Admin
26- 04- 2007, 07:22
الشيخ عادل الشعلة: 2 ربيع الثاني 1428هـ 20أبريل 2007م
بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلاّ الله والله أكبر، مُعَظَّماً مُقدَّسَاً مُوَقَّراً كبيراً. الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذلّ وكبره تكبيرا، الله أكبرُ، أهلَ الكبرياء والحمدِ والمجدِ والثناءِ والتقديسِ، ولا إله إلاّ الله والله أكبر لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الله أكبر لا شريكَ لهُ في تكبيري إياه بل مُخلصاً له الدينَ، وجهتُ وجْهي للكبيرِ المُتعالِ ربِّ العالمين، وأعوذُ بالله العظيم من طوارق الجنّ وَوَسَاوِسِهم وحِيَلِهم وفي كيدهم وحَسَدِهِم وباسمك الله لا شريك لكَ، لك العزةُ والسلطانُ والجلال والإكرام.صلّ على محمد وآل محمد، واهدني سُبلَ الإسلام، وأَقْبِل عليَّ بوجهكَ الكريم.
* طرق اليقظة السياسية:
كان الحديث حول طرق خلق اليقظة السياسية المستمرة الراسخة، وقد ذكرت طريقين مُتعلقين باليقظة الكسبية:
أولهما: التلاوة القرآنية ومعالجة أمراض الحياة السياسية الذاتية والاجتماعية من خلال هذه التلاوة الخاشعة الواعية، فالتلاوة القرآنية المصحوبة بالتفكرات تصنع المعجزات الروحية، ولأهمية هذا المعنى أود أن أضرب مثالاً -أُذكر به نفسي- ينطلق من قول الله تعالى:( فَلْيَنْظُرُ الإنْسَانُ مِمَّ خُلقَ، خُلقَ منْ ماءٍ دافقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرّائِبِ )، فلو تفكر السياسيون في بدايتهم لما ركب الغرور والتكبر رؤسهم، ولو تفكروا في نهايتهم لما عمّ الظلم بُلدانهم، فلماذا الغرور والطغيان ممن كان أوله جيفة وآخره جيفة؟! فعلى من ابتلاهم الله بنعيم المواقع السياسة لا سيما في المواقع السياسية الرسمية أن يُنتبهوا لأنفسهم حتى لا يسقطوا في مُستنقع الغرور والتكبر والضياع..
ومن القصص التاريخية السياسية المربية في هذا المجال: قصة السلطان محمود ووزيره أياز، فقد أصبح أياز الغلام في ليلة وضحاها مُقربا من السلطان حتى جعله وزيره، وقد أوغر هذا الأمر صدور المُقربين من السلطان بالعداوة والحسد، فراحوا يكيدون للوزير إياز، ويسعون لإسقاطه –وهذا حال السياسيين ممن تعلقوا بالدنيا، فعادتهم المكيدة بالآخرين ليسقطوهم من أعين الناس إذا ما كانوا مُرشحين لهم أو يُبعدوهم عن مواقعهم إذا ما كانوا مُخلصين لشعوبهم – وقد استغل أعداه نقطة ضعف ظاهرية عند إياز، فقد كانت لديه غُرفة قد أحكم إقفالها ومنع أيّاً كان من الدنوّ منها، وقد كان يرتادها بين وقت وآخر ، وبدأت الشبهات والاتهامات تُثار ضده، وأنه يُخفي في غُرفة ما يسرقه من السلطان، وهذا ما صوره خيالهم وحقدهم وحسدهم، ونقلوا للسلطان أمر هذه الغرفة ولم يصدقهم، لكنه أمر رجاله بكسر باب الغرفة وإحضار ما فيها ليضع حداً لهذه الشكوك والوشايات، ولما دخلوا لم يعثروا فيها على شي، اللهم سوى لباس وحذاء قديمين وجبّة مُستعملة من صوف، فأحضروا حفّاراً ونبشوا أرض الغُرفة ، ومع ذلك لم يعثروا على شيء.
فأخبروا السلطان بما جرى، فأحضر إياز، وقال له: كيف تُخصص حجرة من أجل لباس وحذاء قديمين، ثمّ تقفل بابها، وتضع نفسك موضع اتهام؟! قال أياز سأقول لك الحقيقة أيها السلطان، أنا في البداية لم أكن سوى قالع للأشواك والأعشاب، لا أكثر، وقد بلغت الآن مرتبة جعلت مني وزيراً للسلطان، فلكي لا أنسى بدايتي، وضعت لباس قالع الأشواك في هذه الحجرة، وأنا أدخلها كلّ يوم كي أحتفظ بذكرى بدايتي، وأقول لنفسي: احذر يا إياز، فأنت لم تكن سوى قالع للأشواك، وهذا لباسك شاهد عليك، وعليك إذ ترتدي لباس الجاه والعزّ أن لا تنسى بدايتك، فلا يأخذك الغرور، فيدفعك إلى التجاوز والخيانة.. فهذه القصة لكل واحد منا لا سيما من يتعرض للإغراءات، فعليه أن يذكر بدايته ونهايته، كما قال الإمام علي (عليه السلام): (ما لابْنِ آدمَ والفَخْر، وأَوَّلهُ نطفةٌ، وآخره جيفة، لا يرزقُ نَفْسَهُ، ولا يَدْفَعُ حَتْفَهُ؟! ).
ثاني الطرق التي ذكرتها: المُداومة على ذكر الله وتعويد القلب معايشة ذكره سبحانه وتعالى، وربما لذلك قال تعالى: (واذكُرْ رَبَّك كَثِيراً)، فإذا كثر ذكره زادت مُعايشته واستئناسه لدرجة يُصبح فيها -الذكر- حاكماً على كل الشهوات والرغبات والإغراءات السياسية أو غيرها، ولا يكون الحال كحال عمر بن سعد الذي كانت شهواته حاكمة على ذكر الله، حين خيَّر نفسه بين أن يحْكُم الرَّي وبين قتل الإمام الحسين (عليه السلام) حفيد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)..
هذا الحال والضعف والتزلزل والغفلة في المواقف والرؤى السياسية لا يكون إلاّ حين تكون التجربة الذكرية والمعايشة الروحية لربّ البريّة نادرة وقليلة لم تستحكم من القلب، أما إذا استحكمت فسوف تكون الرؤى والمواقف السياسية صافية وراسخة كالجبال..
ومن الأمثلة الناصعة في بيان التجارب الذكرية المؤدية لمواقف سياسية راسخة ما ذكره (أبو الفرج الإصفهاني) في مقاتل الطلابيين حول حياة علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن أحد أحفاد الإمام الحسن (صلوات الله عليه) الذي يُسمى بعلي الخير، وعلي العابد، فقد اعتقله أبو جعفر ضمن مجموعة من بني الحسن، ويروي أبو الفرج رواية في شأن هذه المجموعة رواها عبد الله بن الحسن أحد أفراد هذه المجموعة عن فاطمة الصغرى عن أبيها عن جدتها فاطمة (صلوات الله عليها)، قالت:( يُدفن من ولدي سبعة بشاطئ الفرات لم يسبقهم الأولون ولا يُدركهم الآخرون )، قال عبد الله: فقلت: نحن ثمانية.قال: هكذا سمعت. قال: فلما فتحوا الباب وجدوهم موتى وأصابوني وبي رمق وسقوني ماء، وأخرجوني فعشت".
والشاهد الذي أود ذكره في التجربة الذكرية أوضاع هؤلاء الثمانية وهم يعيشون في قعر السجون، فقد حبسهم أبو جعفر في محبس ستين ليلة ما يدرون بالليل ولا بالنهار ولا يعرفون وقت الصلاة إلاّ بتسبيح علي بن الحسن، قال الحسين بن نصر –في بيان حال السجناء الثمانية-: "ضجر عبد الله ضجرة، فقال: يا علي ألا ترى ما نحن فيه من البلاء؟! ألا تطلب إلى ربّك عزّ وجلَّ أنْ يُخرجنا من هذا الضيق والبلاء؟ فسكت عنه طويلاً ثم قال: يا عمّ إنّ لنا في الجنّة درجة لم نكن لنبلغها إلاّ بهذه البلية أو بما هو أعظم منها، وإنّ لأَبي جعفر في النّار موضعاً لم يكن ليبلغه حتى يبلغ منّا مثل هذه البليَّة أو أعظم منها، فإن تشأ تصبْر فما أوشك فيما أصبنا أن نموت فنستريح من هذا الغمّ كأن لم يكن منه شيء، وإن تشأ أن ندعو ربنا عزّ وجل أنْ يُخرجك من هذا الغمّ ويقصر بأبي جعفر غايته التي في النار فعلنا.قال: لا، بل أصبر. فما مكثوا إلاّ ثلاثاً حتى قبضهم الله إليه".
فالإنسان حين يتعرض لألوان المحنة والوحدة قد يُصاب باليأس والضيق ويشعر بالضعف والوهن والضنك، لكنّ ذكر الله والتطلع لما لديه، يصنع سمواً في المشاعر، واستقراراً في النفس، وراحة في البال .. يصنع صلابة في الموقف وثباتاً على الرؤى والأفكار النابعة من الدين.
أما الطريق الثالث –مما يُمكن أن يُذكر لخلق اليقظة-: الاعتبار بالعبر السياسية: قراءة حياة السياسيين بغرض الاعتبار السياسي يخلق اليقظة والالتفات، وهذا مما أوصى به أمير المؤمنين (عليه السلام) ولده الإمام الحسن (ع) بقوله: (وذكّره –أي قلبك- بما أصاب منْ كانَ قبلكَ من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا، وعمّا انتقلوا، وأين حلّوا ونزلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلّوا ديار الغُربة، وكأنك عن قليل صرتَ كأحدهم، فاصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك).
فقراءة حياة الفاسدين والصالحين ممن انشغلوا بالسياسة لها تأثيرها الكبير في استيعاب الحقائق، وعدم السقوط في المُستنقعات السياسية التي وقعوا فيها، فهناك من أفسدتهم المصالح الدنيوية كعمر بن سعد، فخسر الدنيا والآخرة، وهناك من أصلحتهم الابتلاءات الدنيوية كالحرّ بن يزيد الرياحي الذي لم يحجبه منصبه عن رؤية الحقيقة والوقوف معها وقدم دماءه فداء للحق.
وهناك الكثير من السياسيين الذي حكموا الكثير من بلدان العالم، فأين رحلوا؟! أين شداد بن عاد الذي بنى مدينة (لَمْ يُخْلَق مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ)؟! أين هشام بن عبد الملك الذي كان يقول للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيصل إليَّ خراجُك"؟! وغيرهم كثير ممن حكموا ظلماً وعتواً أو باعوا أنفسهم طمعاً أو خوفاً، فعلينا أن نستحقر هؤلاء وأمثالهم في داخل أنفسنا حتى لا نصير أمثالهم، وقد صدق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بقوله: (من لم يعتبر بغير الدنيا وصروفها لم تنجع فيه المواعظ)، فالعبر كثيرة لمن أراد أن يقرأ قراءة سياسية واعية، ومتى ما أخذت العبرة مأخذها من النفس، واشتعلت نيران المعرفة الوجدانية فسوف سيحصل للإنسان عزم وإرادة تدفعه للحركة التغييرية.
الطريق الرابع: معاشرة السياسيين المتدينين: فمعاشرة رجال مُتقين سوف يجعل الإنسان مُستفيداً من يقظتهم، وستنعكس على شئونه وتصرفاته لحصول سنخية بينه وبينهم بسبب معاشرته، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (قالَ الحَواريونَ لعيسى: يا روحَ اللهِ منْ نُجالسُ؟ قال: منْ يُذكركم اللهَ رؤيتُه، ويزيد في عملِكُم منْطقُه، ويرغبكم فِي الآخرةِ عملُه).
إلهي حالي كحال زهير بن اليقين قبل التحاقه بركب الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان مُعرضاً عن إمامه، ولكنّ جذبة الإمام الحسين (عليه السلام) ولقاءه به قلب كيانه، وأنا يا مولاي مُعرض عن إمام زماني فارحمني بجذبة منه وملاقاته.. (هل إليكَ يا بنَ أحمدَ سبيلٌ فتُلقَى، هلْ يتّصلُ يومُنا بغدِه فَنحْضى. متى نرِدُ منَهِلك الرَّويةَ فنَرْوى، مَتى نَنْتَفِعُ مِنْ عَذْبِ مائِكَ فقدْ طالَ الصَّدى، متى نُغاديكَ ونُراوحكَ فنقرّ منها عَيْنَا، مًتَى ترانَا ونَراك؟؟؟
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
المصدر (http://www.montadayat.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12448)
بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلاّ الله والله أكبر، مُعَظَّماً مُقدَّسَاً مُوَقَّراً كبيراً. الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذلّ وكبره تكبيرا، الله أكبرُ، أهلَ الكبرياء والحمدِ والمجدِ والثناءِ والتقديسِ، ولا إله إلاّ الله والله أكبر لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الله أكبر لا شريكَ لهُ في تكبيري إياه بل مُخلصاً له الدينَ، وجهتُ وجْهي للكبيرِ المُتعالِ ربِّ العالمين، وأعوذُ بالله العظيم من طوارق الجنّ وَوَسَاوِسِهم وحِيَلِهم وفي كيدهم وحَسَدِهِم وباسمك الله لا شريك لكَ، لك العزةُ والسلطانُ والجلال والإكرام.صلّ على محمد وآل محمد، واهدني سُبلَ الإسلام، وأَقْبِل عليَّ بوجهكَ الكريم.
* طرق اليقظة السياسية:
كان الحديث حول طرق خلق اليقظة السياسية المستمرة الراسخة، وقد ذكرت طريقين مُتعلقين باليقظة الكسبية:
أولهما: التلاوة القرآنية ومعالجة أمراض الحياة السياسية الذاتية والاجتماعية من خلال هذه التلاوة الخاشعة الواعية، فالتلاوة القرآنية المصحوبة بالتفكرات تصنع المعجزات الروحية، ولأهمية هذا المعنى أود أن أضرب مثالاً -أُذكر به نفسي- ينطلق من قول الله تعالى:( فَلْيَنْظُرُ الإنْسَانُ مِمَّ خُلقَ، خُلقَ منْ ماءٍ دافقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرّائِبِ )، فلو تفكر السياسيون في بدايتهم لما ركب الغرور والتكبر رؤسهم، ولو تفكروا في نهايتهم لما عمّ الظلم بُلدانهم، فلماذا الغرور والطغيان ممن كان أوله جيفة وآخره جيفة؟! فعلى من ابتلاهم الله بنعيم المواقع السياسة لا سيما في المواقع السياسية الرسمية أن يُنتبهوا لأنفسهم حتى لا يسقطوا في مُستنقع الغرور والتكبر والضياع..
ومن القصص التاريخية السياسية المربية في هذا المجال: قصة السلطان محمود ووزيره أياز، فقد أصبح أياز الغلام في ليلة وضحاها مُقربا من السلطان حتى جعله وزيره، وقد أوغر هذا الأمر صدور المُقربين من السلطان بالعداوة والحسد، فراحوا يكيدون للوزير إياز، ويسعون لإسقاطه –وهذا حال السياسيين ممن تعلقوا بالدنيا، فعادتهم المكيدة بالآخرين ليسقطوهم من أعين الناس إذا ما كانوا مُرشحين لهم أو يُبعدوهم عن مواقعهم إذا ما كانوا مُخلصين لشعوبهم – وقد استغل أعداه نقطة ضعف ظاهرية عند إياز، فقد كانت لديه غُرفة قد أحكم إقفالها ومنع أيّاً كان من الدنوّ منها، وقد كان يرتادها بين وقت وآخر ، وبدأت الشبهات والاتهامات تُثار ضده، وأنه يُخفي في غُرفة ما يسرقه من السلطان، وهذا ما صوره خيالهم وحقدهم وحسدهم، ونقلوا للسلطان أمر هذه الغرفة ولم يصدقهم، لكنه أمر رجاله بكسر باب الغرفة وإحضار ما فيها ليضع حداً لهذه الشكوك والوشايات، ولما دخلوا لم يعثروا فيها على شي، اللهم سوى لباس وحذاء قديمين وجبّة مُستعملة من صوف، فأحضروا حفّاراً ونبشوا أرض الغُرفة ، ومع ذلك لم يعثروا على شيء.
فأخبروا السلطان بما جرى، فأحضر إياز، وقال له: كيف تُخصص حجرة من أجل لباس وحذاء قديمين، ثمّ تقفل بابها، وتضع نفسك موضع اتهام؟! قال أياز سأقول لك الحقيقة أيها السلطان، أنا في البداية لم أكن سوى قالع للأشواك والأعشاب، لا أكثر، وقد بلغت الآن مرتبة جعلت مني وزيراً للسلطان، فلكي لا أنسى بدايتي، وضعت لباس قالع الأشواك في هذه الحجرة، وأنا أدخلها كلّ يوم كي أحتفظ بذكرى بدايتي، وأقول لنفسي: احذر يا إياز، فأنت لم تكن سوى قالع للأشواك، وهذا لباسك شاهد عليك، وعليك إذ ترتدي لباس الجاه والعزّ أن لا تنسى بدايتك، فلا يأخذك الغرور، فيدفعك إلى التجاوز والخيانة.. فهذه القصة لكل واحد منا لا سيما من يتعرض للإغراءات، فعليه أن يذكر بدايته ونهايته، كما قال الإمام علي (عليه السلام): (ما لابْنِ آدمَ والفَخْر، وأَوَّلهُ نطفةٌ، وآخره جيفة، لا يرزقُ نَفْسَهُ، ولا يَدْفَعُ حَتْفَهُ؟! ).
ثاني الطرق التي ذكرتها: المُداومة على ذكر الله وتعويد القلب معايشة ذكره سبحانه وتعالى، وربما لذلك قال تعالى: (واذكُرْ رَبَّك كَثِيراً)، فإذا كثر ذكره زادت مُعايشته واستئناسه لدرجة يُصبح فيها -الذكر- حاكماً على كل الشهوات والرغبات والإغراءات السياسية أو غيرها، ولا يكون الحال كحال عمر بن سعد الذي كانت شهواته حاكمة على ذكر الله، حين خيَّر نفسه بين أن يحْكُم الرَّي وبين قتل الإمام الحسين (عليه السلام) حفيد النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)..
هذا الحال والضعف والتزلزل والغفلة في المواقف والرؤى السياسية لا يكون إلاّ حين تكون التجربة الذكرية والمعايشة الروحية لربّ البريّة نادرة وقليلة لم تستحكم من القلب، أما إذا استحكمت فسوف تكون الرؤى والمواقف السياسية صافية وراسخة كالجبال..
ومن الأمثلة الناصعة في بيان التجارب الذكرية المؤدية لمواقف سياسية راسخة ما ذكره (أبو الفرج الإصفهاني) في مقاتل الطلابيين حول حياة علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن أحد أحفاد الإمام الحسن (صلوات الله عليه) الذي يُسمى بعلي الخير، وعلي العابد، فقد اعتقله أبو جعفر ضمن مجموعة من بني الحسن، ويروي أبو الفرج رواية في شأن هذه المجموعة رواها عبد الله بن الحسن أحد أفراد هذه المجموعة عن فاطمة الصغرى عن أبيها عن جدتها فاطمة (صلوات الله عليها)، قالت:( يُدفن من ولدي سبعة بشاطئ الفرات لم يسبقهم الأولون ولا يُدركهم الآخرون )، قال عبد الله: فقلت: نحن ثمانية.قال: هكذا سمعت. قال: فلما فتحوا الباب وجدوهم موتى وأصابوني وبي رمق وسقوني ماء، وأخرجوني فعشت".
والشاهد الذي أود ذكره في التجربة الذكرية أوضاع هؤلاء الثمانية وهم يعيشون في قعر السجون، فقد حبسهم أبو جعفر في محبس ستين ليلة ما يدرون بالليل ولا بالنهار ولا يعرفون وقت الصلاة إلاّ بتسبيح علي بن الحسن، قال الحسين بن نصر –في بيان حال السجناء الثمانية-: "ضجر عبد الله ضجرة، فقال: يا علي ألا ترى ما نحن فيه من البلاء؟! ألا تطلب إلى ربّك عزّ وجلَّ أنْ يُخرجنا من هذا الضيق والبلاء؟ فسكت عنه طويلاً ثم قال: يا عمّ إنّ لنا في الجنّة درجة لم نكن لنبلغها إلاّ بهذه البلية أو بما هو أعظم منها، وإنّ لأَبي جعفر في النّار موضعاً لم يكن ليبلغه حتى يبلغ منّا مثل هذه البليَّة أو أعظم منها، فإن تشأ تصبْر فما أوشك فيما أصبنا أن نموت فنستريح من هذا الغمّ كأن لم يكن منه شيء، وإن تشأ أن ندعو ربنا عزّ وجل أنْ يُخرجك من هذا الغمّ ويقصر بأبي جعفر غايته التي في النار فعلنا.قال: لا، بل أصبر. فما مكثوا إلاّ ثلاثاً حتى قبضهم الله إليه".
فالإنسان حين يتعرض لألوان المحنة والوحدة قد يُصاب باليأس والضيق ويشعر بالضعف والوهن والضنك، لكنّ ذكر الله والتطلع لما لديه، يصنع سمواً في المشاعر، واستقراراً في النفس، وراحة في البال .. يصنع صلابة في الموقف وثباتاً على الرؤى والأفكار النابعة من الدين.
أما الطريق الثالث –مما يُمكن أن يُذكر لخلق اليقظة-: الاعتبار بالعبر السياسية: قراءة حياة السياسيين بغرض الاعتبار السياسي يخلق اليقظة والالتفات، وهذا مما أوصى به أمير المؤمنين (عليه السلام) ولده الإمام الحسن (ع) بقوله: (وذكّره –أي قلبك- بما أصاب منْ كانَ قبلكَ من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا، وعمّا انتقلوا، وأين حلّوا ونزلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة، وحلّوا ديار الغُربة، وكأنك عن قليل صرتَ كأحدهم، فاصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك).
فقراءة حياة الفاسدين والصالحين ممن انشغلوا بالسياسة لها تأثيرها الكبير في استيعاب الحقائق، وعدم السقوط في المُستنقعات السياسية التي وقعوا فيها، فهناك من أفسدتهم المصالح الدنيوية كعمر بن سعد، فخسر الدنيا والآخرة، وهناك من أصلحتهم الابتلاءات الدنيوية كالحرّ بن يزيد الرياحي الذي لم يحجبه منصبه عن رؤية الحقيقة والوقوف معها وقدم دماءه فداء للحق.
وهناك الكثير من السياسيين الذي حكموا الكثير من بلدان العالم، فأين رحلوا؟! أين شداد بن عاد الذي بنى مدينة (لَمْ يُخْلَق مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ)؟! أين هشام بن عبد الملك الذي كان يقول للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيصل إليَّ خراجُك"؟! وغيرهم كثير ممن حكموا ظلماً وعتواً أو باعوا أنفسهم طمعاً أو خوفاً، فعلينا أن نستحقر هؤلاء وأمثالهم في داخل أنفسنا حتى لا نصير أمثالهم، وقد صدق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بقوله: (من لم يعتبر بغير الدنيا وصروفها لم تنجع فيه المواعظ)، فالعبر كثيرة لمن أراد أن يقرأ قراءة سياسية واعية، ومتى ما أخذت العبرة مأخذها من النفس، واشتعلت نيران المعرفة الوجدانية فسوف سيحصل للإنسان عزم وإرادة تدفعه للحركة التغييرية.
الطريق الرابع: معاشرة السياسيين المتدينين: فمعاشرة رجال مُتقين سوف يجعل الإنسان مُستفيداً من يقظتهم، وستنعكس على شئونه وتصرفاته لحصول سنخية بينه وبينهم بسبب معاشرته، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (قالَ الحَواريونَ لعيسى: يا روحَ اللهِ منْ نُجالسُ؟ قال: منْ يُذكركم اللهَ رؤيتُه، ويزيد في عملِكُم منْطقُه، ويرغبكم فِي الآخرةِ عملُه).
إلهي حالي كحال زهير بن اليقين قبل التحاقه بركب الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان مُعرضاً عن إمامه، ولكنّ جذبة الإمام الحسين (عليه السلام) ولقاءه به قلب كيانه، وأنا يا مولاي مُعرض عن إمام زماني فارحمني بجذبة منه وملاقاته.. (هل إليكَ يا بنَ أحمدَ سبيلٌ فتُلقَى، هلْ يتّصلُ يومُنا بغدِه فَنحْضى. متى نرِدُ منَهِلك الرَّويةَ فنَرْوى، مَتى نَنْتَفِعُ مِنْ عَذْبِ مائِكَ فقدْ طالَ الصَّدى، متى نُغاديكَ ونُراوحكَ فنقرّ منها عَيْنَا، مًتَى ترانَا ونَراك؟؟؟
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
المصدر (http://www.montadayat.org/modules.php?name=News&file=article&sid=12448)