر الغرب بنهضة او ببوادر نهضة لدى الأمة العربية، اخذت ماكينته التعليمية ترسخ صورة مشوهة لدى الغربيين عن العرب، لتبرير ردات فعله العدائية التي تتحرك لخنق هذه النهضة، حدث ذلك مع نهضة (محمد علي) وحدث ذلك كمثال اخير مع نهضة العراق العلمية التي تم تلفيق التهم لها لتدميرها، واعادتها الى الوراء.
{ إن كتاب "مسخ الصورة" يطرح الكثير من التحليلات والوثائق لتبيان حجم التشويه والتزوير المتعمدين ضد الامة العربية، وضد الاسلام ايضا، وحشر العرب والمسلمين في خانة الارهاب.
كما يطرح الكتاب الرؤية العلمية الصحيحة حول (الجنس المتفوق) أو (العرق الراقي) الذي تفتقت عنه قريحة الغرب للاستعلاء قهرا على الشعوب الاخرى، وهناك تفاصيل كثيرة في هذا المجال، الى جانب ارتحال البحث في استعادة التاريخ، لتبيان الاثر العربي في الغرب، وكشف اسرار الحملات الصليبية، وعدم السماح لهذه الأمة بالتوحد أو النهوض الا كسوق استهلاكية، وعن مدى (الاجحاف الغربي) المستمر في حق العرب، الذين لم يقدموا له الا الخير دائما.
الاسباب كثيرة لتلك العلاقة الغربية الظالمة بالعرب، وعلى مستويات مختلفة يتطرق لها هذا البحث المهم لـ (جمعية التجديد).
{ ان اوجه التزوير وطمس الحقائق التاريخية وبشكل عام الى يومنا هذا لها محاور كثيرة، تبدأ من (تزوير حقوق الملكية للمكتشفات العربية)، لطمس حقيقة أثر العرب في الحضارة الغربية، وتصل الى (التزوير الغربي للمكتشفات العربية) و(التزوير بدافع الاضرار بالأمة العربية)، رغم ان التاريخ ووثائقه وآثاره هي ملك وإرث معرفي للإنسانية كلها. والكتاب يرتحل بعمق ايضا في الكثير من الزوايا المهمة لتفنيد العلاقة الشائكة بين العرب والغرب، وسبب الحالة الراهنة للعرب، مما لا يمكن حصره او حتى الدخول في عناوينه المثيرة، لأن كل عنوان يحتاج الى ضرورة التعريف به وبعض الاسهاب فيه، لذلك ننصح القارئ الكريم بالاطلاع عليه بنفسه لادراك ما نقول.
{ سنأخذ هنا مثالا واحدا حول تزوير تراث علماء العرب مثلا، وحيث كان لهؤلاء العلماء وعلى رأسهم (ابن رشد وابن خلدون) الفضل الكبير في نهضة الغرب الحضارية وبقيت كتبهم مراجع اساسية لأوروبا، ينهلون منها المئات من السنين جيلا بعد جيل، وقد كانت الكتب العربية تتداول في الاندلس، ولم يفرض العرب في تاريخهم الطويل الحصار العلمي على احد، بل كانوا معلمين وشغوفين بنقل تلك العلوم لغيرهم، واشراك البشرية قاطبة فيما توصلوا اليه من علوم ومكتشفات.
إن الوقوف على عمق الجريمة ومداها واثرها في الانسانية كلها مسألة مهمة وصعبة في آن.
{ مثال واحد: بعد خروج العرب المسلمين من الاندلس تمت المأساة. عمليات تزوير ضخمة للمخطوطات الاسلامية الاصلية جرت على قدم وساق. حتى اذا ما اكتملت (النسخ المزورة) من المصادر العربية تم دسها في المكتبات العربية.
من خلال عمليات التزوير الضخمة افلتت وثيقة تحكي قصة هذا التزوير للمخطوطات، القى بها احد النساخين الذين حبسوا في احدى قلاع الاديرة، حيث كانوا مكلفين بالنسخ التزويري (بخطوط عربية) للمخطوطات والكتب والمؤلفات العربية، ومن بعد الانتهاء كانوا يصفون جسديا بالسم من دون ان يعرف هؤلاء مسبقا بالطبع ذلك المصير المأساوي ايضا، وتمكن احد المثقفين السوريين (وليد الحجار) المقيم في اسبانيا من الحصول مصادفة على تلك الوثيقة، وضمنها روايته (رحلة النيلوفر أو آخر الأمويين).
{ نص الرسالة:
(اعلم يا اخي اني عبد مأمور لا حول له ولا قوة، واني ما عدت الى طليطلة من فاس الا بأمر من "الملك فيليب" أحمل له كتبا من خزانة السلطان. إن القادر الذي لا يعجزه شيء، قد شاء ان ينكشف أمر صاحبي وخليلي، فأذاقه فيليب من السم الفاتك، الذي اتينا به من "فاس" حسب طلبه، واني لا محالة هالك بالسم نفسه عاجلا أو آجلا، ولن اترك حرا طليقا لأذيع (خبر النساخ المائة والخمسين) الذين انا منهم نعمل ليلا ونهارا في اعادة كتابة ما لدينا من "مخطوطات عربية" ولعل السلطان، ادام الله عزه، هو الذي امر بالقضاء علينا، بعد ما علمنا ما أجراه النساخ من تعديل في "مخطوطات كتاب العبر" الذي حملناه معنا من خزائنه، والذي لا يحمل في الاصل كلمة "بربر" في عنوانه.
اعلم يا اخي ان هذه شهادتي قبل أن اموت، واني اقسم بالله العظيم، القوي، الكريم، اني رأيت النساخ "الموريسكاس" يعيدون كتابة "كتاب العبر" وغيره، فيبدلون كل ذكر لكلمة "اعرابي" بكلمة "عربي" في كتاب "ابن خلدون"، ويضيفون فصولا بكاملها في "مدح البربر" حسب مشيئة السلطان، و"بذم العرب" حسب ما بنفوس أصحاب الدير، ويحذفون فصولا بكاملها في ذكر "مآثر العرب" مما كتبه "ابن خلدون".
اعلم يا اخي أن "السم" الذي اتينا به من "فاس" سيستر الحقيقة الى الابد عن اهل الدنيا قاطبة، واعلم ان هذه الورقة هي شهادتي امام ربي يوم الحشر، وان هذا الفهرس الذي ادفن شهادتي فيه انما هو واحد من "اربعة فهارس" ضمنتها اسماء ما جرى التعديل والتبديل عليه من كتب، وان "جميع ما يظن المسلمون انها اصول محفوظة في خزائنهم، انما هي نسخ زورت بخط مماثل لخط وتواقيع اصحابها"، وانا ومن معي من "الموريسكاس" الاسبان، انا الذي اكتم اسلامي وعروبتي، قد ساعدت في هذا العمل الكريه اسوة بمن حولي من مسلمين غلبوا على امرهم نعمل سويا مع "مولدين يهود" وجميعنا في خدمة "الاسكوريال والملك فيليب الثالث المأفون" الذي قرر طردنا جميعا من الاندلس.
ربي اجعل لي من لدنك قوة تخرج هذا الفهرس من هذا الدير، سأقذف به من الفتحة هذه على ان يبقى سليما حتى اصل اليه او ينقذه احد من المؤمنين، ربي هذه شهادتي يوم الدين، والآن اشهد ان لا إله الا الله وان محمدا عبده ووليه ورسوله).
عندما نطق السراة: تزوير الأعراق والسلالات
فوزية رشيد
العدد 11370 - الاحد 10 مايو 2009
{ رغم انقطاع أسبوعين من الكتابة حول سلسلة (عندما نطق السراة) بسبب إلحاحية بعض الموضوعات، فإن أهمية الأبحاث والأفكار التي تطرقت إليها هذه السلسلة، تجعلنا نشعر بالالتزام أبدا تجاه القارئ لنقل بعض خلاصاتها، بعيدا عن مسرى الكثير من الأحداث السياسية الراهنة، لأنها متضمنة في هذه الكتب من حيث صلة الماضي بالحاضر والراهن، التي يستند فيها غياب الدور العربي عن أداء مهماتة الوظيفية الحقيقية تجاهها، بسبب مهم يعود بين أسباب أخرى أقل أهمية، الى (جهل العرب بتاريخهم الحقيقي) وبحضاراتهم السابقة، وبالكيفية التي تم فيها منذ زمن طويل (مسخ الصورة العربية وسرقة وتحريف تراث هذه الأمة) لذلك فإننا نتطرق في هذه الحلقة الى خلاصة مكثفة، لم ننته منها في الحلقة الأخيرة عند التعرض لأفكار كتاب التجديد (مسخ الصورة) التي تناولنا فيها سابقا بايجاز معتاد، أشكال التزوير التي تمت بدءاً (بتزوير حقوق الملكية للمكتشفات العربية) ومن حيث إيضاح أثر العرب في الحضارة الإنسانية بشكل عام، وأثرهم في الحضارة الغربية بشكل خاص، ثم التزوير الغربي للمكتشفات العربية، بدافع الإضرار بهذه الأمة، وأوجزنا كيف تم التلاعب بالكتب التراثية العربية، ومنها التلاعب (بمقدمة ابن خلدون) باعتراف بعض المزورين الذين أسهموا في ذلك التزوير رغم الأثر الكبير الذي تركته (الأندلس) تحت الحكم العربي في أوروبا قاطبة، بل منذ قديم الأزمان.
{ ولقد وصل التزوير الى الأعراق والسلالات، رغم أن "التراث العربي كله لم يحمل أية إشارة الى نزعة عنصرية حملها العرب تجاه الأمم الأخرى، ولم يذكر المؤرخون أن هذه المنطقة شهدت بذرة شعور بالتفوق والتميز العرقي لشعب هذه المنطقة" رغم استحقاق حضاراتهم المهمة لذلك.
يقول "بيير روسي" في تعريفه للحضارة العربية:
"ان الحضارة العربية بطبيعة الأمر شاملة، فقد ولدت في حيز مترامي الأطراف، من بلاد الرافدين الى مصر وشمال افريقيا، بل الى آسيا الصغرى حتى اندونيسيا".
ويقول "د.أحمد داود":
"يجمع علماء التاريخ والجغرافيا الأقدمون أن جزيرة العرب، أو بلاد العرب، كانت تشمل كل الرقعة الممتدة من البحر الأعلى "الأسود" شمالا الى البحر الأدنى "بحر العرب" جنوبا، وقد تمتعت هذه المنطقة بوحدة سكانية ولغوية وحضارية منذ أقدم العصور".
{ إن التزوير الغربي واليهودي للتاريخ العربي يبدو أنه انطلى على الكثير من المثقفين العرب، فغفل هؤلاء عن حقيقة (العمق الحضاري) لهذه الأمة، التي كان من المفترض توحدها وتوقد طاقاتها ومواردها البشرية والمادية لتعود كما كانت دائما منذ الأزمان القديمة، وحيث فكرة القومية العربية كانت موجودة بشكل طبيعي ومعاش منذ الحضارات الأولى في بلاد العرب، التي تم تقسيمها كأنها لا تنتمي الى البلاد العربية أو العرب".
{ ويتطرق كتاب (مسخ الصورة) الى معايير النسب عند العرب الذي لم يكن عشوائيا قط، وإنما تدخل فيه القيم الروحية والأخلاقية المناقبية، التي لابد منها من أجل الاعتزاز بها، وهذا ما حافظ عليه العرب دائما.
ومن خلال الرؤية التي يطرحها الكتاب وسلسلة (عندما نطق السراة) بشكل عام بأن (الانسان العاقل الأول قد خرج من جزيرة العرب، وهذا ما جعلهم ينظرون الى مختلف الشعوب نظرة واحدة من دون تمييز، ونظروا الى الديانات نظرة واحدة لأن انتشارها بدأ من سلسلة "جبال السراة" في شبه الجزيرة العربية) فاننا لذلك نجد أن كل الأفكار والايديولوجيات العنصرية، هي (نظريات غربية) ومقصودة، منذ ظهور نظريات (التفوق العرقي) في أوروبا وخاصة في ألمانيا، فتم تقسيم الشعوب الى (هندو وجرمانية أو هندو أوروبية أو آرية) من دون أن تمت تلك التقسيمات الى العلم أو الواقع بصلة، ومنها مثلا مصطلح (السامية) الذي جاء نسبة إلى (سام) وهو "سام بن نوح" عليه السلام، (أخو حام ويافث). قاموا بشكل تعسفي فصل (يافث) عن أخويه وأبيه، واشتقوا (سلالات مضحكة) لكل ابن من أبناء (نوح) وكأن (الاخوة أقوام مختلفة) كأن كل واحد منهم كان يتكلم لغة لا علاقة لها بلغة الآخر.
{ لقد دفعت هذه النظريات (كما يقول الكتاب أيضا)، التي لم تستند الى أي أساس علمي الكثير من (القبائل الأوروبية المختلفة) الى موضع يرون في أنفسهم شيئا من الرقي ورفعة الشأن.
أخذت هذه العشائر تشعر بأنها (تنتمي الى جنس راق) واكتشفت بين ليلة وضحاها نسبها إليه، فصار (الألمان) يشعرون بالتميز بانتمائهم الى (الجنس الآري) أو الجرماني، بالرغم من أن ألمانيا (لم تتحضر الا في القرنين الأخيرين) بل يذكر الباحثون الغربيون أن "القبائل الجرمانية" كانت حتى القرن الرابع الميلادي تتغذى على لحوم البشر، أي بعد زمان نوح (عليه السلام) تاريخيا بأكثر من ثلاثة آلاف من السنين.
{ لقد تنبه المؤرخون المنصفون في (الغرب) لهذه الحقائق وتنبهوا الى أنها تستهدف (الشرق)، وتنبهوا الى النتائج التي يمكن أن يؤول اليها هذا التزوير، وأطلقوا الصرخات كحال "بيير روسي" في قوله "انها لمرفوضة نظرية عرقية اللغات هذه التي اخترعوها مقسمين العالم تعسفا الى ساميين وآريين وغيرهما، أي الى أعراق لم يستطع أي تحليل علمي أن يثبت وجودها. وإنه لمن الحمق كذلك أن يعطي هؤلاء العلماء أنفسهم، انطلاقا من وثائق لا وجود لها، أو مشكوك فيها، أو لا معنى لها، من الحمق أن يعطوا الحق لأنفسهم، في إعادة الحياة لعصور كاملة مفقودة في ليل الزمان أو التاريخ. إنه ادعاء وابتذال أو أحكام مسبقة من التشهير "ضد الشرق" وإنها روح استعمار أبوي تحاول عرض نفسها، ولهذا بحجة العلم اتجهوا نحو كتابة التاريخ" بل فرضه على شعوب العالم، رغم أن تلك التقسيمات لا تمت الى العلم الموضوعي بصلة والغريب أن العالم يصدقها ويتصرف على أساسها.
{ ومن هذا التقسيم المتعسف بدأ العالم يسمع نعوتا وعنصرية تجاه شعوب العالم، وبينها شعوب الشرق، وظهر مصطلح (السامية) برواج في عصرنا الحاضر، رغم ان العالم لم يسمع به قبل القرن الثامن عشر الأ على يد اليهودي النمساوي (شلوتزر) عام .1781
والتوراة بزياداتها المدسوسة لم تتمدح في السامية، بل إنهم أطلقوا على النبي إبراهيم "الآرامي التائه" لا "السامي".
والهدف الأصلي هو جعل اليهودية (عرقا) لا دينا، وجعلها (سلالة) لأناس ينحدرون من جدّ واحد، وهو (سام بن نوح) وذلك ما لا يقبله عقل أو علم، حيث من المعروف أن (أغلب) اليهود هم من (الخزر) وليس من العرب ولا يمتون إليهم بصلة، مما يزيد من حجم الاستخفاف بالعقل الانساني والكتاب في هذا يشرح الكثير من التفاصيل المهمة.
كما يشرح دوافع التدوير وتداعياته على العالم وعلى العقلية الغربية، وعلى العقلية العربية، ونظرة العرب الخاطئة الى الذات، ويشرح الكتاب في ذلك الأهداف الاستعمارية وراء (تلفيق) مسألة (الأعراق) في العالم، والعلاقة بنشوء الكيان الصهيوني، كما يتطرق الكتاب الى الكثير الكثير من الأفكار المهمة واللامعة، في الجغرافيا والتاريخ ونشوء السلالات، مما يستوجب القراءة لا التخليص، لأنها الأفكار التي تصل الماضي وما حدث فيه بالراهن وما يحدث فيه.
عندما نطق السراة: تفسير مغاير لآيات القرآن حول الإنسان ونشوئه
فوزية رشيد
العدد 11371 - الاثنين 11 مايو 2009
{ في كتاب جمعية التجديد المثير للجدل (الخلق الأول: كما بدأتم تعودون) يدخل القارئ رحلة مغايرة مع (القرآن) وآياته المتعلقة بنشوء الإنسان ومسألة خلق (آدم)، وكيفيته، بعد أن يؤكد في صفحاته الأولى أن هذه الأمة وحضاراتها القديمة سواء من خلال الرسل السابقين الذين نعرفهم أو لا نعرفهم لم تكن مختلفة قط ولا جاهلة حول المفاهيم الأساسية لخلق (آدم الإنسان) وحيث إن هناك كتابا آخر من كتب سلسلة (عندما نطق السراة) ويعتمد أيضا على آيات قرآنية بتفسير مغاير، يشرح ويفصل أن هناك (آدمين: آدم الإنسان الأول المختلف عن البشر الأوائل وآدم الرسول الذي أرخت له الأجزاء الصحيحة في التوراة ثم القرآن).
{ ويشير الكتاب الذي نتعرض له هنا إلى أن مسألة الاختلاف جاءت بعد (التوراة السبعينية الملفقة) حيث نصب الكهنة السبعون، الذين كتبوا التوراة أنفسهم حكما على هذه المسائل وكيفية خلق آدم ونشوء الإنسان، التي خلص كثير من المحققين اليوم إلى أن بعضا منها مسروق ومقتبس ممن سبق التوراتيين بسبب التقارب الزمني وحيث تكشف لهم وجود أقدم لمضامينها في كتابات وألواح ورُقم السومريين العرب والبابليين والسوريين وعرب مصر والجزيرة العربية. والخطأ تم في نسبة شامل هذه المدونات إلى موسى (عليه السلام) وبالتالي إلى الله عز وجل، جعلت ما سمي التوراة كتابا مقدسا، رغم أن (القرآن) الكريم جاهد ليسقط تلك القداسة عما كتبه الأحبار وكُتاب التوراة الذين إما أنهم أخفوا ما لا يوافق هواهم من حقائق الكتاب أو حرفوها: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون" آل عمران: 178، وإما أنهم ألفوا ودسوا غيرها: "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون" البقرة: .79
فالقرآن قد أسقط هذه القدسية المخترعة لمدونة الكهنة، الذين خلطوا كتاب موسى (عليه السلام) الذي لم يسلم من الإضاعة مع أكوام من خليط أهوائهم وأنسوجاتهم.
{ ويشير الكتاب (الخلق الأول) إلى أن التفسير الخاطئ للأسف مضى (تاريخيا) بخلاف التعليمات والتضمينات والتوصيات (القرآنية) فكان أن عطلت تلك القداسة الزائفة مسيرة الفكر في أمر كان محسوما لدى الأوائل وعُدّ من بديهياتهم مثلما عطل الفكر الإسلامي برمته في مثل هذه القضايا، حيث دخل كثير من أهل الكتاب الإسلام ناقلين معهم مفاهيمهم القديمة باعتبارها مقدسة، ثم تم بثها (كحقائق) واستيلاؤها على الفكر والتفسير القرآني، وخاصة بعد تقريب الكثير من أولئك الكتابيين من الكهنة والأحبار إبان (العصور الأولى) ودخولهم في العملية الروائية كمرجعيات تاريخية وإسلامية لحساب أجندات سياسية وصراعات مذهبية، مما جعل من الروايات التوراتية كأنها أساس لتفسير مسألة الخلق الأول وباعتبارها من المسلمات وحيث أول كتاب إسلامي (في قصص الأنبياء) كتبه "وهب بن منبه" الذي كان توراتيا، ولمن تتبع الأسانيد لن يعدم أن يجد (وهب) يقف على رأسها، وان أكبر القصاصين هم (كعب ووهب وتميم الداري) وجميعهم من أهل الكتاب سابقا.
{ بل يضيف البحث في هذا الصدد أن هناك (تواطؤا لا شعوريا ولا معلنا) بين أهل القرآن وأهل التوراة في كثير من القضايا رغم وجود فصال ساخر بين الكتابين (التوراة والقرآن) وعداء ظاهر بين الأمتين.
وهو الوضع المستمر إلى الآن وحيث الاعتقاد لايزال ساريا عن (تشابه زائف وهمي) في النصوص القرآنية الشريفة بعد أن يتم تأويلها تجاه الفهم التوراتي الخرافي المألوف (الذي انداح على النص القرآني بتواتر القصاصين) فظن المسلمون أنهم حققوا قوة الحقيقة القرآنية كونهم قد أخذوا شهادة توثيقه من توراة الكهنة (وهو غير توراة موسى) استنادا إلى فهم قاصر من أولئك المؤولين لقوله تعالى: "وإنه لفي زبر الأولين، أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل" الشعراء: 196، وهؤلاء المسلمون الأوائل من دون أن يعرفوا أو يعرفون قد اتجهوا نحو (منعطف قاتل) حين هم أعطوا (زيف قصص التوراة أو هفواتها) المصداقية والوثاقة، وربطوا مصير (القرآن) الذي لا يأتيه الباطل بآخر مختلط (التوراة السبعينية) ما أنزل الله به من سلطان بعد تشويهه وتحريفه، فأصلحوا بذلك وبتلك الخطوة عمل المفسدين.
{ ولكتاب التجديد حول ذلك الكثير من الشروح والتفاصيل والاستناد إلى الآيات القرآنية نفسها، وإدراك مغزى معانيها وأعماقها، عودة إلى اللغة العربية واللهجات العربية التي استند القرآن إلى بعضها، مما يجعل من (مسألة الخلق ونشوء الإنسان الأول) مسألة تعتمد وجهة نظر (مخالفة) لأغلب إن لم يكن لكل ما اعتمده المفسرون سواء القدماء أو أغلب المحدثين، وحيث (التفسير القرآني) نبع من الكثير من تشوهات التأويل التوراتي المحرف، وهو ما ألح كتاب جمعية التجديد على تناوله وتبيان أسس الخلاف فيه وحوله، وحيث قوله تعالى: "إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون" النمل: .76
وانه مهيمن على الصادق من تلك الكتب فضلا عن غيرها "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم" المائدة: .48
ولكن المسألة انقلبت فصار أهل الكتاب: "هم الذين يقصون على القرآن وأهله" وصار الفكر التوراتي هو المهيمن على تفسير قضايا القرآن وآياته وقضايا العلم والكون.
بل يصل الكتاب إلى ما هو أكثر إثارة حين يقول: "نعم لو تم ربط القرآن بالمدونات السومرية والبابلية والأكادية والمندائية والسورية وحضارة وادي النيل من أرض مصر لكن أجدى لأن تلك حقائق لا مقولات ظنونية، ولأنها أصيلة غير منتحلة، ولأنها تريد تعليم الحقيقة لا ادعائها، ولأنها أخيرا صيغت بعلم وتعليم لا بجهل وافتراض"، ومن هذه المقولة يفند الكتاب سبب قوله هذا، وليجر في فصل الزائف من التفاسير عن الحقيقة، ويجيب عن قصة الخلق والنشوء، ولذلك حديث آخر في مقال الغد.
عندما نطق السراة: القرآن والتفسير ونظام تفكير جديد
فوزية رشيد
العدد 11372 - الثلاثاء 12 مايو 2009
{ يقدم كتاب (الخلق الأول: كما بدأتم تعودون) نظام تفكير جديد للقارئ "تفتح له مساحات واسعة للبحث وتصعقه بحقائق تم تغييبها، وترشقه بنتائج مضادة لما تم برمجة عقله عليه"، ويطالب الكتاب القارئ فقط بالحرية والتجرد والبحث عن الحقيقة بنزاهة، فكل الاسباب يتم استنباطها من (الآيات القرآنية) نفسها بتفسير آخر، يخلو من (التأثير التوراتي التحريفي) في التفسير والتأويل والتشويه، ويعطي للغة القرآنية حقها في الدقة.
ويدرك الباحثون ان رفض ما تبرمج عليه عقل الانسان حول النشوء وخلق الانسان واستبداله بنظام فكري جديد هي مسألة من أصعب المسائل وفي هذا يقول الكتاب: "نحن نوقن ان معلومة مستبدلة واحدة في معادلات تفكيرنا قد تحدث فارقا في نتيجة سلوكنا
وحياتنا، فكيف لو تغيرت المعادلة كلها؟ ما بالك لو تجدد النظام كله؟ بل كيف لو استعيض عن كل موازيننا بموازين القسط؟ هل نحن مقتنعون ان معرفة الحقيقة بحد ذاتها مطلب، لانها اللبنة الصحيحة في أساس بنائنا ومعمارنا الثقافي وفي تشكيل وعينا لحقيقة وجودنا من أجل فهم من نحن وما دورنا في الكون كخلق متميز؟".
{ ويؤكد الكتاب في كل تفاصيله المعروضة على القارئ انه يتحقق من كثير من مسلمات التراث الاعتقادي، وما اندس فيها على غفلة من عدونا، وهي الخفايا التي تعمل عمليا كركائز في لا شعورنا لصياغة فلسفتنا عن الحياة والموت، وتشكل اعتقادنا عن الله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو عالمي الروح والمادة، عن أصلنا وسر وجودنا وما نحن منتهون اليه.
- ويؤكد البحث ان القرآن فيه كل شيء، مع انه كان ولايزال لا يُكشف لنا منه شيء، بل يتم تسويق التفاسير الواهية فقط، وليصبح التفسير كأنه أعلى وفوق القرآن. وليبرهن البحث أن (النظام المعرفي الموروث) وآلية قراءة القرآن وطرائق تفعيله، هي القاصرة.
ــ ويطرح البحث قيمة ارتكازه على معرفة اللغة العربية وأصولها وجذورها، وأن هذه اللغة العربية قديمة قدم الانسان الاول، وان لهجات شعوب هذه المنطقة كلها ثروة صحيحة، وخزائن فهم للتراث القيم كله، ولعلوم مبادئ الحضارات وتاريخها ولفهم القرآن الكريم أيضا.
- وفي كل ذلك يطرح البحث أفكاره واستنتاجاته وهو يعي ان الكثير مما يصدر ويترجم ويقدم في مناهج التعليم والاعلام على انه علم وحقائق عن تاريخ هذه المنطقة والعالم كثيره خاطئ ويحتوي التدليس.
- ويستند البحث إلى معرفته بأن لغة التوراة في أساسها لهجة عربية قديمة (بائدة) وما من شيء اسمه (اللغة العبرية) بل هو أمر مخترع والكتاب يدخل القارئ في رحلة لغوية بهذا الخصوص ليكتشف بنفسه زيف ما أضيف في التوراة أو لفق وزور.
- ويؤمن بالشرح والتوثيق ان (عقيدة التوحيد) وجدت في هذه المنطقة منذ آدم الانسان، ما يشعر انسان هذه المنطقة لو استوعب ذلك، بالتواصل التاريخي واحترام الآباء والمعلمين الاوائل، وهو ما تم تقديمه للقارئ في كتاب حول (عقيدة التوحيد) سابقا.
- والكتاب كغيره من كتب التجديد يؤكد اشراك القارئ معه في اكتشاف مآثر ومدونات شعوب حضارات هذه الامة من بابليين (سريان) ومصريين وفينيقيين (أموريين) تثبت انهم كلهم كانوا (عربا) والتوحيد والاخلاق سمتهم الغالبة حتى ان سوّق اليهود والغرب عكس ذلك، فأقنعوا شعوب هذه المنطقة (بوثنية) آبائهم وتعدد آلهتهم وفسادهم وتفاهة معارفهم وبلادتهم وبداوتهم، وما أبشعها من جريمة وافتراء!
- كما يشرك الكتاب القارئ (وصولا الى حقيقة الانسان وخلقه ونشوئه ليلاحظ بنفسه (تواصل) التراث الديني والعلمي والحضاري لهذه المنطقة الذي يبدأ من آدم (عليه السلام) وينتهي بالنبي محمد (عليه الصلاة والسلام)، مسيرة (تبدأ) من الجنة سكنا وتنتهي بها (عقبى)، وركبا يبدأ من الصحف الاولى وينتهي بالقرآن العظيم، فيتعلم كيف يقرأ القارئ تلك المدونات و(زبر الاولين) كالاساطير، وبأي عقل وروح واحترام، وبأي أدوات يفهمها).
- ولا يكتفي الكتاب بذلك، بل انه يجعل القارئ يرى مصافحة بين (قرآنه وتراثه) من جهة، ومصالحة مع (حقائق العلم) من جهة أخرى، فلا يعيش الانسان العربي والمسلم (انفصاما معرفيا) بين علم ودين، كما يريد الغرب حتى لشعوبه وللعالم كله، وليشرك البحث في هذا المضمار القارئ في معرفة مدى (جمال قرآنه وسحر بيانه، ودقة نظامه، وروعة مخبوء معارفه)، فيعرف ربه أكثر ويعرف نفسه ودينه بشكل أفضل.
- يضع الكتاب - البحث على عاتقه، كبقية كتب جمعية التجديد، تعليم القارئ كيف يبحث، وكيف يسأل، وكيف يحتج، وكيف يتحرر من سطوة من سطا على فكره ونظامه واعتقاده وطرائق تحليله، وصادر شعوره ومواقفه ومنهجها وبرمجها، واستغفله دهرا ممارسا (التفكير عنه). وان يتعلم بالاهم كيف ينهل من المصدر نفسه بلا وسائط وحجاب، فيقرأ ذاتيا كتاب ربه بنفسه.
- وفي البحث يتمكن القارئ أول مرة من فهم (أساطير الاولين) من آبائه وأسلافه، ويفرق بينها وبين الخرافات، ويرى فيها ارتباطا وثيقا مع لهجته العربية من جهة والتقاء مع مقولات مصادر اعتقاده المقدسة، فيستشعر انتماء لأمته غير محدود.
- ويأخذ الكتاب القارئ معه ليرى بالدليل الباهر، بحسب تعبير البحث، عظمة هذه الامة الخالدة، وانها أمة الانسان وأمة دينه وعلمه منذ أن وجد هذا الانسان، بها بدأ الله وبها يختم.
- ويرتقي البحث بالقارئ ليعرف من خلال تفاصيله مقدار (الزيف المهول) الذي سطا في هذا العالم، ليختبر (وعيا كونيا آخر) يختبره بنفسه اذا انعتق، إلى فسح (بضم الفاء) ليس فيها مساحة للزيف أو الترهات، ولا للحروب، ولا للقداسات المخترعة المهترئة ولا للخصومات المذهبية وبين ملة وملة، ولا ما بين ديني وعلمي، وديني وقومي، وديني وانساني، وعالمي وقومي ووطني، فالعالم كله أخذ من اللسان العربي القديم، والملل كلها مدعوة إلى دين واحد هو للعالمين، والشعوب تفرقت من هذه المنطقة في أكثرها، والعالم ولادة دحو هذه البقعة في البدء، والانسانية هي رسالته.
{ هي إذًا جميعها مسائل صعبة، يبحر فيها البحث، ليقرأ كتاب نشوء الانسان الاول وكيفية خلقه، الذي سنحاول ايجازه في المقال القادم في الغد، وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: الحقيقة الضائعة في خلق البشر
فوزية رشيد
العدد 11373 - الاربعاء 13 مايو 2009
*{ لانزال مع كتاب (الخلق الأول: كما بدأتم تعودون) الذي في إطار البحث عن الاسئلة الصعبة ينبه القارئ إلى أن البحث ليس موجهاً ضد ملل التوحيد وتعاليمها وأتباعها النزيهين، وإنما كنقد لمعطيات نشاز في (توراة الكهنة) المليئة بالتحريف والتزوير، لا توراة موسى (عليه السلام)، وحيث الاستناد في التفسير القرآني إلى الكثير من معطياتها حول خلق الانسان ونشوئه، بعيداً عن النظام اللغوي الدقيق للقرآن، أورث إما خللا فكريا في عقل الانسان عموماً وعقل المؤمن خصوصاً، وإما خللا علميا واضطهادا للوعي كما دلت عليه أحقاب القرون الوسطى لكل من خرج عن (الفهم التوراتي للكون) ولاتزال آثار هذا الاضطهاد باقية بنحو أو بآخر في الاديان، وهو الأسوأ بين ما أفرزه بعض أفكار التوراة، ووعودها، وتحريفاتها ورؤاها، وهذا بطبيعة الحال لا يعني أنه ليس ثمة (يهود) أحراز يناهضون الصهيونية أو لا يقرون التزوير أو الاسقاط التوراتي لنهب الشعوب واحتلال أراضيها.
الحقيقة الضائعة في خلق البشر:
في البحث حول الحقيقة الضائعة هذه يدخل الكتاب في رحلة كبيرة في القرآن الكريم وفي توراة الكهنة ليوضح اخطاءها وفي مدونات التراث العربي القديمة (الحضارات الأولى في هذه المنطقة) وفي المكتشفات العلمية. يرتحل فيها معاً، بالمقارنة وبالتوثيق وبالتفسير اللغوي وباصطياد الحقيقة من كل تلك المصادر، ليكشف للقارئ الكثير من الحقائق، وليوصله بمحطات زمنية طويلة وليستنطق المصادر في شأن الخلق وصولاً الى استنتاجات من القرآن نفسه، تبدو صاعقة لوعي من لم يعتد مثل هذا الارتحال، وحيث اللغة القرآنية تفصح عنها.
{ موجز الحقيقة بعد كل ذلك الارتحال وكما يقول كتاب (الخلق الأول)، وكما يقصها القرآن والتراث الديني العربي القديم كله، ان (الانسان الكائن العاقل المتطور) انبثق قبل عشرات الآلاف من السنين فقط (بين 35 الى 50 ألف سنة، باتفاق علماء الآثار والاحاثات) لكنه لم ينشأ هكذا من (تراب) أو من الفراغ، كما حشت التوراة ذلك في عقول المتدينين، ومنهم المسلمون للأسف، وتخلى عن ذلك العلماء التجريبيون والمكتشفون المتحررون، لانكشاف نقيضه لديهم باليقين العلمي القاطع، بأن الانسان جاء من قمة سلالة بشرية بدائية تطورت بدورها عبر مئات الآلاف من السنين (بالتقريب بين مليون الى سبعة ملايين سنة حسب تقديرات علماء الآثار) فآدم هو أول كائن إنساني، ومنه نسلت الانسانية المليارية هذه.
ويضيف الكتاب في تمهيده:
أما كيف خلق اول كائن بشري (فليس هناك كائن بشري أول) بل (مجموعة كائنات بشرية) لم تصل الى مراتب الانسانية نشأت بتدبير القوة الربانية (من طين الأرض وعناصرها) في تلك الفترة الزمنية التي حددها علماء الآثار (وفي هذا تفصيل كثير) وفي اجواء مر بها كوكب الارض من ضغط وحرارة ومغناطيسية وكيمياء (لم تمر به ولن تمر)، والكتاب يفصل في هذا أيضاً، لتأتي هذه الكائنات البشرية المنبثة من الأرض رجالاً ونساء، تزاوجت في مراحل اخرى وانجبت السلالة البشرية التي تطورت عبر مئات الآلاف من السنين فلم يتطور الكائن البشري من (قرد) أو من كائنات أدنى كما يقول (داروين) بل بدأت الكائنات جميعها (متمايزة بأنواعها) منذ البداية وبجيناتها الخاصة بها ونمت في حاضنات (بيوض طينية) بدلاً من الارحام حتى اكتملت، وحيث للأرحام مرحلة اخرى لاحقة وخرجت الى الدنيا لتبدأ بعدها حقبة التزاوج.
وحيث ما بين (آدم الانسان وآدم الرسول) رحلة زمنية طويلة، يشرحها البحث في هذا الكتاب وفي كتاب آخر سنعلق عليه لاحقاً، وهو كتاب (بين آدمين: آدم الانسان وآدم الرسول).
يشير البحث بتركيز إلى ان القرآن قد ميز بوضوح بين مصطلح (البشر والانسان) وان تكوين الخليفة (الانسان) من أولئك البشر الهمج السابقين الذين تطوروا سلاليا عبر عشرات ومئات الآلاف من السنين. (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) الانسان: 1، (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين) المؤمنون:12، (إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) النجم:32، يعلن فيها القرآن هنا بوضوح وفي كثير من آيات أخرى، ان هناك نشأة للبشر من الأرض وهي (الانبات) ثم نشأة أخرى مغايرة في بطن الأم. وهذه (النشأة الاخرى) البادئة بالنطفة هي التي سوف يفصل فيها سبحانه وتعالى عبر القرآن الكريم: (هو الذي خلقكم من تراب "ثم" من نطفة "ثم" من علقة "ثم" يخرجكم طفلا) غافر: .67 فهنا ذكر النشأتين: الأولى: الانبات من التراب والاخرى: التي في بطون الامهات.
(الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين) فالبداية كانت من الطين (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) السجدة: .8 أي جاءت بعدها مرحلة التكاثر الزوجي ويطرح البحث الكثير من التفاصيل المتعلقة بتلك الآيات القرآنية، وبتراث الحضارة القديمة وتوراة الكهنة، ويعالج المسألة القرآنية تحديداً ليصل معها الى منعطفات جديدة في التفسير بحاجة حتماً الى قراءة الكتاب نفسه، حيث الموجز فيه اخلال بالبحث وبالحقيقة وبالتفاصيل وبالتفسير وبالاستنتاج وما يستند إليه، وحيث المعالجة معالجة لنشوء الانسان بعد خلقه، ومراحل تطور ذلك النشوء والخلق، وحيث الاستناد الى آيات قرآنية كثيرة اخرى (والله أنبتكم من الأرض نباتا) نوح: 17 هي من الآيات الدالة والحاسمة في اطار وجهة نظر البحث وتفسيره المغاير، وهو ما يخالف التصور التوراتي التحريفي تماماً الذي يحكي عن التمثال من الطين والمرأة من الضلع الى آخره.
وحيث رحلة الانسان ما بين النشوء (اكتساب الحياة) وما بين ان يكون (متطورا، راقيا، مفكرا) هي رحلة طويلة (عالجها القرآن وأخطأها التفسير المتداول في كثيره) حين فسروا حسب زعم كهنة التوراة بأن (الانسان الأول) جُبل من تراب وترك زماناً حتى يجف ثم صار الشيطان يدخل من أنفه ويخرج من دبره، ويرفسه برجله، فهذه حتماً صورة مزرية جاءت بداية (عن الكهنة التوراتيين) وتلقفها البعض لتدل على (فهم بدائي ومنظور جامد) وهو ما لم يأت به القرآن أصلاً، ولا التراث العربي في حضاراته القديمة وحيث كما قال البحث في البداية عن تواصلهما، وحيث الحضارات القديمة جاءت مع الانسان الأول المفكر من خلال الرسل المعروفين وغير المعروفين.
ولأن البحث ابحار عميق في اللجة الدينية والتراثية والعلمية فهو تحديداً ما يحتاج الى الالمام به عبر قراءته كاملاً وحيث كل فكرة فيه تحتاج إلى مقال كامل وهو ما لا ندعي الاستطاعة فيه.
وللحديث صلة أخيرة في هذا الكتاب.
عندما نطق السراة: كيف خلق الإنسان؟
فوزية رشيد
العدد 11374 - الخميس 14 مايو 2009
{ في استكمال أخير لكتاب "الخلق الأول: كما بدأتم تعودون" ينوه البحث بأن التراث يؤكد أن خلق الإنسان تم بتدخل قوى علوية، وهذا هو البون الشاسع بين "الصدفة العمياء وبين القصد والإرادة الإلهية"، فلدى السومريين "إن الكائن الذي نطقت باسمه موجود، أربطي عليه صورة الأرباب، عيني سماته، إنه الإنسان" في حوار بين "انكى" و"القوة المدبرة أو سيدة الأحياء" وحيث النص واضح ان الكائن البشري البهائمي موجود قبل الإنسان وصاروا "شجرة أي نسلا" هم الصفوف البشرية الأولى التي ظلت تفقس في بدء الخلق من "بيوض الأرض" فما خرج غيرهم بعدها تماما كما الكائنات الأخرى، كل من بذرته.
{ ثم عدل ربط جينات هذا الكائن (سلسلة الـ م dna بحسب التعبير المعاصر) بالتدخل في عملية صفها، بصف معدل جديد وتركيزة جديدة لتحويل نطفته إلى "مخلقة" إنسانيا، وهي صفة علمية حديثة، كما أن معنى "المخلقة وغير المخلقة" أتت على ذكره آية من سورة الحج في وصف "المضغة" وكما أنبأ تعالى عن تلك القوى الخلاقة وصف "الجينوم الإنساني" الذي أثبت العلم حديثا أنها "مغايرة عن جينات بشر (النياندرتال) البهائمي غير المخلقة" الذي انتهى عصره قبل 30 ألف سنة. "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا" الإنسان: 2، وهناك آيات أخرى عديدة دالة.
وأكملت مدارك الإنسان الأول "آدم وحواء" وعقله، بالتأكيد على جينات العقل "ليكون عقله فوق الغريزة" لا خاضعا لها كالبشر الهمج، بعد أن زود بكينونة أخرى فوق العقل هي هبة "الروح" لتكون وسيلة اتصاله بمبدئه حيث الملأ الأعلى و"المندائيون" يؤكدون أن آدم كان قبلا مخلوقا ماديا محضا، حتى إن احضرت فيه الروح وأودعت صار كاملا.
{ ثم تم افراد آدم لحواء فقط وحواء لآدم وحسب، تدشينا لشريعة الأسرة الواحدة وقدسيتها بوجود الأب (وهي تدعى في التراث شريعة إيل/الله) لينسلا نسلا إنسانيا "غير همجي" وليزيل عمليا على مستوى الكائن الإنساني الإلهي نظام الطبيعة الغرائزي السائد قبلها، نظام الإخصاب والإباحة "شريعة عشتار" ولتتحول "عشتار" مع النظام الجديد "لتلبس ثوب الطهارة" ولتخدم نظام الحكمة والأسرة.
{ وهنا وحيث الإرث الحضاري القديم جدا يلتقي في مغزى وعيه القرآن، وينحرف تماما في مساره المعرفي الثابت والموغل في القدم عن النص التوراتي في ذات الوقت الذي يقول "وجُبل الرب الإله آدم ترابا في الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية"، فكيف جبل آدم من تراب كما يجبل التمثال وبالتالي نفخ فيه فصار نفسا حية؟ وهذا نقيض "التراث الصحيح" عبر "نوح" وقبل نوح "وقد خلقكم أطوارا" أي أنه طور بعد طور مختلف، فالكائن البشري مر بمرحلة تطور وليس مرة واحدة بأنه جبل كالتمثال ثم نفخ فيه، وأثبته القرآن عبر "هود" "هو أنشأكم من الأرض" هود: 61، وعبر موسى نفسه الذي استرسل القرآن على لسانه: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم" طه: .55
فأثبت أن "المخلوق الترابي" هو الجنس البشري لا "آدم" وحده، وخرجوا أولا "كالنبات" أنفسا حية، لا كالتمثال الأجوف، فضلا عن أن "النفس" لا يختص بها الإنسان وحده، بل إن كل الكائنات الحية ذات نفس، وفارق "بين النفس والروح" وهو ما أكده القرآن والتراث الصحيح لولا "مشاغبة" توراة الكهنة، والروح هي التي صيرت آدم ناطقا، أي "مفكرا ومبدعا لا حيا فقط" وفي الحديث القدسي يخاطب عز وجل آدم "يا آدم بروحي نطقت" وليس "حييت".
{ وفي الجزء الصحيح "غير المحرف" مثلا من التوراة نقرأ: "وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها، بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها، وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا.. فخلق الله الإنسان على صورته ذكرا وأنثى خلقهم".
وهو الجزء الذي على خلاف خلق الإنسان كتمثال يثبت:
1- "إنبات" أجناس الكائنات الحية من الأرض، كما يصل البحث من خلال كل مصادره الأخرى.
2- خروج كل جنس كجنسه، أو بالمعنى المعاصر متميزا "بشفرته الجينية" فلا شيء من المخلوقات يتحول إلى شيء آخر أو جنس آخر، وهو ما أثبته العلم أيضا، وعليه فالقرد لا يتحول إلى إنسان كما في "نظرية داروين" الافتراضية.
3- البشر آخر المخلوقات والعلم أيضا أثبت ذلك، وبين القرآن أنه سبحانه ما أشهد الناس خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، ذلك لأنهم آخر النشوءات، ولأن الجنس الإنساني التالي وبدايته آدم الذي نفخ الله فيه من روحه لم يعاصر البزوغ البشري البدئي من الطين الذي تم إنباته منه وهو الجنس البشري الهمجي، الذي سبق خلق آدم الذي كان "يقتل ويسفك الدماء" بحسب الآية القرآنية على لسان الملائكة.
والخطأ في التفاسير هو الخلط بين البشر الأول وبين الإنسان الأول الذي خلق على صورة الرب ليكون خليفة الله على الأرض، وهو الذي سيأتي بعد أحقاب من نشوء البشر، وبعد مئات الآلاف من السنين من وجودهم، والجنس البشري السابق كل تلك الأحقاب الطويلة هو الجنس الهمجي الذي تطرقت أيضا "التوراة" نفسها إليه وإلى وجوده "الإنسان الهمجي" وسمته جبارا وعصيا.
{ ولأن البحث يتوسع في كل المصادر والنصوص والحقائق العلمية وليس النظريات العلمية التي لم ترتق إلى الحقائق، فإنه يدخل في سرد تاريخي شائق لخلق الإنسان ونشوئه بناء على كل ذلك ويسرد القصة ويفرق بين البشر والإنسان في كل تلك المصادر بما فيها "إنجيل عيسى" ويؤكد أن خلق حواء من ضلع آدم هو فكرة توراتية محرفة، تم إسقاطها على الوعي الإنساني جزافا.
آيات قرآنية كثيرة أخرى يستند إليها البحث ورحلة في التاريخ والجغرافيا والأديان والحضارات وحقائق العلم، تجتمع معا في هذا الكتاب الذي قد يكون إشكاليا بالنسبة إلى البعض، وموضحا للكثير من الإشكاليات للبعض الآخر، ولكنه حتما يحتاج إلى قراءة متأنية لأنها فيها جهد كبير يستحق ذلك وما تناولناه لا يتعدى الشيء البسيط.
عندما نطق السراة: طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام
فوزية رشيد
العدد 11377 - الاحد 17 مايو 2009
* في هذا الكتاب (طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام) يضيف البحث الشيء الكثير معرفيا حول طوفان نوح، كيف حدث ومتى؟ وهو من الكتب المهمة لجمعية التجديد وسلسلة "عندما نطق السراة" يرتحل بدوره وكعادة كل البحوث والكتب الأخرى في رحلة تاريخية ميثولوجية ودينية ولغوية وجغرافية وعلمية ليستنطق الجغرافيا حقيقة ما حدث، وإن كان الطوفان عالميا أم مقتصرا على رقعة جغرافية بعينها. ويفند حقيقة الحدث بعيدا عن التأثير (التوراتي) الذي من الواضح انه أسس لمعلومات وفرضيات كثيرة خاطئة فترسخت في الوعي العالمي والوعي الإسلامي، باعتبارها (معرفة دينية صحيحة) والدين منها براء.
{ "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف..." النمل: .69 يوضح الكتاب في مقدمته (ان هذا النداء الإلهي تكرر اثني عشرة مرة في الكتاب الخاتم (القرآن) ليحثنا على السير في الأرض، لا بمعنى المشي عليها والتجوال فيها لطلب البينات والدلائل الجيولوجية والأثرية فحسب، بل أيضا بمعنى السياحة في الأحداث التاريخية وقراءتها بهدف دراستها وتحليلها وفهمها، ولننظر كيف.
السير في الأرض بمعنى التعرف على نواميس الكون وقوانينه لتفادي التصادم معها، ومن أجل استخدامها وتحويل تيارها لخدمتنا.
السير في الأرض بمعنى قراءة الماضي لفهم الحاضر والتأسيس للمستقبل، لعلمنا أن "ليس من فوضى في الكون" بل كلها سنن فاعلة ونواميس ثابتة ومحاولة الإفلات منها فاشلة بل ميئوس من نتائجها "ولن تجد لسنة الله تبديلا" الأحزاب: .62
نقرأ في تراث الآباء "لإعادة قراءة تاريخ الإنسانية منذ بدايته"، نقرؤه لنصل إلى جذورنا الضاربة في عمق التاريخ ولكي نسهم في استمرار الشعلة التي حملها الأولون لتحريك الطاقات المتجددة في إنسانية الإنسان، نقرؤه لنمحصه ولننظر كيف).
{ إن الوعي الإنساني مطالب بمعرفة الحقيقة حتى لو اختبأت تحت ركام الباطل والوهم أو الكذب والتزوير من خلال كتابة التاريخ وفق تصورات خاصة، وأهواء أدت إلى تحريفه وتزييف حقائقه ونشر تفاسير خاطئة تحت وطأة التأثير التوراتي، لذلك فإن الكتاب يغربل التاريخ المكتوب بخصوص الموضوع الذي يتناوله ويقول البحث في ذلك:
(في قراءة لحادثة طوفان نوح (عليه السلام) من التراث ذهلنا لما توصلنا إليه من نتائج تتعارض مع أكثر ما قيل بشأنه من عالميته وكيفية حدوثه وأسبابه ومنافاة كل ذلك للشواهد الآثارية والأدلة العلمية والمنطقية ورغم ذلك فقد وجدنا أن الكثير من علماء اليهود والمسيحيين والمسلمين فضلا عن عامة الناس اعتقدوا بعالمية الطوفان)، والأساس لتلك المعرفة التاريخية وهيمنتها على الوعي الإنساني هو مجددا التزوير الذي طال حادثة الطوفان في مدونات التوراة أو تراجمها وتفاسيرها حيث استغلت حادثة طوفان نوح (عليه السلام) والإضافة التي تفردت بها مدونات التوراة من قبل اليهود ليسوغوا لأنفسهم ارتكاب المحظورات واستعباد الآخرين والاستيلاء على ممتلكاتهم، وذلك باتهام الأنبياء (عليه السلام) بارتكابها أو بادعاء بأنها بإيعاز منهم، فاتهموا نوحا (عليه السلام) بالسكر والتعري، ولعن كنعان ومباركة سام، ثم أرجعوا نسبهم إلى سام بن نوح وجعلوه حكرا عليهم بغرض التأسيس للنظرية السامية والتمييز بين الشعوب والأمم على أساس سلالي عرقي عنصري بغيض، وكل ذلك تم من خلال نظرية عالمية الطوفان حتى يكون من نجا من العالم فقط هو نوح وأبناؤه الذين تم تصنيفهم كأنهم قبائل مختلفة وليس أشقاء من دم واحد (راجع أيضا المقالات السابقة).
{ من هذا المنطلق منطلق (دحض نظرية عالمية الطوفان) بالآثار والوثائق والخرائط والقراءة العلمية والميثولوجية، والقرآنية التي تم الخلط في تفسيرها لتتوافق مع رؤية عالمية الطوفان، رغم أن الآيات القرآنية في إطار التفسير الجديد بدقتها اللغوية ومعانيها لم تقل بعالمية الطوفان إنما تفسير القرآن قال ذلك، وهنا الخلل ما بين النص والتفسير، لذلك جاء نسف النظرية من جذورها قائما على إثبات أن الطوفان لم يهلك البشرية كلها، وبالتالي فالسلالات الناجية لم تقتصر على أبناء نوح (عليه السلام) فقط، وليؤكد البحث رفض فكرة تمييز الناس على أسس عرقية بسبب التواطؤ والتزوير التوراتي مع بث معلومات تاريخية بعينها وهو التزوير الذي يتنافى بدوره مع حقيقة (كلكم لآدم).
إن خدعة النظرية السامية المنبثة من تزوير حادثة طوفان نوح قبل أي شيء هي التي تدعو الوعي العالمي إلى اكتشاف حجم هيمنة الإسرائيليات على فهمه مثلما تدعو المسلمين إلى معرفة حجم تلك الهيمنة على فهمهم للقرآن الكريم، وبالتالي فإن البحث في هذا الكتاب يدعو إلى الرجوع إلى القرآن كمرجع أولي للمعرفة وقراءته قراءة ثانية بعيدة عن الاسقاطات التوراتية في التفسير، وعلى أساس تحكيم النظام القرآني الدقيق وحده وتطبيق قواعده ولغته والمقارنة بينه وبين المصادر الأخرى من تراث الأمة من الحضارات القديمة في بلاد الرافدين وبلاد وادي النيل وسوريا، وتأكيد وحدة هذا التراث في محاولة جادة لغربلته وتنقيته هو الآخر مما علق به من تزوير مدروس وموروثات مشوشة وأحكام مسبقة وتفاسير خاطئة.
{ والسؤال هنا هو: هل غمر الطوفان الكرة الأرضية وأفنى البشرية كلها فلم يُبق إلا نوحا وزوجته وأبناءه الثلاثة ونساءهم؟
وهذا السؤال يقود إلى أسئلة أخرى: أين حدث الطوفان إذاً؟ وكيف حدث؟ وما هي أسبابه؟
وهي أسئلة مهمة يجيب عنها البحث جميعها، وخاصة أن هذا الحدث العظيم شغل علماء الدين والعلماء والمفكرين من أهل الكتاب والمسلمين على مدى قرون طويلة.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: الجزيرة العربية مركز الطوفان
فوزية رشيد
العدد 11378 - الاثنين 18 مايو 2009
* إنها دعوة ومن خلال قراءة (حادثة طوفان نوح) إلى دراسات لاحقة أكثر شمولية واتساعا (لغربلة) التراث العربي وحضاراته القديمة، من كل ما تم تحميله به من أفهام وتفاسير وعقائد (باطلة) نظرا لوجود (الاسرائيليات) التي اخترقت كل هذا التراث العربي، وأثرت من خلال ذلك الاختراق في فهم التاريخ وتفسير أحداثه بل في فهم وتفسير (القرآن) نفسه.
* لذلك جاء البحث مستندا في قراءته للطوفان إلى التراث العربي المتصل ببعضه، والمتمثل في الأسطورة خاصة تلك التي يراها علماء الآثار اليوم على أنها (تاريخ موثقا، وبقراءة جديدة.
كما يعتمد البحث على مدونات التوراة وتوضيح الزيف الذي فيها، وعلى القرآن الكريم بتفسير الآيات المتعلقة بالطوفان تفسيرا جديدا، قائما على الفهم الدقيق للغة القرآنية، ومعاني كلماتها، وقراءة اللغة العربية في إطارها اللغوي الصحيح، وحيث المكتبة الاسلامية تفتقد أمثال هذه الدراسة، رغم وجود الكثير من الدراسات والمؤلفات التي تعقد المقارنة بين (حادثة الطوفان) في المراجع المسمارية كالسومرية والبابلية وبين حادثة الطوفان في (التوراة)، فإن هذه الدراسات تغفل أو تستبعد (القرآن الكريم) كمرجع من المراجع التي تناولت الحادثة، رغم انه أهم الكتب السماوية التي ذكرت الحادثة، ويعتمد البحث على الوثائق العلمية والخرائط الجغرافية وغيرها.
* يوضح الكتاب أن هذا الحدث - الأسطورة - ليس من صنع البشر، بل من الطبيعة والسماء، وكان ينظر إليه كحدث عالمي، لكثرة انتشاره، وإن بتفاصيل مختلفة يقترب بعضها كثيرا من الحادثة الحقيقية التي حدثت قبل زهاء خمسة آلاف عام، كما في أساطير (السومريين والبابليين) ويبتعد بعضها الآخر عن تلك التفاصيل بحيث يطغى الخيال على الحقيقة، كما في أساطير (الاغريق والهنود)، ولكن مما لا شك فيه أن معظم الحضارات القديمة قد اشتملت على قصة طوفان عظيم، امتاز بطل هذا الطوفان في أكثرها بأنه إنسان صالح، أو رمز يعبّر عن منقذ يعلم مسبقا أن طوفانا سيأتي، وعليه أن يستعد هو ومن معه بوسيلة نجاة تضمن خلاصهم. فمثلا نقرأ قصة طوفان في الملحمة الشعرية الهندية (مها بهراتا) بطلها يسمى (ريشي مانو) أي النبي، ويعتقد (الاستراليون) أن جزيرة (سيلان) أصبحت أصغر مما كانت في الماضي، لأن جزءا كبيرا من الجزيرة ابتلعه الطوفان وهذا صحيح جغرافيا بسبب ارتفاع منسوب مياه البحار نتيجة لذوبان الجليد الذي تعرضت له الأرض مع نهاية العصر الجليدي.
وتقول (أسطورة بورمية) ان الحدأة فتحت ثغرا في جمجمة السرطان فغضب وانتفخت البحار والانهار حتى السماء فوقع الطوفان.
* كذلك وُجدت قصص الطوفان في أساطير سكان جزيرة (غينيا الجديدة) وفي (وسط وشمال أمريكا)، وعن الطوفان تتحدث أساطير (الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية)، وأساطير (الايرلنديين)، ولم تخل الأساطير الاغريقية من ذكر لأكثر من طوفان، أما أقربها شبها بطوفان نوح (عليه الصلاة والسلام) ما ذكرته الأساطير (السومرية والبابلية) لقربها من الجزيرة العربية (مركز الطوفان) الذي منه بُثت علوم الأولين وانتشرت، وهنا تبدأ قصة البحث الحقيقية، حيث يتناول تفاصيل هذه الحادثة التاريخية العظيمة، التي تركت بصماتها على ذاكرة الشعوب وتناقلتها جيلا بعد جيل، فأصبحت (آية للعالمين)، وبقيت حية في الاذهان، وفي ثقافة الشعوب المختلفة، رغم الاختلاف في التفاصيل، التي تبتعد عن الحقيقة كلما ابتعدت عن (المركز أو الجزيرة العربية) موقع حدوث الطوفان.
* إن الكثير من الأساطير، يتم التعامل معها اليوم من خلال علماء الآثار باعتبارها (وثائق تاريخية) تؤرخ للأحداث الكبيرة، ولطرائق معيشة الناس في أزمانها التاريخية، ولكن اختلطت الأساطير (التوثيقية التاريخية) مع أساطير شعوب أخرى تنتمي إلى الخرافة لا إلى الحقيقة. ومن هنا فان الاساطير التي تتوافق مع الحفريات التي كشفت عن تأريخ تلك الاساطير لأحداث المنطقة، يتم اعتمادها من خلال البحث، وحيث تتوافق في كثير منها أيضا مع الرواية القرآنية، ولكن بقراءة لغوية أكثر دقة وصحة وبارجاع لغة الاساطير العربية التاريخية الى اللغة العربية القديمة (السومرية) وقراءتها على هذا الأساس.
* هناك وحدة في التراث العربي (حضاراته القديمة والقرآن)، ويسترسل البحث في هذا قبل تناول حادثة الطوفان، (وهو ما يجب قراءته من الكتاب تحديدا، لأهمية التفاصيل الكثيرة فيه) ونعفي مقالنا هنا عن تناولها لأنها كثيرة ومتشعبة، خاصة أنه تتم المقارنة بين ما تحتويه وبين ما يجيء في القرآن ولاسيما بشأن (الحقائق الكونية العميقة) وحيث الحصيلة المعرفية فيها متقاربة كثيرا، إن لم تكن واحدة، ما بين ذلك التراث القديم، الذي تم اكتشافه مؤخرا، وما بين القرآن الذي تم تنزيله، وألواح ومدونات الأساطير القديمة تلك كانت مقبورة تحت التراب، مما يدل على (وحدة المعرفة الكونية القديمة والمعرفة القرآنية) ووحدة المصدر، وحيث القرآن الكريم يذكر كلمة الأساطير في تسع آيات كريمات كلها على لسان المكذبين بآيات الله أو البعث (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين) المطففين:13، ولهذا شروح خاصة.
وحول ذلك يطرح كتاب (طوفان نوح) تصورات كثيرة، وشروحا مختلفة لها علاقة بالتصورات الدينية والاعتقادية الصحيحة سواء في الاساطير التوثيقية بدقة رؤاها وتفاصيلها أو في القرآن، على عكس ما يعتقد البعض بغير ذلك، وحيث البحث يوضح (لغويا وتاريخيا) ما من تشابه ومن اختلاف بينهما (وهنا ننصح القارئ بالعودة إلى الكتاب نفسه لأن التفاصيل هي الأهم).
* من طوفان نوح الذي حدث في الجزيرة العربية، إلى اختراع الأصول والسلالات، يقدم الكتاب نظريته الجديدة، ويبحر بالقارئ في بحور المعرفة الانسانية القديمة والعقائدية والدينية والتراثية، ويقدم الصور والتوثيق بالخرائط الجغرافية، ويدرس ما فيها من المتشابهات وما فيها من الاختلافات مع الآيات القرآنية المتعلقة بالطوفان، ليصل إلى أن منطقة حدوثها كان في (الجزيرة العربية) تحديدا، وحيث الجزيرة العربية هي موطن آدم الأول، أهبط إليها وسكن فيها هو وذريته، وبالتالي فهي موطن الأنبياء جميعهم (عليهم الصلاة والسلام) ومهد الحضارات، وخزان الشعوب الذي خرجت منه إلى العراق شرقا، وبلاد الشام شمالا، ومصر غربا، ومن هناك انتقلت الى مناطق العالم المختلفة. ولكن كيف حدث الطوفان في الجزيرة العربية ومتى؟ هو ما سنحاول إيجازه في وقفة أخيرة مع هذا الكتاب المهم والمثير للجدل.
عندما نطق السُراة: الجزيرة العربية مركز الطوفان (2-2)
فوزية رشيد
العدد 11379 - الثلاثاء 19 مايو 2009
* بعد ان يستعرض كتاب (طوفان نوح بين الحقيقة والاوهام) حادثة الطوفان في الاساطير، وحيث اقربها الى الشبه والدقة هي الاساطير السومرية، وتحديدا تلك التي في النص السومري (اسطورة زيوسترا) حيث النص الاصلي للحادثة، ثم اضيفت الى ألواح (ملحمة جلجامش البابلية) كما احتوت (اسطورة انزاحاسس) على تفاصيل الحادثة. بعد هذا الاستعراض المدقق لتلك الاساطير وغيرها، التي كما قلنا في وقفة سابقة، فانها الاساطير التي يتم النظر إليها اليوم، من أكثر علماء الاثار، باعتبارها نصوصا تاريخية توثيقية للحوادث الكبرى، الى جانب تأريخ كل الحوادث الاخرى بما فيها تفاصيل الحياة في تلك المرحلة الزمنية السحيقة من حياة الانسان، فان البحث يتعرض أيضا الى الطوفان في سفر التكوين، وفي القرآن الكريم، وليوضح أوجه الشبه وأوجه الاختلاف، وحيث (المصدر القرآني) هو المصدر الاكثر دقة في صياغة الحادثة وأسباب الطوفان، وحول ذلك تفاصيل، بالرغم من أن كل المصادر تتشابه تقريبا في تأكيدها الاسباب الاخلاقية وانتشار الشرور والفساد، وحيث يصل البحث الى ان المنذرين من قوم نوح (عليه الصلاة والسلام) هم الذين اغرِقوا "وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين" (يونس: 73).
"انهم كانوا قوما عمين" (الاعراف: 64).
"ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون"
"وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية" (الفرقان: 37).
وغيرها من الايات التي تؤكد وتبين ان المغرقين هم من قوم نوح (عليه الصلاة والسلام) فقط، مثلما هناك آيات توضح ان الناجين من الطوفان في منطقة الحدث هم نوح (عليه الصلاة والسلام) ومن معه في الفلك.
وبالتالي فليس في أي من المصادر ما يثبت ان اهل الارض اغرقوا، وفي هذا يتطرق البحث الى تفاصيل كثيرة ومختلفة ويعقد مقارنة بالخرائط ووثائق علمية اخرى، بينها بعض التراجم حول المساحة التي شملها الطوفان، الى جانب التدقيق اللغوي فالباحث (صامويل كريمر) يعبّر عن الحادثة (اكتسح الطوفان البلاد) في ترجمته لألواح سومر، فيما في ترجمة اخرى لنفس النص نقرأ: (وانداحت سيول الطوفان فوق وجه الأرض) والمترجم هنا "سميل فاشا" في كتابه (التوراة البابلية) وتعبير ترجمته يوهم القارئ بأن المقصود من وجه الارض هو (الكرة الارضية بأكملها) مما يجعلنا نفترض ان الذين عاشوا الحدث، كانوا يمتلكون تقنيات ووسائل اعلام أكثر تطورا مما نمتلك اليوم مثلا، ليعلموا ويروا وينشروا ما اصاب كوكب الارض، وفي هذا يتعرض البحث ايضا لتفاصيل اخرى متعددة، ولكن (الدلائل القرآنية) وغيرها من المصادر العلمية تؤكد ان الطوفان كان محدودا وفي الجزيرة العربية (المنطقة العربية كنقطة ارتحال لاحقة للمهاجرين الى الاماكن الاخرى وانتشارهم في اجزاء كثيرة في العالم)، وحيث عشائر الكنعانيين (الحاميّة: من حام) في ارض "غامد" من شبه الجزيرة العربية (أحمد داود: العرب والساميون والعبرانيون وبنو اسرائيل واليهود)، وكما جاء في تاريخ (الطبري) (ان بني سام كانوا في "ساتيدما" في غرب الجزيرة العربية، على عكس ما تم ترويجه من تلفيق تأريخي لاحق باعتبار (ارمينيا أو تركيا) أو غيرهما منطقة تكاثر الجنس البشري، فالحقيقة ان (الساميين كما الحاميين واليافثيين: سام وحام ويافث، كلهم عرب، وموطنهم الاول كان الجزيرة العربية، وفيها افسد قوم نوح (عليه الصلاة والسلام) وفيها استحقوا العقاب ولذلك اسباب وحكاية.
* وفي تفصيل هذا الكلام هناك العديد من التحليل والمقارنات والدخول في اللغة القديمة، باعتبارها لغة الاساطير والتوراة والانجيل، وليضاف اليها العربية (المتداخلة) في القرآن، وحيث يتم توضيح انماط الفساد التي عليها جاءهم العقاب من تلك المصادر كلها معا.
ويستعرض البحث أكثر من خمسين آية تؤكد بصورة مباشرة أو غير مباشرة ان دعوة نوح (عليه الصلاة والسلام) (لم تكن عالمية) كرسالة النبي الاكرم (محمد)، وقوم نوح كانوا محليين، والمكان الذي حدث فيه الطوفان كان بقعة جغرافية محدودة (الجزيرة العربية)، والذين اهلكوا هم مرتكبو الخطايا والظالمون والفجار من قومه، الى جانب استعراض ايات قرآنية اخرى بخصوص الناجين، (وتقديم تفسير مغاير لها عما تمّ تداوله) استنادا الى حقيقة اللغة العربية ذاتها ومعانيها، التي كما يشرح البحث استعصت على اغلب المفسرين رغم دقتها ووضوحها "أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا" (مريم:58)، وحيث هي واحدة من الايات الاخرى التي اثار البحث حولها تفاصيل جديدة ومختلفة (للاستزادة ننصح بمراجعة الكتاب).
* ويستعرض الكتاب مراجع عديدة ومصادر مختلفة وحيث يتعاون التاريخ والجغرافيا والمصادر الدينية لرسم الصورة الحقيقية للحدث. وحيث (جبال السراة) في الجزيرة العربية تسمّى أيضا (جبال شندا) وجبال (لبان) وجبال (الصنوبر)، وهي الاسماء التي حملتها العشائر العربية معها الى البلدان المحيطة الاخرى من المنطقة العربية، فوقع الكثير من الخلط والاشتباه في الاماكن سواء في الترجمة أو في التفسير لمناطق الجغرافيا القديمة. وهنا أيضا يبرز البحث التفاصيل المتعلقة بذلك، ليوضح معها مكان الطوفان الحقيقي في الجزيرة العربية، وليوضح انه فيها عاش نوح (عليه الصلاة والسلام) وقومه، وكل الانبياء الاخرين، وحول ذلك تفاصيل اكثر اتساعا ايضا في كتاب آخر لجمعية التجديد هو (اختطاف جغرافيا الانبياء).
* ويرى العديد من الباحثين ان الموقع الذي استقرت عليه السفينة بعد الطوفان وهو ايضا من المسائل المختلف عليها بين الباحثين القدماء الاخذين رواية (التوراة) وبين المؤرخين والباحثين المتأخرين، أنه جبل في الجزيرة العربية، وليس (جبل أرارات) في تركيا كما تم التسويق (انظر المصدر للتفاصيل المختلفة حول ذلك).
* قوم (نوح) كانوا يقطنون غرب الجزيرة العربية لأن خلفاءهم (عادا وثمود) كانوا - كما يذكر المؤرخون - باليمن والحجاز فعاد بالاحقاف وهي رمال اليمن، وثمود بالحجر وهي شمال الحجاز، ولوط قرب مدين (اقصى شمال الحجاز) وكما تؤكد الايات ذلك: "كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد، وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب" (ص: 12 - 13)، فهذه الاقوام (الاحزاب) من بعد قوم نوح مشهور أنها في غرب الجزيرة العربية، وفي قوله تعالى: "ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى" (الاحقاف: 27) شاهد قرآني آخر على ان قوم نوح كانوا يسكنون (حول مكة) حيث الخطاب في هذه الايات موجه لقوم محمد (صلى الله عليه وسلم) ويسبقه تذكير بما جرى على (قوم عاد) الذين جُعلوا خلفاء لقوم نوح، ما يعني ان القرى التي اهلكت كانت حول مكة، أي غرب الجزيرة العربية.
* يستعرض البحث بعد ذلك الطبيعة الجيولوجية لمنطقة غرب الجزيرة العربية ومركز الطوفان وحيث الدراسات الجغرافية والتاريخية القديمة والحديثة (تتلاقى) مع ما تمّ سرده في الاساطير التاريخية القديمة وفي الآيات القرآنية، وحيث يوجد اليوم خزان ضخم من المياه الجوفية، لعله أكبر خزان مائي احفوري في العالم، والمياه الاحفورية تكونت من بضعة آلاف من السنين، التي تنحو نحو سبب تكونها انه الطوفان العظيم بجزيرة العرب، حيث ابتلعت أرض الجزيرة مياه الطوفان. وقد اظهرت اجهزة الرادار المركبة على متن مكوك الفضاء (كولومبيا) وجود مجرى لنهر قديم عملاق يخترق شبه الجزيرة العربية من الغرب الى الشرق، وحيث أكد (فاروق الباز) مدير وكالة (ناسا للفضاء) وجود كميات هائلة من المياه الجوفية في مسار هذا النهر القديم الذي كان يجري بالمياه قبل 5000 عام وأكثر.
* ويأتي البحث بمكتشفات علمية وجغرافية أخرى تؤكد ان الطوفان كان بالجزيرة العربية، وهو ما يحتاج مرة اخرى الى قراءة كل تلك التفاصيل ليتساءل بعدها البحث: (كيف التبس الامر على دارسي الاساطير، ومدوّني التوراة ومفسّري القرآن، وظن معظمهم ان الطوفان كان عالميا، وانه كان في العراق بدءا، وان السفينة رست على جبل "نصير" في العراق، أو جبال "أرارات" في تركيا؟) وليدحض البحث ذلك الالتباس في كل تلك المصادر من المترجمين أو المفسرين، يستعرض حقائق لغوية وجغرافية وتاريخية أخرى، ويقارنها باللغة العربية القديمة ولغة القرآن ليصل الى نتيجته النهائية حول مكان الطوفان الذي لم يكن الا في الجزيرة العربية، وحول ذلك فان القارئ - إذا اراد - بحاجة الى الاطلاع على التفاصيل من المصدر نفسه، فالحكاية الجديدة فيها الكثير من التشويق أيضا.
عندما نطق السُراة: "آدم" عصى وحده ولا علاقة لحوّاء بمعصيته
فوزية رشيد
العدد 11380 - الاربعاء 20 مايو 2009
* من بين كل كتب جمعية التجديد، فإن كتاب (وعصى آدم: الحقيقة من دون قناع) قد يكون الأكثر إثارة للجدل، لأنه تحديداً يتعلق برواسب تفسيرية كثيرة ترسخت في العقل الانساني وشكلت الوعي العالمي منذ فترة طويلة، على الرغم من أن الحقيقة القرآنية ذاتها لم تكن مصدر تلك الرواسب، التي جاء انتشارها بسبب التحريف التوراتي، و(إسقاط ذلك التحريف على التفسير القرآني) ليتم تداول الخطأ باعتباره عقيدة راسخة حول آدم وحواء، اللذين شكلا من دون ذنب منهما مأساة العقل طوال قرون ممتدة، وحيث كانت المعصية لآدم وحده، ولم تكن حسب التفسير الرائج، فيما (حواء) ظُلمت ظلما فادحا بسبب خطأ التفاسير.
* (هذا الكتاب بحث جديد، وربما مفاجئ جدا، بكل معنى الكلمة، ومخالف للمألوف والرائج والموروث في كل مفاصله وتفصيلاته، مخالف للسائد من الأفكار في المنهج وفي كل نتائجه) هكذا يقدم البحث نفسه، وهكذا يؤكد بعدها انه (يستل الحقيقة من القرآن نفسه بعد استنطاقه بالشكل الصحيح) ودراسة نظامه اللغوي، وايجاد صلة الوصل بين ذلك النظام ونظام اللغة العربية (قديمها وحديثها) وحيث من خلال ذلك الاستنطاق يعيد إلى الوعي الإسلامي والوعي الانساني بشكل عام، الكثير من منطقه الأصيل، ويعيد إلى الآيات القرآنية المتعلقة بـ "آدم" و"شجرة العصيان" مغزاها الحقيقي، ووضوحها ودقتها، بعيداً عن الالتباسات والتشويهات التفسيرية الأخرى والاسقاطات التوراتية الزائدة.
* ويجيب الكتاب ونحن نستعرض أولاً عناوينه الرئيسية والفرعية عن (أسئلة جدلية) تبدأ بالأسباب الداعية إلى البحث، وتشير إلى مأساة العقل، حيث الحقيقة محاصرة في عالم الزيف والتحريف.
* في فصله الأول يتطرّق إلى موجز قصة (الانسان الأول) ما بين اختصام الملأ الأعلى وسقوط إبليس وسقطة آدم، وتفسير الآيات القرآنية المتعلقة بذلك.
* وفي فصله الثاني يأخذ القارئ معه إلى (تحليل عام) لقصة الانسان الأول في القرآن (القصص القرآني وتمهيد المنهج) ليوضح القواعد التي تُضل عن الحقيقة القرآنية، وليتطرق إلى العقائد والقواعد، وأهمية الانصات لكتاب الله واستلهام قواعده فيه وحده، وليبيّن انعكاس المنهج على فهم مفردات قصة آدم، وتوضيح (الضمائر) في القرآن، باعتبارها خصيصة منهجية.
ثم يستكمل (القصص القرآني، وتمهيد المعالجة) حيث يستعرض فيه الاختصام الأول والعداوة الأولى، وماهية (الشجرة) إن كانت شجرة نبات أم شجرة سُلالة، ولماذا كان الاقتراب من تلك الشجرة/ السُلالة هو المعصية ذاتها، وقصة الشجرة الحية القادمة من (التوراة المحرّفة) وحيث لا مكان لها في القرآن الكريم.
بعدها يتطرق الكتاب إلى قصة (الاهباطين: الأول والثاني) ليختتم بها الفصل.
* في الفصل الثالث من البحث يدخل بالقارئ أكثر فأكثر نحو العمق البحثي، وهو يوضح العلامات التفصيلية في الخريطة القرآنية (للخطيئة الأولى) التي تم اللغو فيها كثيراً بعيداً عن الحقيقة القرآنية، وليبين أن البرنامج الأدق قد (وُوري) وأن بالوعي وحده يتم تقريب المسافات للفهم الصحيح، وتتكشف الأبعاد في الخطة الإلهية بخلق خليفة في الأرض، وكيف كانت تلك المعصية المغايرة لما تم تداوله أساساً للإفساد وتخريب تلك الخطة، ويقدم البحث في ذلك قراءة جديدة حول المدة ما بين خروج آدم وخروج حواء، وحول (الملائكة الأرضيين) وإن كانت حواء هي تابع لآدم، وكيف تم نسيان الغاية من الخلق للإنسان، وتلويث المناعة الانسانية، وما هو التصوير الثلاثي لأحداث المعصية ومفرداتها، وما معنى المفردات القرآنية المتعلقة بتلك المعصية (دلاهما، السوآت، الذوق والأكل من الشجرة، نزع اللباس، الخصف من ورق الجنة) وليتساءل البحث بإجابات عميقة عن (زلّة حواء) ما هي؟ وسرّ شقاء "آدم" وحده، ليصل بعد ذلك البحث إلى تبيان (وهم القداسة في إطار القراءات المقلوبة) مثل قداسة العصمة، والاستخلاف، والشجرة المحرّمة ما معناها؟ وشجرة الخلد ومُلك لا يبلى.. ماذا تعني؟ وما هي الكلمات التي تلقاها آدم بعد المعصية؟ وما هي الجغرافيا القرآنية لجنة آدم؟ وكيف كان هبوط إبليس من الجنة؟ وكيف كان خروج آدم وهبوطه؟ ولتأتي الاجابات من ملخص تعريفات المفاهيم والكلمات التي تم الاستناد إليها.
* في فصله الرابع، يتناول البحث ما هو أكثر ابحاراً في الوعي القرآني والديني، إذ يتناول (الانسان الأول وبرنامج الشهادة) في جانب (إشهاد الربوبية) بتفاصيل حول (وعي الألوهة) ومتى تمت البرمجة الإلهية في الانسان وكيف؟ وما هو معنى الأخذ من الظهر؟ وما هي الذرية؟ وكيف أخذ الرّب الذرية؟
ثم ينحو البحث بعدها إلى (نبأ الذي انسلخ من الآيات) حيث القصّ، والنبأ والتلاوة، وحيث ايتاؤه الآيات وانسلاخه منها.
* في فصله الخامس نبحر مع البحث في رؤيته القرآنية والعلمية حول الجنس الآدمي تكونا وانتشارا: من هو آدم؟ وكيف جاءت ذريته؟ موضحاً عن بني آدم واللباس والريش والمعنى الأدق، وعن أبناء آدم في التراث والمروي، وعن المخلق وغير المخلق، وما بين القرآن والعلم في ذلك.
* بعدها وفي الفصل السادس نتعرف على (شواهد المعصية الأولى في أساطير الأولين) لينبهنا البحث إلى مزالق التراجم الاستشراقية وأسطورة (عندما رسم الآلهة المدنية) وأسطورة (أوزيريس وسيت وحورس) في بلاد النيل، وكيف شوّه المترجمون الأساطير وتراث التوحيد فيها، ثم يأخذنا البحث إلى أساطير (أوروبا) لدى الاغريق والكلتيين.
* وفي فصله الأخير يتعرض البحث لـ (الفهم التوراتي وأثره في الفكر والتراث وتفسير القرآن) وحيث نشأ الفكر التقليدي الذي يحاول اليوم الفكر التجديدي كشف عثراته في الوعي الديني العام والوعي الإسلامي بشكل خاص، وحيث الحكاية (التوراتية) قد أنتجت تداعياتها الخطيرة على الوعي الانساني بشكل عام، وكيف تمّ تأثر هذا الوعي بعناصر الحكاية التوراتية والحطّ من المرأة، مثلما التأثر (بخرافة الضلع) أي أن حواء من ضلع آدم، ليكتمل التأثر بخرافة شجرة الحياة والحيّة، على الرغم من أن (الحقيقة التراثية) قد ضيعها الكهنة، وأوجدوا للعالم كله (وعيا دينيا) زائفا حول آدم وحواء، وحول المعصية.
في (مقال الغد) وبعد هذه الوقفة الضرورية مع عناوين البحث، نقدم موجزات خاطفة لأهم أفكار تلك العناوين.
عندما نطق السراة: هل "حواء" أخرجت "آدم" من الجنة أم هو الذي أخرجها؟
فوزية رشيد
العدد 11381 - الخميس 21 مايو 2009
* العناوين التي استعرضناها في مقال الأمس بخصوص معصية آدم وما سيتضح لاحقا من براءة حواء من تلك المعصية، وحقيقة خلافة الانسان في الارض ضمن خطة إلهية، تم إفسادها بتلك المعصية، التي قامت على أساس (التزاوج): تزاوج آدم من شجرة أو (سلالة الهمج) الذين كانوا مازالوا موجودين، قبل وجود آدم الانسان بعد نفخ الروح فيه، (وليس على أساس الاقتراب والأكل من شجرة نباتية)، نقول ان تلك العناوين وتشعباتها، هي رحلة البحث الأساسية في كتاب (وعصى آدم: الحقيقة من دون قناع) وهي الرحلة التي تحمل قراءات علمية وأسطورية وجغرافية ولغوية وتحليلات وتفاسير قرآنية مخالفة للإسقاطات التوراتية على القرآن وتفسيره، مما يحتاج الى إعمال الوعي والادراك، وتخطي الراسخ من المفاهيم التي لايزال يتم تداولها في كل العالم.
* نبدأ بملخص الكتاب وخاتمته لتقريب صورة البحث ونتائجه:
(قبل مئات الآلاف من السنين، وبعد أن تهيأ كوكب الأرض، عبر مئات وعشرات الملايين من السنين لاستقبال الحياة النباتية ثم الحيوانية، حان دور خروج آخر كائن حيواني معقد وهو البشر، وهو غير الانسان العاقل الذي نفخ الله فيه من روحه، فخرجت بداياتهم كما خرجت بدايات كل دابة، متميزة بنفسها لا تطورا عن قرود، كما تقول نظرية "داروين"، بل خرجوا كما قال القرآن وأكدته الأساطير القديمة، التي هي بمثابة التأريخ للكون والانسان، وكما أثبته العلم. تكونت شفراتها الجينية في الماء، واستمر نموها واغتذاؤها في حاضنات "الطين اللازب" جانب المستنقعات النهرية، فخرج (البشر الأوائل) رجالا ونساء "بالغين"، وظل هذا الخروج والنسل الأرضي يتوالى، حتى جاءت "حقبة التناسل من الذكر والأنثى" في زمن كانت فيه السلالة البشرية قد بلغت مستوى محسنا يسعفها على هذه النقلة، هكذا صار البشر كأنهم يتخلقون من أنفسهم من ذكرهم وأنثاهم "يتوالدون" كما كل الحيوانات، فانتقل الخلق النشأة "من نشأة الأرض الى نشأة الأرحام".
* ظل هذا الوجود البشري يتطور شيئا فشيئا باعتباره أرقى كائن حيواني وأذكاها وأكثرها قابلية، لكنه مع ذلك يستحيل عليه أن يطور له حضارة أو وعيا أو دينا أو لغة لأن جوهر الابداع وهو "الروح" يخلو منه، بل هو كائن أسير الغريزة مهما اشتد ذكاؤه وحيلته، ولا يستطيع أن يرى غير عالمه الذي هو فيه ويأسره الى أن جاءت لحظة "التدخل الرباني" في هذه السيرورة الطبيعية الممتدة لملايين السنين، فجاءت "طفرة بزوغ الوجود الانساني" لتخلق من الكائن البشري "غير الواعي" كائنا آخر واعيا حر المشيئة، ليتأهل ليصبح الخليفة الواعي المدبر للكوكب في الأرض). وهي المسألة التي لايزال العلم حيران في كيفية بزوغ تلك الطفرة (بسبب الرؤية المادية البحتة).
* تسلل كائنان بشريان من الهمج غير الواعي داخل مغاور جبال السروات في الجزيرة العربية مهد الانسان الأول (جنة آدم تحت أقدام السراة: من كتب التجديد)، ويسر لهما دخول الجنة المحروسة بالملائكة "فرادى" الذكر منهما دخل قبل الأنثى، في زمن (كان بداية تحول فلكي كوني له ارتباط بدورة الشمس في المجرة)، جو موبوء من حيث الأشعة الضارة ومن حيث المناخ القاسي متوافقا مع آخر عصر جليدي، الذي بدأ ليهلك في طريقه هذا الجنس البشري الهمجي السابق المنتشر (وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) الأنعام: .133الجنس البشري "الهمجي" سيبيد بعضه بعضا، وتبيده الكواسر والوحوش ومكابدة الظروف، ضمن خطة إلهية تنفذها الطبيعة والقوى الربانية لاستبداله بالانسان "الخليفة" بذريته الانسانية كما ينقى الزراع بيدره ويستنبت أجود فسائله، هذا العصر الذي بدأ قبل أكثر من (50000 سنة تقريبا) خمسين ألف سنة، وبدأ عمل "تخليق" الانسان وتسويته وصف جيناته، بلغة هذا العصر، ولعله وضع في حالة سبات.
* بعده بمدة دخلت الأنثى الجنة، أو سهلت الملائكة لدخولها، فبدأت مرحلة إعادة تخليقها وتحسينها وتعديل جيناتها بنفس الطين والتركيبة الجينية (وليس من ضلع) وجرى عليها ما جرى عليه تماما من طينته ومن شفرته ونفسه (من نفس واحدة) وكانت إبادة الظروف القاسية للهمج قائمة خارجا.
في اليوم الرباني، لتقدير المصائر، "يوم القدر" هبط الروح الأعظم، ونفخ في الكائنين المستويين من روحه بكيفية لا يعرفها العقل الانساني فولدت أول مرة (بدايات الانسانية بولادة كائنين: آدم وحواء كأطفال في هذا العالم).
* نوديت الجنود الروحانية من الملائكة المسئولة عن الأرض للانتظام في مشروع إعداد هذا الكائن الجديد "ولي العهد" واحتضانه والقيام بمعونته وتعهده وتعليمه (وهو المسمى بالسجود لآدم) فأبى إبليس مع قبيله، فطرد إبليس من الجنة بعد رفضه الخضوع والاذعان التام لهذا التخطيط (السجود) أي قبل أكثر من 42000 سنة (اثنين وأربعين ألف سنة) على أقل تقدير.
* ظل آدم وحواء في الجنة مئات السنين يتعلمان فيها سمات الأشياء (أسرارها) بصحبة الأبرار من الملائكة، في جو روحاني، غافلين عما يمكن أن يصدر عنهما من شرور راجعة لطبيعة النفس وقواها المادية الكامنة.
كان ينبغي لآدم أن يظل كامنا في الجنة حتى (إبادة سلالة شجرة الهمج) خارجا، ليبدأ مهامه بعد تأهله وبعد زوالهم مع تغير الأجواء الكونية، ولم يكن في المخطط المعهود لآدم أن يخرج آدم، ولا أن يصنع له ذرية بعد، بل الذرية ساكنة (غير مفعلة) في عالم آخر مجهول (سماه التراث: عالم الأصلاب، عالم الذر، عالم الأظلة) بما سشبه الأجنة المجمدة، لتقريب الفكرة ماديا، فقال تعالى (لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) مريم: 94،95، بمعنى أحصاهم في الماضي وعدهم.
* بعد مدة أغرى إبليس المطرود الذي حسد آدم على مقامه، بعض بقايا الهمج بالصعود والاقتراب من جنة آدم، ولاسيما أنثى منهم، بايحاءات نفسية.
(خرج آدم إليها) بعد نزاع وتسويل، ووقع في الفخ وعاشر مستغفلا تلك الهمجية، أو قارب (شجرة) البشر الهمج المراد له أن ينقرض، والمنهي أن يقربه بالتزاوج منه ليكون "شجرة الخلد" التي له، أي (سلالة إنسانية من نسله)، فارتكب المعصية التي نهاه الله عنها، وأدم بتلك المعصية الكينونة/ النفسية الهمجية، (بانتاج ذرية تحمل الأنسنة والهمجية معا) فأضر نفسه وذريته بايقاع الخلل في (برنامجه الجيني والروحي) بحسب لغة العصر، وتسبب بالخروج لنفسه بعد ذلك، ولحواء معه لاحقا، لمكابدة الظرف الموبوء كونيا، هذا عدا أنه فقد درعه الروحية (اللباس) الذي عليه أن يكابد لاسترجاعه في حياته الأرضية، أو استرجاع بعض منه.
* ربما يكون من المفترض عدم خروج آدم من "جنته" حتى الألف السادس عشر قبل الميلاد على الأقل (16000 سنة قبل الميلاد)، العلم عند الله، إذ عندها كان سيبدأ انحسار العصر الجليدي، وبداية عصر الدفء الكوكبي، ولولا أن (آدم) قد (أدام وجود العرق الهمجي في قالب إنساني) لكان الهمج قد أبيدوا تماما تقريبا، ولاسيما من المنطقة، وبعوامل كثيرة، لكن (آدم) خرج (بطوعه بخداع إبليس) وارتكب معصيته، فعاقبه الرب (باهباطه) عن الجنة، ثم بعد فترة أهبطت له (حواء/ إغاثة الله) لتنقل له بشائر قبول توبته، ليقوما بنسل (الذرية الانسانية) المعافاة ثم في مرحلة لاحقة أهبطت القوى الربانية إناثا بشريات أخريات مخلقات إنسيا ليتم التزاوج بهن من أبناء آدم الشرعيين، (وللآيات القرآنية الكثير من التفصيل في ذلك) وللحكاية أيضا تتمة في المقال القادم.
(ملحوظة للقارئ: سرد هذه الرؤية التفسيرية لم ترد في الكتاب هكذا طبعا، وإنما مصحوبة بالكثير من الشروح والتحليلات القرآنية والتوراتية واللغوية والأسطورية والتاريخية والجغرافية ناهيك عن المكتشفات الأثرية والشروح العلمية وهو كمما قلنا ما يجعل من قراءة الكتاب نفسه، لمن يهتم شيئا أساسيا بالطبع).
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: آدم وحواء وقراءة مختلفة لقصة المعصية
فوزية رشيد
العدد 11384 - الاحد 24 مايو 2009
إن "بني آدم" هم (جنسان): جنس من أب إنسان وأم إنسان (آدم وحواء)، وجنس من أب إنسان وأم بشرية همجية، (منعه آدم مرة) وفعله الكثيرون من بعده.
* ظلت (الانسانية الآدمية الصافية) تتكاثر بنسب بسيطة، وتنتشر حسب المتاح لها ضمن شريط حيوي صالح للحياة بين مدار الجدي ومدار السرطان، وبالكاد تحافظ على وجودها لآلاف كثيرة من السنين،بحيث كانت زهيدة العدد، لعدم مواءمة الظروف، وهي الفترة المنسية من التاريخ التي سماها تعالى (كان الناس أمة واحدة) البقرة: .213 في الوقت الذي انتشر فيه (العرق الانساني الآخر الحامل للهمجية، وهو العرق الذي انتشر شرقا وغرباً ليشارك بذكائه وقابلياته الجديدة في (إبادة وانقراض بقايا البشر الهمج الخالصين) الذين لا يتطورون، فاكتسح الأرض وانتشر، وراح في محاولاته ليصنع دينه وأصوات لغته واكتشافاته وأدواته.
* مع بدء انحسار العصر الجليدي بدأ يكون (للإنسان الخالص) وجود فعلي وانتشار حضاري، للذين صمدوا منهم، رافق ذلك بعثات الرسل لتعليم الناس (بني آدم جميعا) المنتشرين شرقا وغرباً، تعليمهم الاجتماع الحسن والاستخلاف ودين التوحيد واللغة الفطرية (يدعو البحث لمراجعة "اللسان العربي بُعد فطري وارتباط كوني" وهو من كتب التجديد الذي سيصدر قريبا) كما جادت بعثات الرسل لتعليمهم الأخلاق، وإزالة مظاهر الهمجية منهم، لاسيما مع مجيء (آدم الرسول) قبل (نوح) بعدة آلاف من السنين، وآدم الرسول غير آدم الانسان الأول، والفترة الزمنية بينهما طويلة. وفي ذلك بحث آخر لجمعية التجديد (بين آدمين: آدم الرسول وآدم الانسان) وآدم الرسول المعلم العالمي، الذي (تماهى في ذاكرة النسّابين) مع آدم الانسان الأول، هو (الخطأ التفسيري الآخر) المهم بعد خطأ تفسير معصية آدم الانسان، والذي لم يتم التدقيق في اللغة القرآنية بشأنه واكتشاف الفوارق بين الـ (آدمين)، حسب التفسير الجديد.
* مع بعثات الرسل الأوائل حتى (آدم الرسول)، قام الانسان ينتقل في سهول الأرض ليعمّرها شرقاً وغرباً انطلاقاً من (سُراة الجزيرة العربية) ليهذّب الانسان الآخر السائد (الهمجي والهجين) حيث لم يكن (البحر الأحمر والخليج العربي آنذاك سوى وديان خصيبة تجري فيها الأنهار) ويستعرض البحث في ذلك بعض الصور الأثرية القديمة لخرائط أثرية، تبين أيضاً أن (بحر الشمال) كان أرضا جليدية تعبره الأنهار قبل خمسة وعشرين ألف سنة.
* ومن تلك الهجرات الأولى بدأت القرى وبدأت التجمعات تتشكل، وصارت الأمة الواحدة أمماً، تزامن مع تفرّعها بعثات الرسل بشرائعهم الاجتماعية والتعاليم، وراحت الشعوب تتناقل في ذاكرتها الأولى وتراثها أحداث القصة الأولى (رمزاً وأسطورة ومحكيات وتعاليم) لترسم عنصر وجودهم، وما يُرجى منهم من (تطهّر من همجية دخيلة عليهم ويفعّلوا الروح الذي ووري برنامجه وتم تقديم برنامج النفس الغريزية عليه) ولأن الجنس الانساني، لم يعد مجدياً منذ آنذاك (التفريق فيه) بين من يرجع إلى (حواء الانسانة أو حواء الهمجية التي عصى آدم باقترابه من شجرة سلالتها) ولم يعد ذلك أيضاً مهماً أو بالاستطاعة، فالقابليات صارت واحدة بكثرة موج بعضٍ في بعض (بالتناسل)، وهذا تحديداً ما تم اسقاطه أيضاً من التراث، أو تم الدس فيه، أو الترميز إليه (كما الترميز في القرآن) وهو الترميز القرآني الذي يحتاج إلى دقة متابعة لغوية وتفسيرية لمفردات قرآنية مثل "ذاق"، "أكل"، "شجرة"، "سوأة" الخ. فإن بسبب كل ذلك تم اسقاط ذكر (حواء الهمجية) وبقي ذكر (حواء بعد الخلط في اسمها ما بين حواء التي نفخ الله في روحها، وما بين حواء الجنس الهمجي السابق).
* وبقي، كما يقول البحث، ذكر (حواء)، كاسم واحد وكأم أصل يرجع الناس كلهم إليها، (لأنه هكذا كان ينبغي ان يكون، مع انه "لم يكن" الأمر كذلك)، وصار من كتب التاريخ ينقل ويدوّن ان (حواء) هي سبب الخطيئة، والتي أغرت آدم بالمعصية، وهو صحيح من جانب ان (حواء التي ارتكب آدم معصية الاقتراب من شجرتها وارتكب المعصية الكبرى بسببها هي حواء أو "تلك الأنثى الهمجية"، التي تم اغفال ذكرها، وتم الدمج لاحقاً بينها وبين حواء آدم التي خلقها الله معه).
ولقد قدّم البحث في ذلك الكثير من التفاصيل والشروح والتفسيرات سواء للتراث أو للتوراة أو للأساطير أو للنظام اللغوي القرآني، مما لا يمكننا هنا السرد فيه.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: ويبقى صراع الإنسان ما بين إنسانيته وهمجيته
فوزية رشيد
العدد 11385 - الاثنين 25 مايو 2009
* استكمالا لرؤى وتفاسير كتاب (وعصى آدم: الحقيقة من دون قناع) نصل إلى أن تلك المعصية والاقتراب من (شجرة السلالة الهمجية) قد أخرا كثيرا فعل خلافة الانسان في الارض في الاطار الالهي المرسوم له، وجعلا ابن آدم الى اليوم يدخل صراعا كبيرا ما بين إنسانيته وهمجيته، وكلاهما له أصل فيه.
{ إن الانسان منذ ما قبل عشرات الآلاف من السنين لم يوقف بأي حال ممارسة الهمجية أو الخطايا، والعدول عن الأوامر والتعاليم الالهية والخضوع للغرائزية في غير مخارجها الطبيعية والشرعية، وحيث منذ آلاف السنين ايضا احدث معاشرات مع (إناث الهمج)، أو (تزاوجا إباحيا) مع الانسان الهمجي، الذي مع الوقت اختفت معالم تميزه الظاهر، وصار هو والانسان واحدا باعتباره من (بني آدم)، حتى لم يبق في عصر متأخر جدا، في المنطقة المقدسة، قرب مهبط آدم، قريبا من (مكة) الا القليل النقي أو المهذب أيام نوح وابيه "لمك" وحيث يقول (الطبري) في كتابه "التاريخ": (فلما أدرك نوح قال له "لمك" قد علمت انه لم يبق في هذا الموضع غيرنا فلا تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة).
{ حين اكتمال الانحسار الجليدي، وامتلاء الاودية العظيمة بمياه المحيطات الذائب جليدها، التي رفعت مناسيبها أكثر من مئات الاقدام، وتشكلت بحار وخلجان، كما امتلأت في حوض البحر الاحمر والخليج العربي، اللذين كان كل منهما واديا خصيبا، تسبب ذلك بضغط هائل على الدرع العربية في شبه الجزيرة من الجهتين، الدرع التي تخفي تحتها خزانا هائلا من المياه الجوفية الأولى (الابزو في الاساطير) فانفجرت فوهات (جبال السراة) البركانية التي تعانق السماء، عن ماء شديد منهمر، وتفجرت الارض عيونا كما أخبر سبحانه وتعالى: "ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر" القمر/11-12)، أغرق قسما كبيرا من شبه الجزيرة العربية، وجرف القرى والزروع، الامر الذي (صحر) شبه الجزيرة بعد ذلك، لكنه أباد بقايا الهمجية بفروعها الثلاثة في هذه المنطقة تحديدا وهي:
- البشر الهمج سلاليا (كائن إباحي مفسد غير واع ناتح عن مخاض تزاوج بشر همج مع بشر همج) رغم انه من المرشح انه كان يندر وجوده حين الطوفان (طوفان نوح).
- الانسان الهمج سلاليا (كائن واع إباحي مفسد اختيارا) ناتج عن مخاض تزاوج إنسان واع "آدمي" مع بشر همج.
- الانسان الهمجي سلوكا (كائن واع إباحي مفسد اختيارا) ناتج عن مخاض تزاوج إنسان واع مع انسان واع تسربت له الهمجية وسلوكاتها من دواع أخرى تربوية، أو نفسية، أو تقليدية بالجهل.
{ في ذلك الطوفان الذي أوجزنا عنه في مقال سابق (طوفان نوح) يستكمل البحث هنا بأنه فيه تم اهلاك كثير من الانسان الخاطئ الهمجي السلوك، الظالم والفاجر، مع بقايا الهمج بنوعية (الآدمي الظالم) و(البشري الهمجي) إن كان موجودا، الذي كان يسكن أيضا في هذه الدائرة الجغرافية، كما أخبر القرآن عن نوح: "إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا" (نوح/27).
{ ولتبسيط ما حدث من معصية يكمل البحث في خاتمته أو خلاصته: لو ضربنا مثالا على منوال القصص التراثي لقلنا (كأن حكيما مثلا علم أن جنس الخيل أصيب بمرض فتاك سيعرضه للانقراض قريبا حتما، فاختار "حصانا/ ذكرا وفرسا/ انثى"، وأدخلهما حديقة مسقفة محمية معدودة، لغرض الحكيم خصوصا، وفيها مختبره الراقي، هناك اجرى عليهما عمليات "تحسين جيني في الخلق" ولقحهما بأمصال مضادة للأمراض وللانقراض، وابقاهما يرتعان في الحديقة، منتظرا الفرصة المناسبة لاطلاقهما ريثما تهلك سائر الخيل الموبوءة خارج الحديقة من المرض الفتاك وتنقرض، عندها سيخرج هذان الزوجان ليتكاثرا وينجبا سلالة "أصيلة" تملأ الأرض، معدلة وقوية لا تنقرض، ولا تنحل ولا يمسها مثل تلك الامراض الفتاكة.
تسلل عدو الحكيم يوما، و"جذب الحصان" خارج الحديقة في غفلة، وأغراه ان يخصب فرسا من تلك الافراس الموبوءة، حملت تلك الفرس بنوع من الخيول حصينة من المرض لكنها ذات قابلية لأمراض أخرى مستقبلا، كما انها ليست أصيلة وأقل تطورا، فتكاثرت مع بعضها ومع الافراس والاحصنة المريضة، حتى جاء زمن انقرضت فيه فعلا كل الاحصنة الفاسدة المريضة والمنتشرة سابقا، لكن الارض لم تطهر، بل استبدل ذلك النوع الذي "باد" بنوع آخر لا ينقرض، لكنه ايضا ليس النوع المطلوب للحكيم وليس وقته بل هو نصف المطلوب وقبل وقته، فماذا ينتظر الآن "ليبقى الزوجان" في الحديقة؟ لا شيء يجدي، فالخطة وقد تبدلت، والانتظار ولا معنى له، فأخرجهما من الحديقة، على امل انه مع الزمن تنقى السلالة التي تكونت بغير مراد الحكيم، أو لعلها تفسد أو تقضي على نفسها، فيعاود الحكيم الكرة والمحاولة مرة أخرى مع أزواج "خيل" في مكان لا يصل إليها عدوه المفسد).
{ ويعلق البحث على حكاية (التقريبية) لقصة المعصية بأن الخيال الانساني قد توصل فعلا إلى امثال هذه الافكار، واخرجها في القصص والروايات والكتب والافلام، فبعض الافلام تصور كائنات فضائية تختطف بعض الناس، لتجري عليهم (تحسينات) أو تضع اجنة بشرية في حاضنات لإنشاء (نسل جديد) محسن ينشد السلام والخير والحب، وينسجم مع الكون، ويبغض الفساد والحروب، وبعض افترض وجود جنة أرضية في (مثلث برمودا) يمارس فيها أصحاب الاطباق الطائرة استغراس وتنشئة نوع انساني محسن وسليم ومبدع خال من الشرور، بانتظار ان يفنى البشر المنتشر الموبوء بالفساد والقسوة نفسه أو يفلس وينهار، فتخرج تلك العينات المحسنة لتمارس الخلافة الحقيقية وإعمار الأرض بحضارة فاضلة.
{ وإذا كانت قصة المعصية في الكتاب (وعصى آدم...) قد تم تقريبها للقارئ هكذا، فان الوثائقية وقراءة التاريخ والكتب الدينية بما فيها القرآن، وقراءة الاساطير التاريخية والتعمق في التفصيل اللغوي في القرآن، هي وغيرها الاسانيد المهمة التي اعتمدها سرد الحكاية، وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: هل فعلا قصة المعصية الأولى أشبه بالرموز في القرآن؟
فوزية رشيد
العدد 11386 - الثلاثاء 26 مايو 2009
إذا كانت وبحسب كتاب (وعصى آدم: الحقيقة من دون قناع) تداعيات المعصية الأولى (لآدم الإنسان) مستمرة بشكل أو بآخر الى يومنا هذا، فإن أشكال الفساد الاخلاقي هي في الاصل وراء الكثير من تعاسات البشر. فالانحراف الجنسي واخطاء المعاشرات الشاذة وبحسب النتائج العلمية ايضا هي التي سربت للإنسان أكثر الامراض الحقيرة، فهذا طاعون العصر (الايدز)، مرض نقص المناعة، فيه نوع يشبه ما حصل منذ عشرات الآلاف من السنين، رغم ان علماء الغرب حاول بعضهم ان ينسب نسبه الى فصيلة القرود في افريقيا، كأن انسان (المدنية الحديثة) بريء من التسبب بهذه الأوبئة، رغم ان الادلة تشير الى ان المرض ينتشر بالمعاشرات المحرمة التي تتفتق عنها همجية الانسان الحالي، فالبعض يغتصب النساء، وآخر "يلوط"، وآخر يمارس الفواحش مع الاطفال، والبعض يريحه الجنس السادي الوحشي، وآخر يفجر ببهيمة من اي نوع، وكلها ادوات (لإدخال تشوهات في نظام الانسان والبيئة على المستويين الجيني والجرثومي)، فما بالك حتى بمن يغتصب الجثث، ويسرب التحلل والموت الى جهازه المناعي؟
{ لقد نبه نبي الأمة يوما (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، الا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في اسلافهم) ولعل هذا احد اسباب تدمير الرب قرى (لوط) تدميرا كاملا برجالها ونسائها وحيواناتها، رحمة للبشرية وعفوا عنها على ما بينته الآية (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) ]الزخرف/30[.
{ بل لعل هذا واحد من (اسباب كثيرة) كان وراء استعمال القرآن (معالجة ذات تراكيب متداخلة) لقصة المعصية الأولى اشبه بالمغاليق والرموز، تبعد عامة الناس عن القدرة على (فكها وتأويلها وكشف غطائها)، لأنه يريد كشف الحقيقة في نظامه (للمتفكرين وللعلماء) بعيدا عن افهام العامة ولغطهم، حفاظا على تقواهم، وتوخيا لتقديسهم الآباء الصالحين، ولاسيما رأس الانسانية، أبونا (آدم الأول) وأساس وجودنا، هكذا يعرض الكتاب بعض رؤاه ثم يواصل.
{ من جانب آخر لولا الاسقاطات التوراتية على القرآن، من حيث تفسيره وتأويله، لاتضحت اللغة القرآنية بما يخص المعصية بشكل أدق، ولقرأ مفسرونا الكبار النظام اللغوي في القرآن بشكل أوضح، خاصة بعد تهيؤ العقل الانساني في المراحل اللاحقة من تطور الاسلام وتطور العلم، وتفسير الاساطير التاريخية واكتشاف مدوناتها، بأن تتم مراجعة الكثير من التفاسير والتأويلات حيث الامكانيات البحثية اليوم، تسعف أكثر من اي وقت مضى على التأويل الصحيح، وعلى تفسير ما هو متداخل ومتراكب في النص القرآني، الذي بدوره يحتاج الى امرين:
1- معرفة النظام اللغوي في القرآن بشكل دقيق وهو مسئولية علماء الدين بأن يكونوا "لغويين" ايضا.
2- أن تتم دراسة اللغة العربية القديمة (السريانية) التي بقيت جذورها وأصولها ممتدة في لهجات الشعوب الى الوقت الراهن، وحيث اللغة القرآنية اخذ من العربية قديمها وحديثها وقت تنزيل القرآن.
وفي هذين الامرين حاول البحث ان يعمل الى جانب العمل على كل المصادر الاخرى بذات الجدية وليفك التناقض المزعوم بين آيات القرآن الكريم مع العقل وحقائق العلم والاكتشافات في علوم الكون والطبيعة والتاريخ ونشأة الانسان.
{ واذا كان بعض القراء قد انكر بعضا مما جاء في البحث (الكتاب بتفاصيله طبعا) فإن في خاتمته يؤكد الباحثون فيه ان (كتاب الله) هو الحكم، فليدققوا فيه وفقا لما جاء به البحث، وليدققوا في البحث نفسه، وليجعلوا بعد ذلك كتاب الله (هو الشاهد الصادق والحكم) اذا تم استنطاقه بقراءة واعية وبتأويلات أقرب الى الصحة فيه، خاصة ان نبي الامة وخاتم الانبياء قد أمر المسلمين بتحكيم كتاب الله وعرض المروي والاعتقادات عليه، وطبعا بالنسبة إلى الراهن غربلة تلك المرويات والمعتقدات على ذلك الاساس حتى لا نعيش التناقض في معظم مسالكنا العلمية والاعتقادية.
وقد قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في (نهج البلاغة) كلمة سيظل صداها باقيا الى الابد: (فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإن أكثر الحق فيما تنكرون).
{ والبحث هنا يعرض قراءته وتفاسيره وتأويلاته على من يعشق الحق ويعشق الحقيقة بقلب مفتوح، لا تهمه قوميته ولا الطوائف أو المذاهب لكي يتبين المنطق الاقرب الى القرآن والى العلم والى الآثار والى الحقيقة وحيث الانسان الى اليوم لايزال يصارع بين انسانيته المنفوخ فيها من الله، وبين همجيته التي ينفخ فيها الشيطان دائما ليزداد عدد الخطاة، والمترنحين بين انسانية ضائعة وهمجية متسيدة.
{ ونحن اذ نستعرض كتاب (وعصى آدم: الحقيقة من دون قناع) فإننا ايضا نوجز ما فيه وعلى القراء العودة الى قراءته قبل اصدار الحكم عليه، وحيث قيمة الكتاب تحديدا في تفاصيله اللغوية للنص القرآني وفي عرضه التوثيقي للتوراة والاساطير ومقولات المؤرخين، وتبيان الخطأ فيها، واسقاط تلك الاخطاء على العقل الانساني، رغم ان الحقيقة اكثر وضوحا فيها، وفي الآيات القرآنية، مما يعتقد البعض حتى (لا يسري الزيف في الرواية التوراتية، على التأويل القرآني) وعلى قراءة الاساطير، بتراجم خاطئة لأن الغربي الذي قرأها لا علاقة له بالعربية القديمة ولهجاتها في المنطقة، مثلما لا علاقة بتفسير بعض المفسرين بنص القرآن، وبالامكان ايضاح الخلل الذي في التفاسير لو تمت غربلتها (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) ]البقرة[.
{ ولأننا في هذا الايجاز الذي جاء من خلاصة الكتاب وخاتمته في أكثره، نؤكد مجددا انه يحتاج الى سرد التفاصيل في منطق الرؤية التي تم تقديمها، فلا مناص من العودة إليها للاستزادة بكيفية بناء الرؤية، وكيفية تفسير الآيات القرآنية، وكيفية توضيح التزوير او التحريف في التوراة، ومدى بعد لغة الاساطير القديمة عن ترجمة المترجمين، (فيما يخص قصة آدم وحواء ومعصية آدم وبراءة حواء من تلك المعصية) الى توضيح ما في المصادر التاريخية من خطأ او صواب.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: هل فعلاً قصة المعصية الأولى أشبه الرموز في القرآن؟ (2-2)
فوزية رشيد
العدد 11387 - الاربعاء 27 مايو 2009
{ كلمات مثل "ذاق"، "اكل"، "شجرة"، "سوأة"، "أمشاج" هي مفردات قرآنية في قصة معصية آدم، ولكنها ليست كما اعتاد وظن الذي يقرأ القرآن خاصة إذا لم يرجع بها الى مصادرها اللغوية الأصل.
{ يقول كتاب (وعصى آدم): إننا مع الأسف في كثير من افكارنا لا نحترم القرآن العزيز، ولا العلم، ولا التاريخ، ولا نحترم عقولنا أيضا، ففي الوقت الذي ندعي أننا حملة القرآن وقراؤه، ونعيش في عصر العلم، كما يذاع، فحين يكشف على مرآنا بقايا آثار البشر قبل مئات الآلاف من السنين ونتلقنها دروساً في مدارسنا وجامعاتنا ثم نظل نعتقد في الحين نفسه بأن "آدم" التوراتي هو ابوالبشرية المتحجرة، وبأنه ايضاً قد مر عليه ستة أو سبعة آلاف عام فقط، فإن عقلاً يسع هذا التناقض ويسمح لنفسه - بالتعايش معه، هو عقل معطل في الحقيقة، وهو سيتسع لا محالة لكل التناقضات ان تملأه، فأين هو ذا العقل بعدها؟ وهل العقل الا فك التناقض، والربط على شيء؟
بعض (أهل الدين) فك ذاك التناقض وغيره من امهات المسائل بأن مضى مع ما يؤكده تراثه الديني التقليدي الملقن فحسب والتفاسير والتأويلات، مع أن ذلك متناقض ومختلف وغير متحد في مقولاته، ولم يأبه هذا البعض (لحقائق العلم) ولو سقطت السماء على الأرض و(علماء الطبيعة) فعلوا العكس وارتاحوا. أزاحوا نصوص الدين وركنوها جانباً باعتبارها آراء أمة قد خلت وأخطأت، وكفى بحقائق العلم مبصرة لكل ذي عينين.
للأسف كلاهما (عطل عقله) أيضاً، ذلك لأنهم لم يحلوا التناقض بل هربوا منه باسقاط احدهما، وهل يستغني العلم عن الدين؟ ثم هل الدين الا العلم؟ ومتى استقلت الأرض عن السماء؟
وهنا نسأل:
- هل معرفة الحقيقة فعلاً ضرورة لتنظيف مسالك العقل؟
- هل المصالحة بين القرآن والتراث الحضاري القديم والتاريخ والعلم مسألة ملحة؟
يؤكد البحث أن كل ذلك مهم ، فتعالوا معاً نقرأ شيئاً من القصة:
(إذا كانت مدونات التوراة هي المصدر الفعلي الخفي للفهم الاسلامي الدارج، فإنها أورثت الالتباس بين البشر الهمج والبشر الانسان (آدم) وبين (الانثى الهمجية) التي عصى آدم معها وبين حواء التي خلقها الله مع آدم، والقارئ الذي لم يتضح له ولم يؤمن بوجود "شجرة" همجية أي سلالة بشرية سابقة نسل منها آدم، في بحث الخلق، فإنه لن يستطيع بأي حال فهم سر ارتكاز وجود "شجرة" يخاطب عنها آدم ويبتلى بها في بحث معصيته فهل كان الامام باقر يعرف الحقيقة حين قال (لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق لما اختلف اثنان)؟
ان الاسرائيليات دخلت على الوعي الاسلامي متسترة أحياناً بادخال التزوير على لسان الانبياء والعظماء كالنبي موسى والنبي الأكرم محمد، وعلى لسان ابن عباس والأصحاب حتى على لسان رواة مكثرين (كأبي هريرة)، وكل من يعترض على ذلك أو يحاول كشفه يتم اتهامه بأنه يدلس على أولئك العظماء، وهم بريئون من أكاذيب قيلت على ألسنتهم (وفي هذا للبحث تفاصيل عديدة).
إن القارئ (غير العربي) مضلل بالترجمة عن القرآن، بأشد من تضليل القارئ (العربي) بالتفاسير في القرآن رغم صراحة عبارات القرآن الكريم في أن (آدم) مثلاً كان كائنا حيا (بشرا) قبل تسويته وتخليقه (إنساناً) وفي سورة البقرة الآية 30:
"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء".
ومنهج البحث كما يؤكده يقوم على (ان آيات القرآن الواصفة "للحقيقة الواحدة الثابتة"، لا "النسبية" المتحركة مثل قضايا الاجتماع الانساني وغيرها، تلك الحقيقة الواحدة الثابتة سواء كانت "كونية او طبيعية أو تاريخية" لا يمكن في القرآن ان تدل على الامر وخلافه، حسب بعض التفاسير، كما انها "كنص وصفي" ليست لها قراءات متعددة، ولا تأويلات، فهي آيات ونصوص "لها تأويل واحد لا أكثر"، هو الحقيقة وحدها "فلا يمكن ان توهم بالعكس أو توحي به"، والا فقدت مصداقيتها كآية واصفة لواقع، واخفقت كلسان عربي مبين.
فآيات وصف بدء الخليقة أو تكوين الانسان أو معصية آدم أو الجنة والنار أو الحساب أو أي موضوع آخر ذي حبكة قرآنية، هي آيات - وان تفرقت - "متجانسة"، محكمة لوصف حقيقة واحدة فقط لا تحتمل وجهتين)، لذلك فإن البحث يلقي على عاتق نفسه مسؤولية ازالة ما ظللنا نتوهمه انه قد جاء من عند الله مع أنه ليس كذلك خاصة ان ما ينسب الى الله فيه اختلاف وتناقض فج مع الحقيقة العلمية والقرآنية والتاريخية "وذلك بسبب التفاسير وحدها"، وليس بسبب بنية النص القرآني نفسه. (وهنا يعرض البحث الكثير من التفاصيل في ذلك).
{ إن الكلمات مثل (السجود) و(العبادة) وغيرهما يقول البحث عنها كمثال، قد تم اجتزاؤها لغويا عن معانيها الابعد في اللغة العربية وفي السريانية (العربية القديمة) فالسجود بمعنى: (أن يطيعوه ويأتمروا بأمره) وليس بمعنى سجود عبادة وحيث السجود لا يعني العبادة، والعبادة نفسها هي من فعل (عبد) في السريانية العربية، والفينيقية (العربية القديمة ايضاً) بمعنى عمل أو ابدع او اخترع او أتقن وأيضاً خدم/ اطاع. وكلمة عابد/ أوبيد/ أو فيد تعني الأمر نفسه أي (المطيع) ومنه أخذت (مكَفيلمقُ).
فآية مثل (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات: 56 لا تعني العبادة الشعائرية فقط، بل تعني خلقهم ليطيعوا "الرحمن" ويخدموا سبيله، بأن يدبروا ويبدعوا ويعملوا وفق النظام الرباني والميزان المستقيم الذي يحفظ التوازن الطبيعي بين الكائنات بما يرضي الله سبحانه، الذي خلق هذين التوازن والانسجام ووضعهما في تكوين الانسان وكل شيء (والسماء رفعها ووضع الميزان) الرحمن: 7، فيحافظ الانسان على هذا التوازن الرباني بما يرضي الله باعتباره خليفته في الأرض.
وكثيرة هي الآيات القرآنية الاخرى التي يدقق البحث في ألفاظها، ويعيدها الى اصولها الكاملة او المتفرعة من العربية القديمة أيضاً (وبما يعيد للنظام اللغوي القرآنيأصوله ومعانيه الغائبة) التي حين تنكشف على حقيقتها يجدها المؤمن أنها مثلاً غير متناقضة أو مختلفة مع الحقائق العلمية والقرآنية والتاريخية.
فماذا عن آيات المعصية؟ سيكون لنا معها وقفة مختصرة في المقال القادم، وللحديث بذلك صلة.
عندما نطق السراة: هل فعلا "حواء" وراء خطيئة "آدم" في القرآن؟
فوزية رشيد
العدد 11388 - الخميس 28 مايو 2009
* "ولا تقربا هذه الشجرة" البقرة: 35 وأيضا الأعراف: .19 بعضهم قال (من المفسرين) إنها شجرة الكافور، والبعض قال تفاح وآخر قال عنب كرمة أو خمرة، وبعضهم قال إنها السنبلة أو الحنطة، وفي اللغة العربية القديمة دعوها (شجرة فروسيا) توضيح أحمد داود في كتابه (تاريخ سوريا الحضاري القديم). و(فروسيا) في القاموس السرياني والفينيقي أي العربي القديم، نجدها تعني (الحيوانية الشهوانية) ولما كان حرف "الفاء" شفويا، أي ينطق بواسطة الشفاه وتلفظ () أيضا فإنها عند التعريف تصبح (أمبروسيا) أي الشهوانية، وهي التي أخذ الإغريق عنها (الايروسيا) بذلك فقد حُذر آدم من الشهوة الغريزية أو مخالطة شجرة الهمج بالشهوة الحيوانية، التي ما ان يخرج إليها حتى تزال عنه روحانيته المطلقة أو لباسه الروحي اللذان كان عليهما في الجنة قبل المعصية، وهذا مقتطع من توضيحات لغوية كثيرة حول معنى (الشجرة) ومعنى (ذاق) ومعنى (أكل) ومعنى (سوأة) ومعنى (أمشاج) وغيرها الكثير من قصة المعصية القرآنية، التي بإعادتها إلى اللغة العربية القديمة، تأخذ دلالات مختلفة تماما، وبما يفيد رؤية البحث حول المعصية ومعناها وحول قراءة الآيات القرآنية بطريقة قد تنسف الكثير من التفاسير الدارجة التي قامت (إما استجابة لاختراق الفهم التوراتي في تفسير القرآن) وإما بسبب عدم التدقيق في اللغة القرآنية وإرجاعها إلى منابعها الأصل بما يفيد الرؤية الأكثر صحة لتفسير الآيات القرآنية.
والبحث أيضا في رحلته اللغوية يطرح مسألة مهمة أخرى هي مصادر اللغة الإغريقية وكيف أثرت اللغة العربية القديمة باعتبارها اللغة الأم في العالم على كل اللغات الأخرى وعلى أساطيرها، وهو مما لا يتسع له مجال الإيجاز هنا.
* يطرح الكتاب سؤاله المهم: لقد اُتهمت حواء بأنها سبب الخطيئة، فهل فعلا كانت حواء مع آدم في الخطيئة هذه وسببا رئيسا لها؟ الجواب: لا.
وللوصول إلى هذا الجواب فإن (الرحلة التفسيرية) تحتاج فعلا إلى الدخول في البحث نفسه ومصادره وتفاصيله وكيفية تقديم رؤيته التفسيرية القائمة على النص القرآني نفسه، وحيث يستعرض البحث (الأقفال) التي وضعها المفسرون والمتكلمون واللغويون، فضاعت معالم الإحكام القرآني بين معظم قواعدهم وعقائدهم. وحين يقول القرآن إنه بلسان (عربي مبين) فالمحاولة الحقيقية أو البديهية هي (اكتشاف اللسان المبين أولا) وهو ما غفل عنه كثير من المفسرين، فأضاعوا حقيقة الايماءات القرآنية وتحديدا في خلق الكون وقصة آدم وقصة معصيته، لأن القرآن الكريم مثلا لم يأت بها في فصل كامل وإنما متناثرة كغيرها، لأن الأساس القرآني هو (هداية الإنسان وتأهيله لدوره الكوني) وإثارة عقله وفق تطورات الأزمان لإتمام القطع الناقصة، وحيث مسيرة الإنسان هي (مسيرة وعي) ولهذا لم يؤول الرسول الأكرم الكثير من تلك الآيات (رغم حصوله على علم الأولين والآخرين)، ومن هنا يدخل البحث في القواعد التي تضل عن الحقيقة القرآنية (كقاعدة الحقيقة والمجاز) فلا مجاز في القرآن. وليوضح ذلك بالكثير من الشروح الجديدة حول الكثير أيضا من الآيات القرآنية، ومرة أخرى لا مناص من قراءة التفاصيل.
* "وعصى آدم ربه فغوى" من سورة طه.
"فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم" البقرة: .37 آدم وحده يعصي ويغوي، ووحده يتلقى من ربه كلمات فيتوب عليه، فما دور حواء في المعصية إذًا وفي التوبة؟ يتساءل البحث بعد أن يستعرض كل مفردات الآيات الخاصة بالمعصية وتفاسيرها ثم يجيب: (لم نر آية في القرآن تقول إن حواء عصت أو غوت، نراها نهيت عن القرب كآدم، ذاقت، "أكلت من"، ظلمت نفسها، ندمت واستغفرت، ولكن حواء لم تشارك آدم في معصيته).
ولكن ما سر آيات مثل "لا تقربا الشجرة" و"ألم أنهكما عن تلكما الشجرة"؟ لكنها مع ذلك ما عصت وما غوت بل فعل ذلك آدم وحده فقط، فهل (قرب الشجرة) الذي فعله آدم وحده، أمر أشد ومختلف عن ذوق الشجرة والأكل منها الذي فعلته حواء وفعله آدم أيضا؟
وهنا يأتي البحث ليعطي شروحه في ذلك، وليدخل مقاربات ومقارنات لغوية كثيرة، (فالقرب ليس هو الاقتراب) فالأمر كذلك كما رسمه القرآن بدقة لأن المعصية المنهي عنها هي (قرب الشجرة) وكلمة "تقربا" كما يوضح البحث بشروح في مكان آخر، مثلما يوضح معنى الشجرة، هي المعاشرة الجنسية، قال تعالى في الصيام "ولا تقربوهن" أي لا تعاشروهن، والشجرة هي السلالة كما بين البحث، وبالتالي فإن الله ما نهى إلا عن (قرب الشجرة) فقط وآدم وحده هو الذي عصى بقرب الشجرة (بالمعاشرة) وحواء أخطأت في دون ذلك ولم تعص وتغو. وفي هذا يعطي الكتاب استدلالات كثيرة وفائضة وبالتفصيل، وحول كل آيات المعصية وإنما هنا بمثال مقتطع ومجتزأ حاولنا تقريب منهج الكتاب في بعض معالجته اللغوية لا أكثر، وهي المعالجة المرتبطة بكل المصادر الأخرى مما لا يتسع له المجال هنا إطلاقا.
* فما معنى آيات الاهباط: الاهباطان الأول والثاني، ولماذا اختار أكثر المفسرين في هذه الآية (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" البقرة: 38؟
وما هو هذا (الاهباط الثاني) بعد الآية التي سبقت لتعلن (الاهباط الأول) وهي الآية الـ 36 من البقرة: "وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين"؟ المفسرون أجابوا عن المعضلة بأن الاهباط واحد والله كرر كلامه، والتكرار من أجل كذا وكدا.
وهنا أيضا دخول وتدقيق من البحث في اللغة القرآنية وبما يخالف الاستسهال في التفسير، وحيث التدقيق يفتق المعاني المغايرة ارتباطا بحيثيات كثيرة يتداخل فيها نظام اللغة والتفسير الجغرافي لمكان الهبوط وغيرها ليصل البحث إلى علامات تفصيلية في (الخريطة القرآنية) للخطيئة الأولى ولماذا الخطاب خص آدم وحده، رغم أن التنبيه له ولحواء في آية "فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى" وما هو سر شقاء آدم وحده؟ وهل من فرق بين (السوأة والعورة) وهو الفرق الذي ينكره المفسرون باعتباره (ترادفا) رغم أنه لا ترادف في الآيات القرآنية إلا لمن لا يتقن (اللسان المبين) في القرآن؟
* إن هناك سوء فهم كبيرا للنظام اللغوي القرآني ولمقاصده بما يخص قصة المعصية وغيرها التي ثمة من لم يفهمها بأبعادها الحقيقية، ثم من كان له (وعي توراتي) مسبق يقول له (إن حواء على خطأ وانها أساس السوء والخطيئة)، ولأن هناك من انشغل عن كلام الله بالتنظير لقواعده وتخريجاته فكرسها فوق النظام القرآني لغة ومعنى.
ولأن البحث يفصل في كل ذلك وفي غيره الكثير الذي لم نتمكن حتى من الاقتراب منه، معولين على أن من يهمه البحث في هذه القضية الجوهرية والوجودية حول قصة الخلق وقصة المعصية وتفسير القرآن في إطاره المرجعي الدقيق والمحكم فإنه سيعود إلى تفاصيل الكتاب ذاته، ففي ذلك رحلة مهمة لاستجلاء الكثير من الأسئلة الكبيرة الأخرى حول العلم والدين وقصة الخلق ونشوء الإنسان وسر وجوده على الأرض و(خلق الجدل الموضوعي حول كل ذلك).
عندما نطق السُراة: بين آدمين: آدم الإنسان وآدم الرسول
فوزية رشيد
العدد 11391 - الاحد 31 مايو 2009
* قبل أن نبدأ موضوع اليوم أود الاشارة إلى انه في مقال (الاحد الماضي) والحديث كان في بدايته عن كتاب (وعصى آدم: الحقيقة دون قناع) سقط من المقال المرسل إلى الجريدة، الصفحة الأولى، لأسباب خارجة عن ارادتنا مما اخل بسياق المعنى في ذلك المقال، والذي طلبنا إعادة نشره في اليوم الذي يليه، ولم يحدث لأسباب أخرى، ففضلنا نشر الحلقات التالية مع الابقاء على تسلسلها المعتاد، اعتقادا منا بعدم التفات أحد الى ذلك السياق البسيط الناقص لولا ان طرح الامر علينا بعض القراء، الذين كما يبدو يتابعون باهتمام المقالات حول سلسلة (عندما نطق السُراة) وبذلك فاننا لهم وللقراء الآخرين نعتذر عن ذلك الاخلال، ونشكر بالمقابل كل من اتصل ويحاول الاتصال بنا أو بجمعية التجديد بخصوص البحوث والافكار التي يتم استعراضها، وحيث الاهتمام هنا ايضا يدل على مدى جدية بحث الكثيرين عن (الحقائق الضائعة أو المغيبة) في دينهم وقرآنهم وتراثهم وتاريخهم وحضارتهم، بقدر اهتمامهم كوجه آخر لكل ذلك بحقائق العلم ومكتشفات الآثار وتفسير الاساطير التاريخية القديمة.
في ذلك المقال الناقص كان العنوان المطروح هو (آدم وحواء وقراءة مختلفة لقصة المعصية) ونطلب من القراء المهتمين العودة للكتب الاصل، وهي متوافرة اليوم جميعها في (مكتبة الأيام) للاطلاع عليها بتفاصيلها المكتملة.
وهنا فاننا نستكمل البحوث بكتاب جديد هو: (بين آدمين: آدم الانسان وآدم الرسول).
{ هذا هو الكتاب (قبل الأخير) الذي نستعرضه للقارئ الكريم، ليكون ملما ببعض خلاصات مهمة لسلسلة (عندما نطق السراة) التي اصدرتها جمعية التجديد، وبقي باحثوها، رغم اهمية بحوثهم، (في الظل)، ونحن لم نستعرض هذه الكتب، مجاملة، أو عبثا، وانما لما رأيناه في تلك البحوث من (جدة وجدية)، وغربلة للتفاسير الخاطئة أو الناقصة أو القائمة على الرواية التوراتية من جهة، وغربلة للترجمات الاستشراقية التي قامت بترجمة التراث العربي القديم وأساطيره وحضاراته وفقا لرؤاه التوراتية أو الغربية الاستعمارية من جهة أخرى، مما أضر كثيرا باستيعاب القارئ العربي والمسلم والمؤمن بدينه وبتراثه وحضاراته، فلم يستوعب استكمال القرآن لما سبق من حضارات (وهو عكس ما تم ترسيخه) مثلما لم يستوعب ان (قرآنه) لا يتناقض لا مع العلم ولا مع التاريخ والآثار ولا مع الحضارات التوحيدية السابقة، بل انه يُلقي الضوء الاوضح على كل ذلك ان تمت قراءته (القرآن) قراءة صحيحة اعتمادا على (نظامه اللغوي الخاص)، وبعيدا عن الاسقاطات التوراتية أو الاسرائيليات، وبعيدا عن الفلسفات الكلامية التي تأثر بها بعض الفرق منذ الدولة الاموية ثم العباسية.
{ ولهذا فان الكتاب الجديد يطرح قراءة جديدة ورؤية جديدة حول (آدم) ويستشهد بالآيات القرآنية وعلم الآثار والوثائق الاسطورية التاريخية، في إطار لغوي قائم على إعادة الكلمات الى (أصولها اللغوية) القديمة والصحيحة وهو ما فعلته سلسلة (عندما نطق السراة) في كل بحوثها بشكل عام.
{ ولأن قصة الخلق وخلق الانسان الذي بدأ (بآدم) هي قصة مهمة ولكن طغى فيها تفسير وتحريف التوراة على الوعي العالمي والوعي الاسلامي، فان من المهم هنا طرح هذه الرؤية التي تقترب اكثر بكثير من حقيقة الحدث الكوني المهم بخلق الانسان، مثلما تفند التناقضات المزعومة ما بين الدين أو القرآن تحديدا وبين العلم والتاريخ والآثار، وليبحث الكتاب في توضيح الحلقة المفقودة التي وقفت عندها (الداروينية) التي اشاعت في العالم كله (رؤية مادية بحتة) حول تطور الطبيعة وكائناته بما فيها الانسان نفسه باعتباره حلقة من حلقات تطور كائن آخر (القرد) كما يعرف الجميع.
{ ولأن بعض استنتاجات البحث كانت متوزعة بشكل أو بآخر، في الكتب السابقة، وبالتالي في المقالات السابقة التي تم استعراض تلك البحوث فيها، فان في الخلاصات التي سنطرحها، سنحاول التركيز قليلا فيما لم يتم الا الاشارة إليه فيما سبقها في سياق التعرض الى (وهم التصور التوراتي) والى الآيات (الفارزة بين آدمين) بعيدا عن التفاسير المخلة بها (وصدام تلك التفاسير) مع القرآن نفسه والعلم معه، وصولا الى ان الاوهام كلها بشكل عام سببها (المرويات والموروثات والآراء غير المدققة) وليس النص القرآني.
{ من خلال ما وصلت إليه البحوث السابقة، وبحوث قادمة، لم نستعرض منها بعد (اختطاف جغرافيا الانبياء)، وبحوثا لم يتم اصدارها بعد، فان كل المرتكزات والمصادر التاريخية والاثرية والقرآنية، تشير الى ان (الانسان الاول) "بدأ" من هذه الامة وهذه الجغرافيا العربية، مثلما بدأ منها الكتابة والقلم والرسل قبل انتشارهم، بل كل الانبياء.
وحيث اتضح في البحوث جميعها ايضا ان (القصص القرآني) لا يتناقض مع العلم الصحيح ولا مع علم الآثار، وانه اتى هذا القصص لغايات معينة، (واختصر) لغايات معينة وكثيرة، وان الخطأ في العلاقة مع بعضها، هو بسبب ما دأب بعض المسلمين على فعله، ( باكمال الناقص وملء الفراغ بقصص أهل التوراة الذي ألفه الكهنة) وباسقاطات أخرى ناتجة من تأثير بعض الفلسفات الاغريقية والشرقية القديمة، على بعض الفلاسفة العرب، منذ زمن الامويين والعباسيين، كما قلنا سابقا.
{ حين يقول القرآن الكريم: "نحن نقص عليك أحسن القصص" (يوسف/3)، فانه يبين ان هنالك بالمقابل (قصا سيئا كان سائدا)، ولاسيما ذلك القص الذي يُكثر من الخوارق والخرافات، وتبديل المواقع والأرقام، وتحريف الكلم عن مواضعه، وتفحيش الأنبياء المعصومين بالمخازي والعيوب ولغايات يوضحها الكتاب بالتفصيل أثناء استرساله.
{ وما بين آدم الرسول (السرياني) والسريانية كما اصبح واضحا، إحدى لهجات اللغة الأم الأولى في العالم وهي اللغة العربية القديمة فان شخصية (آدم الرسول) طُمرت في ظلال شخصية (آدم الأول) فآدم الرسول هو (فاتحة الرسالات)، ومنه بدأ التاريخ الإنساني وهو أبوالانسانية (روحيا) فيما (آدم الأول) هو أبوالانسانية جميعا (طبيعيا).
ولقد تم الدمج تاريخيا بين الشخصيتين في كل (التراث التفسيري الذي لم يخرج عن كهف مدونات التوراة، والدس على الاحاديث النبوية وهي كثيرة ليس منها مثلا هذا الخبر الصحيح عن الرسول الاكرم (محمد) الذي اعتبره البحث بداية للخيط وفيها قوله: "يا أباذر أربعة من الرسل سريانيون: آدم وشيث وأخنوخ وهو "إدريس" وهو أول من خط بالقلم، ونوح وأربعة من العرب: هود وشعيب وصالح ونبيكم" فآدم هنا رسول سرياني من المنطقة العربية، والحديث مقتطع من حديث أطول يوضح فيه (النبي) عدد الأنبياء ككل بأنهم (مائة وعشرون ألف نبي) وعدد الرسل (ثلاثمائة وثلاثة عشر).
{ بخلاف الجنس البشري الذي أرجعته مصادر العلم إلى عدة ملايين من السنين، وهو الجنس الذي اطلقت عليه بحوث عندما نطق السراة بالجنس الهمجي أو "شجرة السلالة الهمجية) فان كل المصادر العلمية والآثارية قد اجمعت على ان وجود (جنس الانسان العاقل) الذي يرجع إليه الانسان الحالي (جينيا) وُجد قبل قرابة 50 ألف سنة، وحيث اكتشف العلماء ايضا بمتابعة (جينية عالمية) وجود شخص واحد (آدم علمي) يرجع إليه كل الناس سلاليا بحسب العينات العالمية المأخوذة، وهو آدم الذي (انوجد) قبل 50 ألف سنة، وبهذا لا يمكن بأي حال وضع آدم (أبي الانسانية)، حيث تاريخ (آدم التوراتي الذي هو آدم الرسول) الذي ارخوا له بأربعة آلاف سنة قبل الميلاد، فيما الآثار جميعها تكذب هذه الرواية التوراتية، وفيما القرآن في حقيقته يحمل في نصه التفرقة أو التمييز بين (آدمين) ولو تمت قراءة النص القرآني في ذلك بدقة لاتضحت تلك الحقيقة، التي لا تتنافى اطلاقا لا مع ما وصل إليه العلم الصحيح، ولا ما وصلت إليه الآثار، انما الذي يتنافى مع العلم والآثار في ذلك هي (مدونات التوراة المحرفة) ومعها النظرية "الداروينية"، وحول ذلك فان البحث يطرح الكثير من التحاليل والاسانيد والرؤى.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: لماذا سمي آدم (الرسول) باسم آدم (الإنسان الأول)؟
فوزية رشيد
العدد 11392 - الاثنين 1 يونيو 2009
* في كتاب (بين آدمين) يطرح البحث على نفسه هذا السؤال: هل انعدمت الأسماء في العربية، ليسمى آدم الرسول بذات اسم آدم الأول فيكون الوقوع في التيه؟
ويجيب البحث:
- ان القرآن ليس هو الذي ابتدع الأسماء فهو يقصّ الحق كما هو (ويفصل البحث في ذلك ويبين ان ثمة غير "آدم" من أسماء ذكرها التراث الديني تدل على شخصين أو مكانين، ليدلي الينا بظاهرة "التيمن بالأسماء" التي لاتزال مستمرة).
- ان النظام القرآني يعمل دائما على فتح العقول لا على تلقينها وبلادتها وهو يدفع الى اعمال العقل في كل الأمور، وليس القبول بالسطحية أو الادعاء، أو الالتزام بظاهر النص مع مخالفة نظامه وأحكامه.
- ان القرآن في كثير من آياته يدعو الى التفكر، ويدفع الى طرق أبواب (العلوم العقلية والتطبيقية) وليس فقط (النقلية) بالاستفادة من علوم الآثار والتاريخ والحضارات واللغات، خاصة التي ستتكشف في ازمان بعيدة عن وقت نزوله، وهو بذلك يعلم قارئه ان يقرأه (بتدبر) لا بتقليد أعمى، ويعلم ان تتم قراءة كل الاشياء وكل مصادر المعرفة والثقافات، وحيث حين يتم عرضها على القرآن نفسه بقراءة صحيحة له ولكل ما سبق ولحقائق العلم، (فلن يجد قارئه أي تناقض).
{ الى جانب ما سبق، والى جانب عادة التيمن بالأسماء، وحيث اسم (آدم) الرسول تيمنا باسم آدم أبي الانسانية، فان البحث يطرح ايضا ان (آدم) بالسريانية (آدمو) معناه الشبيه والمثيل، مثيل الرب، فكان الاسم أليق انطباقا بآدم الرسول كونه (لم يعص ربه)، ومارس الخلافة الربانية في تعليم الناس وتدبيرهم، وليس كما فعل آدم الأول الذي (عصى ربه) باجماع الديانات كلها ونصوص القرآن والاساطير والمرويات، بل ان (الصابئة المندائية) الذين يرجعون بتعاليمهم إلى آدم الرسول، مازال في لغتهم الجذر (دمو) - (دمونا) تعني الشبيه وبالفصحى (دمية) تعني شبيها مصغرا.
واذا اراد الباحثون في العالم معرفة الحقيقة فما عليهم الا العودة الى المركز الجغرافي واللغوي والسلالي والديني للإنسان العاقل الأول، وما قبله، بدل الوقوع في الضياع الذي لايزال مستمرا في قراءة (معالم وخرائط أصوات اللغة) وعدم الاهتداء الى اللغة الأم، او الحضارة الأم، ولا أصل السلالات، وعدم الاهتداء الى الانسانية الربانية الأولى، بل الاستمرار في قراءة هؤلاء الباحثين لأسماء البلدان والأنهار والآثار وعدم الاهتداء للجزيرة العربية حيث مواقعها الأصلية ومهد الانسان والأنبياء، التي لو اهتدوا اليها لفكوا الكثير من المعضلات اللغوية والاسمية والأثرية والتاريخية بالنسبة اليهم.
{ ورغم ان (تكرار) الاسم ما بين (آدم الرسول وآدم الأول) هو الاساس الفعلي للتوحيد بينهما والوقوع في الوهم والالتباس، فان التيمن بالاسماء هو عادة انسانية دارجة، فكم من محمد اليوم تيمنا باسم النبي، وكم هي الاسماء المتكررة المتداولة في العالم!
في القرآن مثلا وفي التوراة والمرويات تم اثبات وجود (مريمين ابنتي عمران: "عمرام" بالسريانية كما في التوراة): الأولى اخت هارون وموسى، والثانية أم عيسى، وبينهما أكثر من ألف سنة، وأوردوا أسماء أخرى مثل (يهوذا) و(اسماعيل) و(فرعون) و(يوسف) تدل على اكثر من شخصية واحدة خلال التاريخ الديني المسرود.
{ من جانب آخر يطرح البحث جوابا آخر افتراضيا مضمونه: ماذا لو كان آدم الأول سقط في الامتحان، ثم ندم واستغفر، ثم اجتباه ربه وتاب عليه، ثم مات ودخل جنته، ولم يحظ بفرصة اصلاح خطئه عملا بقوله تعالى "ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم" (النحل/119)؟
فجاءت الفرصة بعد عشرات الآلاف من السنين، فأهبط آدم (أبوالانسانية) من الجنة مرة أخرى لاصلاح خطئه الأول، أهبط هذه المرة كآدم السرياني لسانا، الرسول المعصوم، وأمّم الناس (من بنيه، بني آدم) وأهبطت معه حوّاؤه أيضا وتعارفا على (جبل عرفة) عرفها وعرفته من بين الناس الذين كانوا موجودين ومنتشرين، حيث لا يليق به امرأة إلا هي من دون سائر النساء، لأن الباقيات بناته من نسله منذ الدهر، فاذا كان ذلك صحيحا، ألن يكون الفرق بين آدمين هو (فرق زماني) لا شخصي؟
وفي هذا يطرح البحث تفاصيله وحججه، بل تدقيقاته اللغوية في آيات (الاهباط)، الى جانب انه يستعرض الالتباس بين الاسماء حتى في الاساطير القديمة في السومرية حيث هناك مسمى سامري للرب يدعى (إنليل) كما دعي (الانسان الخليفة) "إنليل" ثم وقع الالتباس في كلمة (الرب) نفسها في تلك الاساطير، حيث ظن البعض انها خاصة بالله تعالى، بينما العرب الاوائل (والى الآن) يطلقونها على كل مرب ومعلم سام، فكانوا يسمون الملائكة المدبرين كجبريل وميكائيل (أربابا) ويسمون السادة البشريين المحسنين (أربابا)، وقد ورد في سورة (يوسف) قول يوسف عليه السلام لأحد السجينين "يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا" (يوسف/41)، ثم قوله له بعدئذ: "وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك" (يوسف/42).
فهؤلاء أرباب بشريون وفي ذلك ايضا آيات تبين الفرق بين استخدام كلمة (رب) في السياق العادي، وبين (التلبس العقيدي) للمفردة الذي هو رداء قدسي خاص بالله وحده "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله" (آل عمران/79)، "ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا".
{ ان آدم الرسول السرياني (لسانا) مثله مثل (آدم الأول) جاء من هذه المنطقة، وحيث ("سر" من ابناء آنوش من ابناء آدم الرسول) هو الذي صنفت اللهجة تلك باسمه (سريانية) الا ان اللهجة كلهجة كانت موجودة قبلا يتكلم بها الأب والجد (قبل تصنيفها ونسبتها إلى الحفيد) وهو التصنيف الذي لم يحدث الا حين تمايزت لهجات عربية اخرى عنها، وبهذا نقول ان آدم تكلم السريانية، اي انه تكلم اللهجة (التي سيتم تصنيفها) فيما بعد تاريخيا وتشتهر باسم اللهجة السريانية.
فما هي الآيات القرآنية الفارزة بين آدمين؟
ذلك ما سنتركه لمقال الغد، وبذلك فإن للحديث صلة.
عندما نطق السُراة: صدام التفاسير مع القرآن والعلم
فوزية رشيد
العدد 11393 - الثلاثاء 2 يونيو 2009
* قبل ان تشير الى الايات الفارزة بين ادمين، فانه من المهم التطرق بايجاز الى التفاسير وصدامها مع القرآن من جهة والعلم من جهة اخرى، وهي التي افرز لها البحث ايضا مكانا للتدقيق والمراجعة، مبتدئا بمقولة للمؤرخ الايطالي (برنس جيواني بوركيز):
(ان هذا الظلام الذي يخيم على حياة المسلمين انما من عدم مراعاتهم لقوانين القرآن الكريم).
فهل اصاب هذا المؤرخ الايطالي كأنه قارئ جيد لقوانين القرآن ولأحوال المسلمين في ذات الوقت؟
ويوضح في هذا كتاب (بين آدمين: آدم الانسان وآدم الرسول) ان معظم التفاسير التي تناولت مسألة آدم في احواله، ولم تفرق بين ادمين (او بين حقبتين لآدم) وقعت في صدام عنيف مع (الحقيقة العلمية) لتلقي اللائمة (ظلما) على كتاب الله، بدلا من القائها على تفاسير المفسرين وآرائهم.
* ان (الاخطاء التفسيرية) لها اسبابها العديدة في نظر البحث:
أولا: عدم الاعتناء بنظام القرآن نفسه، وعدم الجد في كشف الفارق بين اياته والفاظها وتراكيبها، وبدلا من ان تكون التفاسير (بيانا) للآية ظلت في اغلبها مجرد حواش وتعقيبات على الآية. تفاسير لا تكشف مثلا سبب وجود هذا اللفظ القرآني دون غيره، وعلة هذه الصياغة والسياق والسبك دون سواها، وهذا هو معنى التفسير في الحقيقة، لأن التفسير (تعليل لورود الآية بألفاظها بهذه الكيفية لا غيرها).
ثانيا: اعتماد المفسر مرويات (مدخولة على الدين) وعلى اهله من دون محاكمة لها أو تدقيق، بل التعجل بالحكم والقول بلا علم.
ثالثا: (وهم القداسة) الاسر الذي يسبغه المسلمون أو اليهود والمسيحيون على (مروي وعلى راو) وعلى كتاب أو مدونة نصوص، وأيضا اسباغه على آدم الاول بظن انه رسول معصوم بالتوحيد بين آدم الاول وآدم الرسول رغم الفترة الزمنية الطويلة الفاصلة بينهما.
رابعا: سيادة غرور أو اكتفاء عقلي وديني معرفي بحدود ضيقة غالبا في الفهم الديني، وازدراء الاعتراف بمصادر أو نظم اخرى للمعرفة، (حاسمة أو مصوبة أو مخطئة)، تتيح التحقق، وحسب انكشاف تلك المعارف، من المقولات الدينية والتفاسير الخاطئة (الصادرة عن بشر وليس عن وحي) وحيث المصادر المعرفية اليوم تحديدا كثيرة كعلوم البحوث الاثرية والجينية والتاريخية والالسنية والاثنية وغيرها.
* بعد ذلك يضيف البحث:
ان تكريس المقولة التوراتية بشأن (آدم) في عقل المسلمين واعتقادهم، والخلط بين آدم الانسان الاول الذي نفخ الله فيه من روحه، وبين آدم الرسول، جعل آدم الاول (معصوما) باعتباره رسولا، وهذا القصور في التفسير فتح جدلا لم تنته الى اليوم فصوله حول (معصية أو معصية الانبياء) واربك تواريخ (الشجرة الادمية) ومسلسل وجودها الزمني والجغرافي على الارض، الذي حين جاءت حصائد كشوفات "الاثار الاركيولوجية والجينية" الدالة على سبق الوجود الادمي (أي الانساني) بعشرات الالاف من السنين قبل وجود آدم التوراتي "الرسول" المنظر له على انه "ابوالناس جميعا"، وحيث الى اليوم لايزال هذا التصور التوراتي "الخاطئ" يسقط نفسه على القرآن ويسير بعربته المسلمون أينما كانوا، وهو الامر الذي حدا بعلماء الطبيعة والتاريخ الى تجاوز تلك المقولة التوراتية بعد دحضها، والى افتراض وجود (آدم) آخر ظهر الى الوجود قبل قرابة خمسين ألف سنة سموه (آدم العلمي) وبقي هذا التناقض قائما (بشكل جزافي) بين حقائق العلم وبين (التفسير الخاطئ للنص القرآني)، باعتباره تناقضا بين حقائق العلم ومقالة الدين بما فيها الاسلام. وهذا بدوره اقام جدلا لايزال يقوم بتسخينه بعض العرب انفسهم من (ذوي التوجه المادي والالحادي) باعتباره صراع (الديني) بـ(العلمي) من دون التدقيق من هؤلاء بالطبع ما بين التفسير القرآني وما بين النص القرآني، باعتبارهما واحدا، فكيف بهؤلاء ان يصلوا الى ما لم يصل اليه المفسرون الدينيون انفسهم؟ (وفي هذا يطرح البحث تفاصيل كثيرة عن ايات قرآنية، وخاصة المتعلقة بـ(آدمين) في النص القرآني، ويستعرض التفاسير فيها، ويبين خطأها بقراءة تعيد النص الى نظامه ولغته والى العلم والتاريخ والاثار وغيرها) وتوضح ان لا تناقض بين (حقائق) العلم والقرآن.
* حول وهم القداسة مثلا ومعضلة العصمة والمعصية، بلغ الامر ان اعتقد البعض ان آدم (لم يعص) وقام هؤلاء بتسويغ المسوغات لتبرئته، رغم ان القرآن يهتف (عصى، غوى، تاب) ويرتحل البحث حول ذلك في العديد من الايات ومن التفاسير، التي لابد من قراءة الكتاب نفسه للاطلاع عليها مفصلة وموضحة.
* ان كائنات اليابسة بمن فيهم البشر السابقون لآدم الاول، تمّ (انباتهم جميعا) من الارض نباتاً (والله أنبتكم من الأرض نباتا) نوح: .17 ثم جاء الانسان العاقل بعد ملايين السنين، رغم انه خلق في طين الجنة من خامة مخلوق بشري سابق (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير) العنكبوت: .20
فالنشأة الاولى (افراد الخلق البشري الاول) والنشأة الثانية نشأة (آخرة لا اخرى) مما يدل على حكمة النظام القرآني ودقة المفردة العربية، وحول هذا يسرد البحث تفاصيل كثيرة أيضا، ليصل الى ان النص القرآني (أخبر منذ نزوله ما وصل اليه العلم الاثري والاركيولوجي والجيني اليوم) استنادا الى قراءة مفصلة للنص أو الاية ولكل المصادر الاخرى، وليضع آدم العلمي (الانسان) وآدم التوراتي (الرسول) تحت مجهر كشف النص القرآني وكشف الحقائق العلمية، وحيث لا تناقض، كما يعتقد البعض، وحيث لم يدرك أولئك (العلماء) المثابرون، الباحثون عن الحقيقة، انهم ينفذون (وصية القرآن) بتتبعهم (الجيني والسلالي والاثني) في عوالم البشر في قوله تعالى (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) العنكبوت: .20
أي الخلق البشري، ثم الانساني، كما وجه هؤلاء العلماء لطمة اخرى لخرافة التوراة المحرفة بأن البشر تحدّروا من نوح بعد الطوفان (العالمي) المزعوم، وهو ما تم تفنيده في مقالة سابقة حول (طوفان نوح).
* أما الذي لم يلتفت إليه أولئك العلماء المجتهدون، فهو فرضيتهم ان (آدم العلمي) كان يقبع في (شرق افريقيا)، وهذا لانهم لم يربطوا كشوفاتهم العلمية بالجغرافيا القديمة، وحيث كان البحر الاحمر (واديا) في حقبة قديمة قبل ان ان يصبح بحرا، و(ان شرق افريقيا وغرب الجزيرة العربية) كانا (متصلين) يوما ما، وهو ما يوصل البحث إليه قارئه، بأن آدم الاول كان من الجزيرة العربية، وحول ذلك تفاصيل اخرى متاحة للقراءة.
* والعلماء أيضا (لم يفسروا) القفزة الدماغية والعلمية والابداعية، وباعتبارها (تدخلا علويا) هندس رجلا بشريا جينيا وأمده بالنفخة الروحية، انما العلماء قالوا (مجرد طفرة غريبة مبهمة طرأت على "آدم" لا يمكن تفسيرها).
ولابد اذًا هنا من متابعة البحث كاملا لمعرفة أسانيد وحجج وتفاسير البحث حول الفارق بين آدم الاول وآدم الرسول، وصولا الى ايات فارزة بينهما، سنحاول ايجاز التحليل فيها قدر الامكان.
وللحديث صلة.
عندما نطق السُراة: الآيات الفارزة بين "آدمين"
فوزية رشيد
العدد 11394 - الاربعاء 3 يونيو 2009
في هذا القسم من الكتاب حول (الآيات الفارزة بين آدمين) تأتي التفاصيل اللغوية للنص القرآني، ليتم توضيح ذلك الفرز من الآيات نفسها، وسنحاول هنا العرض فيه بإيجاز.
يقول الكتاب: لدينا (25) وروداً لاسم "آدم" في كتاب الله، (21) منها المقصود منه "آدم الأول" الذي ورد في كل آيات الخلق الأول وإسجاد الملائكة واستنكاف إبليس وسكن الجنة والخروج منها والمعصية الأولى، وفيها المقصود هو "آدم الأول" أبوالناس، بحيث صار الناس مهما ابتعدوا "بني آدم" والواحد منهم "ابن آدم" والاثنان "ابني آدم". وهناك (آيتان) تنطبقان على "الآدمين"، كقوله تعالى (واتل عليهم نبأ ابنيْ آدم) المائدة: .27 وبقيت (آيتان) آدم فيهما ليس هو آدم الأول، بل آدم الرسول المصطفى وهما:
1 ــ (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض...) آل عمران 33 ــ .34
2 ــ (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن...) مريم: .58
الكثير من المفسرين أغفلوا العناية بالسياق في الآيتين وبالمفاهيم والدلالات كدلالة "ذرية" و"العالمين" و"اصطفى على" و"بعضها من بعض"، ما أنتج تركيبة وسياقا تفسيريا للآية لا يتوافقان مع تضام عباراتها (عربيا)، بل يوقعان تشاكسا دلاليا مع أجزائها، فضلا عن جعلها متضاربة مع آيات أخرى، فضلاً عن إبرازها كمتناقضة مع الحقيقة الموضوعية (التاريخية والعلمية).
ويواصل البحث للتعرف في الآية الأولى (إن الله اصطفى آدم) على معنى (اصطفاء) آدم على (العالمين) وان كان هذا آدم الأول أم الثاني، ثم للتعرف في الآية الثانية (الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم)، معنى كون "النبيين" من ذرية آدم وحده لا من ذرية غيره، وان كان من المنطق القول ان هذا هو آدم (أول إنسان من جنسه) لندرك "علّة" جعل آدم هذا بإزاء (رسل كنوح وآل ابراهيم وآل عمران) كمنابع (لأصول الذراري)، وللتعرف في اية ثالثة (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين) على أسبقية وجود الناس أي (العالمين) على حقب انبعاث الرسل.
وفي كل ذلك تتم (مقارنة الآيتين) بالسياق اللغوي القرآني في آيات أخرى، لتأكيد المعنى الذي يرمي إليه البحث (بوجود آدمين) لا آدم واحد، هما الإنسان الأول وآدم الرسول المصطفى.
الآية الأولى (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين "ذرية" بعضها من بعض والله سميع عليم) آل عمران 33 ــ .34
يقول البحث إن هذه الآية كانت معضلة لدى المفسرين القدامى والمحدثين، ويطرح تلك التفاسير ويوضح انه (لا علاقة لها بالآية) ورغم أن ما سُطّر أعلاه أربعة أسطر، لكن التفاسير حوله مُشبعة بالأخطاء المعرفية والتاريخية والعلمية من كل جانب: فآدم الأول مثلا (لم يتم اختياره) بل (تخليقه) كأول فرد من جنس الإنسان، فضلاً عن أن يكون قد تمّ اختياره على أناس من ذريته (لم يأتوا بعد) ومفردة (العالمين) لا تعني أفراد الناس بل تعني (مجتمعات مختلفة متنوعة من الناس) أي (مجموعات إنسانية)، فلا يمكن مثلا اصطفاؤه على مجموعات إنسية (عالمين) وهي لم تتشكل بعد أو على بشر لم يوجدوا بعد.
{ وابتعادا عن التفاصيل الكثيرة في شرح ما سبق، يوضح البحث بعدها أن المفسرين، بسبب عدم تفريقهم بين آدمين في القرآن، اعتبروا ان آدم (الذين اصطفى) في الآية، هو آدم الأول الذي عصى ثم تاب، أي هو نفسه آدم المصطفى الرسول المعصوم، (وفي الزمن نفسه)، لذلك وقعوا في تناقضات لا فرار منها، (تناقضات تاريخية وقرآنية ولغوية ومنطقية) لا يمكن الخروج منها إلا بتشكيل قواعد لغوية وتفسيرية (أخرى) تتيح الجمع بين المتناقضات وتمرير الأخطاء وتبريرها، وتجعل ذلك (بلاغة وفنا) من باب وضع الشيء موضع الآخر، ووضع الجزء موضع الكلّ، والخاص مكان العام، والعام مكان الخاص، الى آخره من فبركات تفسيرية ميّع كثير منها (الإحكام القرآني) فيتشرع الخطأ ويبقى ويتجذر، بل ربما (يصبح الصحيح عندها منكراً) والتواء أو (تأويلاً) حسب قولهم، ولتوضيح ذلك يضرب البحث بعض الأمثلة منها:
(وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مُستقر ومتاع إلى حين) البقرة: .36
و(قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مُستقر ومتاع إلى حين) الأعراف: .24
ولا يوجد هنا فرق بين الايتين إلا في كلمتي (وقلنا) الآية الأولى و(قال) في الآية الثانية.
وقال تعالى في سورة طه 123: (قال اهبطا منها جميعا) وحيث لم تكن القصة إلا واحدة والمخاطبة إلا واحدة، فاختلاف ألفاظ الحكاية في الجمع والتثنية، (حسب المفسرين) ليس إلا من التفنن في التعبير في ألفاظها من دون واقعها، وقد مرّ جواز مخاطبة الواحد بالتثنية والجمع عند اقتضاء البلاغة من غير حاجة الى التأويل، (وللبحث تفاصيله حول الفرق بين "قلنا" و"قال"، ليصل معها الى أن معظم المفسرين بالطريقة السابقة لم يهتموا بالتفريق بين ألفاظ القرآن) كما أنهم لا يمكنهم الإقناع بشرح أمرين:
1 ــ كيف اصطفى سبحانه (آدم) على العالمين، ولم يظهر إنسان بعد؟ فضلاً عن اصطفائه على تشكلات اجتماعية إنسانية (عالمين)؟
2 ــ لماذا (استثنوا) آدم من لفظة (ذريّة) التي في الآية، والكلّ يقرّ بأن الذرية هي وحسب المروي (لا تكون الذرية من القوم إلا نسلهم من أصلابهم)؟
ولماذا فسروا ذلك باعتبار أن آدم أول إنسان وأبوالجميع ولذلك فإن لفظ ذريّة التي في ذيل الآية، تنطبق على (نوح، وآل إبراهيم، وآل عمران فقط) من دون آدم؟
(ولأننا هنا من الصعب طرح كل التفاسير القديمة والحديثة التي طرحها البحث وقارنها بالنص القرآني لتبيان ما تمّ في آيات عديدة من (إلباسها قصور المفسرين) كما سبق، فإن المهتم لابدّ أن يعود للبحث نفسه حول ذلك. فهو تبيان مفصّل لكل كلمات الآيتين ودلالاتها اللغوية والسلالية والأخلاقية وغيرها، وهي رحلة شائقة في معاني القرآن ودلالات نصّه وإحكامه، وللحديث صلة
عندما نطق السراة: الآيات الفارزة بين آدمين (2 - 2)
فوزية رشيد
العدد 11395 - الخميس 4 يونيو 2009
* في الآيات الدالة على وجود (آدمين: آدم الإنسان وآدم الرسول) عرض البحث في الكتاب الكثير من الوشائج القرآنية والعلمية والتاريخية واللغوية، الدّالة على قصور المفسرين عن فهم الدلالات والنظام اللغوي القرآني، وحيث ذلك العرض وتقديم التفسير الذي يقدم بالمقابل (رسوخ الإحكام القرآني)، هو ليس مجرد عرض أفكار عامة بالامكان تلخيصها او ايجازها، وانما هو دخول في النص وتفسيره بتدقيق لغوي صارم، مفروض على ارضية تاريخية وعلمية ودينية واسعة، في اطار تبيان الخلل الذي في (التوراة المحرّفة) و"استلاب" الدلالات القرآنية القاطعة، بسبب اسقاط الروايات التوراتية على القرآن، الى ما غير ذلك من المقارنات والشروح حول معاني الكلمات القرآنية، وسر اختيار ألفاظ بعينها دون غيرها، وسر ترتيب الكلم القرآني، الى ما بعد ذلك من الاستنتاجات والاستدلالات المهمة والجديدة، لذلك فإن هذا البحث أو الكتاب من البحوث التي توضح الكثير من الآيات، و(لا تقتصر) على الآيات المتعلقة بآدم الانسان وآدم الرسول فقط مما يصعب ايجازه أو تلخيصه في عدة مقالات تعريفية، يتم طرحها للقراء لاستيعاب العمق اللغوي والدلالي في القرآن حسبما طرحه البحث مما لم يدركه حتى المفسرون في اغلبهم، وحيث هو الكتاب الوحيد الذي من المفترض انه يحكم حياة جميع المسلمين، (مما يستدعي معه ضرورة استيعابه وتفسيره وتأويله بشكل صحيح) بعيدا عن اي اسقاطات خارجة عن نظامه اللغوي، وهو مهم بالنسبة إلى (ذوي الرؤية المادية أو الالحادية) ليعرفوا عما هم يتحدثون، أو ينقضون، وليدركوا مدى صدقية ادعاءاتهم من عدمها بتناقض القرآن مع العلم الصحيح او مع المكتشفات الاثرية الحاسمة، وحتى يعرفوا ان (نظرية التطور) مثلا هي المتناقضة اليوم مع آخر المكتشفات الاثرية والعلمية وليست الرواية القرآنية حين يتم تفسير نصوصها بشكل صحيح، وخاصة ما يتعلق بنشوء الانسان.
{ ولأن الآيات القرآنية الفارزة ليس بين آدمين، وانما بين الحقيقة والنظريات العلمية التي لم ترتق إلى مستوى الحقيقة بخصوص الانسان الأول، والتطور الانساني، وبخصوص ما اظهرته العلوم في كل مجال سواء (الجيني او الاركيولوجي او التاريخي) فإن قراءة حجج (كتب التجديد) المتعلقة بكل ذلك، هي قراءة معرفية عميقة بحثا عن الحقائق الضائعة سواء لدى اغلب المفسرين او لدى اغلب (الماديين) المتحمسين لاطروحاتهم المادية بدعوى (علميتها) وهي غير ذلك.
{ ان الآيات الدالة على وجود (آدمين) مثلا، لا تكتمل صورتها في البحث من خلال التركيز البحثي فيها وحدها، وانما بخلق العلاقة الوطيدة بينها وبين آيات اخرى كثيرة، لتبيان (النظام اللغوي في القرآن)، بل بخلق مقارنات بينها وبين ما جاء في التوراة، بل في المكتشفات العلمية والاركيولوجية (الاثرية) كما قلنا.
ولتبيان مثلا الآية الاولى "إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين. ذرية بعضها من بعض" (آل عمران/33 - 34)، نقرأ جزئية صغيرة جدا مما اورده البحث (بين آدمين) حولها، لندرك حجم الارتحال فيها لادراك المغزى الأساسي.
يقول البحث في تلك الجزئية: (ان هذه الآية تعني ان الذراري الاربع (بعضها من بعض) وهي ذراري (آدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران) فذرية الأول آدم (ليس من شيء)، واما ذرية (آل عمران) فليس (منه شيء)، اي ان (آل عمران من آل ابراهيم)، و(آل ابراهيم من نوح)، و(نوح من آدم)، و(آدم الرسول هنا هو اول "اصطفاء" وقع عليه كذرية) فيما آل عمران هو آخر "اصطفاء" لم يعقبهم منهم ذرية).
فعبارة (بعضها) الاولى تعني (نوحا وآل ابراهيم وآل عمران) وعبارة (بعض) الثانية في الآية تعني (آدم ونوحا وآل ابراهيم)، ولتبيان ذلك يتم في البحث تقديم المقارنات والتحليلات الكبيرة، وشرح (الاصطفاء) ليس فقط شرحا لغويا وانما تاريخيا وسلاليا وعلميا، مثلما يتم شرح كلمة (العالمين) بذات الحيثيات المتفرعة، ثم تقديم التفاسير القديمة وقصورها عن ادراك هذا النظام، ثم مقارنة الاستنتاج بعرضها على آيات اخرى، ثم تبيان التحريف التوراتي.
{ إذاً المسألة (ليست مجرد شرح اعتباطي او لغوي بحت)، فكيف بالامكان تلخيص ذلك؟ حتما ليس بالامكان، ولابد من العودة للبحث نفسه للاستفاضة بالمعلومات ومنها، لأن من خلال تلك الافاضات يصل القارئ الى ادراك مسألة وجود (آدمين) في القرآن، وليس آدم واحدا، تم خطأ اعتباره اول الخلق الانساني واول الرسل في ذات الوقت، رغم الفارق الزمني بينهما (علميا) وحسب الآثار، ورغم الفارق بينهما (قرآنيا) وحسب الآيات.
{ والنقاط المتعلقة بهذه الآية هي من الكثرة التي تفيد بمدى غنى البحث والجهد المبذول فيه، فمن اجل تفسير (الاصطفاء على العالمين) مثلا نطرح ايضا نقطة واحدة صغيرة من تلك النقاط، حيث يصل البحث الى ان (سورة آل عمران) من اولها لآخرها، تعلن (تبدل الاصطفاء) لرسالة الله من اهل الكتاب، الى (محمد) النبي الاعظم، والى أمته، الذين عليهم ان يتحملوا اداء الرسالة ويصبروا عليها، و(هذا التبدل) له دلالات كثيرة يطرحها البحث، بما لم يعتده التفسير القديم او التقليدي مثلا، وهو ما يحتاج الى قراءة (كامل حججه) القائم بعضها على بعض.
نقطة أخرى:
اذا كان المذكور في الآية حسب التفاسير هو (آدم الأول) ابا الناس جميعا، فما سبب جعل الانبياء المذكورين (نوح، آل ابراهيم، آل عمران) منه، رغم ان الناس كلها منه، حسب التفاسير ايضا؟
وللإجابة عن هذا السؤال الذي يبدو سهلا في البداية، فإن البحث يستغرق في الكثير من الشروح والتحليلات، لتتكشف بها ومعها حقائق كثيرة ومهمة، تنفي معها وجود عبارة لغو او زيادة او تكرار واحد في القرآن، كما يعتمد بعض المفسرين، وكما يعتقد الكثير من قارئي ودارسي القرآن.
{ ما سردناه هنا من (ايجاز مخل) يتعلق الى الآن بآية واحدة فقط، حول الفرز بين (آدمين) أما الآية الثانية، فلها شروح مماثلة من حيث المنهج والارتكاز على المصادر المختلفة، وهو ما لن نتعرض له هنا، ولا لبقية شروح الكتاب المتعلقة بنقاط كثيرة اخرى، وننصح القارئ بخصوصها ان يتوجه للبحث او للكتاب نفسه، اذا كان هناك ما يدفعه الى ذلك، خاصة ان الكتاب في خاتمته يوضح بين ما يوضح (لأن التحريف جد كبير، كان الانحراف عظيما بحسبه، ولأنه طال اصول العلم، التاريخ، واللغة والعقائد والتفسير والنص الديني، وادوات التفكير ومسلماته ومناهجه، فإن الخروج من قمع "كل هذه القوامع" لا يحتاج اكثر من التحرر منها، وتعريضها كلها للمساءلة والتمحيص).
{ وعليه فاننا نكتفي بما عرضناه، رغم اعترافنا بأننا لم نعرض الا البسيط من الجهد الضخم المبذول في هذا الكتاب لتبيان حقيقة النص القرآني، وهو ما سنكمل الرحلة فيه بعرض آخر كتاب من كتب التجديد (سلسلة عندما نطق السراة) في مقالنا القادم وما يليه، وحيث هذا الكتاب الاخير يتعرض بدوره لقضية مثيرة اخرى في (رحلة البحث عن الحقيقة) وهو يوضح كيف تم (اختطاف جغرافيا الانبياء) وهذا هو اسم الكتاب، ويوضح فيه كيف تم ايضا اختطاف وعي الناس في كل مكان، من خلال تكريس الوعي المشوه والتحريف الخطير في التوراة المحرفة، ليتم معها ليس فقط (سرقة الوعي الانساني) وانما سرقة الوعي الاسلامي وسرقة الجغرافيا العربية، وعلى رأسها (فلسطين) بادعاءات دينية اسطورية، لم يكن لليهود قط مكان فيها، لا في فلسطين ولا في مصر، وحيث يتم اكتشاف ان الانبياء (جميع الانبياء) هم من الجزيرة العربية واليمن كجزء منها في القديم، وحيث من تم تسميتهم بـ (فراعنة مصر) هم ملوك "القبط"، وليسوا الفرعون او الفراعنة المذكورين في القرآن كما تم اسقاط ذلك عليهم، وحيث (فرعون القرآن هو الآخر من الجزيرة العربية)، وهو ما لا يعرفه الناس، بسبب تكريس التزوير باعتباره حقائق تاريخية و(مصر القرآن) هي بدورها في الجزيرة العربية وليست في مصر الحالية.
كيف حدث كل ذلك الالتباس الخطير في الوعي الانساني، وما هي الشروح الجديدة التي لم يقدمها اي بحث آخر بذات التفصيل؟ ذلك هو ما سنحاول عرضه بايجاز في القادم من المقالات، باعتباره العرض الأخير لأفكار سلسلة (عندما نطق السُراة).
عندما نطق السراة: اختطاف جغرافيا الأنبياء
فوزية رشيد
العدد 11398 - الاحد 7 يونيو 2009
* هذا هو الكتاب الأخير (اختطاف جغرافيا الأنبياء) نستعرضه مع القارئ في إطار سلسلة (عندما نطق السراة) وحيث استعرضنا معه الى الآن ما مجموعه أفكار (ثمانية كتب) تحمل في داخلها أطروحات مغايرة سواء في قراءة (القرآن) أو قراءة (التاريخ) أو التدقيق في (اللغة) العربية القديمة والمعاصرة، ومعرفة أصولها ولهجاتها القادمة من (السريانية) القديمة وهي (اللغة الأم)، ذات التأثير اللغوي الكبير في كل لغات العالم ولهجاته سواء القديمة، أو تلك المستمرة حتى يومنا هذا، كما أن تلك الكتب كانت تحمل في داخلها قراءة جديدة (للأساطير) باعتبارها (تاريخا موثقا)، الى جانب إلقاء الضوء على النظريات العلمية والحقائق العلمية، والمكتشفات الأثرية، التي معا تعطي قراءة مغايرة لقصة الخلق ولقصة آدم وحواء، وغير ذلك من التفاصيل المهمة في (المعرفة الانسانية)، التي تقوم عليها الحياة الانسانية، والاستمداد الديني أو الشيطاني الهمجي فيها. وبالتالي فان هذا الكتاب الأخير (اختطاف جغرافيا الأنبياء) يقدم معلومات قد (تفاجئ) البعض، وقد (تصدم) البعض، خاصة أن الكثير من المغالطات حول (جغرافيا الأنبياء) من خلال التوراة المحرفة، والتفاسير القاصرة للقرآن، قد تم ترسيخها كحقائق غير قابلة للنقاش، رغم أنها زاخرة بالمتناقضات وبالتراكمات التاريخية والدينية الخاطئة، التي تم استغلال العالم من خلالها، وتم ابتزاز الوعي الانساني لصالح التزوير التوراتي، ولصالح القوى الاستعمارية على مدار الزمن والتاريخ.
{ في هذا الكتاب الأخير، يقدم البحث أولا نموذجا راهنا أو معاصرا لكيفية (التزوير) ليصبح بعد ذلك حقيقة مقدسة، وحيث في عام 1830، نشر جوزف سميث كتابه المقدس (المزور) الذي يعرف الى اليوم بـ (كتاب مورمون) أو ( نُ موش) وفيه يقول (وسوف يأتي الزمان الذي يدرك فيه أبنائنا من «الهنود الحمر« أنهم ينحدرون من بيت إسرائيل، وأنهم أبناء الله وعندها سوف يتعرفون على تراث أجدادهم وينتهلون منه) 14:15 كتاب مورمون المقدس.
ونرى أنه وبعد عدة مئات من السنين سوف تتحول هذه النظرية المزورة، بأن (أمريكا أرض إسرائيل) الى حقيقة واقعة كما فعلوا بالنسبة الى فلسطين وغيرها من الدول العربية. واليوم لا أحد يهتم بفضح هذا التزوير، بل هناك جماعة تؤمن بما جاء في هذا الكتاب الذي تم وضعه في القرن التاسع عشر ويروج له، ويقدسه بعض الجماعات.
{ هكذا هم يضعون الكتب المقدسة (المزورة) حسب الرغبة، وهكذا يجنون ثمارها بعد مئات السنين، ويمكن تتبع أخبار وتاريخ هذا الكتاب وجماعته على صفحات الشبكة العنكبوتية والكتب المعاصرة والمقالات المنتشرة في العالم. إنه نموذج لتزوير (قيد التنفيذ) يكشف البحث عن تفاصيله كمثال حي لما حدث لسكان (الجزيرة العربية) من تزوير في الماضي البعيد جدا، الذي يبدأ في البداية كمجرد حكاية أو طرفة ساخرة لينتهي بعد قرون الى كارثة معاشة، والى سلب لجغرافيا الآخرين، وهم لا يمتون اليها بصلة الا عبر الكذب والتزوير والادعاء.
{ يقدم هذا الكتاب تفاصيله حول العرب واليهود وكيفية جعل العرب أكبر ضحايا (صناعة تزوير المقدسات) منذ آلاف السنين، ثم يكشف البحث (الحقائق المغيبة) عن الوعي العالمي ويطرح قضية (فرعون موسى) والتحقيق المهم في هويته الشخصية، ليصل الكتاب عبر كل ما يقدمه من وثائق وأدلة الى أن (فرعون القرآن) لا علاقة له (بملوك القبط) أو ما تم التعارف عليه خطأ (بفراعنة مصر) وبأن (مصر القرآن) لا علاقة لها أيضا بما تم التعارف عليه بـ (مصر)، ليقدم الكتاب أدلته واستنتاجاته حول اسم (بلاد وادي النيل) أو بلاد (القبط) في تراث العرب، وعند رسول الله الأكرم، وحول من هم (الاقباط) ومن هم (الفراعنة) وحول ذكر (فرعون في القرآن الكريم) ليبسط البحث كل الخلفيات التاريخية حول وادي النيل في (حقبة الفرس) و(حقبة اليونان والرومان) وليصل الى أنه (لا يوجد) فرعون في بلاد وادي النيل.
{ وليطرح البحث في فصله الثاني أسئلته واجاباته حول من قام (بتحريف تراث العرب) وكيف نشأ (اسم مصر) ومعنى (تمصير الأمصار) التي كانت دارجة فلصقت ببلاد وادي النيل باعتبارها (أهم الأمصار) آنذاك.
وليقدم رؤية جديدة حول جذور الخلل والشيوع الخاطئ القديم، وحول (التوراة السبعونية) وتبعات (جريمة اسقاط اسم مصر على مملكة القبط العظمى) رغم أن الأقباط أيضا هم من العرب الأوائل أو القدامى، لندخل بعد ذلك في كيفية (تأثير) الثقافة المحرفة، في الأمم العالمية في ظل (السبعونيات المعاصرة).
{ وفي رحلة البحث عن مصر وعن هوية فرعون والفراعنة (وحيث فرعون من الجزيرة العربية) وحيث (مصر) اسم قرية ومنطقة وسوق كبيرة في الجزيرة العربية، والبحث يكشف هنا مجددا عن (عادة التيمن بالأسماء) وأثرها في التحقيقات (الجغروتاريخية) وحيث (التزوير التوراتي) لم يطل (موسى) فقط وإنما أيضا (النبي إبراهيم) والكتاب يتابع رحلات (النبي إبراهيم) ما بين التوراة المزورة وما بين الحقيقة، وكيف تم نقل اسم ابراهيم (من الجزيرة العربية الى العراق) والجزيرة هي الموقع الحقيقي لمولد نبي الله (إبراهيم) وهجرته كانت الى مكة، مثلما يتابع البحث لماذا تم الاشتباه لدى المفكرين والباحثين حول (جغرافيا النبي إبراهيم) واماكن تنقله، بأنه لا يوجد دليل عليها في العراق، (فنفى) بعضهم وجود (النبي ابراهيم) بشكل كامل، وكتب بعضهم حول (التاريخ المجهول) له.
والبحث لا يكتفي بذلك، بل هو يتابع (علامات مكة في التوراة المحرفة نفسها) وكيف أن وادي حوران (حران النجدية) هو موطن آباء النبي ابراهيم، وكيف تم نقل اسم (ابراهيم) عليه السلام الى (سوريا القديمة) ثم الى بلاد (وادي النيل). بل إن (نهر الفرات الاسم الأول) كان بجزيرة العرب، وعبور ابراهيم (الفرات) الذي كان في الجزيرة العربية وعبوره (جبال السراة) الى مكة، وكيف كان دور النبي ابراهيم في (تمصير مكة).
{ أسئلة أخرى صادقة حول عدد بني إسرائيل باعتبارهم مجرد إحدى القبائل العربية في الجزيرة العربية، ولا أكثر من ذلك، وأن (مصر) لم تكن الا مجرد سوق من أسواق العرب في الزمن القديم جدا وأن هناك في الجزيرة كانت (عشيرة مصر) وليس (مملكة مصر) بالطبع وأن كل أراضي (سفر يسوع) هي في (عسير) مثلما منطقة (مصر موسى) كانت بعسير.
{ كل تلك القراءة (الانقلابية) في تاريخ وجغرافيا الأنبياء، لم تأت هكذا، وإنما مدعومة بقراءة تاريخية فاحصة ومدققة، وقراءة للقرآن، وللتاريخ المصري، الذي يتحدى البحث فيه الباحثين إن كان يوجد في تاريخه القديم و(حسب التوراة) اسم «فراعنة مصر«، وإنما هم ملوك القبط، وما فراعنة مصر، الا بسبب (التوراة المزورة) التي نقلت أسماء الأماكن من الجزيرة العربية لتسقطها على الجغرافيا في مصر وفلسطين والعراق وسوريا، والتي أنشأت حكايتها لتحولها الى حقائق كارثية بعد ذلك، وحيث اليهود المعاصرون لا علاقة لهم لا بالعرب ولا بالسامية كما هو شائع اليوم.
إنها الحقائق التي لمح لها أيضا وبشكل آخر، عدد من المفكرين العرب وبعض الأجانب، ولم يأخذها أحد على محمل الجدية، (بسبب رسوخ التزوير حول جغرافيا الأنبياء) في الوعي العالمي والعربي والاسلامي بشكل عام. وهذا ما يطرحه البحث المهم في هذا الكتاب (اختطاف جغرافيا الأنبياء) الذي سنحاول عرض بعض تحليلاته حول ما تم تقديمه من نقاط وعناوين في المقالات القادمة، وبالتالي فان للحديث صلة.
عندما نطق السراة: النبي إبراهيم وآباؤه من حوران في نجد ولا علاقة لهم بأي جغرافيا
فوزية رشيد
العدد 11399 - الاثنين 8 يونيو 2009
* إن كتاب (اختطاف جغرافيا الأنبياء) هو بحث تتكامل فيه الفصول، وتتعاضد فيه تحليلات التاريخ والجغرافيا ووثائق الحضارة المصرية أو حضارة (وادي النيل) العربية القديمة مع تحليلات وشروح من القرآن والتراث، لتكشف عن أماكن وجود (كل الأنبيا؟)، الذين تم اختطاف جغرافيتهم وسيرهم بحبكة مزورة تم ترسيخها (منذ التوراة المحرفة) عبر الأزمان.
ولشرح ذلك هناك تفاصيل مهمة يبثها الكتاب، متجاوزا كتابات أخرى، بسبب (تكامل) الرؤية التاريخية والجغرافية والعلمية واللغوية والقرآنية والسياسية في هذا البحث.
يقول ابن خلدون: "فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الانساني متعددون، وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل فأين علوم الفرس، وأين علوم الكلدانيين، والسريانيين، وأهل بابل، وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها؟ وأين علوم القبط ومن قبلهم؟ وانما وصل إلينا علوم أمة واحدة وهم "اليونان" خاصة، ولم نقف على شيء من علوم غيرهم" ابن خلدون (تاريخ ابن خلدون، ج أ، ص38).
هذه الصرخة التي اطلقها عالم عربي قبل 600 سنة، وما سمعها ووعاها إلا القليل حتى يومنا هذا، هي الصرخة التي تبين (كيف تم اختزال كل الأمم الغابرة بعلومها وتراكم معارفها في أمة واحدة أو حضارة واحدة هي الحضارة الاغريقية) فصارت (قبلة العلم العالمي) بقضه وقضيضه وصحيحه وخطئه، ونهلت كل الأمم من تلك الحضارة لكأنها المبتدأ والنهاية في المعرفة الإنسانية، ومن هنا جاءت أيضا مسألة (التداولات الخاطئة) للتاريخ والأسماء، وحجم التأثير التوراتي فيها لأسباب يفصل فيها البحث.
ولأن التفاصيل كثيرة والوثائق كثيرة في (نفي) الكثير مما تم ترسيخه في الوعي الانساني حول الأنبياء واماكن وجودهم وارتحالاتهم، فان من يطلب تلك التفاصيل، عليه قراءة الكتاب نفسه (اختطاف جغرافيا الأنبياء)، وحيث سنقدم هنا بدورنا بعض الملخصات (للجغرافيا الحقيقية للأنبياء) مما تم أخذه من خلاصة الكتاب نفسه، بعد ان قدم خلال كل صفحات الكتاب أسانيده ووثائقه (لنفي الراسخ) في العقول حول ذلك.
{ في نهاية الكتاب يضع الباحثون مختصرا لأهم محتويات البحث فيما يخص جغرافيا الأنبياء (الحقيقية) للحقبة ما بين (النبي إبراهيم) وانتهاء بعهدنا، وذلك (بعد ان تمت تصفيتها من عوالق التزوير والتحريف) التي دار الكتاب كله حولها، وقدم كل الوثائق والشروح عنها ليصل من خلالها الى نتائجه التالية وهي ما تهمنا هنا تحديدا:
1- مسقط رأس النبي إبراهيم: ولد نبي الله إبراهيم (بحوران النجدية) الواقعة على بعد 300 كلم تقريبا جنوب (مكة) إلى الجهة الشرقية من سهول جبال السراة.
2- النبي إبراهيم وآباؤه بحوران: دعا إبراهيم قومه لعبادة الله وحطم لاحقا (اصنام المعبد بحوران) فألقي القبض عليه "قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم* قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون* قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم" (الأنبياء/60-62).
صدر الحكم بإعدام النبي الجليل حرقا "قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين" فأنجاه الله تعالى "قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم" (الأنبياء/68-69).
3- خروج النبي إبراهيم من حوران إلى منطقة مكة: بعد نجاته من النار قرر إبراهيم عليه السلام مغادرة موطن آبائه "قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم* فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين* وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين" (الصافات/97-99).
واخبرنا الله تعالى أن إبراهيم عليه السلام توجه ولوط (عليه السلام) حينها إلى (الأرض المباركة للعالمين وهي: مكة المكرمة).
ويتضح ذلك في الآية التالي وهي: "ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين" (الأنبياء/71)، حيث سكن، فأقام وزوجته (سارة) بموضع (مسجد نمرة) القائم إلى اليوم بعرفة تخليدا لموقع سكن الخليل، ومسجد نمرة كان يقع في حقل زراعي لشخص يسمى (عفرون بن صوحر)، (فتحوّر) هذا اللفظ إلى (خبرون أو حبرون) باللسان السرياني، كما (تحور) اسم وادي عرفة الى (وادي عربة) وتم اسقاط الاسمين بعد تحويرهما بفلسطين لاحقا.
4- مدة إقامة إبراهيم عليه السلام بمنطقة عرفة وبطن مكة: تسلسل الآيات القرآنية يوضح أن (النبي إبراهيم) خرج من موطن آبائه وهو فتى يافع "قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين* قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم" (الأنبياء/59-60)، فألقوه في النار مباشرة بعد تحطيمه أصنامهم فخرج مباشرة بعد النجاة من النار الى (مكة) وهناك استقبل أول ابنيه بعد ان كبر وتقدم في السن "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء" (إبراهيم/39)، فهذا التسلسل يشير إلى أن إبراهيم سكن (مكة) مدة طويلة أي من سن الفتوة إلى الممات بعد ان تعدى المائة العام.
5- إبراهيم "العبري": لقب النبي إبراهيم ذو اللسان (السرياني) بين أهل منطقة (وادي عرفة) بـ "العابر" أو "العبري"، وذلك عادتهم (لكل من يعبر إليهم من "الجهة الشرقية" من وراء قمم جبال السراة بالجزيرة العربية) فاستغل اليهود هذه الحقيقة البدائية (التمييز انفسهم عن باقي العرب) ولاضفاء أهمية وخصوصية مفتعلتين، عالجهما البحث بتفصيل.
6- هاجر المصرية - زوجة إبراهيم: من ضمن الاعمال التي اشتغل بها إبراهيم عليه السلام رعي الأغنام والمتاجرة في الاسواق المجاورة لـ "مكة" والمعروفة في ذلك الوقت البعيد بـ "الأمصار" التي عرفت بالمنطقة لاحقا بـ "الأسواق" كسوق عكاظ وسوق "يذو المجاز" ومجنة وغيرها، واشترى من أحد تلك الامصار جارية وتزوجها لاحقا وهي هاجر المصرية، (التفاصيل والشروح والتحليلات داخل البحث).
7- ولادة إسماعيل بعرفة: دعا إبراهيم عليه السلام بعد إقامته بعرفة بهذا الدعاء "ربِ هب لي من الصالحين" (الصافات/100)، فاستجيبت دعوته بقدوم بكره إسماعيل عليه السلام بعد ان تقدمت به السن "فبشرناه بغلام حليم" (الصافات/101).
8- التواصل مع مواطن الآباء بحوران: لم يعتزل إبراهيم عليه السلام أهله في (حوران) أثناء إقامته بعرفة، بل واصل الدعوة معهم حتى يئس إبراهيم (عليه السلام) من أبيه بعد ان هدده بالقتل رجما هذه المرة "قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا" (مريم/46-47).
9- اعتزال إبراهيم بمنطقة مكة: قرر إبراهيم عليه السلام لاحقا عدم التواصل مع قوم آبائه "بحوران": "واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا" (مريم/48).
10- انفصال لوط عن إبراهيم: افترق "لوط" عن إبراهيم (عليهما السلام) بسبب شح المراعي غير المملوكة (بعرفة) مما يدل على ازدحام المنطقة بالسكان، فتحرك "لوط" إلى اقرب منطقة من (مكة) توجد بها مراع غير مملوكة، أما إبراهيم (عليه السلام) فدعا ربه أن يرزقه قطعة أرض في (محل إقامته بعرفة) ليستقر فيها في غربته ويرعى غنمه فرزقه الله الأرض التي يحددها حد بصره، ويبدو أنه كان بها جدول نهري صغير، ولعله هو الوادي المعروف بوادي (عردة) الذي يمثل أحد حدود وادي عرفة إلى اليوم.
11- التعرف على مكان البيت: أذن الله لإبراهيم (عليه السلام) بالتعرف على مكان البيت العتيق (ببطن وادي مكة المهجور في ذلك الزمان) لخلوه من مصادر المياه الذي يبعد (22 كلم) تقريبا عن مضارب خيام إبراهيم (عليه السلام) بعرفة "وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود" (الحج/26)، فأسكن إبراهيم زوجته وابنه إسماعيل (عليه السلام) بطن الوادي "ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" (إبراهيم/37)، فوضع إبراهيم (عليه السلام) بذلك يده على (بطن الوادي المقدس) سلميا تمهيدا لبناء البيت ليحيي تلك المنطقة وتألف الناس موقعه مجددا كما كان الحال منذ زمن (آدم) إلى طوفان نوح.
{ ولقصة النبي إبراهيم تكملة وصولا الى بقية الأنبياء الذين تم التحريف التوراتي بخصوصهم، واسقاط ذلك التحريف على الآيات القرآنية والنتيجة التي تم سردها بالترتيب السابق لم يصل إليها البحث (اعتباطا) وانما بعد ان اشبع التوراة والقرآن والتاريخ والجغرافيا واللغة وغيرها (بحثا) لمن يريد قراءتها بالتفصيل.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: قصة أخرى لولادة "إسحق ويعقوب ويوسف" في الجزيرة العربية بعيدا عن الرواية التوراتية
فوزية رشيد
العدد 11400 - الثلاثاء 9 يونيو 2009
* استكمالا لمقالة الأمس حول القصة الحقيقية للنبي إبراهيم التي تم الوصول اليها بعد تصفية (التزوير التوراتي) لأماكن وجوده وانتقاله، الى جانب البحث الجاد في الكثير من المصادر الاخرى، وغربلتها لمعرفة الحقيقة المنسجمة مع القرآن والآثار والتاريخ الحقيقي بعيدا عن الاسقاطات التوراتية على كل ذلك، فإن البحث يكمل سرد قصته، وحيث اخذنا القارئ معنا الى النتائج مباشرة (نتائج البحث) ولمن يريد معرفة أسباب الوصول الى تلك النتائج بإمكانه العودة الى الكتاب نفسه.
تستكمل النتائج سردها بالتالي:
{ بعد ان اسكن ابراهيم زوجته وابنه اسماعيل ببطن (وادي مكة) المهجور منذ زمن الطوفان، فإن دعوة النبي الجليل استجيبت وظهر الماء بطريقة اعجازية تحت اقدام ابنه اسماعيل. (زمّ) ابراهيم الماء وهذه الكلمة لها مرجعية لغوية مختلفة عن السائد، وتملكه كمقدمة لشيوعه للناس وإحياء المنطقة، وسميت البئر (بئر سبع أو شبع) التي تعرف اليوم ببئر (زمزم) وسمي بطن الوادي باسم البئر في ذلك الزمان حتى استعاد اسمه العريق لاحقا وصار يعرف بـ(مكة). فيما اسقط اليهود بعد ذلك اسم (بئر سبع) على مكان في فلسطين في اطار تحريف الاسماء واماكنها.
{ تأسيس مذبح "منى" والعقبات: كبر اسماعيل (عليه السلام) فكانت حادثة الرؤيا التي تبعتها نية ذبح اسماعيل التي سردها القرآن ويعرفها جميع المسلمين في سورة الصافات ]102-112[ وحيث اصطحب ابراهيم (عليه السلام) ابنه اسماعيل (عليه السلام) الى وادي (منى) المحاذي لوادي (عرفة) لتنفيذ الرؤيا الالهية فتركت هذه الحادثة العظيمة معالم (العقبات أو الجمرات الثلاث) القائمة الى اليوم بـ(منى) الى جانب مذبح (منى) وهي جميعا من شعائر الحج حتى اليوم والى يوم الدين، وليس كما يعتقد بعض المضادين للدين أنها شعائر (وثنية) ولهذا قصة في البحث ايضا.
{ ولادة اسحاق ويعقوب (عليهما السلام) بعد الاعتزال بمكة ونزول العذاب على قرية لوط (عليه السلام):
جاءت البشرى بمولد (اسحق) بعد حادثة الذبح كما هو واضح من تسلسل الاحداث في الآيات القرآنية ايضا وذلك عندما بعث الله الملائكة المرسلين لعذاب (قوم لوط) عند موقع (مسجد الخيف) بالقرب من الجمرات الثلاث او في (نمرة) حيث مضارب خيامه في موقع (مسجد نمرة). كما بشروه بمولوده الثاني (اسحق) بعد ان تقدم هو وزوجه (سارة) في العمر (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون * فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين * فقربه إليهم فقال ألا تأكلون * فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم * فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم) ]الذاريات 24-29[. كما ان البشارة باسحق (عليه السلام) جاءت بعد ان قرر ابراهيم (عليه السلام) مقاطعة ابيه بـ (حوران) التي هي في الجزيرة العربية، واسحق ابنه الثاني قد ولد ايضا في الجزيرة العربية وليس كما تقول التوراة في تحريفاتها، وحيث لا دليل واحد على ذلك في الآيات القرآنية ولا الجغرافية ولا الأثرية ولا التاريخية الصحيحة.
{ بناء البيت واعلان الحج: أذن الله ببناء البيت بعد ان وضع ابراهيم (عليه السلام) يده على موقعه قبل ان يكبر اسماعيل (عليه السلام): "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" ]البقرة-127[. ثم اعلن ابراهيم (عليه السلام) الحج الاكبر للناس قاطبة (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) ]الحج-29[.
وبدأ ابراهيم (عليه السلام) يذكر ويعلم المقيمين والوافدين في التجارة على (وادي عرفة) علوم "التوحيد" بعد ان كانوا قائمين على عبادة الكواكب والشمس بتلك المنطقة. وذكر (عرب الجزيرة) بكل اطيافهم والسنتهم والوانهم فضل (بيت الله) الذي كان يعرف باللسان السرياني بـ (بيت إيل) و"ايل" بالسريانية تعني (الله).
ولقد آمن جمع من العرب بشتى لهجاتهم من السريان والفصحاء وغيرهم بالنبي (السرياني) الطاعن في السن، واخذوا عنه اصول الدين القيم ومناسك الحج منذئذ، وصار من ثبت على ذلك يعرفون بـ(الحنفاء) حتى عهد خاتم المرسلين النبي الاعظم، وسمي بطن الوادي ايام ابراهيم (عليه السلام) ببرية (بئر سبع) وازدحم بطن الوادي بالناس لعودة المياه اليه، ويقينا ان العرب من قبل زمن ابراهيم (عليه السلام) يعلمون (قدسية) الوادي منذ زمن (ادريس ونوح) ولكن انقطع الناس عنه بسبب انقطاع المياه عن الوادي نتيجة التغيرات التي لحقت بالارض تبعا لطوفان نوح، (وهي نتيجة لها الكثير من التفاصيل الاخرى).
{ تمصير ابراهيم (عليه السلام) لمكة: ثم تحول بطن الوادي تدريجيا الى (مصر) تجاري بعد ان تحولت اليه خطوط القوافل المجاورة لتوافر المياه وتكاثر الناس فيه بالمقارنة مع زمن ما قبل دخول النبي ابراهيم فيه (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) ]البقرة-126[ فصار يُنقل اليه ومنه ثمرات البلدان على ظهور الابل للمتاجرة، (والبحث بتفاصيل كثيرة يصل الى ان النبي ابراهيم لم يذهب الى بلاد القبط او مصر الحالية).
{ مضارب يعقوب وجب يوسف: وعلى نقيض الرواية التوراتية ايضا فإن البحث يصل بعد ابحار طويل في كل المراجع والمصادر الى ان "يعقوب" (عليه السلام) وبنيه الاثني عشر، سكنوا قرب خطوط القوافل في (الجزيرة العربية)، وكان (يعقوب) يمتهن الرعي فقط، ولم يكن بعيدا عن (مكة). القى اخوان يوسف اخاهم في جب على طريق قوافل الابل، وحمِل مع التجار الى (قرية وسوق مصر) قريب من مكة من جهة الجنوب على جبال السراة، وليس الى بلاد القبط او مصر الحالية، كما تطرح التوراة المزورة ويسقط المفسرون ذلك على القرآن ، وهناك بيع (يوسف) بثمن بخس وذلك ليتخلصوا من تكاليف النقل فكانوا في ثمنه من الزاهدين.
{ "يوسف" في قرية قرب المصر (السوق):
استقر يوسف (عليه السلام) في قرية قرب "المصر" الذي بيع فيه، ثم صار "عزيزا" على المصر، واشتغل بالتجارة وكان شيخ القرية يلقب بالملك واسمه (الريان بن الوليد بن ثروان بن اراشة) ويبدو من حواراته واحداثه مع يوسف (عليه السلام) انه كان من الموحدين الاحناف.
(هذه النتيجة تحديدا جاءت ثمرة فصول من البحث الجاد على كل المصادر، وحيث لم يكن للنبي يوسف اي علاقة بـمصر الحالية مثله مثل بقية الانبياء الذين (تواجدوا) وتنقلوا في الجزيرة العربية، رغم ان الرواية التوراتية المحرفة طالت جغرافيا جميع هؤلاء الانبياء وسرت في العالم وفي بلاد المسلمين باعتبارها الحقيقة).
{ أولاد "يعقوب" والتجارة:
آوى يوسف (عليه السلام) اليه ابويه واخوانه واهلهم والبالغ عددهم (سبعين نفسا) وهم النواة الأولى لن يعرفون بـ (بني اسرائيل). بدأ بنو يعقوب العمل بـ (مصر) قرية يوسف (عليه السلام) في (الجزيرة العربية)، بحسب تعليمات يوسف (عليه السلام) فمارسوا التجارة وامتهنوها، بعد ان اسس يوسف (عليه السلام) نظام الخزائن واقام ما يشبه شركة تكافلية انتشر نظامها في (الامصار) بعد ان حقق نجاحات تجارية بسبب النظام التكافلي التجاري الجديد والمبكر، (وعليه فإن النبي يوسف لم (يتواجد) اطلاقا في بلاد القبط او مصر الحالية، كما يفسر المفسرون بناء على التحريف التوراتي ايضا، وهذا مما عمل عليه البحث بجدية كبيرة للوصول الى هذه النتيجة والنتائج التي قامت على الآيات القرآنية ايضا).
{ المثوى الاخير:
ماتت (سارة وابراهيم واسماعيل واخوه اسحق وهاجر) عليهم السلام بمنطقة (مكة) ونقل اليها جثمانا يعقوب ويوسف من الامصار او القرية التي كانوا فيها في غرب الجزيرة العربية ايضا، (وهنا نتيجة صادمة اخرى، حيث لا علاقة لكل هؤلاء بمصر او العراق او فلسطين. أما كيف وصل البحث الى هذه النتائج فتلك قصة لغوية وتاريخية وقرآنية وتوراتية واثرية طويلة تحتاج الى الرجوع اليها في البحث نفسه).
وفي المقال القادم يستعرض البحث:
قصة فرعون مصر ومن هو؟
وهل هناك فعلا فراعنة في مصر ام انهم ملوك القبط بتسمية الفراعنة؟
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: النبي "موسى" من الجزيرة العربية وفرعون موسى رجل "نجدي" اسمه "قابوس بن مصعب"
فوزية رشيد
العدد 11401 - الاربعاء 10 يونيو 2009
{ من المقالات السابقة حول (جغرافيا الانبياء) يتضح من خلال النتائج الصادمة لكتاب (اختطاف جغرافيا الانبياء) ان أغلب ما ترسخ في الذهن (معرفيا) عن الانبياء و(دينيا) عن القرآن، ما هو الا اسقاط توراتي تحريفي على العقل العالمي والاسلامي، وحيث الرواية التوراتية، لا يسندها اليوم أي دليل لا علمي ولا تاريخي ولا أثري ولا جغرافي ولا قرآني، فيما الرواية المخالفة للرواية التوراتية تجد لها السند والدليل في كل ذلك، وهذا هو المفاجئ والصادم فيه فعلاً، وحيث ونحن نسرد (المعرفة البديلة) لقصص الانبياء وغيرها مما تناولتها بحوث (عندما نطق السراة) فإننا حتما لا نعبر عن رأينا الشخصي، وانما نطرح النتائج والاستنتاجات، ولكل من لديه خلاف عليها بشرط العمل على البحوث نفسها وليس على المقالات التي أوجزت ولخصت ونقلت بعض الافكار الرئيسية فيها، ولا أكثر، على كل مخالف أن يدلي بدلوه ويقدم خلافه.
{ في هذا المقال يوضح البحث أنه لا يوجد حتى في الوثائق المصرية ما يثبت وجود اسم (مصر) في القديم وفي زمن الانبياء، ولا يوجد ما يثبت اسم الفراعنة في الاثريات المصرية القديمة نفسها وانما كانوا (ملوكاً للقبط) وليسوا (فراعنة لمصر) الحالية. ومن اجل الوصول الى هذه النتيجة المهمة يستعرض البحث الكثير من الوثائق والتحليلات والقراءة المتعمقة في مصادره المختلفة، وفي التراث القديم ليقدم ما نختصره بالتالي:
- مصر فرعون:
ارتد الكثير من أبناء أحفاد يعقوب عن دين آبائهم (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) مريم: .59 وانشغلوا بالتجارة و(المرابحة الربوية) منذ ذلك الزمن وصاروا يشكلون (خطرا مهنيا) على أصحاب "المصر" الاصليين من العرب الاميين. وتقع (مصر فرعون) التجارية بجبال السراة (ما بين مكة والنماص ببلاد غامد أو ابها) ولا علاقة لها بمصر الحالية.
{ قابوس هو فرعون موسى:
فرعون المذكور في القرآن، رجل (نجدي) واسمه (قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح) عرف "قابوس" بين الناس "بفرعون" حيث طغى هذا اللقب على اسمه وعلى مسماه (كملك لمصر التجارية) غرق قابوس وجنوده حوالي (1300 قبل الميلاد) في اليم القريب من (المصر) في الجزيرة العربية بعد ان تبع موسى (عليه السلام) الى داخل اليم. (وفي هذا قراءة مطولة في البحث، وقراءة للآيات القرآنية وللأماكن الجغرافية ولطبيعة المنطقة والبحر الاحمر وللآثار وغيرها. ولمعرفة كل تلك التفاصيل لابد من العودة الى البحث نفسه).
{ اضطهاد بني يعقوب:
سخر "قابوس" بني اسرائيل لمنافعه الخاصة واخضعهم لارادته فبعث الله موسى (عليه السلام) وهو (ابن حفيد أخي يوسف - لاوي) لاستنقاذهم مما كانوا فيه، وليرجعهم الى الارض المقدسة حيث موطن جدهم ابراهيم (عليه السلام) وهو (مكة) وذلك لخدمة الرب والعمل على هداية الناس.
{ خروج بني يعقوب مع موسى من المصر:
آمن قليل من بني اسرائيل بموسى (عليه السلام) وعددهم يقدر (بمائة وخمسين نفسا)، خرجوا مع موسى (عليه السلام) من "المصر" وأغرق الله (قابوس) وجنوده أو فرعون وجنوده، في أحد الانهار القريبة، ويدعى النهر (بيم ساف او سوف). وتوجه موسى بمن تبعه (جهة الشمال باتجاه مكة) ولكنهم دخلوا التيه بعد أن رفضوا مقارعة (قبائل العمالقة) المسيطرين على منطقة "مكة" (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين* قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون* قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين* قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون* قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين* قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين" (المائدة: 21- 26).
وفي توضيح لهذه الآيات هناك شروح مطولة تدل على ان (لا علاقة لسيناء او الاردن بالتيه اليهودي) وان (يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم) أي كتب الله "لعشيرة بني اسرائيل" دخول مكة (ولم يكتب مكة لهم) حيث قال الله تعالى (ادخلوا الأرض المقدسة التي "كتب" الله لكم) ولم يقل (ادخلوا الارض المقدسة التي "كتبها" الله لكم). وهناك تفاصيل وشروح حول جغرافيا التيه والوصول الى ان كل القصة كانت تدور في غرب الجزيرة العربية، ولا علاقة لبلدان عربية اخرى بها، إلا من خلال التحريف التوراتي اليهودي للأماكن والاسماء وغيرهما.
{ وراثة بني اسرائيل والأميين "لمصر الجزيرة العربية":
ورث من تخلف من (عشيرة بني اسرائيل) مصر موسى (فأخرجناهم من جنات وعيون* وكنوز ومقام كريم* كذلك وأورثناها بني إسرائيل) الشعراء: 58- .59 كما شاركهم وراثة مصر هذه من كان موجوداً من عشائر الاميين العرب (كم تركوا من جنات ونعيم* وزروع ومقام كريم* ونعمة كانوا فيها فاكهين* كذلك وأورثناها قوما آخرين) الدخان: 25- .28 وبقوا جميعا فيها وحولها الى (عهد داود وسليمان) حيث أسس نبي الله (داود) "مملكة صغيرة" بمغارة (بقرية آل شريم) حيث أقام (معبداً) لقومه وذلك حوالي سنة (1005 قبل الميلاد). وهنا يفند البحث حجم الافتراء و(الادعاء التوراتي) حول الانبياء وجغرافيتهم، وحيث كانت قبيلة بني اسرائيل مجرد عشيرة في الجزيرة العربية، ولا علاقة لها بالاماكن الاخرى.
ويوافق في هذا العديد من الباحثين مثل (أحمد داود، كمال الصليبي، وغيرهما).
{ النشاط الاقتصادي بالجزيرة العربية:
كانت الحركة التجارية نشطة (بالامصار العربية) قبل وبعد عهد (داود) عليه السلام، وأخذ بنو اسرائيل (العشيرة) يطمعون في تحقيق ارباح على حساب النظام الاقتصادي في الاقاليم والدول الاخرى او الطريق الدولي آنذاك مما رفع اسعار البضائع المصدرة والمستوردة المارة بـ (مصرهم) فأثار ذلك غضب (ملوك الدول العظمى) في ذلك الوقت، فهاجمهم (شيشانق) ملك القبط حوالي (941 قبل الميلاد) ثم تبعه غزو ملوك (اشور) سنة (721 قبل الميلاد) فنبوخذ نصر سنة (586 قبل الميلاد) الذي ازاحهم من المواقع الاستراتيجية بالامصار التجارية و(هدم معبد داود وسباهم الى بابل) فخلت الامصار من زعمائها وورثها من بقي من العرب الاميين وضعاف "بني اسرائيل".
هذه الجزئية من البحث التي تسرد قصة الطمع اليهودي منذ ذلك الوقت، وقصة "السبي" ولكن بسرد مغاير، لم تأت هذه النتيجة هكذا، وإنما بما يستدعي العودة الى كل التفاصيل في البحث.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: هل لفلسطين علاقة باليهود؟ وما قصة الأرض الموعودة وهيكل سليمان إذاً؟
فوزية رشيد
العدد 11402 - الخميس 11 يونيو 2009
* بعد أن حاول كتاب (اختطاب جغرافيا الأنبياء) إعادة الحقائق إلى أماكنها الأصلية وفرز التزوير والتحريف اليهوديين لتلك الجغرافيا، وبعد أن حاولت عشيرة بني إسرائيل التحكم في النقاط التجارية لتحقيق الأرباح (كعادتهم إلى اليوم) وبعد أن هاجمهم (ملك القبط) وغزاهم (ملوك اشور) وحقق الانتصار عليهم (نبوخت نصر) سنة (586 قبل الميلاد) فهدم (معبد داود) وسباهم من الجزيرة العربية إلى (بابل) يصل البحث إلى قصة أخرى مهمة هي قصة (التزوير الأول).
- التزوير الأول - الأرض الموعودة الأولى:
بات بنو إسرائيل العشيرة أو القبيلة يواجهون أزمة أرض حقيقية بعد سبيهم لبابل في عام التفرق على يد نبوخت نصر، فعمدوا وهم ببابل إلى جمع المدونات الإسرائيلية الموروثة وأعادوا ترتيب محتوياتها وأضافوا إليها بعد ألف عام من وجودها حتى اكتمل هذا العمل في أواخر القرن الرابع أو بداية القرن الثالث قبل الميلاد، وبذلك فقط أصبح لليهود كتاب مقدس، ومن ضمن ما يحوي هذا الكتاب المقدس توزيع الأراضي بجبال سراة عسير، التي تم سبيهم من جزء (ميكروسكوبي) منها فأكرموا أنفسهم بالمطالبة بأرض تبلغ (550 كلم) طولا و(200 كلم) عرضا، وتمتد من الطائف إلى حدود اليمن، وزعوها كقسائم سكنية لكل سبط من أسباط بني إسرائيل مما ساهم في قبول هذا الكتاب المقدس لدى جميع طوائف وتلاوين عشيرة بني إسرائيل فغدا هذا الكتاب المقدس الذي أطلقوا عليه اسم التوراة يحوي وثيقة عقارية مقدسة يطالبون العالم بالالتزام بها وحجتهم أن تلك الوثيقة العقارية (من عند الله)، إلى هنا وتزويرهم الأول حول الأرض الموعودة الأولى لا علاقة له البتة بفلسطين، فماذا حدث بعد ذلك؟
- ترك أدلة التزوير:
فشلت (الوثيقة العقارية المقدسة) في تأمين الأرض المطلوبة بعسير فانتشروا أشتاتا في بقاع الجزيرة العربية مع التركيز في استيطان الأمصار التجارية آنذاك كمكة وخيبر وتيماء ويثرب وشبوة ومأرب ومنوف بالقبط وغزة بالشام، وغيرها من الأمصار الاستراتيجية وذلك لحرصهم على الوجود في التقاطعات التجارية لممارسة مهنة التجارة التي يبدو أنهم تخصصوا في امتهانها منذ زمن نبي الله يوسف (عليه السلام) حتى يومنا هذا.
أما الوثيقة العقارية (المزورة) التي تحوي أسماء المناطق والقرى والقبائل العسيرية فبقيت بين الناس حتى يومنا هذا شاهدا حيا على التزوير الأول لكتاب الله. ومع تطور علوم اللغات القديمة في القرن العشرين أدى ذلك إلى اكتشاف تطابق الأسماء التي وردت في أسفار التوراة المحرفة مع تلك القائمة والبائدة بعسير في الجزيرة العربية فقط، ويمكن القول إن الدكتور أحمد داود وكمال صليبي وزياد منى هم الرواد في اكتشاف ما كان يخشى أئمة اليهود انكشافه يوما ما.
ثم ماذا بعد؟
- إسقاط الأسماء في أراضي الشتات:
أينما حلت جاليات يهودية وتكاثرت ونمت عمدت إلى إسقاط أسماء تيمنية توراتية على الأرض التي تركزوا فيها وهذا يفسر وجود أكثر من موقع بجبال عسير يدعى على سبيل المثال لا الحصر "نمرة ومروة"... الخ، ووجود هيكل لسليمان بمأرب والقبط، ناهيك عن بعض أسماء القرى بفلسطين إلى جانب ادعاء وجود هيكل سليمان بموقع مسجد الصخرة في القدس، (والبحث يسرد الكثير لاكتشاف حجم الزيف والتزوير في جعل كل ذلك كأنه كان في تلك الأماكن وليس مجرد تيمن بالاسم).
- التزوير الثاني - الأرض الموعودة الثانية:
بعد فشل التزوير الأول للسيطرة على أمصار عسير أعاد اليهود الكرة ولكن هذه المرة لمحاولة السيطرة على أمصار الشام ومنها فلسطين التي تكاثروا في بعضها وسنحت الفرصة بعهد (بطليموس ملك القبط) الذي عرض على أئمة اليهود ترجمة التوراة السريانية إلى الإغريقية، فعمد سبعون كاهنا يهوديا إلى إصدار "السبعونية" أو ما عرف بـ "التوراة السبعونية" وذلك بوضع ترجمة محرفة وذلك بحذف اسم "مصر" و"مصريين" وهما في الجزيرة العربية واستبدالهما بـ "القبط" و"القبطيين" اللذين كانا الاسمين المتعارف عليهما في كل العالم آنذاك، وإلى اليوم حيث اسم "ه؟" هو الاسم المتداول. كما استبدلوا في "التوراة السبعونية" اسم "كسد" إلى "كلد" واسم "كوث" إلى "أور" واسم "حوران" إلى "حاران" الخ وهناك الكثير من الأسماء الأخرى المحرفة.
ونقلوا أسماء الأنبياء من الجزيرة العربية إلى العراق والشام والقبط وأخفوا هوية فرعون موسى الحقيقية "قابوس" وحرفوها إسقاطا على "رعمسيس" أحد ملوك القبط، ثم أخفوا هوية ملك يوسف "الريان بن مصعب" في مصر الجزيرة العربية وجعلوه في مصر الحالية، كما استفادوا من ظاهرة "التيمن" القائمة فأحلوا نهر الفرات الأصل بالجزيرة العربية إلى نهر الفرات التيمني بالعراق، ولهذا شروح كثيرة في البحث وحول أن الأصل في اسم "نهر الفرات" كان في الجزيرة العربية، بعد ذلك فرعنوا جميع ملوك القبط فأسقطوهم في الوثنية والتجبر وذلك ما كان يرضي "بطليموس" المحتل كما يرضيه أن تبدو الأرض القبطية التي احتلها مقدسة في نظر الشعوب الأوروبية لأسباب اقتصادية، ومنذ ذلك الوقت حوالي 300 عام قبل الميلاد، تم التدشين لترسيخ التزوير التوراتي حول جغرافيا الأنبياء وحول أرضهم الموعودة كذبا وافتراء وما كانوا إلا عشيرة وإلا مقيمين بأرض صغيرة في عسير في الجزيرة العربية.
(حول النقاط السابقة يوجد في البحث أو الكتاب الكثير من التفاصيل والخرائط والمراجعات اللغوية والتاريخية والأثرية للأماكن وصولا إلى الحقيقة).
- حرق جسور العودة إلى الجزيرة العربية:
مع وضع التزوير الثاني قطع أئمة اليهود من عشيرة بني إسرائيل (وليس اليهود الحاليون بالطبع الذين لا علاقة لهم لا بالعرب ولا بفلسطين ولا بالجزيرة العربية) نقول منذ التزوير الثاني قطع أئمة اليهود منذ ذلك الوقت كل علاقة لليهود الأوائل بالجزيرة العربية، بما تحوي من مقدسات أصيلة كمكة وجبال سراة (حيث كان موسى وفرعون وكل الأنبياء ومسارح الأحداث) بل عمل اليهود على إخفاء كل حقيقة يمكن أن تكشف لعامة اليهود وللعالم هذه الفضيحة فينهار بذلك قناع التزوير الثاني الذي قام على أساس ترتيب مسرح ميداني جديد، يوحي بأن الأرض المقدسة ومهابط الوحي هي بالشام والعراق والقبط، وما اختيار هذه البقع الأرضية الجديدة إلا بعد أن أدركوا أن لا أمل لهم في الاستحواذ على الأراضي المقدسة الأصلية في الجزيرة العربية فأخرجوا اطروحة الأرض الموعودة الثانية، ولكن هذه المرة في أراض جديدة (أكبر مساحة وأنشط تجاريا)، وهي واقعة حينها، قبل الميلاد طبعا، تحت الاحتلال الإغريقي. وما من شك أن أئمة اليهود الماضين والمعاصرين يدركون ويعون تماما أن اكتشاف هذا التزوير يوما ما سوف يشكل أكبر فضيحة كونية خبرتها الإنسانية قاطبة عبر كل التاريخ وذلك بعد أن ألزموا أنفسهم بقدسية ما كتبت أيديهم من تزوير وتحريف ونشروه في العالم تحت هذا الادعاء جيلا بعد جيل، وهم يعلمون أنهم كاذبون ومزورون ومحرفون وان الله يرى ما يفعلون.
{ رغم أن النقاط المطروحة حول كتاب (اختطاف جغرافيا الأنبياء) هي غيض من فيض حيث التفاصيل فيها الكثير مما يصدم ويذهل، وهو ما لم نتمكن من نقله إلى القارئ، فإن رؤوس الأقلام من النتائج والتحليلات التي طرحها البحث لم تكتمل بعد فهناك بقية للصورة سنطرحها في ختام مقالاتنا عن سلسلة "عندما نطق السراة" خلال الأيام القادمة.
ونطرح معها سؤالا آخر مهما طرحه البحث:
لماذا كانت الجزيرة العربية أرض وجغرافيا كل الأنبياء؟ وما سر قدسية الكعبة منذ الأزل؟ ولماذا مكة أم القرى جميعا؟
وللحديث صلة
عندما نطق السراة: ما بين تزوير "الغرب" و"تحريف" الشرق والحصار المقدس لثقافة القرآن
فوزية رشيد
العدد 11405 - الاحد 14 يونيو 2009
* انتشار (ثقافة التزوير) في الغرب:
بعد أن أتاح (بطليموس) ملك القبط وقد احتل بلادهم، الفرصة للكهنة اليهود (ترجمة) ما تم وضعه باسم التوراة (بعد ألف عام من زمن موسى) فأصدروا (السبعونية) أو التوراة المحرفة، وهو ما تمت الاشارة إليه في المقالات السابقة، فإنه لم يكن هناك مصدر معرفي ديني للغرب غير تلك (التوراة السبعونية) التي كتبت بلغة القوة العظمى آنذاك (لتأتي الترجمة من السريانية الى الاغريقية) المحملة بالتزوير، وهي (مصدر العلم الغربي) ومنهل (علوم الوهم) من التوراة المحرفة الى لغات غربية اخرى تمت الترجمة إليها (لاحقاً)، فانتشر التزوير في الكتب وخطب المعابد والكنائس والمحافل، مما تسبب في وقوع (انفصام ثقافي) ترسخ مع تعاقب الاجيال بين ما يعيه الفرد الشرقي وما يعيه الفرد الغربي. فلم يكن هناك في وعي الغربي أي مسميات مثل (مصر الجزيرة العربية وقابوس "فرعون موسى" والريان ومكة وعسير وغيرها) بل كان هناك بالنطق اللاتيني وغيره أسماء مثل (قبط وأقباط وأور، وكلدان، ومسيوبتنيا) الخ حسب الترجمة المحرفة.
انتشار (ثقافة التحريف) في الشرق:
اما ما كان يخص الشرق، فلم يكن من السهل (استبدال) كل هذه المفردات الجديدة مكان تلك (الاصلية والحقيقية) لكون الاحداث قد حدثت في اراضي الشرقيين.
لهذا تمت (عملية التحريف والاسقاط) بدل (الاستحداث والتزوير) وذلك بغية خلق انسجام وتوافق بين ثقافة الغرب (المستحدثة) وثقافة الشرق (الاصيلة)، فتم (تثقيف الاميين) على ان مصر الراسخة في الذاكرة العربية (تقع جغرافيا ببلاد القبط) وعليه (فالمصريون هم الاقباط) الى جانب المعلومات المحرفة الاخرى التي نقلت الاسماء والاماكن والجغرافيا من بلاد الجزيرة العربية وقراها الى بلاد عربية أخرى. كان ذلك (موضع سخرية الشرقيين من يهود وأميين عرب) قبل الاسلام اول ايام طرح هذه التحريفات الواردة من (حكومة بطليموس بالقبط) الى الناس ولكن لم يعد بعد ذلك هذا التحريف موضع استغراب أو تساؤل (بعد كتابة وتوثيق) هذا التحريف ومرور ما يقارب (800 سنة) عليه حتى ظهور الاسلام أي ما بين سنة 282 (قبل الميلاد) حتى سنة 600 (بعد الميلاد) قبيل البعثة النبوية بالحجاز. هكذا استقر هذا التحريف في وعي (معظم) افراد أجيال العرب بشكل طبيعي وصار ثقافة عامة، رغم معرفة البعض منذ بداية التحريف والى اليوم وخاصة (أقباطا) بالحقيقة، ولكن هذا البعض عتم بنفسه على معرفته بسبب شيوع التحريف.
انتصار شيوع (السبعونية) على الثقافة القرآنية:
جاء (القرآن الكريم) ليكشف من ضمن ما كشف ان هناك (تزويراً) قد وقع من قبل بل (فصل) نوع التزوير المعني وكشف من أوقعوه، وكيف أوقعوه، ولماذا أوقعوه، ووضع الاجابات المصححة للمسار، ولكن انتشار (ثقافة وهمية) وشيوعها لقرابة (ثمانية قرون) في العالم القديم كان أقوى من ان يتم الانتصار عليه في عدة سنوات من البعثة المحمدية، فكان لازما على المسلمين (تصحيح المسار الجغرافي حسبما ورد في القرآن الكريم) ولكن وقع المحذور، وأخذ بعض المفسرين والمجتهدين في صدر الاسلام (يقرأون القرآن عبر سبقيات ثقافة التوراة التي ورثوها من آبائهم)، وأخذ (اليهود) يدخلون الاسلام و(يعلمون المسلمين) تراث الانبياء بدل ان يحدث العكس. وحدثت (مشادات ثقافية) كثيرة بين المسلمين و(اليهود المسلمين) ولكن يبدو أن ثقافة التراث اليهودي انتصرت) في آخر المطاف، ولكن حتى حين فبقيت (مصر كمفردة) في الألسن، ولكنها مازالت (قبطاً) في الوعي، حتى ان المسلمين (فتحوا "مصر السبعونية" أي القبط وفي وعيهم انهم قد فتحوا "مصر القرآنية") أي أنهم حين فتحوا بلاد القبط، كانوا يعتقدون حسب وعيهم أنها مصر التي وردت في القرآن.
الحصار المقدس لثقافة القرآن:
كان ومازال القرآن الكريم هو مصدر (التهديد الوحيد) بين الناس المترصد لفضح التزوير والتحريف اليهوديين للعالم، وحيث لا يمكن العبث بنصه (كما حدث للتوراة والانجيل) لتعهد حفظ الله له. عندها (عمد أئمة اليهود) الى (احتوائه) بفرض حصار على (فهم الناس) لهذا المصدر المعرفي الرباني القائم بين أمة محمد، عليه الصلاة والسلام، (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) فصلت: .26 فدخل من اليهود الاسلام، بل بنوا (مسجد ضرار) كنواة افساد في عهد الرسول الأكرم، فهدمه الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ليكفي المسلمين شر المصادر الثقافية (الملوثة) ولكن ما ان انتقل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) الى جوار ربه حتى (كثر دخول اليهود في الاسلام) وادخلوا معهم (ثقافات يهودية) تحت اسم الاسلام، فأمكن المغرض منهم ادخال كل ما أمكن من (اسرائيليات) عملت على (اضفاء التشويش والبلبلة الثقافيتين) بين المسلمين، فما يكاد المسلم يقرأ حديثاً مثل (لا تصدقوا اليهود ولا تكذبوهم) الذي يخط (منهج التحقق) في كل قول يصدر عن مصادر يهودية حتى ليفاجأ بحديث مثل (حدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج) فيلغي منهجية التحقق التي سنها غيره. وكلا هذين الحديثين وامثالهما كثير في كتب المسلمين تحت عنوان (قال رسول الله)، وما هذا إلا مثال لمئات من هذه التناقضات (المدسوسة عبر حقب متلاحقة) فلا يعرف المسلم بذلك ما هو (تكليفه) ويؤدي به الى التشتت في التفكير والى التردد. ويمكن للقارئ الكريم، (حسب دعوة المصدر) الرجوع الى كتاب (مسخ الصورة: سرقة وتحريف تراث الأمة) الذي يلقي الضوء على تاريخ التزوير الذي خضع له تراث العرب ونماذجه.
وللحديث صلة.
عندما نطق السُراة: الطموحات اليهودية المعاصرة ما بين بلاد العرب وأمريكا الشمالية
فوزية رشيد
العدد 11406 - الاثنين 15 يونيو 2009
* اذا كان التاريخ الحديث في البلاد العربية والشرق الأوسط والعالم كله، لايزال يعاني (تداعيات التزوير والتحريف) والطموحات اليهودية (المبكرة) في السيطرة وجني المال، على حساب الحقيقة وحقوق الشعوب، فإن إزالة الوهم المنتشر بين الشعوب العربية وشعوب العالم، حول الصهيونية والتوراة المحرفة والكيان الصهيوني وحقهم التاريخي في فلسطين، لن تتم إلا (بالتوعية المدروسة والمنظمة) ونشر الحقائق لتحل تدريجيا مكان الكذب والتزوير والتحريف وكشف (أكبر فضيحة كونية خبرتها الانسانية قاطبة عبر كل التاريخ) وهذه التوعية هي أهم أسس النضال (المعرفي والسياسي والعلمي والتاريخي) ضد هذا الكيان الاستعماري الغاصب، والقائم على ما تم تزويره قبل الميلاد، ليستمر أثره الى اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين.
الطموحات اليهودية المعاصرة:
ونموذج ذلك التزوير الذي تم قبل الميلاد بما يخص التوراة واسقاط التحريف على القرآن، يتم اليوم وأمام أبصار العالم وأسماعه باعادة نموذجه في مكان آخر.
في سنة 1832م، رمى (جوزف سميث) بذور التزوير المعاصر في ارض امريكا الشمالية، وبما سمي (كتاب المورمون المقدس) ليعيد التاريخ نفسه مرة اخرى، بعد ان حقق اليهود نجاحات منقطعة النظير في بلاد العرب، فقد اعتادوا قضم اليد التي تتعامل معهم منذ ايام (عفرون بن صوحر الحثي الحجازي) انتهاء بالولايات المتحدة الامريكية نفسها، فصار اليوم من الأمريكيين، وتحت قناع (هذا من عند الله) من يعتقد ان بني اسرائيل، الذين لم يكونوا الا مجرد عشيرة في الجزيرة العربية، كان لهم موطئ قدم بالقارة الامريكية وتحت لافتة (كتاب المورمون المقدس) الذي اصبح (دينا جديدا) في امريكا، والفاتورة سيدفعها الامريكيون في بضعة قرون قادمة، وهو عينه ما يحدث للعرب اليوم الذين مازالوا يدفعون فواتير (غفلة آبائهم) بعد ان صاروا يقرأون "قرآنهم" بعيون (السبعونية) او ما تم وضعه قبل الميلاد (التوراة المحرفة).
اغتصاب فلسطين:
بعد التزوير الثاني (الأرض الموعودة الثانية) وأخيرا وفي سنة 1948م تم الاغتصاب الفعلي لارض من اهلها تحت عنوان (الارض الموعودة)، وما كان ذلك ليكون لولا (التقاء مصالح غربية استعمارية لاستخدام الطرح اليهودي القائم لتفريق عرب افريقيا عن عرب آسيا) كما جاء في قرارات (مؤتمر لندن) سنة 1905م فأصبح لليهود ارض، وان فقدت مقوماتها الطبيعية، فالمعونات الغربية كفيلة ببقاء كيان الاستيطان قائما لتحقيق مآرب استراتيجية بعيدة الأمد، وذلك بابقاء الأمة العربية (مفرقة) جغرافيا وعقائديا، وهم يهيئون فلسطين اليوم لتكون (مركز الحكم العالمي المباشر بعد اعادة هيكل سليمان وهدم الاقصى، لتكون فلسطين المحتلة مركز السيطرة التجارية العالمية بعد افول نجم الولايات المتحدة، كمركز مرحلي للصهيونية العالمية).
انكسار القيد النفسي:
يضيف البحث في مختصره في كتاب (اختطاف جغرافيا الانبياء) ان الطوق اليهودي (هذا من عند الله) قد بدأ ينكسر مؤخرا، وهو الطوق المضروب حول النفس والعقل العربيين، وحيث انكشف التزوير العالمي، وبدأت بداية النهاية التدريجية لتلك (الاسطورة الوهمية المؤدلجة) بعد ان تطورت (علوم الاركيولوجي وعلوم الألسن) وتوافرت تقنيات التواصل والاتصال العالميين، مما أدى إلى انفتاح العالم على مختلف (المكتنزات التراثية الاممية) بعد ان حكرها المغرضون على العلوم القادمة من لسان (اليونان القديمة) وخرج ثلاثة كتاب عرب بتحاليل واطروحات وأدلة تكشف التزوير القديم الحديث (د. أحمد داود، د. كمال صليبي، فراس السواح) وغيرهم من رواد الكشف المتزايدين بحثا اليوم، الذين يسعون معا لكشف الظلام (السبعوني) الذي يريده البعض قائما، لتحاشي فضيحة الجريمة الكبرى، بوضع قيود اخرى (سياسية وفكرية) لكل من يشير لجريمة ائمة اليهود قبل الميلاد وبعده، وما قانون (معاداة السامية) الا للقيام بذلك الغرض.
{ حاولت سلسلة (عندما نطق السراة) بدورها كشف رحلة (التيه الثقافية) التي ادخل فيها ائمة اليهود الانسانية كلها (بتزوير وحي السماء) والمقدسات، فأوقعوا في (التوراة الربانية) حذفا واخفاء واضافة وتحويرا فأغرقوا بذلك ذكر حضارات الدنيا ورسالات الانبياء القديمة، في مياه (طوفان نوح) وكتبوا (تاريخا جديدا لبني آدم يبدأ بعد الطوفان) وقسموا الناس الى اجناس راقية واخرى هامشية واخرى ملعونة، (وتخيروا لأنفسهم فيما قسموا ارقى الدرجات) وألزموا الناس بقبول هذا (الوهم وتبعاته) بزعمهم كذبا ان (هذا من عند الله) فصدقهم الطيبون بحسن نية، ثم بعثروا اسماء الانبياء في كل بلاد (طمعوا فيها) ليكون لهم بذلك موطىء قدم يطالبون بها بعد ان يكبر على تزويرهم الصغير ويهرم عليه الكبير.
فكان التزوير الاول (ببابل) سنة 586 قبل الميلاد، والهادف (لاغتصاب تهامة عسير بأكملها) من ايدي سكانها، بعد ان تجرعت عشيرة بني اسرائيل، عذاب السبي ومرارة الغربة بما كسبت ايديهم، وهم احباء الله كما يحلو لهم ان يعتقدوا، وعندما فشلوا في السيطرة على (تهامة عسير) تبعوه (بالتزوير الثاني) سنة 282 قبل الميلاد ليمهدوا (لاغتصاب بلاد الرافدين وسوريا والقبط) عوضا عن اراضي جبال السراة بعسير، وعندما فشلوا ايضا انتهى بهم المطاف (باغتصاب ارض فلسطين) سنة 1948م، ومع ذلك لم يتذوقوا طعم الامن فيها حتى الآن.
{ لقد كانت (الاسطورة المقدسة) هي سلاح ائمة اليهود لتحقيق تلك الطموحات العظيمة على الرغم من (ضعفهم وقلة عددهم) في البداية وهم يعلمون (فاعلية هذا السلاح) في حين جهل العرب مدى تأثيره، فأخذنا نرميهم بالحجر وهم (يلجمون مفكرينا ومنظرينا ومؤرخينا بالاسطورة المفبركة) ويجيشون العالم الغربي المغرر به بـ (القدسية)، فكانت لهم الغلبة والعرب والمسلمون لا يشكون من قلة ولا من نقص في عقل ولا حرمان من مداد السماء فاخترقوا العرب والمسلمين والعالم (بالاسطورة الوهمية المقدسة) كما اخترقوا تراث الامم ووعيهم وثقافتهم بالاسرائيليات، وبالقمع الفكري (معاداة السامية) وبالعولمة التي يتحكم في مركزيتها واعلامها ودراساتها الاستراتيجية، صهاينة اليهود او (أئمة اليهود المعاصرين).
وللحديث صلة.
عندما نطق السُراة: محكمة الاستبداد العقائدي وإسرائيليون يفضحون "توراتهم"
فوزية رشيد
العدد 11407 - الثلاثاء 16 يونيو 2009
* "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون" البقرة .75
في هذه الآية وآيات كثيرة أخرى، يأتي كشف حقيقة التحريف والتزوير، وهو ما كشفه "الانجيل" نفسه، وعلوم الآثار أيضا.
والحقبة التي زوّر فيها أئمة اليهود "التوراة" تقع ضمن مدة زمنية يبلغ طولها "1900 سنة" وهي عدد السنين التقريبية بين زمن نزول التوراة، وزمن نزول القرآن الكريم، وهي مدة زمنية أكثر من كافية لتوغل واستقرار التعاليم المزورة في الوعي الثقافي لعموم أجيال اليهود أنفسهم، ناهيك عن وعي الكثير من "قبائل العرب" المحيطين بهم الذين كانوا يعتبرون "البيت اليهودي" مصدرا معرفيا "ربانيا" يتلقفون منه ما ينضح من علوم كتابية،ويواصل البحث: لذا يمكن القول إن أجيال العرب بشقيهم "الكتابي والأمي" تأثروا بشكل مباشر وغير مباشر "بهدي التوراة" حين نزولها، كما تأثروا بضلالها منذ يوم تحريفها.
* ومنذ البداية كان كل من يحاول طرح التشكيك أو التساؤلات حول التحريف أو التزوير، كان يتم وضعه في ميزان "محكمة الاستبداد العقائدي" ليتم وزن كفرهم وإيمانهم بناء على حجم تساؤلاتهم وتشكيكاتهم، وهي الآلية التي أثبتت نجاحا مشهودا في اختراق حصون العقل الانساني، وتكميم أفواه المتكلمين، وإخماد فضول المتسائلين، وتهميش آراء الآخرين، فهي صناعة قديمة أقدم عليها بعض كهنة اليهود مع "بداية الألفية الأولى قبل ميلاد المسيح" واستمر العمل بهذه الصنعة إلى اليوم، بعد أن أثبتت فاعليتها في "تحقيق مكاسب غير مشروعة" وعلى مستويات أممية.
* فمثلا جاء في العهد الجديد "الانجيل" الكثير من التوبيخ واللعن على بعض كهنة اليهود القدماء، بسبب تزويرهم وعبثهم بتراث المقدسات وافتراء الكثير منهم على أخبار وعلوم السماء بعد ادعائهم النبوّة.
وبالطبع فان الذي قام بهذا العمل الكارثي هو فريق من اليهود وليس كل اليهود آنذاك، وقاموا به عن قصد وتعمد وليس اجتهادا غير موفق "يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون".
* والمهم في هذا الأمر الذي كشفه "القرآن والانجيل من قبله" والآثار من بعدهما أن هناك ومن قبل حتى عهد عيسى "عليه السلام" ما لا يعرف حجمه من "المعلومات المزوّرة المنسوبة إلى السماء" التي تفشت بين اليهود أنفسهم ومن يحيط بهم من شتى قبائل "العرب الأميين" والمقصود بالأمية هنا "غير الكتابي أو كل من لا يهتدي بعلوم السماء".
* اليوم بدأت الاصوات تتعالى حتى في داخل إسرائيل نفسها بأن ليس كل ما جاء في "التوراة" من أقاويل مؤسسة لثقافة العالم هو "من عند الله".
وهذا ما حدا ببروفيسور بجامعة "تل أبيب، لعلوم الآثار "نيل سبلرمن" وزميله البروفيسور "إسرائيل فينكلستين" إلى إطلاق صرختهما الشهيرة في كتابهما الصادم "التوراة بدون أقنعة" أو " الاThe BIBLE Unearthed"، وذلك بعد أن تبين لهما وجود تضارب عميق بين ما تسطره التوراة "المحرفة" فيما يخص تفاصيل المواقع الجغرافية للأنبياء وممالك بني إسرائيل، وبين ما تشهد به الأرض بعد أن استنطقتها علوم "الاركيولوجي". وهذه لم تكن الصرخة الأولى، بل سبقتها صرخة البروفيسور اليهودي "نداف نئمان" كما نشرتها جريدة "هاآرتس" في مقالة بعنوان "أخرجوا التوراة من خزانة الكتب اليهودية"، وذلك حسبما نقل البروفيسور "زئيف هرتسوغ" الذي هو نفسه كتب مقالة صادمة للثقافة اليهودية السائدة في الجريدة نفسها سنة 1999 تحت عنوان "علم الآثار يكشف زيف الحق التاريخي الاسرائيلي" ثم تلتها كتب (أسماؤها موجودة في البحث) وكتابات ومقالات عديدة لعلماء مختلفين، كلهم يثيرون ما سكت وغض آباؤهم الطرف عنه من تناقضات وتنازع بين العقل والمنطق، وبين ما سطر في التوراة التي بين أيديهم، فنالهم عقاب وسطوة رجالات "الجهاز الاستبدادي العقائدي" القائم، ورغم ذلك فقط سطر هؤلاء العلماء المختلفون النظريات الموضوعية بحثا عن كتاب أسفار التوراة "الحقيقيين" وأزمان وأماكن كتابتهم، ناهيك عن دراسة الدوافع التي ألجأت بعض كهنة اليهود إلى "وضع كتاب ينسبون كتابته إلى موسى" وهم يعلمون كذب ذلك.
* لقد فطن المفكر الفرنسي "بيير روسي" في كتابه "مدينة إيزيس - التاريخ الحقيقي للعرب" قوة تأثير الثقافة المسبقة في المخرجات العلمية فأعلنها صراحة حين قال لنظرائه من العلماء:
- إن اليوم الذي يتوقف فيه العهد القديم "التوراة" عن تغذية علمنا التاريخي، يغدو فيه شرحنا لأمور الشرق محررا من إمبراطورية الأفكار المسبقة.
* إن أهم ما توصل إليه علماء الآثار المعاصرون، الغربيون منهم والشرقيون أوجزه "كمال الصليبي" في هذا المقتبس: "إن الدراسات والأبحاث الضخمة التي أنتجها علماء الآثار والباحثون التوراتيون خلال المائة سنة الأخيرة، تلفت النظر إلى أمر في غاية الغرابة، ففي حين أن "تاريخية" عدد من الروايات التوراتية بقيت عرضة للنقاش الحاد، فان "جغرافية" هذه الروايات استمرت معتبرة من "المسلمات". والحقيقة الساطعة هي أن الاراضي الشمالية للشرق الأردني "الشام" قد مسحت وحفرت من قبل أجيال من علماء الآثار، من أقصاها إلى أقصاها، وان بقايا العديد من الحضارات المنسية قد نبشت من تحت الارض ودرست وأرخت، في حين أنه لم يعثر في أي مكان على أثر واحد يمكنه أن يصنف جديا على أنه يتعلق مباشرة إلى أي حد بالتاريخ التوراتي. وأكثر من ذلك فان التوراة العبرية تذكر الآلاف من أسماء الأمكنة، وليس بين هذه أكثر من قلة قليلة "تماثلت لغويا" مع أسماء أمكنة في "فلسطين". حتى في هذه الحالة فان الاحداثيات المعطاة في النصوص التوراتية لا تنطبق على المواقع الفلسطينية" - كمال الصليبي، التوراة جاءت من جزيرة العرب، ص.50
* هذا ما تكشفه الحقائق الاركيولوجية وما يكشفه علماء الآثار، وما كتب عنه المفكرون حتى في إسرائيل نفسها، وهذا ما حاوله كتاب "اختطاف جغرافيا الأنبياء" بكشف الأقنعة عن التزوير، وإحلالها بكل ما يتعلق بالجغرافيا الحقيقية للأنبياء، وأنهم جميعا جاءوا من "الجزيرة العربية" إلى جانب ما كشفه الكتاب من قراءات تفسيرية جديدة لبعض آيات القرآن الكريم المتعلقة بذلك، وبفرعون وبمصر وبهاجر وبماريا، والالتباس الذي وقع فيه المفسرون حول هوية المكان، وحيث يلقي البحث أضواءه على كل ما ورد بشكل جديد.
وللحديث صلة.
عندما نطق السراة: قضايا تراثية غير محسومة أو مسكوت عنها
فوزية رشيد
العدد 11408 - الاربعاء 17 يونيو 2009
* تعليقا على نتائج بحوث سلسلة (عندما نطق السراة) فإن تلك البحوث بين ما أضاءت، قد أضاءت مسألة مهمة تتعلق بالقضايا التراثية المسكوت عنها، أو تلك التي لم يتم حسمها، انطلاقاً من حقيقة ان ثقافة المسلمين الأوائل لم تكن قط مبنيّة على تعاليم القرآن الكريم فقط، بل سبق أن اطلعوا بل تشبعوا بثقافة وأحاديث وأقاويل وعقائد "الكتابيين" الذين كانوا دوما حاضرين بين ظهرانيهم، بل في أراضيهم وفي أسواقهم وأحلافهم وجيرتهم، وذلك منذ زمن نزول "التوراة" وبعدها "الإنجيل" الى أن بعث الله فيهم رسولاً. لذا نجد القرآن يخاطب "الكتابيين" الى جانب الأميين أيام الرسول الأكرم كأنهم جزء أساسي من البنية المجتمعية آنذاك "وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد" (آل عمران: 20).
ومن هنا، ومنطقياً، فإن ما علق بثقافة "الكتابيين" من تحريف وتزوير قد علق بالضرورة بثقافة الأميين العامة بسبب انتقاله إليهم بشكل عفوي من نظرائهم "الكتابيين".
{ النقطة الأخرى: ان (التحريفات الكتابية) المتوالية منها ما تعرف اليوم بـ (الإسرائيليات)، مازال الكثير منها يرتع في الكتب التراثية حتى المعتبرة منها (كما تصف البحوث) رغم جهود الكثير من علماء المسلمين، وعبر حقب مختلفة، لفرزها وعزلها جانباً. و(الإسرائيليات) هو مصطلح انحصر في إدراكنا للتعبير عن (تزويرات حديثة نسبياً) وضعت بعد البعثة المحمدية، وهي مكونة من أحاديث وروايات وقصص غريبة مدسوسة تحت غطاء "هذا من عند الله" الإسلامية، وذلك بعد ما نسبت زورا لخاتم المرسلين النبي الأعظم، أو الى أهل بيت النبي (آله) أو الى أحد أصحابه، وهي كثيرة يسهل التعرف عليها، ولكن (ما يصعب التعرف عليه) هو الإسرائيليات القديمة التي وضعت قبل البعثة المحمدية بزمن بعيد، واستقرت وأسست حيزا مهما من ثقافة العرب بجناحيها (الكتابي والأمي)، ودخلت وعي الأجيال المتلاحقة القديمة والمعاصرة وأصبحت (ثقافة الشياع العام العالمي) وحيث كان للقرآن وللنبي موقف واضح منها.
{ النقطة الثالثة: هي متعلقة بالتفسير وتفاسير القرآن الكريم، وهي المسألة الجديرة اليوم بالكثير من التحقيق والتدقيق والفرز، وبناء على النظام الخاص الذي يقوم عليه القرآن، ونظامه اللغوي الأكثر خصوصية، لمراجعة الفهم العام المتعلق ببعض آيات بعينها (كآيات الأنبياء وآدم وحواء والطوفان وفرعون موسى، وحقيقة مسمى مصر.. الخ) وهو ما تكفلت سلسلة (عندما نطق السراة) بمعالجة وفتح باب الحوار حوله، لمن لديه ما يتضارب مع النتائج التي وصلت إليها تلك السلسلة، (بعد عرض مسبباتها ووثائقها وتحليلاتها اللغوية والقرآنية والتاريخية والأركيولوجية والتوراتية، وتبيان قصور التفسير لدى أغلب من قام بالتصدي لتلك الآيات قديماً وحديثاً).
{ النقطة الرابعة: التي تم استخلاصها من البحوث بما يتعلق بالتراث هي (روايات المؤرخين المسلمين) حول بعض الآيات ومنها حول الأحداث التي دارت بين (فرعون وعشيرة بني إسرائيل) وبأنها حدثت فعلا في (بلاد وادي النيل) حيث يرد ذكر اسم (نهر النيل) مرادفاً لذكر كل من (النبي موسى) وفرعون وبشكل مكرر، في خلط فاضح بين كلمة (اليمّ) القرآنية، ونهر (النيل) حسب المحللين والمؤرخين الإسلاميين والمفسرين. ومن هذا الخلط ما هو موجود في كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير الدمشقي، وفي كلام المؤرخ (الشيباني) في كتاب (الكامل في التاريخ) وغيرها من روايات مثل (المسعودي) و(ابن خلدون) الذي يوضح الخلط لدى من سبقه أو عاصره، وحيث الخلط مثلا بين (قرية مصر في الجزيرة العربية) وبين مصر التي تعرف اليوم بجمهورية مصر العربية، وما بين (اليمّ والنهر) القرآنيين وبين نهر (النيل) الذي لم يأت له ذكر في القرآن إلا تفسيراً، وما بين فرعون موسى (قابوس بن مصعب) وبين ملوك القبط القدماء المعروفين اليوم جزافاً بالفراعنة، ومن دون التدقيق حتى إن كان لقب مصر هو لقب بلاد وادي النيل زمن أولئك الملوك وزمن موسى، أم أن التسمية جاءت في زمن آخر بعد الخلط التوراتي المحرف والمتعمّد، ورسخت في الذاكرة كحالة شياع عام أكدتها التفاسير.
{ النقطة الخامسة: هو ما تم إشاعته حول (وثنية الحضارات العربية القديمة) مثل السومرية وحضارة وادي النيل وحضارة أوغاريت وغيرها، وهي المسألة التي طرحت بحوث (التجديد) حججها وتحليلاتها وأكدت ان (عقيدة التوحيد) هي عقيدة الأمة منذ آدم، حتى إن شاب تلك الحضارات التفسير الخاطئ أحياناً، والتحريف في المعتقدات أحياناً أخرى، وعدم الاعتماد لدى (دارسي الحضارات القديمة) وأغلبهم أجانب وغربيون على (خصوصية وأعماق اللغة السريانية) ومعرفة تأثيراتها وامتداداتها الحضارية في كل العالم، مما أدى الى تفاسير خاطئة من ناحية والى نقل العرب للترجمة الغربية لحضاراتهم وحسب (تحويرات) المترجمين للكلمات السريانية، وحيث لم تتم دراسة تلك الحضارات باعتبارها حضارات (عربية قديمة) وباعتبار السريانية (لغة عربية قديمة). وهذه قضية مهمة متعلقة بالتراث العربي كله، ومن المهم اليوم التركيز عليها وعلى تداعياتها وعلى فرزها وغربلتها، واستخراج الحقائق منها بدل الركون الى حالة (الشياع العام) حولها باعتبارها حقيقة المعرفة العربية القديمة.
{ النقطة السادسة: هي المتعلقة (بوحدة التراث العربي) وتسلسل المعارف باعتبار ان فيض الرسل لم يتوقف قط عن هذه المنطقة منذ (آدم الرسول)، وهذه نقطة مهمة أيضا متعلقة بالتراث العربي (حضاريا ودينيا وتاريخيا) ومن المهم وضعها اليوم تحت الضوء من خلال المراكز البحثية العربية الكبيرة، وتبيان الحقائق بعد جردها من التزوير أو التحريف أو الخطأ في التفسير والتحليل.. الخ لمعرفة الترابط والتداخل وما ألقاه القصص القرآني حول ما لم يتم معرفته من قبل.
{ أهمية فتح ملفات عديدة متعلقة بالتراث والمرويات وإعادة النظر في الكثير من الاستنتاجات التي بناها المفسرون على الكثير من الأحاديث والمرويات التاريخية، وخاصة ان ما هو متاح اليوم للمراجعين والمدققين من مصادر المعرفة هي كثيرة، وحيث تسهم الكشوف العلمية والأركيولوجية والكونية واللغوية (الألسنية) وحجم تطورها في التدقيق والمراجعة، وهي مهمة حاول عدد من المفكرين والباحثين القيام بها، وأهمها (اختطاف جغرافيا الأنبياء) وحقيقة ان ما من نبي بعثه الله (إلا في أو حول مكة) أم القرى، وذلك بنص القرآن، كما توضح (عندما نطق السراة) ثم انتشروا في الأصقاع بأمر الله كما كان الحال مع نبي الله إدريس حيث توجه الى (القبط) ومدى تأثيره على الحضارة القديمة في بلاد وادي النيل منذ (إيزيس وأوزيريس).
{ وعليه فإن كل تحليلات واستنتاجات ولغويات سلسلة (عندما نطق السراة) هي مطروحة وبالضرورة للحوار من جانب المختصين وعلماء الآثار وعلماء الدين والمتخصصين في الأساطير والحضارات وفي التوراة وتفسير القرآن وفي التاريخ وفي العقائد وغيرها، لعلها تكون لبنة صلبة في فرز ما هو صحيح مما هو خاطئ أو زائف أو مزوّر أو محرّف، وهو ما يجب الاهتمام به بما يخص التراث العربي والإسلامي، قديمه وحديثه، لبناء وعي معرفي جديد، يسعف الوعي الإسلامي والوعي العالمي على مواجهة كل من يثير المتناقضات والتشويهات حول هذا التراثين الديني والحضاري المفعمين بالرفعة والعظمة.
عندما نطق السراة: الحقائق المغيبة تحتاج حتما إلى وقفة جديدة
فوزية رشيد
العدد 11409 - الخميس 18 يونيو 2009
* ونحن نصل الى الختام في سلسلة (عندما نطق السراء) فان الهم الأساسي لهذه السلسلة كان هو البحث عن (التزوير المعرفي) الذي شاع في العالم كله، ثم البحث العميق عن (الحقائق المغيبة) التي كل من جرؤ على البحث فيها واعلانها، فانه كان لا يجد اهتماما من وسائل الاعلام ولا من الجهات الثقافية والاكاديمية المهتمة بشؤون التراث المغيب، فيبقى بذلك طرحهم مطمورا تحت ثقل (ثقافة الشياع العام)، ورغم أن ذلك (التزوير المعرفي) ينصب في عمقه بكل العلوم والمعارف الأساسية المتعلقة ببذور الكونيات وخلق الانسان وآدم وحواء وجغرافيا الأنبياء والأساطير المؤسسة للمعرفة والثقافة في إطارهما القديم، وحول علاقة الانسان بالله، وحول مصادر العلوم والحضارات القديمة، وحول التناقض الأركيولوجي ما بين الآثار والتوراة، وإسقاط ذلك التناقض (تفسيرا) على القرآن، وحول تلك الحقبة الضائعة ما بين الانسان الهمجي والانسان العاقل المتطور، وكيفية بنائه للحضارات، الى غير ذلك من الأسئلة الوجودية والفلسفية والعلمية والدينية والأثرية المهمة، ورغم أن البعض أيضا ربما يعتقد أن منزلتها هو (في الماضي)، وهذا البعض بذلك لا يدرك حتما استمرارية (اثر التزوير المعرفي) في الوعي العالمي كله في الراهن، والبناء على ذينك التزويرين الديني والحضاري (بتزوير سياسي) لايزال يغتصب الأوطان ويستبيحها، ويمهد على أساسها لحرب كونية حقيقية (معركة هرمجدون) قائمة على عقائد تحكم عقول اليهود والغرب المسيحي، وحيث اندمجت (العقائد المحرفة) ببعضها على شكل سياسي جديد من الاستلاب، مهدت له اليهودية العالمية فأثمرت الكثير من التزوير والكذب والتحريف المعاصر (للحقائق المغيبة) مثلما انتجت عقيدة جديدة هي المسيحية - الصهيونية التي من خلالها دخل انسان القرن الحادي والعشرين اشكالا من الحروب ومن العنف ومن استلاب العقل والوعي لا حدود لها، وحيث التزوير التوراتي يسقط نفسه بشكل مباشر على حياته الراهنة.
إذاً فالاهتمام بهذه السلسلة جاء بسبب البحث عن اجابات تتعلق بالحاضر وبالمستقبل، وليس بالماضي، وان كانت تكشف هذا الماضي وحجم التزوير فيه، فلأنه لايزال يؤثر في الحاضر وفي المستقبل بشكل خطير.
ان القارئ الذي اعتاد كتابتنا، حتما لم يجد فيما نطرح منذ أن بدأنا الكتابة أي (تفكير ماضوي) يجتر المعلومة لمجرد الاجترار، وإنما هي كتابة تنطلق من الحاضر الى الحاضر، وتتطلع الى المستقبل بحثا عن (المؤثرات الزائفة أو الحقيقية التي تؤثر فيها)، وهذا تحديدا ما جعلنا نخصص كل هذه المقالات لسلسلة (عندما نطق السراة) لأننا وجدنا فيها البحث المخلص عن الحقائق المغيبة، مثلما وجدنا فيها الجرأة على فضح التزييف أو القصور في التفسير وفي الفهم للآيات القرآنية، وللحضارات العربية القديمة، ولأنها تبحث حتما عن ذلك الشعاع الذي يرتقي بعقل الانسان وبروحه، بعيدا عن الأطروحات الجامدة في قراءة التاريخ أو قراءة الدين أو الفلسفة أو الايديولوجيا أو الأسطورة.
{ وجدنا في هذه السلسلة عقلا منفتحا على العلم وعلى الدين وعلى المعارف والعلوم القديمة، وعلى التاريخ وعلى الحضارات، حيث النظر إليها كان يأتي دائما من خلال أنها (وحدة لا تنفصم) وأن التأثير بينها جميعا هو تأثير متبادل ومتداخل وان القرآن هو الفارز الأهم، حتى إذا انتهى القارئ من قراءة كتب السلسلة كلها (عندما نطق السراة) وجد أنه قد حاز معارف لغوية مهمة حول جذور اللغة العربية (السريانية القديمة) وحول تأثير الحضارات التي كلها (عربية) في العالم كله، ونشوء حضاراته تحت ذلك التأثير لاحقا، ووجد قراءة جديدة للأساطير من خلال التعرف عليها بلغتها التي كتبت بها وهي (السريانية ومشتقاتها القديمة) ووجد نظرة خاصة وثاقبة لتداخل الديني التوراتي بالتفسير الخاطئ الذي تم اسقاطه على الكتاب (القرآن) ثم عرف بعد ذلك الفرق بين آدمين (آدم الانسان وآدم الرسول) وأدرك أن (التوحيد عقيدة الأمة منذ آدم) وعلم كيف تم (اختطاف جغرافيا الأنبياء) وتفطن الى أن طوفان نوح لم يكن طوفانا عالميا بشرح الأسباب (طوفان نوح.. بين الحقيقة والأوهام)، وأعطى للأسطورة أهمية مختلفة وجديدة باعتبار أن (الأسطورة توثيق حضاري وتاريخي)، وبوعي اكتشف كيف تم (مسخ الصورة وسرقة وتحريف تراث الأمة) فاذا ما تطلع الى نفسه وأصل خلقه والخطيئة التي أسست لصراعه الروحي الحالي وجد ذلك في (وعصى آدم: الحقيقة دون قناع) وعرف الكثير عن ماهية (الخلق الأول.. كما بدأتم تعودون).
{ هو إذاً (ابحار معرفي عميق) في أسئلة مهمة وعميقة بقي الانسان يبحث عنها منذ نشوئه الأول كانسان عاقل، ولايزال يبحث عنها (فلسفة ودينا وعلما وتاريخا وتراثا وأثرا) ومن لم يدرك ذلك من خلال استعراض سلسلة (عندما نطق السراة) فهو بحاجة حتمية إلى مراجعة نفسه ومنطقه، لأن أسئلة البحوث تتعلق بالحاضر والمستقبل ولا تتعلق باجترار الماضي.
{ ان اهتمامنا أيضا كان نابعا منذ البداية، وبشكل مجرد ونزيه، باشراك القارئ الذي، نحترمه، في حجم المعلومات المهمة المطروحة في كتب (جمعية التجديد) وهي المجموعة البحرينية، التي وجدنا ان بحوثها واجهت التعتيم الاعلامي من دون سبب أو لسبب رغم ما تبحث فيه من أسئلة مهمة و(جديرة بالمتابعة)، وانها أسئلة ليست من الماضي، كما يتصور ربما البعض، وإنما هي مثلما قلنا (أسئلة كل وقت)، حتى تجد الحقيقة مكانتها اللائقة بها، وندرك أيضا أن ما تم عرضه من خلال (9 بحوث) أساسية هو مجرد مقتطفات لأفكار وعناوين، وان التفاصيل الأساسية والحجج الرئيسية بحاجة الى الاطلاع عليها من خلال البحوث أو الكتب نفسها.
وبذلك نتمنى أننا قدمنا ما هو مفيد، وفتحنا الشهية للبحث في كل تلك العلوم كوحدة واحدة، ووضعنا التفسير القرآني في شباك الغربلة التي يحتاج إليها للدخول بعد ذلك إلى حصيلة المعارف الحقيقية، والوصول الى وعي معرفي نقدي جديد، وضعته سلسلة (عندما نطق السراة) قيد القراءة والتعليق والاجتهاد في التفسير والتحليل.
باحثو "عندما نطق السراة" في الملتقى الثقافي الأهلي فوزية رشيد
العدد 11412 - الاحد 21 يونيو 2009
*لكل من يريد أن يستفسر أو يعلق أو يستزيد من الأفكار التي طرحتها سلسلة (عندما نطق السراة) ونقلنا خلاصة لتحليلاتها ونتائجها للقارئ الكريم في الفترة الماضية، فان بامكانه أن يلتقي مباشرة بعض (الوجوه البحثية) في تلك السلسلة في لقاء حواري بالملتقى الأهلي، يوم الثلاثاء 23/6/2009، لعرض المزيد من الافكار التي أثارت فضول المهتمين بها، واستفساراتهم.
{ ولأن البحوث تطرح أفكارا تتعلق بتفسير القرآن وبالتحريف في التوراة والآثار وجغرافيا الأنبياء، فان الاهتمام في واقعه كان منصبا على الترابط بين كل تلك المجالات، لتقديم قراءة مغايرة للعديد من النصوص التوراتية (المحرفة) وللعديد من الآيات القرآنية، (التي تكشف البحوث وجها آخر لها)، ربما لم تكن في متناول أغلب المفسرين الأوائل لأسباب شرحنا معظمها في المقالات السابقة، وحيث يقف على رأسها، الاسقاط التوراتي على التفسير من ناحية، وعدم الوصول الى المكتشفات الأركيولوجية - الأثرية كالذي حدث منذ القرن الماضي الى يومنا هذا، الى جانب التطور الذي حدث في مجال اللغات واكتشاف جذورها (الألسنية) التي اسعفت العديد من الباحثين العرب في الوصول الى قراءة الحضارات القديمة وأساطيرها التاريخية في ضوء لغتها الأصلية التي هي اللغة العربية القديمة (السريانية ومشتقاتها).
{ إن التفاعل الايجابي الذي حدا بالعديد من القراء إلى الاتصال وابداء الرأي، وإبداء الاستغراب أحيانا من خلاصة البحوث التي تم استعراضها خلال الفترة الماضية، قد يجعل من اللقاء المباشر مع (الباحثين) اثراء كبيرا للأفكار، والحوار حولها، وبما يتيح الامكانيات الفضلى لتشكيل وعي جديد بكل الأسئلة المهمة التي تحيط (بالمرحلة التكاملية الجديدة) التي يرتحلها العلم اليوم، وخاصة الفيزياء الجديدة تجاه الأطروحات التي كانت فيما سبق مرفوضة لدى البعض باسم (التفكير العلمي) مما يطلق عليه اليوم من جانب باحثي العلوم الباراسيكولوجية الجديدة باسم (التفكير العلمي الميكانيكي) الذي لا يرى في العالم، الا ما تراه العيون بشكل مباشر، مما يفتح الاذهان مجددا، حول (المقاربات الدينية لأصل الانسان والهدف من وجوده) والغاية من الوجود ككل، ودور القيم والأخلاق في حياة الانسان، بعيدا عن الميكانيكية في الرؤية العلمية التي ترى المادة باعتبارها كل شيء.
{ وبعيدا عن (رحلة التيه الثقافية) أو (رحلة التيه العلمية)، أو (رحلة التيه الدينية) لدى البعض أيضا، فان العلوم تتكامل وتشق اليوم خطوات تجاه بعضها، وتجاه المعارف القديمة لدى الحضارات الانسانية الأولى، التي أثبتت المكتشفات أنها (خزانة الحكمة القديمة) وان اعتبارها مجرد خرافات هو بحد ذاته كاعتبار أصبح اليوم خرافة، وحيث يسجل الكثير من العلماء الجدد في مجالات مختلفة رؤية جديدة للكون ولترابط ما فيه، بحيث تضع الرؤية العلمية لدى (نيوتن، وديكارت، وداروين وغيرهم) في إطار نمطية القراءة السطحية لـ (كون) يثبت يوما بعد يوم، ان باطنه لايزال ينتظر المزيد من الاكتشاف والتثوير المعرفي، بعيدا عن الرؤية السطحية أو المادية البحتة أو الميكانيكية لقوانينه وتجلياته.
{ وهكذا يعود الاعتبار للكثير من الحيثيات والوتيمات التي كانت مرفوضة لدى البعض سابقا، لتتلمس الاكتشافات في المجالات كافة الكثير من اسرار الكون واسرار الانسان واسرار التاريخ وأسرار الحضارات القديمة وأسرار الرسالات السماوية، واسرار وجوه الصلة الوثيقة بين الجزئيات والكلية الكونية (نظرية النظام الهولوغرافي) و(الكمون الكمومي) و(فيزياء الكم) الأصعب بين جميع العلوم، التي تعيد للأطروحات الميتافيزيقية أو (الماورائية) اعتبارا جديدا، وحيث التصورات الجديدة تطرح (الكون بوصفه مشكلا من نسيج واحد مشترك يضم معا عالم الطبيعة وعالم الانسان وترتبط فيه معا كل الحوادث مهما تكن ضئيلة الشأن، وبصور متنوعة) وحيث الصلة بين المعارف التي طرحتها الاساطير والاديان هي صلة تقترب اليوم شيئا فشيئا مع العلوم الجديدة أو ما تسمى (العلوم الحيوية).
لهذا فان البحوث وخاصة (العربية) التي تقع في مصاف البحث الجاد عن الأسئلة الكبيرة، سواء في العلم أو الدين أو التاريخ أو الحضارات، وتحاول تصفيتها من كل ما علق بها من تشويه أو تزوير أو أكاذيب لتصل في النهاية الى رؤية موضوعية وشفيفة لكل تلك المجالات المتداخلة، مثل هذه البحوث العربية نعتبرها انجازا فكريا يستدعي العناية والحوار، إذا كان الهدف هو (البحث عن الحقائق) بعيدا عن التحزبات الايديولوجية أو الجمود الفكري، وحيث مثل هذا البحث عن الحقائق، يستوجب التجرد من الأفكار المسبقة والتعصبات الفكرية والايديولوجية، التي جعلت من بعض الايديولوجيات دينا وضعيا لا يرى معتنقوه سواه.
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2010 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.