Admin
28- 01- 2007, 17:33
http://www.middle-east-online.com/pictures/biga/_44678_creation.jpg
http://www.middle-east-online.com/pictures/blank.gif
هل يمكن الاعتماد على ذكاء الماكينة؟
ما مصير الإبداع الرقمي الحالي في حال تطوير تقنيات ترفض التعامل مع هذا الإبداع؟
ميدل ايست اونلاين
بقلم: د. عزيز التميمي
كثر الحديث في السنتين الأخيرتين عن التقنية الرقمية ودورها في تأسيس أفق جديد ضمن آفاق الإبداع الأدبي الروائي تحديدا، ولا أريد أن أصادر مبادرات من كتب حول هذا الموضوع إلا أن الحقل المعرفي يتسع لكتابة المزيد، خصوصاً في وقت يشهد ادعاءات وتبشيرات أطراف كثيرة عن بلورة أو بزوغ عصر إبداعي جديد يزاوج ما بين التقنية الرقمية والإبداع الروائي، وانطلاقاً من هذه المنطقة المؤثثة بأدغال الغموض والالتباس أحاول أن أمهد لمراجعة جملة حقائق معرفية يكاد أن يكون معظم المعنيين بالشأن الأدبي والهم الروائي تحديداً على دراية إن لم نقل على بينة منها.
الإبداع الأدبي الروائي مثلما هو معروف مرتبط أساساً بكل من الفكرة (الثيمة) والرؤية الفلسفية التي تشكل المنظور الدلالي للمعالجة من خلال مجموعة أدوات فنية تطورت تباعاً مع تطور اللغة بكل مستوياتها الشكلانية والبنيوية والتفكيكية.
وحتى تكون المراجعة أكثر تأشيراً لتلك الحقائق ضمن حافتي الغموض واللبس علينا أن نميز بين المنتج الأدبي وأدواته، وأن لا تكون العلاقة مؤسسة على فهم خاطئ لماهية الإبداع الأدبي. الإبداع رافق الكينونة ورافق الحس وتجلى من خلاله، الإبداع نتاج ماكينة مرهفة فاحصة محللة، الإبداع إشعاع لأقباس فكرية حفزتها حركة الفعل الحياتي والبشري، وأثرتْها إحداثيات التفاعل الحسي والأيديولوجي مع رنين المنبعث الآني صوب الماضي والمستقبل، وقبل أن تكون الكتابة كان الإبداع أنساقا سيمولوجية، فكانت الرقصة وكانت الصرخة، كانت الرموز والأوشام، كانت التراتيل والأدعية، إنما صيغة المبتدع ظلت أبداً هي الجوهر والوسيطة التي تتبنى التوصيل قابلة للتطور والتغيير، ومع تطور أنماط وأشكال الوسائط صار الإبداع أكثر بريقا وتموجداً مع حركة الفعل الحياتي، أو لنقل مع تطور وسائط تمثيل المنتج الأدبي صار المنتج أكثر تداولاً وتأثيراً، وحينما دخلت الطباعة كأحد الوسائط المهمة في تمثيل المنتج أسهمت في إيصال الفكرة المكتوبة بشكل كبير وفعّال، إنما بقي الحرف والجملة هما التشكيل الأساسي للغة الإبداع الروائي، ولم يفكر أي من المبدعين في اعتماد التقنية الطباعية المتطورة كشكل من أشكال الإبداع الأدبي، إنما تبقى تقنية تضاف لسجل الإبداع التكنولوجي، وتسهم في خدمة المنتج الإبداعي.
واستمر الحال، وكان المنتج الأدبي الروائي يعكس دوما تجليات الإبداع من خلال تلك الحركة المستمرة لمجسات الفكر الحاذقة التي تتلمس أرضية وأهداب الواقع وتتحرى فضاءات المتخيل والمفترض، كانت حركة نحتية دؤوبة في جسد المكان والزمان، تشك بأدق البنى والأنساق وتفترض المشاكسة لتنتج المختلف والمغاير، فتارة كانت تنسج الإبداع تداعيا بنيويا للفكرة وتارة أخرى تختزن الانفعال وتصوبه في اتجاهات وجدانية وحسية ترصد لهاث هذا الكائن الممسوس بالاستفزاز، وفي كل المستويات الإبداعية كانت الوسائط غائبة عن ذاكرة المبدع، لأنها لا تمثل له إلا عربات عادية لنقل المنتج الأدبي لساحات التداول المعرفي والفكري، فتارة تتخذ الوسيطة شكل ماكينة طباعة مؤثثة بقدرات وكفاءات طباعية عالية الجودة، وتارة أخرى تتخذ الوسيطة شريط مايكروفيلم يختزن في ذاكرته المنتج الأدبي، وفي أحيان أخرى تأتي الوسيطة قرص مدمج أو حركة (أنيميشن) كمبيوترية تمزج ما بين المعنى الكتابي والمعنى الإشاري بحركة ومضية أو رنين صوتي، وفي كل هذه الأوجه لا تشكل اللغة الرقمية المتداولة في عصر العولمة إلا واحدة من هذه الوسيطات المتطورة التي تسهم في نشر الإبداع وتيسيره لا أكثر. فالإبداع الأدبي الروائي لا تنتجه الماكينة الرقمية بل تنتجه ماكينة العقل البشري، وكل مراحل كينونته يحتويها الفكر الإنساني قبل أن يطرحها بهيئة منتج فكري إبداعي لتأتي الوسيطات الناقلة سواء كانت رقمية أو حرفية بكل ما تمتلكه من قدرات فنية وكرافيكية لتدونه بشكل من الأشكال وحسب ما هو متداول من أدوات تكنولوجية متيسرة.
وإذا افترضنا أن ما تقدمه (المالتميديا) أو الوسائط المتعددة هو شكل من أشكال الإبداع الروائي، فماذا يمكن أن نصف حالة هذا الإبداع إذا ما قامت شركة مايكروسوفت للبرمجيات وأنتجت بعد سنة أو سنتين أجيالاً جديدة ضمن تقنيات أكثر تطورا بحيث ترفض العمل مع هذه الوسائط التي أسهمت في تأسيس الوجه الجديد للإبداع الروائي، ترى في هذه الحالة هل على الأديب الرقمي أن يتبرأ من إبداعه السابق الذي أصبح الآن إبداعاً متقاعدا بلغة التقنية الرقمية؟.
في حقيقة الأمر أن هناك لبساً كبيرا في فلسفة التعامل مع التقنيات الرقمية وتوظيفها لخدمة المنتج الأدبي والإبداعي، فالجميع يدرك أن الإبداع الأدبي غير خاضع لسلطة الأدوات التي تسهم في نشر وتيسير المنتج الإبداعي سواء كانت هذه الوسائط أو الأدوات تقنيات طباعية متقدمة أو وسائط برمجية، أما أن نطلق على نص مكتوب بلغة عادية وربما حكائية نصا إبداعيا لمجرد أن هذا النص تمت معالجته وفق مجموعة مؤثرات برمجية فهذا ما لا يمكن قبوله من حيث المنطق الذي يفسر أسس الإبداع وتداعياته. الإبداع التكنولوجي إبداع قائم بذاته ومن الممكن الاستفادة من خدماته في الكثير من المجالات، ومن الممكن أيضا أن يسهم وبشكل فعّال في تطوير تلك المجالات من خلال مزاياه التي توفر الكثير من الدعم، فقط الإبداع الأدبي لا يمكن أن يستند بأي شكل من الأشكال على ذكاء الماكينة، لأن الإبداع الأدبي تبدعه ماكينة العقل وتجسده ضمن أبعاده الفلسفية قبل أن تسمح للماكينة الرقمية بنشره وتيسيره للتداول، ولا أظن أن (المالتميديا) تسهم في إنتاج أنساق لغوية ضمن بنيات جديدة من شأنها أن تسهم في إنتاج نص حداثي يطرح رؤية فلسفية جديدة، ربما يرى الآخرون جزءاً من هذه الحقيقة.
د. عزيز التميمي
http://www.middle-east-online.com/?id=44678
http://www.middle-east-online.com/pictures/blank.gif
هل يمكن الاعتماد على ذكاء الماكينة؟
ما مصير الإبداع الرقمي الحالي في حال تطوير تقنيات ترفض التعامل مع هذا الإبداع؟
ميدل ايست اونلاين
بقلم: د. عزيز التميمي
كثر الحديث في السنتين الأخيرتين عن التقنية الرقمية ودورها في تأسيس أفق جديد ضمن آفاق الإبداع الأدبي الروائي تحديدا، ولا أريد أن أصادر مبادرات من كتب حول هذا الموضوع إلا أن الحقل المعرفي يتسع لكتابة المزيد، خصوصاً في وقت يشهد ادعاءات وتبشيرات أطراف كثيرة عن بلورة أو بزوغ عصر إبداعي جديد يزاوج ما بين التقنية الرقمية والإبداع الروائي، وانطلاقاً من هذه المنطقة المؤثثة بأدغال الغموض والالتباس أحاول أن أمهد لمراجعة جملة حقائق معرفية يكاد أن يكون معظم المعنيين بالشأن الأدبي والهم الروائي تحديداً على دراية إن لم نقل على بينة منها.
الإبداع الأدبي الروائي مثلما هو معروف مرتبط أساساً بكل من الفكرة (الثيمة) والرؤية الفلسفية التي تشكل المنظور الدلالي للمعالجة من خلال مجموعة أدوات فنية تطورت تباعاً مع تطور اللغة بكل مستوياتها الشكلانية والبنيوية والتفكيكية.
وحتى تكون المراجعة أكثر تأشيراً لتلك الحقائق ضمن حافتي الغموض واللبس علينا أن نميز بين المنتج الأدبي وأدواته، وأن لا تكون العلاقة مؤسسة على فهم خاطئ لماهية الإبداع الأدبي. الإبداع رافق الكينونة ورافق الحس وتجلى من خلاله، الإبداع نتاج ماكينة مرهفة فاحصة محللة، الإبداع إشعاع لأقباس فكرية حفزتها حركة الفعل الحياتي والبشري، وأثرتْها إحداثيات التفاعل الحسي والأيديولوجي مع رنين المنبعث الآني صوب الماضي والمستقبل، وقبل أن تكون الكتابة كان الإبداع أنساقا سيمولوجية، فكانت الرقصة وكانت الصرخة، كانت الرموز والأوشام، كانت التراتيل والأدعية، إنما صيغة المبتدع ظلت أبداً هي الجوهر والوسيطة التي تتبنى التوصيل قابلة للتطور والتغيير، ومع تطور أنماط وأشكال الوسائط صار الإبداع أكثر بريقا وتموجداً مع حركة الفعل الحياتي، أو لنقل مع تطور وسائط تمثيل المنتج الأدبي صار المنتج أكثر تداولاً وتأثيراً، وحينما دخلت الطباعة كأحد الوسائط المهمة في تمثيل المنتج أسهمت في إيصال الفكرة المكتوبة بشكل كبير وفعّال، إنما بقي الحرف والجملة هما التشكيل الأساسي للغة الإبداع الروائي، ولم يفكر أي من المبدعين في اعتماد التقنية الطباعية المتطورة كشكل من أشكال الإبداع الأدبي، إنما تبقى تقنية تضاف لسجل الإبداع التكنولوجي، وتسهم في خدمة المنتج الإبداعي.
واستمر الحال، وكان المنتج الأدبي الروائي يعكس دوما تجليات الإبداع من خلال تلك الحركة المستمرة لمجسات الفكر الحاذقة التي تتلمس أرضية وأهداب الواقع وتتحرى فضاءات المتخيل والمفترض، كانت حركة نحتية دؤوبة في جسد المكان والزمان، تشك بأدق البنى والأنساق وتفترض المشاكسة لتنتج المختلف والمغاير، فتارة كانت تنسج الإبداع تداعيا بنيويا للفكرة وتارة أخرى تختزن الانفعال وتصوبه في اتجاهات وجدانية وحسية ترصد لهاث هذا الكائن الممسوس بالاستفزاز، وفي كل المستويات الإبداعية كانت الوسائط غائبة عن ذاكرة المبدع، لأنها لا تمثل له إلا عربات عادية لنقل المنتج الأدبي لساحات التداول المعرفي والفكري، فتارة تتخذ الوسيطة شكل ماكينة طباعة مؤثثة بقدرات وكفاءات طباعية عالية الجودة، وتارة أخرى تتخذ الوسيطة شريط مايكروفيلم يختزن في ذاكرته المنتج الأدبي، وفي أحيان أخرى تأتي الوسيطة قرص مدمج أو حركة (أنيميشن) كمبيوترية تمزج ما بين المعنى الكتابي والمعنى الإشاري بحركة ومضية أو رنين صوتي، وفي كل هذه الأوجه لا تشكل اللغة الرقمية المتداولة في عصر العولمة إلا واحدة من هذه الوسيطات المتطورة التي تسهم في نشر الإبداع وتيسيره لا أكثر. فالإبداع الأدبي الروائي لا تنتجه الماكينة الرقمية بل تنتجه ماكينة العقل البشري، وكل مراحل كينونته يحتويها الفكر الإنساني قبل أن يطرحها بهيئة منتج فكري إبداعي لتأتي الوسيطات الناقلة سواء كانت رقمية أو حرفية بكل ما تمتلكه من قدرات فنية وكرافيكية لتدونه بشكل من الأشكال وحسب ما هو متداول من أدوات تكنولوجية متيسرة.
وإذا افترضنا أن ما تقدمه (المالتميديا) أو الوسائط المتعددة هو شكل من أشكال الإبداع الروائي، فماذا يمكن أن نصف حالة هذا الإبداع إذا ما قامت شركة مايكروسوفت للبرمجيات وأنتجت بعد سنة أو سنتين أجيالاً جديدة ضمن تقنيات أكثر تطورا بحيث ترفض العمل مع هذه الوسائط التي أسهمت في تأسيس الوجه الجديد للإبداع الروائي، ترى في هذه الحالة هل على الأديب الرقمي أن يتبرأ من إبداعه السابق الذي أصبح الآن إبداعاً متقاعدا بلغة التقنية الرقمية؟.
في حقيقة الأمر أن هناك لبساً كبيرا في فلسفة التعامل مع التقنيات الرقمية وتوظيفها لخدمة المنتج الأدبي والإبداعي، فالجميع يدرك أن الإبداع الأدبي غير خاضع لسلطة الأدوات التي تسهم في نشر وتيسير المنتج الإبداعي سواء كانت هذه الوسائط أو الأدوات تقنيات طباعية متقدمة أو وسائط برمجية، أما أن نطلق على نص مكتوب بلغة عادية وربما حكائية نصا إبداعيا لمجرد أن هذا النص تمت معالجته وفق مجموعة مؤثرات برمجية فهذا ما لا يمكن قبوله من حيث المنطق الذي يفسر أسس الإبداع وتداعياته. الإبداع التكنولوجي إبداع قائم بذاته ومن الممكن الاستفادة من خدماته في الكثير من المجالات، ومن الممكن أيضا أن يسهم وبشكل فعّال في تطوير تلك المجالات من خلال مزاياه التي توفر الكثير من الدعم، فقط الإبداع الأدبي لا يمكن أن يستند بأي شكل من الأشكال على ذكاء الماكينة، لأن الإبداع الأدبي تبدعه ماكينة العقل وتجسده ضمن أبعاده الفلسفية قبل أن تسمح للماكينة الرقمية بنشره وتيسيره للتداول، ولا أظن أن (المالتميديا) تسهم في إنتاج أنساق لغوية ضمن بنيات جديدة من شأنها أن تسهم في إنتاج نص حداثي يطرح رؤية فلسفية جديدة، ربما يرى الآخرون جزءاً من هذه الحقيقة.
د. عزيز التميمي
http://www.middle-east-online.com/?id=44678