المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة يوسف ع



Admin
21- 12- 2009, 19:40
مقدمة

غرض السورة بيان ولاية الله لعبده الذي أخلص إيمانه له تعالى إخلاصا و امتلأ بمحبته تعالى لا يبتغي له بدلا و لم يلو إلى غيره تعالى من شيء، و أن الله تعالى يتولى هو أمره فيربيه أحسن تربية فيورده مورد القرب و يسقيه فيرويه من مشرعه الزلفى فيخلصه لنفسه و يحييه حياة إلهية و إن كانت الأسباب الظاهرة أجمعت على هلاكه، و يرفعه و إن توفرت الحوادث على ضعته، و يعزه و إن دعت النوائب و رزايا الدهر إلى ذلته و حط قدره. و لم يرد في سور القرآن الكريم تفصيل قصة من القصص باستقصائها من أولها إلى آخرها غير قصته (عليه السلام)، و قد خصت السورة بها من غير شركة ما من غيرها.

الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ



الإشارة بلفظ البعيد للتعظيم و التفخيم، و الظاهر أن يكون المراد بالكتاب المبين هذا القرآن المتلو و هو مبين واضح في نفسه و مبين موضح لغيره ما ضمنه الله تعالى من المعارف الإلهية و حقائق المبدأ و المعاد. و من المحتمل أن يكون المراد بالكتاب المبين اللوح المحفوظ.


إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ


لو كان مترجما من لغة أخرى لربما خفيت بعض أسراره عن عقول الناس


نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ



قال الراغب في المفردات،: القص تتبع الأثر . يقال: قصصت أثره، و القصص الأثر قال: فارتدا على آثارهما قصصا، و قالت لأخته قصيه. قال: و القصص الأخبار المتتبعة قال تعالى: لهو القصص الحق. في قصصهم عبرة، و قص عليه القصص، نقص عليك أحسن القصص.



فإن كان اسم مصدر فقصة يوسف (عليه السلام) أحسن قصة لأنها تصف إخلاص التوحيد في العبودية، و تمثل ولاية الله سبحانه لعبده و أنه يربيه بسلوكه في صراط الحب و رفعه من حضيض الذلة إلى أوج العزة، و أخذه من غيابة جب الإسارة و مربط الرقية و سجن النكال و النقمة إلى عرش العزة و سرير الملك.


إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ



لم يذكر يعقوب (عليه السلام) باسمه بل كنى عنه بالأب للدلالة على ما بينهما من صفة الرحمة و الرأفة و الشفقة كما يدل عليه ما في الآية التالية: «قال يا بني لا تقصص»
و تكرار ذكر الرؤية لطول الفصل بين قوله «رأيت» و قوله «لي ساجدين» و من فائدة التكرير الدلالة على أنه إنما رآهم مجتمعين على السجود جميعا لا فرادى.



رأيت و رأيتهم من الرؤيا و هي ما يشاهده النائم في نومته أو الذي خمدت حواسه الظاهرة بإغماء أو ما يشابهه



و قد افتتح سبحانه قصته (عليه السلام) بذكر هذه الرؤيا التي أراها له و هي بشرى له تمثل له ما سيناله من الولاية الإلهية و يخص به من اجتباء الله إياه و تعليمه تأويل الأحاديث و إتمام نعمته عليه، و من هناك تبتدىء التربية الإلهية له لأن الذي بشر به في رؤياه لا يزال نصب عينيه في الحياة لا يتحول من حال إلى حال، و لا ينتقل من شأن إلى شأن، و لا يواجه نائبة، و لا يلقى مصيبة، إلا و هو ذاكر لها مستظهر بعناية الله سبحانه عليها موطن نفسه على الصبر عليها.

قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ



ذكر في المفردات،: أن الكيد ضرب من الاحتيال، و قد يكون مذموما و ممدوحا و إن كان يستعمل في المذموم أكثر و كذلك الاستدراج و المكر.
سبب الكيد : الحسد والشيطان


وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ



الاجتباء من الجباية و هي الجمع يقال: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته فيه، و منه جباية الخراج أي جمعه قال تعالى: «يجبى إليه ثمرات كل شيء»: القصص: 57 ففي معنى الاجتباء جمع أجزاء الشيء و حفظها من التفرق و التشتت، و فيه سلوك و حركة من الجابي نحو المجبي فاجتباه الله سبحانه عبدا من عباده هو أن يقصده برحمته و يخصه بمزيد كرامته فيجمع شمله و يحفظه من التفرق في السبل المتفرقة الشيطانية المفرقة للإنسان و يركبه صراطه المستقيم و هو أن يتولى أمره و يخصه بنفسه فلا يكون لغيره فيه نصيب .



التأويل هو ما ينتهي إليه الرؤيا من الأمر الذي تتعقبه، و هو الحقيقة التي تتمثل لصاحب الرؤيا في رؤياه بصورة من الصور المناسبة لمداركه و مشاعره كما تمثل سجدة أبوي يوسف و إخوته الأحد عشر في صورة أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر و خرورها أمامه ساجدة له .فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله.



الأحاديث جمع الحديث و ربما أريد به الرؤى لأنها من حديث النفس فإن نفس الإنسان تصور له الأمور في المنام كما يصور المحدث لسماعه الأمور في اليقظة .



النعمة = الحالة الحسنة ، وفيها شئ من اللين والنعومة


لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ



للسائلين دلالة على أنه كان هناك جماعة سألوا النبي عن القصة أو عما يرجع بوجه إلى القصة فأنزلت في هذه السورة.

Admin
19- 02- 2010, 06:24
إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ



العصبة هي الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض.
يوسف و أخاه هذا كانا أخوين لأم واحدة. الروايات تذكر أن اسم أخي يوسف هذا «بنيامين»، و السياق يشهد أنهما كانا صغيرين لا يقومان بشيء من أمر بيت يعقوب و تدبير مواشيه و أمواله.
الضلال الاعوجاج في السليقة و فساد السيرة دون الضلال في الدين ، ليس المراد به الضلال في الدين بل الإفراط في حب يوسف و المبالغة في أمره بما لا ينبغي.

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ



الفصل الثاني من مؤامرتهم في مؤتمرهم الذي عقدوه في أمر يوسف ليرسموا بذلك خطة تريح نفوسهم منه كما ذكره تعالى بقوله: «و ما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم و هم يمكرون»: الآية 102 من السورة.
أو اطرحوه أرضا صيروه أو غربوه في أرض لا يقدر معه على العود إلى بيت أبيه فيكون كالمقتول ينقطع أثره و يستراح من خطره كإلقائه في بئر أو تغريبه إلى مكان ناء و نظير ذلك. و الدليل عليه تنكير «أرض» و لفظ الطرح الذي يستعمل في إلقاء الإنسان المتاع أو الأثاث الذي يستغني عنه و لا ينتفع به للإعراض عنه.
يخل لكم وجه أبيكم أي افعلوا به أحد الأمرين حتى يخلو لكم وجه أبيكم و هو كناية عن خلوص حبه لهم بارتفاع المانع الذي يجلب الحب و العطف إلى نفسه كأنهم و يوسف إذا اجتمعوا و أباهم حال يوسف بينه و بينهم و صرف وجهه إلى نفسه فإذا ارتفع خلا وجه أبيهم لهم و اختص حبه بهم و انحصر إقباله عليهم.
و تكونوا من بعده قوما صالحين : أي و تكونوا من بعد يوسف أو من بعد قتله أو نفيه قوما صالحين بالتوبة من هذه المعصية.
و في هذا دليل على أنهم كانوا يرونه ذنبا، و إثما، و كانوا يحترمون أمر الدين و يقدسونه لكن غلبهم الحسد و سولت لهم أنفسهم اقتراف الذنب و ارتكاب المظلمة و آمنهم من عقوبة الذنب بتلقين طريق يمكنهم من الاقتراف من غير لزوم العقوبة الإلهية و هو أن يقترفوا الذنب ثم يتوبوا.

قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ



الجب هو البئر التي لم يطو أي لم يبن داخلها بالحجارة، و إن بني بها سميت البئر طويا.
الغيابة بفتح الغين المنهبط من الأرض الذي يغيب ما فيه من الأنظار
غيابة الجب قعره الذي لا يرى لما فيه من الظلمة.
و قد اختار هذا القائل الرأي الثاني المذكور في الآية السابقة الذي يشير إليه قوله: «أو اطرحوه أرضا» إلا أنه قيده بما يؤمن معه القتل أو أمر آخر يؤدي إلى هلاكه كأن يلقى في بئر و يترك فيها حتى يموت جوعا أو ما يشاكل ذلك، فما أبداه من الرأي يتضمن نفي يوسف من الأرض من غير أن يتسبب إلى هلاكه بقتل أو موت أو نقص يشبهه فيكون إهلاكا لذي رحم، و هو أن يلقى في بعض الآبار التي على طريق المارة حتى يعثروا به عند الاستقاء فيأخذوه و يسيروا به إلى بلاد نائية تعفو أثره و تقطع خبره، و السياق يشهد بأنهم ارتضوا هذا الرأي إذ لم يذكر رد منهم بالنسبة إليه و قد جرى عملهم عليه كما هو مذكور في الآيات التالية.
و اختلف المفسرون في اسم هذا القائل بعد القطع بأنه كان أحد إخوته لقوله تعالى «قال قائل منهم» فقيل: هو روبين ابن خالة يوسف، و قيل: هو يهوذا، و قد كان أسنهم و أعقلهم، و قيل: هو لاوى، و لا يهمنا البحث فيه بعد ما سكت القرآن عن تعريفه باسمه لعدم ترتب فائدة هامة عليه.
و ذكر بعضهم: أن تعريف الجب باللام يدل على أنه كان جبا معهودا فيما بينهم.

قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ



أصل «لا تأمنا» لا تأمننا ثم أدغم بالإدغام الكبير.
و أجمعوا على أن يمكروا بأبيهم فيأخذوا يوسف و يفعلوا به ما عزموا عليه و قد كان أبوهم لا يأمنهم على يوسف و لا يخليه و إياهم فكان من الواجب قبلا أن يزكوا أنفسهم عند أبيهم و يجلوا قلبه من كدر الشبهة و الارتياب حتى يتمكنوا من أخذه و الذهاب به.
و لذلك جاءوا أباهم و خاطبوه بقولهم: «يا أبانا - و فيه إثارة للعطف و الرحمة و إيثار للمودة - ما لك لا تأمنا على يوسف و إنا له لناصحون» أي و الحال أنا لا نريد به إلا الخير و لا نبتغي إلا ما يرضيه و يسره.

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ



الرتع هو توسع الحيوان في الرعي و الإنسان في التنزه و أكل الفواكه و نحو ذلك.
فإن كنت تخاف عليه إيانا معشر الإخوة كأن نقصده بسوء فإنا له لناصحون و إن كنت تخاف عليه غيرنا مما يصيبه أو يقصده بسوء كان يدهمه المكروه و نحن مساهلون في حفظه و مستهينون في كلاءته فإنا له لحافظون.

قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ



كشف عن المانع أنه نفسه التي يحزنها ذهابهم به و لا ذهابهم به الموجب لحزنه تلطفا في الجواب معهم و لئلا يهيج ذلك عنادهم و لجاجهم و هو من لطائف النكت.
و اعتذر إليهم في ذلك بقوله: «و أخاف أن يأكله الذئب و أنتم عنه غافلون» و هو عذر موجه فإن الصحاري ذوات المراتع التي تأوي إليها المواشي و ترتع فيها الأغنام لا تخلو طبعا من ذئاب أو سباع تقصدها و تكمن فيها للافتراس و الاصطياد فمن الجائز أن يقبلوا على بعض شأنهم و يغفلوا عنه فيأكله الذئب.

قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ



تجاهلوا لأبيهم كأنهم لم يفقهوا إلا أنه يأمنهم عليه لكن يخاف أن يأكله الذئب على حين غفلة منهم فردوه رد منكر مستغرب، و ذكروا لتطيب نفسه أنهم جماعة أقوياء متعاضدون ذوو بأس و شدة، و أقسموا بالله إن أكل الذئب إياه و هم عصبة يقضي بخسرانهم.

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ



أجمعوا أي عزموا جميعااتفقت آراؤهم عليه.
و جواب لما محذوف للدلالة على فجاعة الأمر و فظاعته، و هي صنعة شائعة في الكلام ترى المتكلم يصف أمرا فظيعا كقتل فجيع يحترق به القلب و لا يطيقه السمع فيشرع في بيان أسبابه و الأحوال التي تؤدي إليه فيجري في وصفه حتى إذا بلغ نفس الحادثة سكت سكوتا عميقا ثم وصف ما بعد القتل من الحوادث فيدل بذلك على أن صفة القتل بلغت من الفجاعة مبلغا لا يسع المتكلم أن يصرح به و لا يطيق السامع أن يسمعه. و لما حصل الغرض بالسكوت عن جواب لما جرى سبحانه في ذيل القصة فقال: «و أوحينا إليه» إلخ.

وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ



العشاء آخر النهار، و قيل: من صلاة المغرب إلى العتمة، و إنما كانوا يبكون ليلبسوا الأمر على أبيهم فيصدقهم فيما يقولون و لا يكذبهم.

قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ



نستبق أي نتسابق ، السبق التقدم في السير.
بمؤمن لنا أي بمصدق لقولنا

وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ



أن القميص و عليه دم كان على صفة تكشف عن كذبهم في مقالهم فإن من افترسته السباع و أكلته لم تترك له قميصا سالما غير ممزق.
و من هنا كانت الدولة للحق و إن كانت للباطل جولة

«إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب»: المؤمن: 28.
«إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار»: الزمر: 3
«إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون»: النحل: 116
«بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج»: ق: 5 و ذلك أنهم لما عدوا الحق كذبا بنوا على الباطل و اعتمدوا عليه في حياتهم فوقعوا في نظام مختل يناقض بعض أجزائه بعضا و يدفع طرف منه طرفا.


التسويل الوسوسة أي ليس الأمر على ما تخبرون بل وسوست لكم أنفسكم فيه أمرا، و أبهم الأمر و لم يعينه ثم أخبر أنه صابر في ذلك من غير أن يؤاخذهم و ينتقم منهم لنفسه انتقاما و إنما يكظم ما هجم نفسه كظما.
و الله المستعان على ما تصفون : دعاء في موقف التوكل.

Admin
20- 02- 2010, 15:28
وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ



سيارة : جماعة مارة
الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره.
دلوت الدلو إذا أرسلتها، و أدليتها إذا أخرجتها.
قال يا بشرى هذا غلام : كان أمرا غير مترقب الوقوع
و معنى الآية: و جاءت جماعة مارة إلى هناك فأرسلوا من يطلب لهم الماء فأرسل دلوه في الجب ثم لما أخرجها فاجأهم بقوله: يا بشرى هذا غلام - و قد تعلق يوسف بالحبل فخرج - فأخفوه بضاعة يقصد بها البيع و التجارة و الحال أن الله سبحانه عليم بما يعملون يؤاخذهم عليه أو أن ذلك كان بعلمه تعالى و كان يسير يوسف هذا المسير ليستقر في مستقر العزة و الملك و النبوة.

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ



الثمن البخس هو الناقص عن حق القيمة.
الشراء هو البيع.
الزهد هو الرغبة عن الشيء أو هو كناية عن الاتقاء.
و معظم المفسرين على أن الضميرين ( وشروه وكانوا) لإخوة يوسف و المعنى أنهم باعوا يوسف من السيارة بعد أن ادعوا أنه غلام لهم سقط في البئر و هم إنما حضروا هناك لإخراجه من الجب فباعوه من السيارة و كانوا يتقون ظهور الحال.
أو أن أول الضميرين للإخوة و الثاني للسيارة و المعنى أن الإخوة باعوه بثمن بخس دراهم معدودة و كانت السيارة من الراغبين عنه يظهرون من أنفسهم الزهد و الرغبة لئلا يعلو قيمته أو يرغبون عن اشترائه حقيقة لما يحدسون أن الأمر لا يخلو من مكر و إن الغلام ليس فيه سيماء العبيد.

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ



أكرمي مثواه أي تصدي بنفسك أمره و اجعلي له مقاما كريما عندك.
عسى أن ينفعنا في مقاصدنا العالية و أمورنا الهامة
أو نتخذه ولدا بالتبني.
أمكنته من الشيء فتمكن منه أي أقدرته فقدر عليه
و لنعلمه من تأويل الأحاديث بيان لغاية التمكين المذكور و اللام للغاية، و هو معطوف على مقدر و التقدير: مكنا له في الأرض لنفعل به كذا و كذا و لنعلمه من تأويل الأحاديث و إنما حذف المعطوف عليه للدلالة على أن هناك غايات أخر لا يسعها مقام التخاطب، و من هذا القبيل قوله تعالى: «و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض و ليكون من الموقنين»: الأنعام: 75 و نظائره.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ



بلوغ الأشد أن يعمر الإنسان ما تشتد به قوى بدنه و تتقوى به أركانه بذهاب آثار الصباوة.أول سن الشباب دون التوسط فيه أو الانتهاء إلى آخره كالأربعين، و الدليل عليه قوله تعالى في موسى (عليه السلام): «و لما بلغ أشده و استوى آتيناه حكما و علما»: القصص: 14 حيث دل على التوسط فيه بقوله: «استوى»، و قوله: «حتى إذا بلغ أشده و بلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك» الآية: الأحقاف: 15 فلو كان بلوغ الأشد هو بلوغ الأربعين لم تكن حاجة إلى تكرار قوله: «بلغ».
آتيناه حكما الحكم هو القول الفصل و إزالة الشك و الريب من الأمور القابلة للاختلاف . و بالنظر إلى قوله (عليه السلام) لصاحبيه في السجن: «إن الحكم إلا لله»: الآية 40 من السورة، و قوله بعد: «قضي الأمر الذي فيه تستفتيان»: الآية 41 من السورة يعلم أن هذا الحكم الذي أوتيه كان هو حكم الله فكان حكمه حكم الله، و هذا هو الذي سأله إبراهيم (عليه السلام) من ربه إذ قال: «رب هب لي حكما و ألحقني بالصالحين»: الشعراء: 83.
وعلما و هذا العلم المذكور المنسوب إلى إيتائه تعالى كيفما كان و أي مقدار كان علم لا يخالطه جهل.
وكذلك نجزي المحسنين : حيث يدل على أن هذا الحكم و العلم اللذين آتاهما الله إياه لم يكونا موهبتين ابتدائيتين لا مستدعي لهما أصلا بل هما من قبيل الجزاء جزاه الله بهما لكونه من المحسنين. و قد قال تعالى: «و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه و الذي خبث لا يخرج إلا نكدا»: الأعراف: 58

Admin
21- 02- 2010, 19:40
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ



و راودته التي هو في بيتها عن نفسه يدل على أصل المراودة، و الإتيان بالوصف أعني كونه في بيتها للدلالة على أن الأوضاع و الأحوال كانت لها عليه و أن الأمر كان عليه شديدا.
الرود هو التردد في طلب الشيء برفق و منه الرائد لطالب الكلاء، قال: و الإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء، قال: و المراودة أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد أو ترود غير ما يرود، و راودت فلانا عن كذا، قال تعالى: «هي راودتني عن نفسي» و قال: «تراود فتاها عن نفسه» أي تصرفه عن رأيه، و على ذلك قوله: «و لقد راودته عن نفسه» «سنراود عنه أباه» انتهى.
وغلقت الأبواب : حيث عبر بالتغليق و هو يدل على المبالغة و علق الغلق بالأبواب .
هيت لك هلم
معاذ الله أي أعوذ بالله معاذا فهو مفعول مطلق قائم مقام فعله.
تمكنت المحبة الإلهية منه و استقر الوله و الهيمان في سره فكان همه في ربه لا يشغله عنه شاغل و لا يصرفه عنه صارف و لا طرفة عين، و هذا بمكان من الوضوح لمن تدبر فيما تحكي عنه السورة من المحاورات كقوله: «معاذ الله إنه ربي» و قوله: «ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء» و قوله: «إن الحكم إلا لله» و قوله: «أنت وليي في الدنيا و الآخرة».
إمرأة العزيز لا تشك أن سيطيعها يوسف في أمرها و لا يمتنع عليها لما كانت و لا تزال تراه بالسمع و الطاعة، و تشاهد أن الأوضاع و الأحوال الحاضرة تقضي بفوزها و نيلها ما تريده منه.
فتى واله في حبه و فتاة تائقة في غرامها اجتمعا في بيت خالية أما هي فمشغوفة بحب يوسف تريد أن تصرفه عن نفسه إلى نفسها و تتوسل إلى ذلك بتغليق الأبواب و مراودته عن نفسه و الاعتماد على ما لها من العزة و الملك حيث تدعوه إلى نفسها بلفظ الأمر «هيت لك» لتقهره على ما تريده منه.
ترى أنها تتوسل عليه بالأسباب بتغليق الأبواب و المراودة و الأمر بقولها: «هيت لك».
أما هو فقد قابلها بقوله: «معاذ الله» فلم يجبها بتهديد و لم يقل: إني أخاف العزيز أو لا أخونه أو إني من بيت النبوة و الطهارة أو إن عفتي أو عصمتي تمنعني من الفحشاء، و لم يقل إني أرجو ثواب الله أو أخاف عذابه إلى غير ذلك، و لو كان قلبه متعلقا بشيء من الأسباب الظاهرة لذكره و بدأ به عند مفاجأة الشدة و نزول الاضطرار على ما هو مقتضى طبع الإنسان.
فلم يقل إني أعوذ منك بالله أو ما يؤدي معناه، و إنما قال «معاذ الله» و كم من الفرق بين قوله هذا و بين قول مريم للروح لما تمثل لها بشرا سويا: «إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا»: مريم: 18.
إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون : يوضح كلمة التوحيد الذي أفاده بقوله: «معاذ الله» و يجليه، يقول: إن الذي أشاهده أن إكرامك مثواي عن قول العزيز لك «أكرمي مثواه» فعل من ربي و إحسان منه إلي فربي أحسن مثواي و إن انتسب إليك ذلك بوجه فهو الذي يجب علي أن أعوذ به و ألوذ إليه، و إنما أعوذ به لأن إجابتك فيما تسألين و ارتكاب هذه المعصية ظلم و لا يفلح الظالمون فلا سبيل إلى ارتكابه.
أنه إنما تعوذ بالله مما تدعوه إليه لأنه ظلم لا يفلح المتلبس به و لا يهتدي إلى سعادته و لا يتمكن في حضرة الأمن عند ربه كما قال تعالى حكاية عن جده إبراهيم (عليه السلام): «الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن و هم مهتدون»: الأنعام: 82.
أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه لأنه ربي الذي تولى أمري و أحسن مثواي و جعلني بذلك سعيدا مفلحا و لو اقترفت هذا الظلم لتغربت به عن الفلاح و خرجت به من تحت ولايته.

Admin
23- 02- 2010, 15:50
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ



أما الخوف من ظهور الأمر فقد مر أنه كان في أمن منه.
و أما مناعة النسب فلو كانت مانعة لمنعت إخوة يوسف عما هو أعظم من الزنا و أشد إثما فإنهم كانوا أبناء إبراهيم و إسحاق و يعقوب أمثال يوسف فلم تمنعهم.
و أما قبح الخيانة و حرمتها فهو من القوانين الاجتماعية و القوانين الاجتماعية إنما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة، و ذلك إنما يتم فيما إذا كان الإنسان تحت سلطة القوة المجرية و الحكومة العادلة، و أما لو أغفلت القوة المجرية أو فسقت فأهملت أو خفي الجرم عن نظرها أو خرج من سلطانها فلا تأثير حينئذ لشيء من هذه القوانين
فلم يكن عند يوسف (عليه السلام) ما يدفع به عن نفسه و يظهر به على هذه الأسباب القوية التي كانت لها عليه إلا أصل التوحيد و هو الإيمان بالله.
ولقد همت به : اللام فيه للقسم، و المعنى وأقسم لقد قصدت يوسف بما تريده منه و لا يكون الهم إلا بأن تشفع الإرادة بشيء من العمل.
و هم بها لو لا أن رءا برهان ربه معطوف على مدخول لام القسم من الجملة السابقة، و المعنى أقسم لو لا رؤيته برهان ربه لهم بها و كاد أن يجيبها لما تريده منه.
وهم بها : القصد إلى المعصية ، أوشك أن يقع في المعصية. و لم نقل: وقع لأن الهم لا يستعمل إلا فيما كان مقرونا بالمانع كقوله تعالى: «و هموا بما لم ينالوا»: التوبة: 74، و قوله: «إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا»: آل عمران: 122، و قول صخر: أهم بأمر الحزم لا أستطيعه.
البرهان هو السلطان و يراد به السبب المفيد لليقين لتسلطه على القلوب كالمعجزة قال تعالى: «فذانك برهانان من ربك إلى فرعون و ملئه»: القصص: 32، و قال: «يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم»: النساء: 174، و قال: «أ إله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين»: النمل: 64 و هو الحجة اليقينية التي تجلي الحق و لا تدع ريبا لمرتاب.
فلو لا ما رآه من البرهان لكان الواقع هو الهم و الاقتراب دون الارتكاب و الاقتراف، و قد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: «لنصرف عنه السوء و الفحشاء» و لم يقل: لنصرفه من السوء و الفحشاء .
كذلك لنصرف لما كان من عبادنا المخلصين صرفنا عنه السوء و الفحشاء بما رأى من برهان ربه فرؤية برهان ربه هي السبب الذي صرف الله سبحانه به السوء و الفحشاء عن يوسف
السوء الهم بها و الميل إليها
الفحشاء اقتراف الفاحشة و هي الزنا
إنه من عبادنا المخلصين : و يظهر من الآية أن من شأن المخلصين من عباد الله أن يروا برهان ربهم، و إن الله سبحانه يصرف كل سوء و فحشاء عنهم فلا يقترفون معصية و لا يهمون بها بما يريهم الله من برهانه، و هذه هي العصمة الإلهية.
قال الغزالي في تفسيره لهذه السورة: اختلفوا فيه - يعني في البرهان - ما هو؟ قال بعضهم: إن طائرا وقع على كتفه فقال في أذنه: لا تفعله فإن فعلت سقطت من درجة الأنبياء.
و قيل: إنه رأى يعقوب عاضا على إصبعه، و هو يقول: يا يوسف أ ما تراني: و قال الحسن البصري: رآها و هي تغطي شيئا فقال لها: ما تصنعين؟ قالت: أغطي وجه صنمي لئلا يراني فقال يوسف: أنت تستحيين الجماد الذي لا يعقل و لا يرى فأنا أولى أن أستحيي ممن يراني و يعلم سري و علانيتي.
قال أرباب اللسان: إنه نودي في سره يا يوسف اسمك مكتوب في ديوان الأنبياء، و تريد أن تفعل فعل السفهاء.
و قيل: رأى كفا قد خرج من الحائط مكتوب عليها: و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة و ساء سبيلا.
و قيل: انفرج سقف البيت فرأى صورة حسنة تقول: يا رسول العصمة لا تفعل فإنك معصوم.
و قيل: نكس رأسه فرأى على الأرض مكتوبا: و من يعمل سوءا يجز به.
و قيل: أتاه ملك و مسح جناحيه على ظهره فخرجت شهوته من أصابع رجليه.
و قيل: رأى الملك في البيت و هو يقول: أ لست هاهنا؟ و قيل: وقع بينهما حجاب فلا يرى أحد صاحبه.
و قيل: رأى جارية من جواري الجنة فتحير من حسنها فقال لها: لمن أنت؟ قالت: لمن لا يزني.
و قيل: جاز عليه طائر فناداه: يا يوسف لا تعجل فإنها لك حلال و لك خلقت.
و قيل: رأى ذلك الجب الذي كان بحذائه و عليه ملك قائم يقول يا يوسف أ نسيت هذا الجب.
و قيل: رأى زليخا على صورة قبيحة فهرب منها.
و قيل رأى شخصا فقال: يا يوسف انظر إلى يمينك فنظر فرأى ثعبانا أعظم ما يكون فقال: الزاني في بطني غدا فهرب منه.
و الجواب عنه مضافا إلى أنه كان نبيا ذا عصمة إلهية تحفظه من المعصية
و أما من ذهب لوجهه في معصية الله و هم بما هو من أفحش الإثم في دين الله و هو زنا ذات البعل و خيانة من أحسن إليه أبلغ الإحسان في عرضه و أصر عليه حتى حل التكة و جلس منها مجلس الرجل من المرأة فأتته لصرفه آية بعد آية فلم ينصرف، و ازدجر بنداء بعد نداء من كل جانب فلم يستحي و لم يكف حتى ضرب في صدره ضربة خرجت بها شهوته من رءوس أصابعه، و شاهد ثعبانا أعظم ما يكون من عن يمينه فذعر منه و هرب من هول ما رأى، فمثله أحرى به أن لا يسمى إنسانا فضلا أن يتكىء على أريكة النبوة و الرسالة، و يأتمنه الله على وحيه، و يسلم إليه مفاتيح دينه، و يؤتيه حكمه و علمه و يلحقه بمثل إبراهيم الخليل.
لكن هؤلاء المتعلقين بهذه الأقاويل المختلفة و الإسرائيليات و الآثار الموضوعة إذ يتهمون جده إبراهيم (عليه السلام) في زوجته سارة لا يبالون أن يتهموا نجله (عليه السلام) في زوجة غيره.
و لو وجدت من يوسف (عليه السلام) أدنى زلة لنعيت عليه و ذكرت توبته و استغفاره كما نعيت على آدم زلته، و على داود و على نوح و على أيوب و على ذي النون و ذكرت توبتهم و استغفارهم كيف و قد أثنى عليه و سمي مخلصا؟.
و ما أحسن ما قال بعض أهل التفسير في ذم أصحاب هذا القول إنهم يتهمونه (عليه السلام) في هذه الواقعة و قد شهد ببراءته و طهارته كل من لها تعلق ما بها فالله سبحانه يشهد بذلك إذ يقول: «إنه من عبادنا المخلصين» و الشاهد الذي شهد له من أهلها إذ قال: «إن كان قميصه قد من قبل» إلى آخر الآيتين، و العزيز إذ قال لامرأته.
«إنه من كيدكن» و امرأة العزيز إذ قالت: «الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه و إنه لمن الصادقين» و النسوة إذ قلن: «حاش لله ما علمنا عليه من سوء» و يوسف ينفي ذلك عن نفسه و قد سماه الله صديقا إذ قال: «إني لم أخنه بالغيب».
و لخصه البيضاوي في تفسيره، حيث قال: المراد بهمه (عليه السلام) ميل الطبع و منازعة الشهوة لا القصد الاختياري و ذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح و الأجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم أو مشارفة الهم كقولك: قتلته لو لم أخف الله. و رد هذا القول بأنه مخالف لما ثبت في اللغة من معنى الهم و هو القصد إلى الفعل .
من الأقوال في الآية: أن المراد بالهمين مختلف فهمها هو قصدها مخالطته و همه بها هو قصده أن يضربها للدفاع عن نفسه، و الدليل على التفرقة بين الهمين شهادته تعالى على أنه من عباده المخلصين و قيام الحجة عقلا على عصمة الأنبياء (عليهم السلام).
و على هذا فيكون معنى رؤية البرهان أن الله سبحانه أراه برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به أهلكه أهلها أو قتلوه أو ادعت عليه المراودة على القبيح و قذفته بأنه دعاها إليه و ضربها لامتناعها منه، فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء و الفحشاء اللذين هما القتل و ظن اقتراف الفاحشة به
و من الأقوال في الآية: أن المراد بالهم في الموردين معا الهم بالضرب و الدفاع فهي لما راودته و ردها بالامتناع و الاستنكاف ثارت منها داعية الغضب و الانتقام و هاج في باطنها الوجد الممزوج بالسخط و الأسف فهمت به لتضربه على تمرده من امتثال ما أمرته به.
و من الأقوال في الآية: حمل الكلام على التقديم و التأخير و يكون التقدير: و لقد همت به و لو لا أن رءا برهان ربه لهم بها، و لما رءا برهان ربه لم يهم بها، و يجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لو لا أني تداركتك، و قد كنت قتلت لو لا أني خلصتك، و المعنى: لو لا تداركي لهلكت - و لو لا تخليصي لقتلت و إن كان لم يقع هلاك و قتل، وفي القرآن الكريم: «إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها»

Admin
24- 02- 2010, 15:25
وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ



الاستباق هو التسابق
القد القط هو الشق إلا أن القد هو الشق طولا و القط هو الشق عرضا
الدبر و القبل كالخلف و الأمام.
و السياق يعطي أن استباقها كان لغرضين مختلفين فكان يوسف (عليه السلام) يريد أن يفتحه و يتخلص منها بالخروج من البيت، و امرأة العزيز كانت تريد أن تسبقه إليه فتمنعه من الفتح و الخروج لعلها تفوز بما تريده منه، و إن يوسف سبقها إلى الباب فاجتذبته من قميصه من الوراء فقدته و لم ينقد إلا لأنه كان في حال الهرب مبتعدا منها و إلا لم ينشق طولا.
الإلفاء الوجدان
سيدها زوجها . قيل: إنه جري على عرف مصر و قد كانت النساء بمصر يلقبن زوجهن بالسيد، و هو مستمر إلى هذا الزمان.
لما ألفيا سيدها لدى الباب انقلب مجلس المراودة إلى موقف التحقيق، و إنما أوجد هذا الموقف وجود العزيز لدى الباب و حضورهما و الهيئة هذه الهيئة عنده، و يتكفل ما جرى في هذا الموقف .
فبدأت امرأة العزيز تشكو يوسف إليه و تسأله أن يجازيه فذكرت أنه أراد بها سوءا و عليه أن يسجنه أو يعذبه عذابا أليما لكنها لم تصرح بذلك و لا بشيء من أطراف الواقعة بل كنت و أتت بحكم عام عقلائي يتضمن مجازاة من قصد ذوات البعل بالفحشاء فقالت: «ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم» فلم يصرح باسم يوسف و هو المريد، و لا باسم نفسها و هي الأهل، و لا باسم السوء و هو الزنا بذات البعل كل ذلك تأدبا في حضرة العزيز و تقديسا لساحته.
و لم يتعين الجزاء بل رددته بين السجن و العذاب الأليم لأن قلبها الواله إليه المليء بحبه ما كان يساعدها على التعيين فإن في الإبهام نوعا من الفرج إلا أن في تعبيرها بقولها: «بأهلك» نوعا من التحريض عليه و تهييجه على مؤاخذته و لم يكن ذلك إلا كيدا منها للعزيز بالتظاهر بالوجد و الأسى لئلا يتفطن بواقع الأمر فيؤاخذها أما إذا صرفته عن نفسها المجرمة فإن صرفه عن مؤاخذة يوسف (عليه السلام) لم يكن صعبا عليها تلك الصعوبة.
سوءا نكرة ولم تحدد ما هي ، ولكنه شئ يستحق العقاب

قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ

قال هي راودتني عن نفسي لم يبدأ يوسف بالقول أدبا مع العزيز و صونا لها أن يرميها بالجرم لكن لما اتهمته بقصدها بالسوء لم ير بدا دون أن يصرح بالحق فقال: «هي راودتني عن نفسي» و في الكلام دلالة على القصر و هي من قصر القلب أي لم أردها بالسوء بل هي التي أرادت ذلك فراودتني عن نفسي.


و في كلامه هذا - و هو خال عن أقسام التأكيد كالقسم و نحوه - دلالة على سكون نفسه (عليه السلام) و طمأنينته و أنه لم يحتشم و لم يجزع و لم يتملق حين دعوى براءته مما رمته به إذ كان لم يأت بسوء و لا يخافها و لا ما اتهمته .

وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ



فإن من البين أن أحدهما صادق في دعواه و الآخر كاذب، و كون القد من قبل يدل على منازعتهما و مصارعتهما بالمواجهة فالقضاء لها عليه، و إن كان قميصه قد من دبر فكذبت و هو من الصادقين فإن كون القد من دبر يدل على هربه منها و تعقيبها إياه و اجتذابها له إلى نفسها فالقضاء له عليها.
من هذا الشاهد؟ فقد اختلف فيه المفسرون فقال بعضهم: كان رجلا حكيما أشار للعزيز بما أشار كما عن الحسن و قتادة و عكرمة، و قيل: كان رجلا و هو ابن عم المرأة و كان جالسا مع زوجها لدى الباب، و قيل: لم يكن من الإنس و لا الجن بل خلقا من خلق الله كما عن مجاهد، و رد بمنافاته الصريحة لقوله تعالى: «من أهلها». و من طرق أهل البيت (عليهم السلام) و بعض طرق أهل السنة أنه كان صبيا في المهد من أهلها.

Admin
25- 02- 2010, 15:20
فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ



أي فلما رأى العزيز قميص يوسف و الحال أنه مقدود مشقوق من خلف، قال إن الأمر من كيدكن معاشر النساء إن كيدكن عظيم
و نسبة الكيد إلى جماعة النساء مع كونه من امرأته للدلالة على أنه إنما صدر منها بما أنها من النساء، و كيدهن معهود معروف، و لذا استعظمه و قال ثانيا: «إن كيدكن عظيم» و ذلك أن الرجال أوتوا من الميل و الانجذاب إليهن ما ليس يخفى و أوتين من أسباب الاستمالة و الجلب ما في وسعهن أن يأخذن بمجامع قلوب الرجال و يسخرن أرواحهم بجلوات فتانة و أطوار سحارة تسلب أحلامهم، و تصرفهم إلى إرادتهن من حيث لا يشعرون و هو الكيد و إرادة الإنسان بالسوء و مفاد الآية أن العزيز لما شاهد أن قميصه مقدود من خلف قضى ليوسف (عليه السلام) على امرأته.

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ



أي إنه بعد ما قضى له عليها أمر يوسف أن يعرض عن الأمر و أمر امرأته أن تستغفر لذنبها و من خطيئتها.
يعزم على يوسف أن يعرض عنه و يفرضه كأن لم يكن فلا يحدث به و لا يذيعه، و لم يرد في كلامه تعالى ما يدل على أن يوسف (عليه السلام) حدث به أحدا و هو الظن به (عليه السلام) كما نرى أنه لم يظهر حديث المراودة للعزيز حتى اتهمته بسوء القصد فذكر الحق عند ذلك لكن كيف يخفى حديث استمر عهدا ليس بالقصير، و قد استولى عليها الوله و سلب منها الغرام كل حلم و حزم، و لم تكن المراودة مرة أو مرتين و الدليل على ذلك ما سيأتي من قول النسوة: «امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا».
و قوله: «و استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين» يقرر لها الذنب و يأمرها أن تستغفر ربها لذلك الذنب لأنها كانت بذلك من أهل الخطيئة، و لذلك قيل: «من الخاطئين» و لم يقل من الخاطئات.

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ



نسوة اسم جمع للمرأة و تقييد بقوله: في المدينة تفيد أنهن كن من جهة العدد أو الشأن بحال تؤثر قولهن في شيوع الفضيحة.
تراود دلالة على الاستمرار و هو أفحش المراودة
الفتى الغلام الشاب و المرأة فتاة، و قد شاع تسمية العبد فتى
شغفها حبا : أي أصاب شغاف قلبها أي باطنه.



أنه لما كان من أمر يوسف و العزيزة ما كان، شاع الخبر في المدينة تدريجا، و صارت النساء و هن سيدات المدينة يتحدثن به في مجامعهن و محافلهم فيما بينهن و يعيرن بذلك عزيزة مصر و يعبنها أنها تولهت إلى فتاها و افتتنت به و قد أحاط بها حبا فظلت تراوده عن نفسه، و ضلت به ضلالا مبينا.
و المعنى: و قال عدة من نساء المدينة لا يخلو قولهن من أثر فيها و في حقها: امرأة تستمر في مراودة عبدها عن نفسه و لا يحري بها ذلك لأنها مرأة و من القحة أن تراود المرأة الرجل بل ذاك - إن كان - من طبع الرجال و أنها امرأة العزيز فهي عزيزة مصر فمن الواجب الذي لا معدل عنه أن تراعي شرف بيتها و عزة زوجها و مكانة نفسها، و إن الذي علقت به عبدها من الشنيع أن يتوله مثلها و هي عزيزة مصر بعبد عبراني من جملة عبيده، و أنها أحبته و تعدت ذلك إلى مراودته فامتنع من إجابتها فلم تنته حتى ألحت و استمرت على مراودته و ذلك أقبح و أشنع و أمعن في الضلال.

Admin
26- 02- 2010, 15:18
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ



المكر هو الفتل بالحيلة على ما يراد من الطلبة.
و تسمية هذا القول منهن مكرا بامرأة العزيز لما فيه من فضاحتها و هتك سترها من ناحية رقيباتها حسدا و بغيا، و إنما أرسلت إليهن لتريهن يوسف و تبتليهن بما ابتليت به نفسها فيكففن عن لومها و يعذرنها في حبه.
و على هذا إنما سمي قولهن مكرا و نسب السمع إليه لأنه صدر منهن حسدا و بغيا لغاية فضاحتها بين الناس.
أرسلت إليهن كناية عن الدعوة إلى الحضور عندها.
الإعتاد الإعداد و التهيئة أي أعدت و هيأت.
المتكأ اسم المفعول من الاتكاء، و المراد به ما يتكأ عليه من نمرق أو كرسي كما كان معمولا في بيوت العظماء. و فسر المتكأ بالأترج و هو نوع من الفاكهة
وآتت كل واحدة منهن سكينا أي لقطع ما يرون أكله من الفاكهة كالأترج أو ما يشابهه من الفواكه المأكولة بالقطع
وقالت اخرج عليهن أي أمرت يوسف أن يخرج عليهن و هن خاليات الأذهان فارغات القلوب مشتغلات بأخذ الفاكهة و قطعها، و في اللفظ دلالة على أنه كان غائبا عنهن و كان في مخدع هناك أو بيت آخر في داخل بيت المأدبة الذي كن فيه فإنها قالت: «اخرج عليهن» و لو كان في خارج من البيت لقالت: «ادخل عليهن».
و في السياق دلالة على أن هذا التدبير كان مكرا منها تجاه مكرهن ليفتضحن به فيعذرنها فيما عذلنها و قد أصابت في رأيها حيث نظمت برنامج الملاقاة فاعتدت لهن متكأ و آتت كل واحدة منهن سكينا، و أخفت يوسف عن أعينهن ثم فاجأتهن بإظهاره دفعة لهن ليغبن عن عقولهن، و يندهشن بذاك الجمال البديع و يأتين بما لا يأتي به ذو شعور البتة و هو تقطيع الأيدي مكان الفواكه لا من الواحدة و الثنتين منهن بل من الجميع.
الإكبار الإعظام
وقلن حاش لله تنزيه لله سبحانه في أمر يوسف.و هو من أدب الكلام عند المليين إذا جرى القول في أمر فيه نوع تنزيه و تبرئة لأحد يبدأ فينزه الله سبحانه ثم يشتغل بتنزيه من أريد تنزيهه فهن لما أردن تنزيهه (عليه السلام) بقولهن «ما هذا بشرا» إلخ، بدأن بتنزيهه تعالى، ثم أخذن ينزهنه.
ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم نفي أن يكون يوسف بشرا و إثبات أنه ملك كريم، و هذا بناء على ما يعتقده المليون و منهم الوثنيون أن الملائكة موجودات شريفة هم مبادىء كل خير و سعادة في العالم منهم يترشح كل حياة و علم و حسن و بهاء و سرور و سائر ما يتمنى و يؤمل من الأمور ففيهم كل جمال صوري و معنوي، و إذا مثلوا تخيلوا في حسن لا يقدر بقدر، و يتصوره أصحاب الأصنام في صور إنسانية حسنة بهية.
و لم تقل امرأة العزيز: «فذلكن الذي لمتنني فيه» إلا بعد ما فضحتهن فعلا و قولا بتقطيع الأيدي و تنزيه الحسن فلم يبق لهن إلا أن يصدقنها فيما تقول و يعذرنها فيما تفعل.



و شاع التحديث به في المسامرات حق بلغ الخبر امرأة العزيز تلك التي لا هم لها إلا أن تفوز في طلب يوسف و بلوغ ما تريد منه و لا تعبأ في حبه بشيء من الملك و العزة إلا لأن تتوصل به إلى حبه لها و ميله إليها و إنجاحه لطلبتها فاستيقظت من رقدتها و علمت بمكرهن بها فأرسلت إليهن للحضور لديها و أنهن سيدات و نساء أشراف المدينة و أركان البلاد ممن له رابطة المعاشرة مع بيت العزيز أو لياقة الحضور فيه.
و العزيزة لا هم لها يومئذ إلا أن تريهن يوسف حتى يعذرنه و يشتغلن عنها بأنفسهن فتتخلص من لسانهن فتأمن مكرهن، و هي لا تعبأ بافتتانهن بيوسف و لا تخاف عليه منهن لأنها - على ما تزعم - مولاته و صاحبته و مالكة أمره، و هو فتاها المخصوص بها، و هي تعلم أن يوسف ليس بالذي يرغب فيهن أو يصبو إليهن و هو لا ينقاد لها فيما تريده منه بما عنده من الاستعصام و الاعتزاز عن هذه الأهواء و الأميال.
ثم لما حضرن عند العزيزة و أخذن مقاعدهن، و وقع الأنس و جرت المحادثة و المفاوضة و أخذن في التفكه آتت كل واحد منهن سكينا و قد هيأت لهن و قدمت إليهن الفاكهة، عند ذلك أمرت يوسف أن يخرج إليهن و قد كان مستورا عنهن.
فلما طلع يوسف عليهن و وقعت عليه أعينهن طارت عقولهن و طاحت أحلامهن و لم يدرين دون أن قطعن أيديهن مكان الفاكهة التي فيها لما دخل عليهن من البهت و الذهول، و هذه خاصة الوله و الفزع فإن نفس الإنسان إذا انجذبت إلى شيء مما تفرط في حبه أو تخافه و تهوله اضطربت و بهتت ففاجأها الموت أو سلبت الشعور اللازم في تدبير القوى و الأعضاء و تنظيم الأمر، فربما أقدم مسرعا إلى الخطر الذي أدهشه لقاؤه و ربما نسي الفرار فبقي كالجماد الذي لا حراك به، و ربما يفعل غير ما هو قاصده و فاعله اختباطا، و نظائرها في جانب الحب كثيرة و حكايات المغرمين و المتولهين من العشاق مشهورة.
و كان هذا هو الفرق بين العزيزة و بينهن فإن استغراقها في حب يوسف إنما حصل لها تدريجا، و أما نساء المدينة فإنهن فوجئن به دفعة فغشيت قلوبهن غاشية الجمال، و غادرهن الحب ففضحهن و أطار عقلهن و أضل رأيهن فنسين الفاكهة و قطعن أيديهن و تركن كل تجلد و اصطبار، و أبدين ما في أنفسهن من وله الحب، و قلن: «حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم».
و كلامهن هذا بعد قولهن ذاك إعذار منهن فمفاده أن الذي كنا نقوله قبل إنما هو حق لو كان هذا بشرا و ليس به و إنما يذم الإنسان و يعاب لو ابتلي بهوى بشر و مراودته و كان في وسعه أن يكتفي عنه بما يكافئه و يغني عنه، و أما الجمال الذي لا يعادله جمال، و يسلب كل حزم و اختيار، فلا لوم على هواه ، ولا ذم في غرامه.

قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ



و قالت امرأة العزيز: «فذلكن الذي لمتنني فيه و لقد راودته عن نفسه فاستعصم» فأبدت سرا ما كانت تعترف به قبل ثم هددت يوسف تجلدا و حفظا لمقامها عندهن و طمعا في مطاوعته و انقياده: «و لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن و ليكونا من الصاغرين».

Admin
27- 02- 2010, 15:18
قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ



صبا فلان يصبو صبوا و صبوة إذا نزع و اشتاق و فعل فعل الصبيان
تفاوضت امرأة العزيز و النسوة فقالت و قلن و استرسلن في بت ما في ضمائرهن و يوسف واقف أمامهن يدعونه و يراودنه عن نفسه لكنه لم يلتفت إليهن و لا كلمهن و لا بكلمة بل رجع إلى ربه الذي ملك قلبه بقلب لا مكان فيه إلا له و لا شغل له إلا به «و قال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه».
وقوله هذا ليس بدعاء على نفسه بالسجن وأن يصرف الله عنه ما يدعونه إليه بإلقائه في السجن، و إنما هو بيان حال لربه و أنه عن تربية إلهية يرجح عذاب السجن في جنب الله على لذة المعصية و البعد منه، فهذا الكلام منه نظير ما قاله لامرأة العزيز حين خلت به و راودته عن نفسه: «معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون» ففي الكلامين معا تمنع و تعزز بالله، و إنما الفرق أنه يخاطب بأحدهما امرأة العزيز و بالآخر ربه القوي العزيز و ليس شيء من الكلامين دعاء البتة.



و أما يوسف فلم يأخذه شيء من تلك الوجوه الحسان بألحاظها الفتانة و لا التفت إلى شيء من لطيف كلامهن و نعيم مراودتهن أو هائل تهديدها فقد كان وجهة نفسه جمال فوق كل جمال، و جلال يذل عنده كل عزة و جلال فلم يكلمهن بشيء و لم يلتفت إلى ما كانت امرأة العزيز تسمعه من القول، و إنما رجع إلى ربه .

فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ



فاستجاب له ربه إشارة إلى استجابة ما يشتمل عليه قوله: «و إلا تصرف عني كيدهن» إلخ، من معنى الدعاء.و يؤيده تعقيبه بقوله: «فصرف عنه كيدهن»، و ليس استجابة لدعائه بالسجن على نفسه كما توهمه بعضهم.
و من الدليل عليه قوله بعد في قصة دخوله السجن: «ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين» و لو كان دعاء بالسجن و استجابة الله سبحانه و قدر له السجن لم يكن التعبير بثم و فصل المعنى عما تقدمه بأنسب فافهم.

ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ



البداء هو ظهور رأي بعد ما لم يكن يقال
الآيات الشواهد و الأدلة الدالة على براءة يوسف (عليه السلام) و طهارة ذيله مما اتهموه به كشهادة الصبي و قد القميص من خلفه و استباقهما الباب معا، و لعل منها تقطيع النسوة أيديهن برؤيته و استعصامه عن مراودتهن إياه عن نفسه و اعتراف امرأة العزيز لهن أنها راودته عن نفسه فاستعصم.
يسجننه : اللام فيه للقسم
حتى حين و لا يخلو من معنى الانتظار بالنظر إلى قطع حين عن الإضافة و المعنى على هذا ليسجننه حتى ينقطع حديث المراودة الشائع في المدينة و ينساه الناس.

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ



الفتى العبد
أراني لحكاية الحال الماضية
خمرا عنبا
تأكل الطير منه تنهشه
قالا له: أخبرنا بتأويل ما رآه كل منا لأنا نعتقد من المحسنين، و لا يخفى لهم أمثال هذه الأمور الخفية لزكاء نفوسهم و صفاء قلوبهم.

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ



لا يأتيكما طعام ترزقانه - و أنتما في السجن - إلا نبأتكما بتأويله - أي بتأويل ذاكما الطعام و حقيقته و ما يؤول إليه أمره - فأنا خبير بذلك فليكن آية لصدقي فيما أدعوكما إليه من دين التوحيد.
و يكون عليه إظهارا منه (عليه السلام) لآية نبوته نظير قول المسيح (عليه السلام) لبني إسرائيل: «و أنبؤكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين»: آل عمران: 49، و يؤيد هذا المعنى بعض الروايات الواردة من طرق أهل البيت (عليهم السلام).
ذلكما مما علمني ربي : بين (عليه السلام) أن العلم و التنبؤ بتأويل الأحاديث ليس من العلم العادي الاكتسابي في شيء بل هو مما علمه إياه ربه ثم علل ذلك بتركه ملة المشركين و اتباعه ملة آبائه إبراهيم و إسحاق و يعقوب أي رفضه دين الشرك و أخذه بدين التوحيد.
و المشركون من أهل الأوثان يعتقدون بالله سبحانه و يثبتون يوم الجزاء بالقول بالتناسخ كما تقدم في الجزء السابق من الكتاب لكن دين التوحيد يحكم أن الذي يقدر له شركاء في التأثير أو في استحقاق العبادة ليس هو الله و كذا عود النفوس بعد الموت بأبدان أخرى تتنعم فيها أو تعذب ليس من المعاد في شيء، و لذلك نفى (عليه السلام) عنهم الإيمان بالله و بالآخرة، و أكد كفرهم بالآخرة بتكرار الضمير حيث قال: «و هم بالآخرة هم كافرون» .

Admin
28- 02- 2010, 15:17
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ



أي لم يجعل الله سبحانه لنا أهل البيت سبيلا إلى أن نشرك به شيئا و منعنا من ذلك، ذلك المنع من فضل الله و نعمته علينا أهل البيت و على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون فضله تعالى بل يكفرون به.
«ذلك من فضل الله علينا» إلخ، هو العلم بتأويل الأحاديث.

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ



الخير بحسب الوزن صفة من قولهم: خار يخار خيرة إذا انتخب و اختار أحد شيئين يتردد بينهما من حيث الفعل أو من حيث الأخذ بوجه فالخير منهما هو الذي يفضل على الآخر في صفة المطلوبية فيتعين الأخذ به فخير الفعلين هو المطلوب منهما الذي يتعين القيام به و خير الشيئين هو المطلوب منهما من جهة الأخذ به كخير المالين من جهة التمتع به و خير الدارين من جهة سكناها و خير الإنسانين من جهة مصاحبته، و خير الرأيين من جهة الأخذ به، و خير الإلهين من جهة عبادته، و من هنا ذكر أهل الأدب أن الخير في الأصل «أخير» أفعل تفضيل، و الحقيقة أنه صفة مشبهة تفيد بحسب المادة ما يفيده أفعل التفضيل من الفضل في القياس.
الواحد القهار أي أنه تعالى واحد لكن لا واحد عددي إذا أضيف إليه آخر صار اثنين بل واحد لا يمكن أن يفرض قباله ذات إلا و هي موجودة به لا بنفسها و لا أن يفرض قباله صفة له إلا و هي عينه

مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ



السلطان البرهان لتسلطه على العقول
إن الحكم إلا لله الحكم في أمر ما ، لا يستقيم إلا ممن يملك تمام التصرف
ما تعبدون من دون الله إلا أسماء خالية عن المسميات لم يضعها إلا أنتم و آباؤكم من غير أن ينزل الله سبحانه من عنده برهانا يدل على أن لها شفاعة عند الله أو شيئا من الاستقلال في التأثير حتى يصح لكم دعوى عبادتها لنيل شفاعتها، أو طمعا في خيرها أو خوفا من شرها.
القيم = القائم بالأمر القوي على تدبيره أو القائم على ساقه غير المتزلزل و المتضعضع
المعنى أن دين التوحيد وحده هو القوي على إدارة المجتمع و سوقه إلى منزل السعادة، و الدين المحكم غير المتزلزل الذي فيه الرشد من غير غي و الحقية من غير بطلان، و لكن أكثر الناس لأنسهم بالحس و المحسوس و انهماكهم في زخارف الدنيا الفانية حرموا سلامة القلب و استقامة العقل لا يعلمون ذلك، و إنما يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة معرضون.

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ



لا يخلو من إشعار بأن الصاحبين أو أحدهما كذب نفسه في دعواه الرؤيا

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ



و إطلاق الظن على اعتقاده مع تصريحه لهما بأنه من المقضي المقطوع به و تصريحه بأن ربه علمه تأويل الأحاديث لعله من إطلاق الظن على مطلق الاعتقاد و له نظائر في القرآن كقوله تعالى: «الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم»: البقرة: 46.
فأنساه الشيطان ذكر ربه الضميران راجعان إلى «الذي» أي فأنسى الشيطان صاحبه الناجي أن يذكره لربه أو عند ربه فلبث يوسف في السجن بضع سنين
البضع ما دون العشرة
و أما إرجاع الضميرين إلى يوسف حتى يفيد أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله سبحانه فتعلق بذيل غيره في نجاته من السجن فعوقب على ذلك فلبث في السجن بضع سنين كما ذكره بعضهم و ربما نسب إلى الرواية. فمما يخالف نص الكتاب فإن الله سبحانه نص على كونه (عليه السلام) من المخلصين و نص على أن المخلصين لا سبيل للشيطان إليهم مضافا إلى ما أثنى الله عليه في هذه السورة. على أن قوله تعالى بعد آيتين: «و قال الذي نجا منهما و ادكر بعد أمة» إلخ، قرينة صالحة على أن الناسي هو الساقي دون يوسف.

Admin
01- 03- 2010, 14:31
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ



السمان جمع سمينة
العجاف جمع عجفاء بمعنى المهزولة
الإفتاء إفعال من الفتوى و الفتيا، قال في المجمع،: الفتيا الجواب عن حكم المعنى و قد يكون الجواب عن نفس المعنى فلا يكون فتيا.
تعبرون من العبر و هو بيان تأويل الرؤيا و قد يسمى تعبيرا، و هو على أي حال مأخوذ من عبور النهر و نحوه كان العابر يعبر من الرؤيا إلى ما وراءها من التأويل، و هو حقيقة الأمر التي تمثلت لصاحب الرؤيا في صورة خاصة مألوفة له.

قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ



الأحلام جمع حلم بضمتين و قد يسكن وسطه هو ما يراه النائم في منامه و كان الأصل في معناه ما يتصور للإنسان من داخل نفسه من غير توصله إليه بالحس، و منه تسمية العقل حلما لأنه استقامة التفكر، و منه أيضا الحلم لزمان البلوغ قال تعالى: «و إذا بلغ الأطفال منكم الحلم»: النور: 59 أي زمان البلوغ، بلوغ العقل، و منه الحلم بكسر الحاء بمعنى الأناءة ضد الطيش و هو ضبط النفس .
الضغث قبضة ريحان أو حشيش أو قضبان و جمعه أضغاث، قال تعالى: «و خذ بيدك ضغثا» و به شبه الأحلام المختلفة التي لا تتبين حقائقها «قالوا أضغاث أحلام» حزم أخلاط من الأحلام انتهى.
و تسمية الرؤيا الواحدة بأضغاث الأحلام كأنه بعناية دعوى كونها صورا متفرقة مختلطة مجتمعة من رؤى مختلفة لكل واحد منها تأويل على حدة فإذا اجتمعت و اختلطت عسر للمعبر الوقوف على تأويلها، و الإنسان كثيرا ما ينتقل في نومة واحدة من رؤيا إلى أخرى و منهما إلى ثالثة و هكذا فإذا اختلطت أبعاضها كانت أضغاث أحلام و امتنع الوقوف على حقيقتها.
قالوا أي قال الملأ للملك: ما رأيته أضغاث أحلام و أخلاط من منامات مختلفة و ما نحن بتأويل هذا النوع من المنامات بعالمين أو و ما نحن بتأويل جميع المنامات بعالمين و إنما نعلم تأويل الرؤى الصالحة.

وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ



الأمة الجماعة التي تقصد لشأن و يغلب استعمالها في الإنسان، و المراد بها هاهنا الجماعة من السنين و هي المدة التي نسي فيها هذا القائل و هو ساقي الملك أن يذكر يوسف عند ربه و قد سأله يوسف ذلك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث يوسف في السجن بضع سنين.
و خطاب الجمع في قوله: «أنبئكم» و قوله «فأرسلون» تشريك لمن حضر مع الملك و هم الملأ من أركان الدولة و أعضاد المملكة الذين يلون أمور الناس.

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ



سمى يوسف صديقا و هو كثير الصدق المبالغ فيه لما كان رأى من صدقه فيما عبر به منامه و منام صاحبه في السجن و أمور أخرى شاهدها من فعله و قوله في السجن.
إلى الناس إشعار أو دلالة على أن الناس كانوا في انتظار أن يرتفع بتأويله حيرتهم، و ليس إلا أن الملأ كانوا هم أولياء أمور الناس و خيرتهم في الأمر خيرة الناس أو أن الناس أنفسهم كانوا على هذا الحال لتعلقهم بالملك و اهتمامهم برؤياه لأن الرؤيا ناظرة غالبا إلى ما يهتم به الإنسان من شئون الحياة و الملوك إنما يهتمون بشئون المملكة و أمور الرعية.

Admin
02- 03- 2010, 16:16
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ

الدأب إدامة السير . «و سخر لكم الشمس و القمر دائبين» و الدأب العادة المستمرة دائما على حاله قال تعالى: «كدأب آل فرعون» أي كعادتهم التي يستمرون عليها.
المعنى تزرعون سبع سنين زراعة متوالية مستمرة، و قيل: هو من دأب بمعنى التعب أي تزرعون بجد و اجتهاد.
ذكروا أن تزرعون خبر في معنى الإنشاء، و كثيرا ما يؤتى بالأمر في صورة الخبر مبالغة في وجوب الامتثال كأنه واقع يخبر عنه كقوله تعالى: «تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله»: الصف: 11، و الدليل عليه قوله بعد: «فما حصدتم فذروه في سنبله»، قيل: و إنما أمر بوضعه و تركه في سنبله لأن السنبل لا يقع فيه سوس و لا يهلك و إن بقي مدة من الزمان، و إذا ديس و صفي أسرع إليه الهلاك.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ



الشداد جمع شديد من الشدة بمعنى الصعوبة ، أو هو من شد عليه إذا كر، و هذا أنسب لما بعده من توصيفها بقوله: «يأكلن ما قدمتم لهن».
و عليه فالكلام يشتمل على تمثيل لطيف كان هذه السنين سباع ضارية تكر على الناس لافتراسهم و أكلهم فيقدمون إليها ما ادخروه عندهم من الطعام فتأكله و تنصرف عنهم.
الإحصان الإحراز و الإدخار

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ



غاثه الله و أغاثه أي نصره، و يغيثه بفتح الياء و ضمها أي ينصره و هو من الغوث بمعنى النصرة و غاثهم الله يغيثهم من الغيث و هو المطر. إن كان من الغوث كان معناه: ينصرون فيه من قبل الله سبحانه بكشف الكربة و رفع الجدب و المجاعة و إنزال النعمة و البركة، و إن كان من الغيث كان معناه: يمطرون فيرتفع الجدب من بينهم. و هذا المعنى الثاني أنسب بالنظر إلى قوله بعده: «و فيه يعصرون».
على أن من الجائز أن يكون «يغاث» مأخوذا من الغيث بمعنى النبات، قال في لسان العرب،: و الغيث الكلاء ينبت من ماء السماء انتهى.
يعصرون من العصر و هو إخراج ما في الشيء من ماء أو دهن بالضغط كإخراج ماء العنب و التمر للدبس و غيره و إخراج دهن الزيت و السمسم للائتدام و الاستصباح و غيرهما، و يمكن أن يراد بالعصر الحلب أي يحلبون ضروع أنعامهم كما فسره بعضهم به.
فيه يعصرون أي يمطرون بعد سني المجاعة، و الدليل على ذلك قوله: «و أنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا».
أقول: و في تفسير البرهان، عن الطبرسي في كتاب النبوة بالإسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن إلياس قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: و أقبل يوسف على جمع الطعام في السبع السنين المخصبة فكبسه في الخزائن فلما مضت تلك السنون و أقبلت السنون المجدبة أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الأولى بالدراهم و الدنانير حتى لم يبق بمصر و ما حولها دينار و لا درهم إلا صار في ملك يوسف. و باعهم في السنة الثانية بالحلي و الجواهر حتى لم يبق بمصر و ما حولها حلي و لا جواهر إلا صار في ملكه، و باعهم في السنة الثالثة بالدواب و المواشي حتى لم يبق بمصر و ما حولها دابة و لا ماشية إلا صار في ملكه، و باعهم في السنة الرابعة بالعبيد و الإماء حتى لم يبق. بمصر و ما حولها عبد و لا أمة إلا صار في ملكه و باعهم في السنة الخامسة بالدور و الفناء حتى لم يبق في مصر و ما حولها دار و لا فناء إلا صار في ملكه، و باعهم في السنة السادسة بالمزارع و الأنهار حتى لم يبق بمصر و ما حولها نهر و لا مزرعة إلا صار في ملكه، و باعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر و ما حولها عبد و لا حر إلا صار عبدا ليوسف. فملك أحرارهم و عبيدهم و أموالهم و قال الناس: ما رأينا و لا سمعنا بملك أعطاه من الملك ما أعطى هذا الملك حكما و علما و تدبيرا، ثم قال يوسف للملك: ما ترى فيما خولني ربي من ملك مصر و ما حولها؟ أشر علينا برأيك فإني لم أصلحهم لأفسدهم، و لم أنجهم من البلاء ليكون بلاء عليهم و لكن الله أنجاهم بيدي قال الملك: الرأي رأيك. قال يوسف: إني أشهد الله و أشهدك أيها الملك إني قد أعتقت أهل مصر كلهم، و رددت عليهم أموالهم و عبيدهم، و رددت عليك الملك و خاتمك و سريرك و تاجك على أن لا تسير إلا بسيرتي و لا تحكم إلا بحكمي. قال له الملك: إن ذلك توبتي و فخري أن لا أسير إلا بسيرتك و لا أحكم إلا بحكمك و لولاك ما توليت عليك و لا اهتديت له و قد جعلت سلطاني عزيزا ما يرام، و أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنك رسوله فأقم على ما وليتك فإنك لدينا مكين أمين.

Admin
03- 03- 2010, 15:19
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ



فزع الملك من سماع التأويل ، وأمر بإحضاره واطلاق سراحه.
راعى أدبا بارعا في قوله للرسول: «ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن» فلم يذكر امرأة العزيز بما يسوؤه و ليس يريد إلا أن يقضي بينه و بينها، و إنما أشار إلى النسوة اللاتي راودنه، و لم يذكرهن أيضا بسوء إلا بأمر يظهر بالتحقيق فيه براءته و لا براءته من مراودة امرأة العزيز بل نزاهته من أي مراودة و فحشاء تنسب إليه فقد كان بلاؤه عظيما. و لم يذكرهن بشيء من المكروه إلا ما في قوله: «إن ربي بكيدهن عليم» و ليس إلا نوعا من بث الشكوى لربه.
و ما ألطف قوله في صدر الآية و ذيلها حيث يقول للرسول: «ارجع إلى ربك فاسأله» ثم يقول: «إن ربي بكيدهن عليم» و فيه نوع من تبليغ الحق، و ليكن فيه تنبه لمن يزعم أن مراده من «ربي» فيما قال لامرأة العزيز: «إنه ربي أحسن مثواي» هو زوجها، و أنه يسميه ربا لنفسه.
«ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن» و البال هو الأمر الذي يهتم به يقول

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ



الخطب الأمر العظيم. «فما خطبك يا سامري» «فما خطبكم أيها المرسلون».
حصحص الحق أي وضح و ذلك بانكشاف ما يظهره.
رجع الرسول إلى الملك و بلغه ما قاله يوسف و سأله من القضاء فأحضر النسوة و سألهن عما يهم من شأنهن في مراودتهن ليوسف: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: «حاش لله ما علمنا عليه من سوء» فنزهنه عن كل سوء، و شهدن أنهن لم يظهر لهن منه ما يسوء فيما راودنه عن نفسه.
و ذكرهن كلمة التنزيه: «حاش لله» نظير تنزيههن حينما رأينه لأول مرة: «حاش لله ما هذا بشرا» يدل على بلوغه (عليه السلام) النهاية في النزاهة و العفة فيما علمنه كما أنه كان بالغا في الحسن.
عند ذلك تكلمت امرأة العزيز و هي الأصل في هذه الفتنة و اعترفت بذنبها و صدقت يوسف (عليه السلام) فيما كان يدعيه من البراءة قالت: الآن حصحص و وضح الحق و هو أنه: أنا راودته عن نفسه و إنه لمن الصادقين فنسبت المراودة إلى نفسها و كذبت نفسها في اتهامه بالمراودة، و لم تقنع بذلك بل برأته تبرئة كاملة أنه لم يراود و لا أجابها في مراودتها بالطاعة.
و هذا ينفي عنه (عليه السلام) كل سوء أعم من الفحشاء و المراودة لها و أي ميل و نزعة إليها و كذب و افتراء، بنزاهه من حسن اختياره.

ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ



من كلام يوسف (عليه السلام) على ما يدل عليه السياق، و كأنه قاله عن شهادة النسوة على براءة ساحته من كل سوء و اعتراف امرأة العزيز بالذنب و شهادتها بصدقه و قضاء الملك ببراءته.
يذكر (عليه السلام) لما فعله من الإرجاع و السؤال غايتين: أحدهما: أن يعلم العزيز أنه لم يخنه و تطيب نفسه منه و يزول عنها و عن أمره أي شبهة و ريبة. و الثاني: أن يعلم أن الخائن مطلقا لا ينال بخيانته غايته و أنه سيفتضح لا محالة سنة الله التي قد خلت في عباده.

وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ



«أني لم أخنه بالغيب» كان لا يخلو من شائبة دعوى الحول و القوة و هو (عليه السلام) من المخلصين المتوغلين في التوحيد الذين لا يرون لغيره تعالى حولا و لا قوة فبادر (عليه السلام) إلى نفي الحول و القوة عن نفسه و نسبة ما ظهر منه من عمل صالح أو صفة جميلة إلى رحمة ربه.
إن النفس لأمارة بالسوء أي إن النفس بطبعها تدعو إلى مشتهياتها من السيئات على كثرتها و وفورها فمن الجهل أن تبرأ من الميل إلى السوء، و إنما تكف عن أمرها بالسوء و دعوتها إلى الشر برحمة من الله سبحانه تصرفها عن السوء و توفقها لصالح العمل.
و من هنا يظهر أن قوله: «إلا ما رحم ربي» يفيد فائدتين؟.

إحداهما: تقييد إطلاق قوله: «إن النفس لأمارة بالسوء» فيفيد أن اقتراف الحسنات الذي هو برحمة من الله سبحانه من أمر النفس و ليس يقع عن إلجاء و إجبار من جانبه تعالى. و ثانيتهما: الإشارة إلى أن تجنبه الخيانة كان برحمة من ربه.


إن ربي غفور رحيم فأضاف مغفرته تعالى إلى رحمته لأن المغفرة تستر النقيصة اللازمة للطبع و الرحمة يظهر بها الأمر الجميل.

Admin
04- 03- 2010, 15:12
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ



استخلصه أي جعله خالصا
المكين صاحب المكانة و المنزلة
و المعنى: و قال الملك ائتوني بيوسف أجعله خالصا لنفسي و خاصة لي فلما أتي به إليه و كلمه قال له إنك اليوم و قد ظهر من كمالك ما ظهر لدينا ذو مكانة مطلقة و أمانة مطلقة يمكنك من كل ما تريد و يأتمنك على جميع شئون الملك و في ذلك حكم صدارته.

قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ



و لم يسأله ما سأل إلا ليتقلد بنفسه إدارة أمر الميرة و أرزاق الناس فيجمعها و يدخرها للسنين السبع الشداد التي سيستقبل الناس و تنزل عليهم جدبها و مجاعتها و يقوم بنفسه لقسمة الأرزاق بين الناس و إعطاء كل منهم ما يستحقه من الميرة من غيره حيف.
و قد علل سؤاله ذلك بقوله: «إني حفيظ عليم» فإن هاتين الصفتين هما اللازم وجودهما فيمن يتصدى مقاما هو سائله و لا غنى عنهما له.
و في تفسير العياشي، قال سليمان: قال سفيان: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما يجوز أن يزكي الرجل نفسه؟ قال نعم إذا اضطر إليه أ ما سمعت قول يوسف: «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم» و قول العبد الصالح: إني لكم ناصح أمين

وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ



التمكين هو الإقدار
التبوء أخذ المكان.
والإشارة بقوله: «كذلك» إلى ما ساقه من القصة بما انتهى إلى نيله (عليه السلام) عزة مصر، و هو حديث السجن و قد كانت امرأة العزيز هددته بالصغار بالسجن فجعله الله سببا للعزة، و على هذا النمط كان يجري أمره (عليه السلام) أكرمه أبوه فحسده إخوته فكادوا به بإلقائه في غيابة الجب و بيعه من السيارة ليذلوه فأكرم الله مثواه في بيت العزيز، و كادت به امرأة العزيز و نسوة مصر ليوردنه مورد الفجور فأبان الله عصمته ثم كادت به بالسجن لصغاره فتسبب الله بذلك لعزته.
و بهذه المقايسة يظهر أن قوله هاهنا: «نصيب برحمتنا من نشاء» في معنى قوله هناك: «و الله غالب على أمره» و إن المراد أن الله سبحانه إذا شاء أن يصيب برحمته أحدا لم يغلب في مشيته و لا يسع لأي مانع مفروض أن يمنع من إصابته.
ولا نضيع أجر المحسنين إشارة إلى أن هذا التمكين أجر أوتيه يوسف ، ووعد جميل للمحسنين جميعا أن الله لا يضيع أجرهم.

وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ



أي لأولياء الله من عباده فهو وعد جميل أخروي لأوليائه تعالى خاصة و كان يوسف (عليه السلام) منهم.
و الدليل على أنه لا يعم عامة المؤمنين الجملة الحالية: «و كانوا يتقون» الدالة على أن هذا الإيمان و هو حقيقة الإيمان لا محالة كان منهم مسبوقا بتقوى مستمر حقيقي و هذا التقوى لا يتحقق من غير إيمان فهو إيمان بعد إيمان و تقوى و هو المساوق لولاية الله سبحانه قال تعالى «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم و لا هم يحزنون الذين آمنوا و كانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة»: يونس: 64.

Admin
05- 03- 2010, 14:23
وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ



جاءوا إليه في بعض السنين المجدبة و قد خلت السبع السنون المخصبة، و لم يروه منذ سلموه إلى السيارة يوم أخرج من الجب و هو صبي و قد مر عليه سنون في بيت العزيز و لبث بضع سنين في السجن و تولى أمر الخزائن منذ أكثر من سبع سنين، و هو اليوم في زي عزيز مصر لا يظن به أنه رجل عبري من غير القبط

وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ



الجهاز ما يعد من متاع و غيره، و التجهيز حمل ذلك أو بعثه.
أوفي الكيل أي لا أبخس فيه و لا أظلمكم بالاتكاء على قدرتي و عزتي.
أنا خير المنزلين أكرم النازلين بي و أحسن مثواهم، و هذا تحريض لهم أن يعودوا إليه ثانيا و يأتوا إليه بأخيهم من أبيهم.
سألهم عن خطبهم فأخبروه و هم عشرة أنهم إخوة و أن لهم أخا آخر بقي عند أبيهم لا يفارقه أبوه و لا يرضى أن يفارقه لسفر أو غيره فأحب العزيز أن يأتوا به إليه فيراه.

فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ



الكيل بمعنى المكيل و هو الطعام
ولا تقربون أي لا تقربوني بدخول أرضي و الحضور عندي للامتيار و اشتراء الطعام.
تهديد منه لهم لو خالفوا عن أمره كما تقدم.

قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ



المراودة كما تقدم هي الرجوع في أمر مرة بعد مرة بالإلحاح أو الاستخدام.

وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ



الفتيان جمع الفتى و هو الغلام
البضاعة قطعة وافرة من المال يقتنى للتجارة يقال: أبضع بضاعة و ابتضعها، قال تعالى: «هذه بضاعتنا ردت إلينا» و قال تعالى: «ببضاعة مزجاة» و الأصل في هذه الكلمة البضع - بفتح الباء - و هو جملة من اللحم يبضع أي يقطع ، و فلان بضعة مني أي جار مجرى بعض جسدي لقربه مني و البضع بالكسر المنقطع من العشرة، و يقال ذلك لما بين الثلاث إلى العشرة و قيل: بل هو فوق الخمس و دون العشرة.
الرحال جمع رحل و هو الوعاء و الأثاث.
الانقلاب الرجوع.
وقال يوسف لغلمانه: اجعلوا مالهم و بضاعتهم التي قدموها ثمنا لما اشتروه من الطعام في أوعيتهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا و رجعوا إلى أهلهم - و فتحوا الأوعية - لعلهم يرجعون إلينا و يأتوا بأخيهم فإن ذلك يقع في قلوبهم و يطمعهم إلى الرجوع و التمتع من الإكرام و الإحسان.

Admin
06- 03- 2010, 15:25
قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ



الأمن اطمئنان القلب إلى سلامة الأمر يقال: أمنه
و قد أمنتكم بمثل هذا الأمن على يوسف فلم تغنوا عني شيئا و جئتم بقميصه الملطخ بالدم أن الذئب أكله و أمني لكم على هذا الأخ مثل أمني على أخيه من قبل أمن لمن لا يغني أمنه و الاطمئنان إليه شيئا و لا بيده حفظ ما سلم إليه و اؤتمن له.
فالله خير حافظا و هو أرحم الراحمين : خير الاطمئنان و الاتكال ما كان اطمئنانا إلى الله سبحانه من حيث حفظه، و إذا تردد الأمر بين التوكل عليه و التفويض إليه و بين الاطمئنان إلى غيره كان الوثوق به تعالى هو المختار المتعين.
و قوله: «و هو أرحم الراحمين» في موضع التعليل لقوله: «فالله خير حافظا» أي إن غيره تعالى ربما أمن في أمر و اؤتمن عليه في أمانة سلم له فلم يرحم المؤتمن و ضيع الأمانة لكنه سبحانه أرحم الراحمين لا يترك الرحمة في محل الرحمة و يترحم العاجز الضعيف الذي فوض إليه أمرا و توكل عليه، و من يتوكل على الله فهو حسبه.
ويظهر أن في قوله (عليه السلام): «و هو أرحم الرحمين» نوع تعريض لهم و تلويح إلى أنهم لم يستوفوا الرحم - أو لم يرحموه أصلا - في أمر يوسف حين أمنهم عليه

وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ



البغي هو الطلب و يستعمل كثيرا في الشر و منه البغي بمعنى الظلم و البغي بمعنى الزنا.
الميرة الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد.
يا أبانا ما نبغي استفهام أي لما فتحوا متاعهم و وجدوا بضاعتهم ردت إليهم و كان ذلك دليلا على إكرام العزيز لهم و أنه غير قاصد بهم سوءا و قد سلم إليهم الطعام و رد إليهم الثمن فكان ذهابهم إلى مصر للامتيار خير سفر نفعا و درا راجعوا أباهم و قالوا: يا أبانا ما الذي نطلب من سفرنا إلى مصر وراء هذا؟ فقد أوفى لنا الكيل و رد إلينا ما بذلناه من البضاعة ثمنا.
و ربما قيل: إن «ما» في قوله: «ما نبغي» للنفي أي ما نطلب بما أخبرناك من العزيز و إكرامه لنا الكذب فهذه بضاعتنا ردت إلينا، و كذا قيل: إن اليسير بمعنى القليل أي إن الذي جئنا به إليك من الكيل قليل لا يقنعنا فنحتاج إلى أن نضيف إليه كيل بعير أخينا.

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ



الموثق بكسر الثاء ما يوثق به و يعتمد عليه، و الموثق من الله هو أمر يوثق به و يرتبط مع ذلك بالله و إيتاء موثق إلهي و إعطاؤه هو أن يسلط الإنسان على أمر إلهي يوثق به كالعهد و اليمين بمنزلة الرهينة، و المعاهد و المقسم بقوله عاهدت الله أن أفعل كذا أو بالله لأفعلن كذا يراهن كرامة الله و حرمته فيضعها رهينة عند من يعاهده أو يقسم له، و لو لم يف بما قال خسر في رهينته و هو مسئول عند الله لا محالة.
الإحاطة من حاط بمعنى حفظ و منه الحائط للجدار الذي يدور حول المكان ليحفظه و الله سبحانه محيط بكل شيء أي مسلط عليه حافظ له من كل جهة لا يخرج و لا شيء من أجزائه من قدرته، و أحاط به البلاء و المصيبة أي نزل به على نحو انسدت عليه جميع طرق النجاة فلا مناص له منه، و منه قولهم: أحيط به أي هلك أو فسد أو انسدت عليه طرق النجاة و الخلاص قال تعالى: «و أحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها»: الكهف: 42، و قال: «و ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين»: يونس: 22 و منه قوله في الآية: «إلا أن يحاط بكم» أي أن ينزل بكم من النازلة ما يسلب منكم كل استطاعة و قدرة فلا يسعكم الإتيان به إلي.
الوكالة نوع تسلط على أمر يعود إلى الغير ليقوم به، و توكيل الإنسان غيره في أمر تسليطه عليه ليقوم في إصلاحه مقامه، و التوكل عليه اعتماده و الاطمئنان إليه في أمر.
و لذلك نرى أن يعقوب (عليه السلام) فيما تحكيه الآيات من توكله على الله لم يلغ الأسباب و لم يهملها بل تمسك بالأسباب العادية فكلم أولا بنيه في أخيهم ثم أخذ منهم موثقا من الله ثم توكل على الله و كذا فيما وصاهم في الآية الآتية بدخولهم من أبواب متفرقة ثم توكله على ربه تعالى.