PDA

عرض كامل الموضوع : عبدالرحمن النعيمي


Admin
12- 05- 2007, 23:22
http://arabic.cnn.com/2006/bahrain.2006/11/25/bahrain.elections_2006/story.noaemi1.jpg_-1_-1.jpg

مواليد 1944 في مدينة الحد
المؤهلات العلمية:

بكالوريزس هندسة ميكانيكية من الجامعة الاميركية ببيروت عام 1966
عمل مهندساً في محطة الكهرباء بالجفير لمدة سنتين، وتعرض للاعتقال بعد الاضراب الشهير لعمال الكهرباء، واضطر بعدها الى مغادرة البحرين في نهاية العام 1968، ولمدة ثلاثة وثلاثين عاماً حيث عاد بعد العفو العام الذي اصدره جلالة الملك في فبراير 2001. التحق بالعمل السياسي منذ العام 1961 في حركة القوميين العرب، ثم الجبهة الشعبية في البحرين حيث اصبح أميناً عاماًُ لها منذ العام 1974، ثم قاد عملية تأسيس أول جمعية وطنية تضم كافة أطياف التيار القومي والتقدمي عام 2001، وأصبح أول رئيس لجمعية العمل الوطني الديمقراطي في اكتوبر 2001، ويشغل حالياً منصب رئيس اللجنة المركزية للجمعية.مشاركاته السياسية

ساهم في الكثير من المؤتمرات القومية والاسلامية، خلال العقود الثلاثة المنصرمة.
عضو الامانة العامة لملتقى الحوار الديمقراطي العربي الثوري.
عضو الامانة العامة للمؤتمر القومي الاسلامي.
عضو المؤتمر القومي العربي.
عضو المؤتمر الخليجي لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني.
عضو المؤتمر الدستوري في البحرين.إنجازاته

له العديد من الدراسات والكتب المتعلقة بالصراع السياسي في البحرين والخليج العربي والوطن العربي،
اسهم في الكثير من المؤتمرات الاقليمية والقومية والعالمية،
له العديد من المقالات والدراسات حول الاوضاع المحلية والقومية.
أبرزها:هجمة أغسطس عام 1975،
الطبقة العاملة ستفشل قانون أمن الدولة،
الحركة الوطنية أمام تحديات مجلس التعاون الخليجي،
الصراع على الخليج العربي،
موضوعات الاصلاح السياسي في البحرين،
الازمة الدستورية،
الملفات الساخنة في البحرين،
مستقبل الديمقراطية في البحرين.. وغيرها.المصدر (http://www.alnoaimi.org/profile.asp)
الموقع الرسمي (http://www.alnoaimi.org)

Admin
12- 05- 2007, 23:25
مـن دالاس إلى دمـشق
خولة مطر:

في صباح دمشقي وقفت الصبية القادمة من ابعد بقعة عن هذا الوطن أمام باب تلك الشقة المتواضعة في احد أحياء الشام المعروفة.. لم تكن تعرف سبب نشاطها المتقد في ساعات الصباح الأولى بعد يوم سفر طويل حملها من مدينة دالاس في تكساس إلى سوريا مرورا عبر مطارات وطائرات قبل أن يصبح السفر مجرد رحلة يومية بين الجهات الأربع..

وعندما ضغطت على جرس الباب كانت مدركة انه أو انهم لن ينزعجوا أو هكذا قال لها الرفاق فباب بيته مفتوح ليلا نهارا.. في ساعات النهار الأولى أو الدقائق الأخيرة من الليل.. كانت قد سمعت عن هذا الرفيق، القائد، المناضل، المقاتل،.. تكثر العبارات التي كان يوصف بها وقد تفنن ‘’رفاقنا ‘’ في تلك الآونة كما الآن في خلق الأوصاف فيه ربما محاولة لمنحه الهالة التي يحب الكثير من معتنقي السياسة أن يضيفوها على قيادتهم.. أو ربما وربما وربما تعددت الأسباب والنتيجة واحدة ..كان يكفيهم إن يقولوا ‘’أبو أمل ‘’ الإنسان.. هذا يكفي لوصفه.. هذا ما تعلمته منه.. هذا ما أدهشني منذ ذلك الصباح الدمشقي الندي أي قبل أكثر من عقدين من الزمان..

كان بإمكان الصبية القادمة من بلاد تسكن على بعد فرسخ من مدرسة النضال الأميركية اللاتينية ان تنبهر بأي من يحمل شعره بعض من وقار شيب الثورة ويرسم تلك السحنة التي تضفي هالة من الغموض المثير على وجهه..

كان بإمكاني انا القادمة من بحار بعيدة.. المنفعلة بتأثير العمر ربما والمرحلة وكثير من ذكريات طفولة كانت فيها صورة عبدالناصر القائد أكثرها حدة حتى اليوم.. كان بإمكان تلك الفتاة ان تأخذ في تقديس ذلك القائد كما فعل ويفعل الكثيرون من الرفاق والرفيقات حتى يومنا هذا.. لا ألومهم فهم لم يعرفوا من النضال أو من أبو أمل إلا فكره وسنين عمره التي قضاها بين جبال صلالة وأزقة المدن العربية التي كانت أكثر دفئا من كثير من الأوطان التي ندمغ بها أو نسمى عليها.

منذ ذلك الصباح الدمشقي وأبو أمل أكثر إنسان دخل حياتي ليبقى، ومنذ اليوم الأول لي.. بل منذ اللحظات الأول من ذلك الصباح وانا أسيرتها ورفيقة دربه.. صديقته وزوجته وأمه وابنته وأخته وكل النساء.. كل ما تمثله الأنثى لرجل مثله.. أم أمل..

لمخزون الذكريات معه ومعها الكثير ولكنني اعتقد بأن صديقي الديري عندما ارسل لي تلك الرسالة على هاتفي النقال ليحثني على فعل هربت منه منذ نبأ مرضه.. ذلك العدو الذي لا يحسب له كثير من البشر مثل أبو أمل حساب.. ففي زحمة الاحداث اليومية والتاريخية يبدو المرض او عكسه الصحة مجرد تفاصيل.

ماذا فعلت بي ايها الصديق ؟؟ فإلحاحك فجر ينبوع من الذكريات، واصرارك دفعني لان أفاجىء نفسي بنفسي وانا اقفز من سريري في نفس تلك الساعة ربما قبل عشرين عاما او اكثر عندما مددت اصبعي لأنقر جرس باب بيته.. بيتهم.. الذي اصبح بيتي لاكثر من اسبوعين..

لا ادعي بأنني الاقرب لابو امل ورفيقته.. ولا حتى لامل التي اعشق عشقها لهما واصرارها على الامل كما هو حال والدها في زمن اصبحنا ننبش في التفاصيل.. وفي نفايات الايام الخوالي لنجد بصيصا منه..

لا ادعي لأن هناك كثيرين غيري يريدون ان يتنافسوا على هذا اللقب.. هم الاقرب له.. عرفوه اكثر.. عاشوا معه لحظات اطول.. ناضلوا معه.. وقفوا معه.. ناموا واستيقظوا وقرأوا واتفقوا كثيرا واختلفوا قليلا وهم الاكثر قربا من القرب لام امل ولاسرته..

لا ادعي فمعه ومعهم اكره ان اكون جزءاً من المتنافسين في بورصات المشاعر.. اكره ان اكون جزءاً من الجوقة مع اعتذاري لهم جميعا.. ففي هذه اللحظات لا مساحة للنفاق الاجتماعي الممزوج بعسل ذكريات ايام ظفار او بيروت او حتى ذلك البيت المتواضع في دمشق..

لا ادعي وهو.. هو الذي يرقد الان في مستشفى بالرياض وكان قبلها في الرباط، حيث احتضنته المدن العربية كما كان هو العربي.. الانسان.. الذي وببساطة شديدة مارس ما يؤمن به وهي صفة قليلة جدا بيننا جميعا.. من دون استثناء.. نساء ورجالا.. مناضلين، معارضين وموالين.. كلنا نتساوى في ممارسة عكس ما نقول. كلنا مصابون بمرض الانفصام الدائم.. كلنا.. نعم كلنا.. هل تتذكرون مظفر النواب عندما قال ‘’.. ولا استثني منكم أحدا’’ تبدو عبارته هذه صادقة اليوم خصوصا ونحن ننظر الى هواتفنا النقالة.. نحن المنتشرون في مدن الكون كما كان ابو امل.. نحمل بداخلنا جزءا من عدن الثورة وبعضا من بيروت الحرية وكثيرا من دمشق المنفى.. نبقى اسرى الرسالة القادمة من امل او عائشة او مريم او احدى الصديقات المقربات او البعيدات.. كلهم، كلنا نترقب كلمات تقول ‘’خففوا عنه الاوكسجين.. بدأ يعتمد على نفسه في التنفس..’’ ونتسأل متى كان إلا كذلك.. انسان يعتمد على نفسه وعلى بشر حقيقيين مثله..

تبدو الكتابة عنه تجربة غاية في الصعوبة.. مناورة تخاف ان تنزلق فيها الى سلم التزلف الرخيص.. او البكاء الضعيف.. او التباكي المخيف. وفي الوقت ذاته لا تستطيع سوى البقاء في مساحة أبو أمل الإنسان.. لا تستطيع ان تخرج من هذه الدائرة.. لا يعنيني أن يكون أبو أمل جيفارا الخليج او العرب.. لا يهمني ان اعقد مقارنة بينه وبين مناضلين عرباً من الرباط، حيث اسقطه المرض الى عدن التي تحولت من منبع الثورة إلى نبع للفقر المغمس بالذل..

هو فقط هو أبو أمل الإنسان..

هو حقا الإنسان في أجمل وابسط صوره.. عندما تستمع له لا تنبهر بحجم التجربة والمعرفة والفهم السياسي والتحليل للواقع بل بفائض البساطة المتناهية والنادرة.. بتواضع البحريني الحقيقي.. هو أحيانا رجل من كتب التاريخ الانساني المعاش.. احد الذين كنت تلقاهم على دكة قهوة محمود بفريجنا في المحرق، حيث للحديث نكهة كنكهة الشاي السنجين.. وتارة احد من قرأناهم في كتب السياسية، ومرات رجل كما نحب أن يكون الرجال في زمن شحت فيه الرجولة (بتأنيثها وتذكيرها).. محب، متواضع، متساوي، وغير متسلط..

هذا هو أبو أمل الذي افتقده اليوم بشدة.. هذا هو الذي كلما سمع إن احدهم أو إحداهن مريضة ترك ما بيده ليكون اقرب من المرض لأصدقائه ورفاقه، لأجيال كانت معه وأخرى جاءت بعده أو قبله.. لا مساحة للعمر في حضوره ولا للتجربة.. لا ينهي الخلاف في الرأي بتسلط المتمرسين في التمترس خلف التجربة، بل يبقى يستمع حتى آخر قطرة كلمة.. هو الذي علمنا فن الاستماع.. ألم يقل ذاك الأديب انه احتاج ثلاث سنين لتعلم الكلام وستون عاما لتعلم السكوتّ.

أبو أمل.. نفتقدك بشدة على رغم حضورك الدائم معنا وبيننا..
أبو أمل.. لن يكون المرض اشد من قسوة جبال صلالة.. أو رطوبة مدن المنفى..
أبو أمل.. افتح عينيك لأن فيهما أملنا جميعا..
أبو أمل.. هناك كثير من الحب لك ينتظرك عند منعطفات الأيام المقبلة..
أبو أمل.. أعود إلى هاتفي النقال الذي أحببته منذ ان أصبح وسيلة بيني وبين الغالية أمل وبينك..
أبو أمل.. هكذا أحب أن أناديك وسأبقى..
أبو أمل.. لازال في مخزون الذكريات كثير منك وعنك


المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=53313)

Admin
12- 05- 2007, 23:40
أعمدة
أم أمــــــــل
علي أحمد الديري

http://www.alwaqt.com/imagescache/34blog_author100crop.jpg (http://www.alwaqt.com/cv.php?cvid=34&tbl=blog_author)

عزيزي علي - أنا أمل النعيمي - قرأت في دروب عن نية بروفايل صحيفة الوقت إصدار عدد عن والدي، هل بإمكاني المساهمة؟ ومتى آخر وقت للتسليم؟ إن قبلتم مني المشاركة، كل المحبة لكم، فأنتم رحيق الورود.

أنا: أوه أمل. هذا كثير منك. ممتن كثيرا لتعاليك على الألم. بانتظار قلب مساهمتك. اكتبي أرجوك عن شق سيرة هذه الأبوة وتاريخ طفولتك معها.

في مساء اليوم الثاني، يصلني مسج من أمل: مساء الخير لا أدري ما أصابني عندما شرعت بالكتابة اجتاحتني أفكار سوداء، لذا أعتذر عن المشاركة وما كتبته كان لك نصيب من الشكر لأنك شحذت همتي، آسفة، فقد كنت كريما معي.

أنا: هل تعرفين يا أمل أن الكلمة مشتقة من الجرح، لذلك فالكتابة التي هي كلمات منتظمة في خطاب، هي شق لوجود خاص من وجودنا العام في هذه الحياة. أنت كنت بكتابتك تشقين سيرة من أعظم سير شخصياتنا الوطنية، سيرة شقت وجودنا الاجتماعي والسياسي الساكن فجعلته في حراك لا يعرف الهدوء، بكتابتك ستجعلينها تتكلم لنا. ما انتابك هو دماء هذه الشقوق فلا تتروعي، لن يكون هناك أكثر منك قدرة على فعل ذلك.

هل تصدقين حتى المسجات تشق قلوبنا! كتبت لك وأنا أقود السيارة وكل جسدي يهتز لفرط ما أوقعته الكلمات فيَّ من جروح.

في اتصال لاحق، أخبرتني أمل أنها كتبت شق السيرة لكن هناك ما يجعل شهادتها غير مهيأة بعد للنشر، هناك قلب أمها النابض بجنة النعيمي، لا يحتمل بعد شهادة الكلام، لفرط ما يحمل من محبة، ذاكرتُها أحمالٌ، تنوء بها الأوطان.

حتى الآن أنا لم أقابل أمل النعيمي لكن سيرة أبيها التي هي محل إجماع وطني، منحتني كما منحت هذا الوطن ملتقى عابراً للطائفة وللعرق وللقبيلة. لم أقابل أمل لكني التقيت بها عبر سيرة أبيها.

قالت لي أمل اتصل بأمي، فهي أقوانا وأكثرنا صبراً، قلت لها أخاف أن تحرجني لفرط ما تحمل من محبة، فاللحظة مشدودة الأعصاب، قالت لي: لا تخف فهي أوسعنا رحابة.
بقيت ثلاثة أيام متهيباً، وحين تجاسرت، جاءني صوت عائشة صغرى النعيمي، للوهلة الأولى شعرت أن رحابة صوت أمها الذي لم أسمعه بعد يجري فيها، استعدت كلام منى عباس وفضيلة المحروس وجبار الغضبان عن اتساع الأمل الذي يجري في صوت أم أمل.

قلت لأمل: أمك تلازمني طيلة هذا الأسبوع، كأني أراها كأني أتحدث معها، كأني طالب سبعيني ذهب شقتها يحمل حلم وطن لا يأتي، فتخفف عنه بما يأتي من جهة أملها بدلال مترف العطاء.

أم أمل، بروفايل هذا الأسبوع يقدم هذه الحلقة تحية لكِ واحتفاء بقلبكِ الذي يسع وطناً لا يرجف فيه الأمل.

المصدر (http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=3242)

Admin
12- 05- 2007, 23:46
أبو أمل رفيق العمر
عبدالنبي العكري:

للمرة الأولى في حياتي أكتب عن رفيق العمر عبدالرحمن النعيمي ‘’أبو أمل’’، هي لعمري مهمة صعبة جداً. أكتب هذه الكلمات وأنا مثل الكثيرين من أهل ورفاق وأصدقاء ومحبي أبو أمل قلقون للغاية على حياته. ولذا فإنني أأمل أن يتعافى أبو أمل ويقرأ كلماتي هذه. تعرفت على أبي أمل، في بيروت في ,1961 حيث حصلت على بعثه دراسية لإكمال الدراسة الثانوية تمهيداً للالتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت، ومنذ ذلك الوقت ونحن متلازمان تجمعنا رفقه نضالية، وصداقة، وأخيراً قرابة، حيث أخي علي متزوج أبنته عائشة. لذا فإن شهادتي فيه عن قرب. هو من أقنعني بالالتحاق بحركة القوميين العرب في السنة الأولى لدراستي الجامعية في ,1963 ومنها بدأت مسيرة نضالنا المشترك في مختلف المراحل والتنظيمات، حركة القوميين العرب، الحركة الثورية في عمان والخليج العربي، الجبهة الشعبية في عمان والخليج العربي، الجبهة الشعبية في البحرين وأخيراً جمعية العمل الوطني الديمقراطي.

جمعتنا مع ثله من طلبة البحرين، العمل الطلابي الوطني في رابطة طلبة البحرين في بيروت، والعمل الطلابي القومي، من خلال كنفدرالية الطلبة العرب في لبنان. في معظم مراحل حياتنا كنا مع بعض، في الجامعة الأميركية في بيروت حتى 1967 في البحرين من 1967 حتى أواخر ,1970 وفي المنافي من 1970 حتى رجوعنا إلى البحرين على الطائرة ذاتها يوم 28 فبراير/ شباط .2001 يوم الاستقبال الحافل في مطار البحرين والعرس الوطني بالاحتفاء بالعائدين في تلك الأيام المشهودة.

قدر لي من خلال النضال المشترك، السري والعلني وشبه العلني أن أعايش أبو أمل وعائلته عن قرب.

في البحرين وبعد تخرجنا من الجامعة الأميركية، انخرطنا معاً ومعنا مناضلين عدة في إعادة تنظيم صفوف حركة القوميين العرب، والحوار مع فصائل وطنيه سرية خصوصاً جبهة تحرير شرق الجزيرة وجبهة تحرير الخليج العربي، ليتوحد بعضها في إطار الحركة ثم تتوحد في إطار الجبهة الشعبية في البحرين.

في غمار العمل السري الخطير المضني، عمل أبو أمل لتنظيم صفوف العمال في محطة كهرباء الجفير وقاد أول إضراب في العام 1968 ما أدى به إلى السجن. لن أنسى صلابته في السجن، وصلابة أم أمل وتصبرها، وكنت أمر على بيتهم في منطقة الحد. أنتقل أبو أمل ليعمل في أبو ظبي بعد أن سدت في وجهه الأبواب في البحرين، لكنه وأصل نضاله، وأعتقل هناك أيضاً وحكم عليه بالسجن، الذي قضى فيه أشهر عدة ثم أطلق سراحه بعفوٍ من الشيخ زايد رحمه الله.

كنت أتردد حينها على أبو ظبي والتقيه، ضمن ترتيبات العمل في البحرين، وضمن ترتيب صفوف واتصالات الحركة الثورية في عمان والخليج العربي التي انبثقت كتنظيم يساري من حركة القوميين العرب، في المؤتمر التأسيسي في دبي في فبراير/ شباط .1968

في نهاية 1970 بدأت سيرة منفاي وقد سبقني إليها، لتقودنا معاً إلى ساحات نضالية عدة. في ظفار، حيث أخذ عائلته ليعيش في حوف مثل باقي العائلات الظفاريه التي هجرتها الحرب، وسط المصاعب والأخطار. وكان يتنقل وسط المخاطر من ساحة إلى أخرى، تاركاً عائلته لرعاية الرفاق. بدوري كنت مسؤولاً عن مزرعة جبينوت لتدريب وتأهيل المرشدين الزراعيين وإجراء التجارب على المحاصيل، في محاولة لتطوير إنتاج ريف ظفار المحرر.

وهكذا كانت لقاءاتنا على أرض ظفار، أو في عدن، مع المناضلين العمانيين ومجموعة من المناضلين البحرينيين. والخليجيين الذين التحقوا بصفوف الثورة العمانية والتي يعتبرونها ثورتهم، وشكلوا مع المناضلين العمانيين نسيجاً واحداً من دون تمييز.

تأسيس الجبهة

في يونيو/ حزيران 1974 عقد المؤتمر الاستثنائي للجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي بعد مرور ثلاث سنوات على تجربة اندماج التنظيمات الخليجية المنبثقة من حركة القوميين العرب، ليقرر الاستقلال التنظيمي، وهكذا استقل فرع البحرين ليشكل في نهاية العام 1974 الجبهة الشعبية في البحرين.

كان أبو أمل كما هي العادة هو من قاد عملية تأسيس الجبهة الشعبية في البحرين ليلم الصفوف المتناثرة، وليبتدئ فصلا مجيدا من النضال، أستمر حتى سبتمبر/ أيلول 2001 بتأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي.

كنت أحد المؤسسين للجبهة الشعبية في البحرين، ولكن طلب مني الرفاق العمانيون، إلى جانب عدد أخر من المناضلين البحرينيين، الاستمرار كمتفرغين في صفوفهم، ولم نكن لنرفض، فالجبهتان العمانية والبحرينية هما شقيقا نضال. استمررت في مهمتي في إعلام الجبهة العمانية وفي ذات الوقت متابعه أوضاع البحرين وحضور الاجتماعات القيادية كلما أمكن، وتأدية بعض المهام.

في هذه المرحلة تجلت مره أخرى قدرات أبو أمل، وهو في المنفى في سوريا، في ربط الخيوط الخفية مع البحرين، حيث يتطلب الأمر حنكة وسرية وبراعة وصبرا لإعادة بناء التنظيم، وربط الخلايا وتنسيق عملها في البحرين وسط ظروف القمع والتراجع، في الوقت ذاته العمل لتقريب صفوف العمل الوطني، وقيادة نشاط المعارضة البحرينية في الخارج. أذكر هنا الجهد الاستثناني، إثر هجمة أغسطس/ آب 1975 من أجل توحيد صفوف المعارضة في الداخل والخارج (الجبهة الشعبية وجبهة التحرير وتنظيم البعث) للتحرك سياسياً في الخارج واستنهاض قوى الداخل ومعالجة أثار هجمة أغسطس. هنا تتجلى طبيعة أبي أمل ذات النزوع للتحالف والترفع عن الخلافات والمحاكات سواء داخل التنظيم، أو في الصف الوطني والقومي الأوسع.

مرة أخرى تتجلى هذه الصفات، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في فبراير/ شباط ,1979 والصعود المتواصل للحركة الإسلامية الشيعية المعارضة. فعلى رغم اتخاذ التيار الإسلامي الشيعي المعارض حينها موقفاً سلبياً من تنظيمي اليسار (الجبهة الشعبية في البحرين وجبهة التحرير الوطني ـ البحرين) إلا أن أبا أمل دفع باتخاذ موقف عقلاني بصدر رحب، وتلقى سهام الأخوة من دون الرد عليها.

بعد إخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت صيف ,1982 تواجد في دمشق قيادات الخارج لكل من جبهة التحرير الوطني والجبهة الشعبية، وهنا كان دور أبا أمل في الدفع لتجاوز خلافات الماضي المريرة بين الجبهتين وتعاونهما واستناد الوثيقة للعمل المشترك، وتطور هذا التعاون وصولاً إلى تشكيل التنسيق بين الجبهتين، حيث جرى توحيد العلاقات الخارجية والإعلام وحقوق الإنسان والتي استمرت حتى ,1999 حيث أسهم ذلك في إيصال قضيه شعب البحرين إلى العالم العربي والأجنبي، والتعاون مع قوى المعارضة الإسلامية وهو ما أسهم في انتصار قضيه شعب البحرين بتوافق إرادة الحاكم والشعب.

ويمكنني القول أنه ومنذ ,1979 لعب دوراً حاسماً في التقارب بين الجبهة الشعبية في البحرين، والتيار الوطني اليساري عموماً من ناحية والتيار الإسلامي الشيعي المعارض من ناحية أخرى. واستمر في لعب هذا الدور بعد العودة إلى البحرين وهو على رأس جمعية العمل الوطني الديمقراطي، والذي أثمر التحالف الدستوري السداسي.

مناضل في الميدان

على رغم موقعه القيادي على رأس التنظيم في مختلف المراحل من 1976 حتى اليوم، فلم يكن أبو أمل في المواقع الآمنة، بل العكس، فقد ظل في قلب المخاطر وفي ساحات النضال مباشرة، ناضل في ظفار، وسط مخاطر الحرب، وناضل في ساحل عمان (الإمارات)، لترتيب الصفوف الخلفية لدعم الثورة المسلحة سواء في عمان الداخل أو ظفار، وسط مخاطر الاعتقال بل والتصفية، وناضل في لبنان في عز الحرب الأهلية ومخاطر الموت الأعمى.

عاش شظف العيش كأي مناضل ولم تكن لعائلته أية امتيازات سواء في البيت المتهالك في الحد، أو بيت الطين في حوف، أو شقه متواضعة في عدن، ولم يتوافر له بيت مريح نسبياً إلا في دمشق وبدعم من أسرته الوفية. وأخيراً في البحرين، حيث توفر له سكن لائق حديثاً.

عشنا معاً في المنافي نتقاسم آلام الغربة، ومشقة العيش، لعقود غلب عليها انحسار العمل الوطني وتفرق المناضلين إلا من قلة قليلة صابرة ثابرت على التواصل معنا ودعمنا، وأسرنا التي تحملت الكثير من أجلنا.

المناضل الكادح

في غمرة النضال وشح الموارد المالية، علٌمنا أبو أمل الاعتماد على النفس والعمل لكسب العيش تحت أصعب الظروف. فكان مشروع ‘’الحقيقة برس’’ بالتعاون مع المناضل الإنسان النائب زاهر الخطيب، ثم تأسيس ‘’دار الحضارة الحديثة’’ مع الصديق هاني مندس، وأخيراً ‘’دار الكنوز الأدبية’’.

كان على رأس هذه المشروعات وفي الوقت ذاته متعدد الأدوار، مؤلفا، وصافا للكتب، ومراجعا ومخرجا، ومسوقا. واستطاع أن يثبت دار الكنوز الأدبية من بيروت وفي تنافس شريف مع أرباب الدور العريقة، كواحدة من أهم دور النشر العربية. وقد أسهمت الدار في نشر نتاجات كتاب من الخليج وكتاب عرب ضد التيار الطاغي، ممن لم تكن الدور الأخرى لتخاطر بنشر نتاجاتهم.

مناضل في قلب الحدث

لم يكن عبدالرحمن النعيمي ذلك الصنف من قيادات المعارضة الذي يقبل أن يكون في الخلفية الآمنة، ويعطي التوجيهات من بعيد.
كان عبدالرحمن ذلك القيادي المناضل الذي يقود العمل وسط المخاطر. وهكذا فقد كان عبدالرحمن يقود العمل في البحرين بعد تخرجه في العام ,1966 لإعادة بناء تنظيم حركة القوميين العرب، وبعد اعتقاله في 1968 انتقل إلى أبوظبي، ليقود من هناك المكتب السياسي للحركة الثورية لتحرير عُمان والخليج العربي، وهو الجناح اليساري لتنظيم حركة القوميين في الخليج العربي. وعمل في أبوظبي في إدارة الكهرباء والماء وهي ساحة خطرة في ضوء ملفه الأمني الموجود لدى الاستخبارات البريطانية التي تقود الاستخبارات في مختلف دول الخليج في ظل تعاون استخبارات المنطقة، بحيث كان مرصوداً.

وإذا أضفنا إلى ذلك الانهيارات التي تحدث وتسلل عناصر استخبارات إلى صفوف التنظيم الجديد الذي لا يمتلك خبرات جيدة، واستخدام الإمارات كمعبر للمناضلين وتهريب الأسلحة إلى عُمان الداخل للإعداد لتفجير الكفاح المسلح في عُمان الداخل والذي جرى في 12 يونيو/ حزيران 1970 والذي فشل فشلاً ذريعاً، لأدركنا حجم الخطر الذي يهدده. وهذا بالفعل ما حدث فقد جرى اعتقاله في أبوظبي في 10 أغسطس/ آب ,1969 وضبط في شقته أسلحة وذخائر وحوكم وصدر الحكم عليه بتهمة الإعداد لتفجير المنصة في الاحتفال بتنصيب الشيخ زايد في 8 أغسطس/ آب ,1969 وصدر الحكم عليه بالسجن 10 سنوات، على رغم أن الاستخبارات تعرف جيداً أن الإمارات لم تكن مستهدفة في عمل الحركة الثورية بل كانت معبراً لعُمان. وقد زار أبوه المرحوم محمد النعيمي الشيخ زايد في مجلسه، وانتخاه لإطلاق سراح ابنه، واستجاب الشيخ زايد بأريحيته، وأطلق سراحه بعد 8 أشهر في السجن في أبريل/ نيسان 1970 ومرة أخرى لم يهرب من الساحة بل طلب الرجوع إلى البحرين، حيث ينتظره خطر جسيم، لكن سلطات الأمن بقيادة هندرسون رفض رجوعه، وهكذا انتقل قسرياً إلى بيروت، الساحة الوحيدة حينها المفتوحة أمام المناضلين العرب.

مرة أخرى وبدل أن يستقر في بيروت حيث الأمان النسبي، ليعيش مع عائلته التي غاب عنها طيلة فترة سجنه ولتلتئم العائلة مرة أخرى، لكنه انتقل قريباً إلى الساحة الساخنة ظفار.

قرية حوف

حمل عائلته إلى ‘’حوف’’ أقرب قرية إلى حدود ظفار، والقاعدة الخلفية للثورة العُمانية. وحوف أخطر من ظفار، حيث كانت عرضة للقصف المتكرر من الطيران البريطاني والبحرية العُمانية. لكن عبدالرحمن النعيمي أسكن عائلته مع عائلات الثوار العمانيين، وكان يغيب بالأشهر عنهم في عهدة الرفاق.

وهنا من المهم الإشادة بدور أم أمل مريم بنت عيسى التي تحملت مسؤوليات جسام سواء بوجود أبي أمل أو في غيابه.

لقد زرتها أيام كان معتقلاً في القلعة بالبحرين في مارس/ آذار ,1968 بعد أن شارك في مؤتمر دبي حيث تم تأسيس الحركة الثورية في عُمان والخليج العربي ولن أنسى رباطة جأشها وإلى جانبها أمل الصغيرة التي قاسمت أمها ومعها إخوتها خالد ووليد وسلوى وعائشة حياة المخاطر والآلام والترحل والغربة.

أمل هذه عاشت حياة المنفى والترحل، وهي أكثر من عانى من إخوانها وأخواتها في ظفار، التحقت بمدارس الثورة التي كانت تديرها الراحلة الكبيرة ليلى فخرو، مثلها مثل باقي أطفال ظفار، في ظل الحرب والخطر.

أذكر هنا أن أبا أمل ربى أبناءه على الوطنية والكرامة والشجاعة. أمل وهي من سن الـ 16 حسب ما أعتقد، توجهت إلى البحرين من سوريا حيث تعيش العائلة بورقة مرور يمنية في محاولة للعودة إلى وطنها، مع إدراك حجم المخاطر المحيطة بذلك وإمكان الانتقام من أبيها من خلالها. لكن استخبارات هندرسون اعتقلتها في المطار ثم أبعدتها إلى سوريا مثلها مثل كثير من المواطنين البحرينيين حينها. قدر لي أن أعايش أم أمل في محطات المنفى المختلفة في أبوظبي، في بيروت في عدن في حوف، وأخيراً في سوريا قبل العودة إلى البحرين. في كل هذه المحطات كنت أعتبر بيت أبي أمل وأم أمل بيتي، وبالفعل سكنت في بيتهم في سوريا لأكثر من سنتين. في عدن كان بيتها مزاراً للمناضلين في صفوف الثورة العُمانية من عُمانيين وبحرينيين وعرب. وبالطبع الأصدقاء اليمنيين وعائلاتهم. وعلى رغم محدودية مخصصات الجبهة فقد كانت تتقاسم معهم المقسوم.

في حوف حيث المحطة الأخطر، كانت عائلة النعيمي أم أمل وأمل وخالد ووليد تتقاسم بيتاً طينياً مع عائلة حسن رجب. حوف من أخطر مواقع الجبهة، وقد تعرضت أثناء وجود عائلة أبي أمل فيها لأكثر من غارة جوية وبحرية واستشهد فيها الكثيرين وجرح الكثيرين من مقاتلي الجبهة والمواطنين العُمانيين واليمنيين العاديين.
وتحت الإلحاح الشديد من قيادة الحركة الثورية والجبهة الشعبية وافق أبو أمل على نقلهم إلى عدن، حيث استقروا حتى انتقال أبي أمل إلى دمشق.

سجون دمشق

نعم كانت دمشق محطة آمنة، ولكن ليس الأمان الكافي، ففي سبتمبر/ أيلول 1990 جرى اعتقاله من قبل الاستخبارات السورية بعدأ اتخذت الجبهة الشعبية في البحرين موقفاً حازماً ضد الاصطفاف العربي وراء القيادة الأميركية لحرب تحرير الكويت، والحقيقة أن الجبهة رفضت وأدانت الغزو العراقي للكويت، لكنها أصرت على اعتبارها قضية عربية يجب حلها عربياً. وكان أبو أمل من أعلى الأصوات العربية إدانة للتواطؤ العربي مع الأميركان، ووقع عدد من الشخصيات العربية البارزة مثل جورج حبش مذكرة موجهة إلى الرئيس السوفياتي الأسبق غورباتشوف قبيل اجتماعه مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغن في مالطا ضمن الجهود الأميركية لتشكيل اصطفاف دولي قبيل اجتياح الكويت وجزء من العراق، يطالبونه فيها بالوقوف ضد الحرب الأميركية المرتقبة.

كما أن اجتماعاً لحركات التحرر العربية المتواجدة في دمشق قد عقد في مكتب الجبهة الشعبية في البحرين في دمشق لمناقشة الموقف من الحرب المرتقبة وكان موقف الجبهة كما عبر عنه أبو أمل واضحاً وهو معارضة التورط السوري في هذه الحرب والتواطؤ العربي وراء القيادة الأميركية، وقد عرفنا لاحقاً أن أحد البعثيين العراقيين، نقل تقريراً كاملاً بمجريات الاجتماع وموقف أبي أمل في الاجتماع.

وبعد 3 أيام جرى اعتقاله واستمر اعتقاله حتى 2 سبتمبر/ أيلول في فرع فلسطين للاستخبارات وسجنه لأكثر من 6 أشهر. عمدت الاستخبارات السورية إلى تعريضه لتعذيب نفسي وحاولت مساومته بإصدار تصريح يتناقض مع موقفه ويدعم الموقف السوري لكنه رفض بإباء. وبقي في السجن 6 أشهر.

تدخلت قيادات عربية منها الدكتور جورج حبش وأحمد جبريل وجلال الطلباني وحسن علوي لإطلاق سراحه. وهنا أود أن أشيد بموقف الصديق حسن العلوي، والذي على رغم كونه قيادياً عراقياً معارضاً يختلف مع أبي أمل في موقفه تجاه الحدث الكارثة، إلا أنه عمل بإصرار ومثابرة مستثمراً علاقاته الجيدة مع القيادة السورية خصوصاً قائد الاستخبارات العسكرية العميد حسن خليل، ونجح في إقناعهم بإطلاق سراحه، وأخذه في سيارته من مكتب العميد حسن خليل إلى بيته، والذي شهد حواراً ونقاشاً بين الثلاثة، عرفنا من خلاله أن السوريين يضيقون ذرعاً بمواقف الحبهة العربية، ولا مانع لديهم من استمرار وجودنا بدمشق ولكن بالاقتصار على الشأن البحريني، أثناء محنة الستة أشهر كنت وسائر الرفاق على تواصل مع أم أمل والعائلة، وقد ساعدنا الدكتور محمود ضرغام، عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في الحصول على تراخيص زيارة لأم أمل فقط. كنت أرافقها إلى فرع فلسطين التابع للأمن السياسي.

مرة أخرى أظهرت أم أمل رباطه جاش وصبر طيلة الستة أشهر. لن أنسى موقفاً مؤثراً، لقد ذهبت مع أم أمل لزيارته في إجازة 14 أكتوبر/ تشرين الأول في ذكرى حرب أكتوبر بترتيب من محمود ضرغام، وفوجئنا برفض الزيارة، وعندما استفسرنا اجبنا بأن الرفاق في المخابرات سيخرجون في مسيرة، وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى خرج المئات يهتفون للحزب والقائد والثورة. وضعت وجهي بين يدي وانتحبت لهذه المفارقة المحزنة. لكن أم أمل هدأت من روعي بكلماتها القوية المشجعة.. أخذتنا سيارة يقودها عنصر مخابرات إلى بيت أبي أمل وفي الطريق أفرغت غضبي على المخابرات لغدرهم بأبي أمل وهو ضيف على بلادهم وأم أمل تحاول تهدئتي خوفاً علي من مصير مشابه لأبي أمل.

المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=53315)

Admin
13- 05- 2007, 01:08
مع عائلة الأمل .. ذاكرات مثقلة بأحمال الحب
الوقت - علي الديري:

http://img204.imageshack.us/img204/489/aagf5.jpg

يقول جبران خليل جبران ‘’إن المحبة متى اتسعت صعب التعبير عنها بالكلام، والذاكرة اذا كثرت أحمالها سارت تفتش عن الأعماق الصامتة’’ كنت أقرأ في كل صوت أسأله عن ذاكرته مع عائلة النعيمي صعوبة في التعبير، وذلك لفرط المحبة التي تحجب الكلام، ولكثرة الأحمال التي تشغل ذاكرة هؤلاء المحبين. فرحت أفتش في أعماقهم الصامتة، وأستنطقها بما يتوفر لدي من معرفة بعيدة قريبة بهذه العائلة التي حملت في كل جنبة من جنباتها حلماً اسمه البحرين.. وطن لا يرجف فيه الأمل.

لولا اختلاف الأمل

كيف تختلف طبائع الناس؟ تختلف بحسب ما يتوفرون عليه من أمل. وكيف تختلف أعمار الناس؟ تختلف بحسب ما يتوفرون عليه من أمل أيضاً. هذا ما تقوله خلاصة تجربة الطبيبة فضيلة المحروس.

منذ العام 1972 وحتى 1979 في الفترة التي كانت فيها دكتورة فضيلة المحروس تدرس الطب في جامعة دمشق، قُدِّر لها أن أختبر مقولة الأمل من خلال معايشتي الحميمة جدا لعائلة أبي أمل. كانت الشقة المتواضعة جداً إلا من أمل يثريها بغناء لا مثيل له، كانت هناك سيدة تدير هذا التواضع بروح تجيد تهجي كلمة أمل أكثر من أي كلمة أخرى، كانت هناك مريم، لم تكن تملك من العمر ما يفوقنا سوى بثلاث سنوات، لكنها كانت تملك من الأمل ما يفوقنا عشرات السنوات، كانت تكبرنا بالأمل، ونصغرها بقلة الأمل. امرأة تحمل في داخلها خبرات ورشة مدينة المحرق التي سمّاها قاسم حداد ورشة الأمل. من يملك خبرات هذه الورشة لا يمكنه أن يغلق باب بيته ولا باب شقته، امرأة كانت تتقن درس الأبواب المفتوحة التي كان يدخل منها الأمل الذي ظل يداعب بيوت هذه الورشة المحرقية. إنها مدينة الأبواب المفتوحة كما أبصرها قاسم حداد في سيرته الأخاذة.

البيت هو مكان الشخص، وأنت لا تستطيع أن تطمئن إلى الشخص إلى لم تجد فيه بيتك الذي تودع فيه طمأنينتك وسكينتك. البيت تجربة الإنسان في المكان، إذا ما تسنى للإنسان أن يرينا ذاته مجسدة في هيئة بيت فإنه يكون قد منحنا سكناً لأنفسنا، وعائلة النعيمي قد منحت العابرين أوطانهم هناك سكينة النفس، منحتهم بيوت الأمل. تقول فضيلة ‘’يمكنني أن أعرف النعيمي بأنه الشخص الذي تأتمنه على حياتك، تستطيع أن تعتبره بيتك الذي تقرَّ فيه وتسكن، ستجد في هذا البيت سكينة الطفولة ممثلة في أمل وخالد وبقية الأطفال، هل يمكن لسكينتك أن تجزع وأنت في بيت يؤثثه الأطفال ببراءة بيضاء. ستجد سكينة الأنوثة ممثلة في مريم التي تفيض بأمل الأمومة، فهل يمكن أن تجزع سكينتك وأنت في بيت امرأته تحمل بين جنباتها سعة بحر المحرق ورحابته. ستجد سكينة الجدران التي ترحب بك وتقول لك الرفاق جميعهم مروا من هنا’’

كان البيت كله مدرسة أمل، لم أقرأ سطراً يشي بنوع من التذمر أو اليأس، وإذا كانت المحرق ورشة الأمل، فبيت النعيمي قد أتقن هذا الدرس وحمله معه في غربته، فاستحق بجدارة أن تكون شقته ورشة أمل من نوع خاص. في هذه الورشة تكونت شخصيتي بمتانة بالغة الإيمان بقيم الإنسان وتفانيه وشفافيته ونقائه. لم تكن هذه الورشة تقبل الفاشلين الذين لا يحملون الأمل سواء جاء قي صيغة شهادة أكاديمية أو نضال سياسي أو استقلال إنساني، كانت مدرسة في السلوك والروح والموقف والعيش الكفيف، يستحق أبو أمل وأم أمل وسام استحقاق وطني رفيع الدرجة، فقد تربى في ورشتهم جيل وطني كامل تجاوز انقساماته الطائفية والعرقية’’.

أنفاس السفر

‘’الإنسان يسافر مع الأنفاس’’ هكذا تكلم ابن عربي، والنفس مسافة واتساع ورحابة، هذا ما تقوله تجربة منى عباس في سفرها في رحابة عائلة النعيمي واتساعها ومسافتها البعيدة عن الوطن.

في نهاية السبعينيات، كانت منى عباس تختبر تجربة السفر من المنامة إلى الكويت حيث الدراسة، ومن هناك تتسع المسافات وترحب، حيث أذرع أنفاس الاتحاد الوطني لطلبة البحرين تصلهم بالعالم كله، من هناك يصلون بغداد ودمشق والقاهرة.

تقول منى ‘’المرة الأول التي التقيت فيها بسعيد سيف كنا في رحلة طلابية إلى بغداد، بدا لي ببدلته مهيباً وهو يخطب فينا، استشعرت فيه الأبوة والمهابة، واسترجعت مشاعر الإعجاب التي كانت تداخلني وأنا أقرأ كتاباته في نشرة 5 مارس. حتى إني كنت أسترجع أول عنوان قرأته له حفظته ولم أفهمه، كان العنوان ‘’سفر الصراع وجدليته’’. كنت أرقب نبراته ومخارج حروفه وإسهابه في الفكرة وتنظيمه لها. كنت أرقب ذلك وأتخيل اكتمال أدواتي الخطابية، خصوصا وأني كنت أعد لأتولى وظيفة محرضة خطابية. لم تسمح التراتبيات التي فرضها الحفل العام أن أقترب منه أكثر، التقت نفسه الخطابي في هذه السفرة، وتمثلته داخليا. اكتفيت بذلك وبسلام عابر’’.

السفر إلى بغداد ليس هو السفر نفسه إلى دمشق، فالمسافة تختلف والأنفاس تختلف والرحابة نختلف، فالتجربة تختلف إذن، السفر إلى دمشق يحمل في أفقه اقتراباً من ورشة أمل مريم، هناك ستلتقط منى ما يتجاوز اتساع مسافة النفس الخطابي، ليصلها بالتعرف عن قرب على النفس الإنساني العائلي الحميم الذي يستمد منه سعيد سيف اتساع نفسه السياسي. لابدَّ من السفر إلى دمشق إذن.

تقول منى ‘’هناك حيث أخذني السفر مسافة أبعد من الوطن وأقرب إلى نفس الوطن، هناك نفس مريم، هناك السرُّ الذي يحمله سعيد سيف في شخصيته الأسطورية. السفر إلى دمشق كان بالنسبة لي هو تجربة في السكن في أنفاس مريم وعائلتها، وهي تجربة كشف، لا يمكن فيها للإنسان أن يستر ما تحت أنفاسه. رأيت في هذا السفر مريم وهي تودع رحابتها وبشاشتها وعيونها في كلّ من تمتحنهم تجربة السفر ويغادرون وطنهم البحري بأمل لا يملكون يقين تأكيده. بدت لي (أمل) وكأنها قلب العائلة، وربما كانوا يستمدون من اسمها فعلاً يمنح قلوبهم يقين الانتصار على مسافة الغربة.

لقد امتحنني المرض هناك، كانت انفلونزة حادة جدا، تشبه حدة الغربة عن الوطن التي تتهددنا جميعاً.أحاطتني العائلة بما تملك من أمل، وراحت أنفاسهم تبرد حرارة جسدي، وحينها عرفت أن من تطببه أم أمل أو تهش في وجهه لا يمكن أن يعرف اليأس. والنعيمي لم يعرف اليأس لأن مريم توسعه بهواها كلما ضاق به الهواء. كلما تسرب لي اليأس استعدت أنفاس هذه المرأة الأسطورة فأتجاسر بالأمل.

عدت من دمشق أحمل بيد أنفاساً تشبه أنفاس بيوتنا القديمة المفطورة على البساطة والصدق والطبيعة وألفة الإنسان للإنسان، وباليد الأخرى كنت أحمل شهادة تخرجي من جامعة الكويت، وبكل ما كنت أحمل كنت مدينة إلى من يحملون الأمل.

جهة الجميع

يقول الفنان التشكيلي جبار الغضبان ‘’في عام 1975 كنت في سوريا أدرس في جامعة دمشق في كلية الفنون الجميلة، بدأ اسم سعيد سيف يتردد في أوساطنا مخفورا بسيرة نضاله في ظفار، عرفنا أنه هنا في سوريا مع عائلته التي رافقته في معارك عمان’’.

لا يمكنك أن تعرف سعيد سيف وحده، فأسرته بابه للناس، عرفنا هذه الأسرة المناضلة فرداً فرداً ولحظة لحظة، كانت مأوى لجميع الطلاب البحرانيين، فتحت حضنها لنا جميعاً، بألواننا المتعددة ومواقعنا المختلفة، كانت وطناً حقيقياً، تعلمنا في أجوائها معنى الوطنية العابرة للعرق والطائفة، وإذا كانت جامعة دمشق جامعتنا الأكاديمية، فأسرة النعيمي كانت جامعتنا الوطنية.

سكنت عائلة النعيمي في منطقة المزرعة في وسط دمشق، وقد نسجت من موقعها الجغرافي هناك علاقة وطيدة مع جميع القوى السياسية والنضالية العربية باختلاف انتماءاتها.
‘’أم أمل’’ كانت أم الجميع، قبل أن تكون أختهم، رحابتها أذابت غربتنا هناك، وفقرها الاقتصادي كانت تستره بغناها الروحي. كانت ملجأ للطلاب والطالبات، والمكاسب السياسية والحزبية لم تكن تجد لها مكاناً في قلب هذه العائلة المفعمة بالإنسانية.

كانت لباقة أم أمل وثقافتها وحسن إدارتها لعائلتها توحي للجميع بأن هذه المرأة قد أتقنت أعلى درجات الأكاديميا، لكنها في الحقيقة لم تكن تتقن سوى درس محو الأمية في مدارس الثورة بظفار، ودرس النعيمي الذي فتحها مبكراً على درس الحياة الصعب.

الوفود تأتي العائلة من كل حدب وصوب من الدول العربية والخليجية، من المنفيين والمطاردين والحالمين بأوطان لا تشبه الجدران، تفتح أم أمل جدران بيتها لهم ليلمسوا الوطن الذي يحلمون به. كانت تلملم أطفالها في غرفة وتوسع البيت كله للحالمين بأوطان لا تأتي.

على رغم ضجيج الحركة الدائمة في هذا البيت إلا أن أحداً من الجيران لم يكن يسمع له صوتاً، لذلك كان جيران البيت يقدرون أناقته المفرطة الإنسانية ويحملون له مودة وامتناناً. لقد أحبتهم الأسر السورية كما لم تحب أحداً غيرهم.

أم أمل بحكمتها البالغة الثراء والذكاء، أورثت أبناءها شخصياتهم المتفردة، فكانت أمل التي هي اليوم إعلامية متفردة، وكان خالد الذي فقد لاحقاً بصره لكنه عوضه ببصيرة حادة النباهة، تميز في علوم الكمبيوتر منذ بدايات الثمانينيات، وكان مثار إعجاب واستغراب المؤسسات التي ميزته بوضع خاص يليق بموهبته الفريدة. وبالحكمة نفسها صارت سلوى طبيبة أطفال، وصار وليد حكيم تصميم وديكور، وأخيراً عائشة.

لقد عايشنا هذه العائلة فرداً فرداً ومنفى منفى ولحظة لحظة، عرفنها عن معايشة وتجربة، ووجدنا فيها حلم وطننا الضائع.


المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=53318)

Admin
13- 05- 2007, 01:58
النعيمي.. بين دمـشق وأم الحـصم

عباس المرشد:

http://img234.imageshack.us/img234/4008/aaasz5.jpg

هكذا رأيته بسيطا في تعامله تبدو عليه صفات الواثق من نفسه وعلامات الحذر في الوقت نفسه. كان هذا الحدث في العام 1999 في دمشق بعد أن منعت من دخول البحرين مرة أخرى، وفي أجواء كهذه فالفرد يحاول البحث عن مأمن في بلاد الغربة. وقتها كانت أسماء كثيرة نقرأ لها خطابات وتحليلات لأزمة البحرين وفي دمشق كان شخص واحد فقط يشغلني اللقاء به والتقرب إليه ومحاولة الوصول إليه بأسرع وقت. اتفقت مع أحد الأصدقاء هناك على أن يأخذني إلى شقة أبي أمل المهندس عبدالرحمن النعيمي، تحدد الموعد الأول مساء ولم ينتهِ هذا الموعد حتى الآن.

في دمشق كانت الأجواء محفوفة بالحذر دائما لتواجد الجهاز الأمني الاستخبارتي بكثافة، هناك وفي كل مرة كنا نجلس فيها مع أبي أمل كان يختفي هذا التوجس فأسلوبه في عرض القضايا وكمية الأمل المبثوثة في أحاديثه تعطي الفرد المقابل قوة وإحساسا بالوجود والرغبة في المجاهرة حتى في أقسى الظروف.

كانت الجلسات الأولى تغلفها الأحاديث السياسية فأنا في صلب امتحان ذاتي كي أبرهن لشخصية كبيرة كأبي أمل أني جدير بالمناقشة والحوار وبعد فترة وجيزة اكتشفت أني اسلك المسار الخطأ فعبد الرحمن النعيمي لم يكن يدير بالا لهذه الاعتبارات الشكلية وغالبا ما يجد الشخص معه فرصة للحديث العميق إذ كانت لديه القدرة على تناول أعمق القضايا بأبسط الكلمات، لذا سرعان ما يتحول الحديث الرسمي إلى حديث القلب والتجربة وحديث الحياة. ربما كان ذلك استثناء، هكذا فسرته بداية الأمر لكوني ارتبط بعلاقة نسبية مع حليفه في لندن الشيخ علي سلمان، لكأن الجلسات التي جمعتني معه مع أشخاص آخرين بددت هذا التفسير واقتنعت بأن هذه سمة شخصية لديه وهي أنه يطلب المعرفة ولا يخشى من السؤال ويقدم إجابة حتى يعرف حجم معرفة السائل.

كانت الخطوة الثانية هي الارتباط مع عبد الرحمن النعيمي بمشروع أكبر من خطوة الأحاديث واللقاءات وبالتأكيد لن يكون التنظيم السياسي هو ضالتي لنزعة الاستقلال عندي كما لم يكن أبو أمل ذالك الشخص المغرم بالتجنيد إذ كان يكفيه أن يجد الشباب واعيا ومهتما بشأن بلاده. تحدثت معه في مشروع كتابة تاريخ التنظيمات السياسية ودراسة تجاربها، لم يمانع بل شجعني على المضي وفتح مكتبته الخاصة لي وفي الحقيقة كان لحوحا جدا في متابعة ما اكتب حتى صقلت مهارتي على يديه.

كنت أجد نفسي محاطا بأسئلة وطلب تحليلات لمسار العمل السياسي وبدلا من أسأله أسئلتي، كان يبادر هو بالسؤال ليصل في النهاية إلى الحديث الذي أرغب فيه، كان شغوفا بالسؤال عن أحوال الناس في الداخل وعن معاناتهم وفي مرات كثيرة كانت عيونه تلمع استعدادا للبكاء لكنه بسرعة المناضل يخفي تلك الدمعات ويطلق ابتسامات الثقة والأمل.
تستمر الجلسات وتتنوع في أحديثها وتستقر القناعة، إن سمات شخصية أبي أمل فريدة من نوعها فهو موسوعة سياسية في حقل نشاطه ويمتلك تجربة كبيرة الحجم تعطيه القدرة على التعامل الحكيم مع مفردات الواقع أما السمة النادرة فهي المبدئية في مواقفه والتعالي على الأمور الشخصية حتى ولو كانت قريبة له. ففي مرات كثيرة كنا نناقش التجربة الحزبية والسياسية للتنظيمات السياسية وكان صريحا في نقد تجربته مثل صراحته في نقد تجارب الآخرين وكان سهلا علينا الوصول إلى الاعتراف بأن التجربة السياسية في البحرين على رغم طولها وكثافتها فهي بحاجة إلى وقفات جريئة في النقد والمصارحة العلنية والابتعاد بها عن المسارات الشخصية.

بعد إعلان العفو العام رجع أبو أمل ورجعت قبله ومرة أخرى أخطأت النظر عندما تصورت أن رجوعه إلى البحرين وانشغاله بأمور السياسية مباشرة وبالقرب من أصحابه ومريده من شأنه أن يشغله عني، أو لا أجد وقتا خاصا لي معه فلا أذكر مرة اتصلت به وطلبت منه موعدا أن سألني لماذا أو طلب التأجيل فصرت في شقته في أم الحصم دائم التردد ولم أجده مختلفا بل كان كما هو واتضحت سماته أكثر وجرى الاختبار الحقيقي لكثير من مقولاته بشأن النقد الذاتي والمواقف المبدئية التي سرعان ما تخلى عنها الكثير من رفاقه.


المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=53320)

Admin
13- 05- 2007, 02:35
مشهد جزئي مع سعيد سيف
رضي الموسوي:

http://img102.imageshack.us/img102/7648/asbq6.jpg

كان يوما شتويا نهاية العام 1978 حين لمحت وجها يتدفق حيوية وعنفواناً. لم يكن اللقاء إلا سريعا، جرى الترتيب له ‘’تنظيميا’’، قال ‘’هذا قدر الذين يحبون وطنهم ويدافعون عن مصالح فئاتهم’’. الوقت يمضي سريعا لكنه لم ينس السؤال عن احتياجاتنا، فقد مضى شهران منذ أبعدت وسبعة طلاب يدرسون في جامعة الكويت إلى العراق الذي شاءت قيادة ثورته أن تبعدنا بعد شهر من محاولة الحصول على مقاعد دراسية في جامعات بغداد والبصرة والموصل.

كانت توجيهاته واضحة: اطلبوا مقعدا دراسيا حتى لا يخسر طلبتنا سنتهم الدراسية التي بدأت للتو، قال ‘’لا تطلبوا أكثر من مقعد دراسي، والباقي نتدبر أمره’’، لكن حتى المقعد الدراسي قد شح في جامعات العراق، فبعد شهر من وصولنا مطار بغداد في الثلاثين من شهر سبتمبر ,1978 طلبت منا قيادته مغادرة القطر الشقيق سريعا.
الى أين الرحيل والوقت يمضي؟

الى الشام (دمشق) عاصمة الامويين، حيث عبق التاريخ وجامعاتها ليست اقل مستوى من عاصمة العباسيين. اذاً فلنركب (التريلة) محملين بقبلات الأحبة في شقتي ‘’الاسكيمو والهداية’’ برأس الحواش، احد احياء بغداد الشعبية. كنا ثمانية في تلك الشقة والتاسع كان الصديق خالد الهاشمي الذي أبعد هو الآخر بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. شقة (الاسكيمو) لم تكن تتسع لأكثر من اثنين فهي ليست شقة أصلا بل غرفتين واحدة أضيق من الأخرى، لكننا انحشرنا فيها ونمنا على سطحها وسط جو بغدادي هو طقس صحراوي شديد الحرارة نهارا بارد ليلا.

في (التريلة) التي أقلتنا كان الطريق لدمشق مليء بأحلام متناقضة: حلم الحصول على مقعد دراسي في إحدى الجامعات السورية يمتزج بقلق تكرار الرفض مع الجناح الآخر من حزب البعث العربي الاشتراكي.

‘’اهلا وسهلا بكم.. سنسعى لأن تحصلوا على مقاعد في الجامعة لتواصلوا دراستكم وعلينا الإسراع كي لا يفوت الوقت على الفصل الاول من العام الدراسي’’.

لم يكن لقاء سياسيا على رغم أن الإبعاد من الكويت كان سياسيا بامتياز وعدم قبولنا في الجامعات العراقية هو أيضا كذلك.
أربعة من المبعدين فقط قبلوا في دمشق وعلى الأربعة الآخرين تدبير أمورهم فشدوا الرحيل إلى بيروت لمواصلة مشوار الترحال.
في جامعة بيروت العربية سجلت بكلية الاقتصاد بعد تخصص الرياضيات في الكويت.

بيروت باهرة، كل شيء جديد مبهر: الطريق من الشام، حيث التعرجات والضباب الذي بدأ يداعب قمم الجبال، والنزلة الى بحر بيروت.. حيث تقبع شقة عين المريسة (احد أحياء بيروت) قريبا من كورنيش المنارة الشهير. على الزاوية باتجاه الكورنيش، كان تمثال الزعيم جمال عبدالناصر بهيا يبعث على الاطمئنان بأننا في الشطر الغربي من بيروت التي قسمها خط الحرب الاهلية (الأخضر) إلى شطرين.

يقبل الصيف الساخن سريعا بقرار تنظيمي آخر بخوض المواجهة لإسقاط قرار منع 212 طالب وطالبة من أعضاء الاتحاد الوطني لطلبة البحرين كانوا يدرسون في مختلف الجامعات وغالبيتهم في السنوات الأكاديمية الأخيرة.

قال محمد ‘’ستنزل البحرين وستحمل معك ادبيات ووثائق’’. لا بأس، قلت، وأضفت في سريرتي ‘’لعله امتحان الالتزام التنظيمي.. فليكن’’.
حزمت أمتعتي وذهني سارح في تلك البقعة من دمشق بالقرب من وزارة التربية قلت: لابد أن قرارا صدر من هناك.

كان معي في الطائرة التي أقلتني من بيروت اثنان من كبار الطلبة الذين انهيا دارستهما في الولايات المتحدة وعضو في الهيئة التنفيذية للاتحاد الوطني لطلبة البحرين وزميلة تدرس معي في بيروت.

كان في مقدمة الصف بمطار البحرين القائد الطلابي بعده المتخرجان المنتهية مدة جواز سفرهما، فالزميلة، ثم أنا كلهم مروا إلا أنا. قال موظف الجوازات ‘’انتظر قليلا’’. أيقنت ان خطبا ما سيحدث وعلي التصرف سريعا ففي الحقيبة ما يدخل السجن وتطبيق قانون امن الدولة: بيانات طلابية، بوستكارد للمرحومة فتحية رضي التي ذهبت ضحية إهمال متعدد الإطراف بينما كانت تدرس في القاهرة، الختم الرسمي للهيئة التنفيذية للاتحاد، مجلة المسيرة الناطقة بلسان الاتحاد الطلابي.

انها وجبة دسمة لهم.. دبرها يا رب. تبادلت الحقائب مع زميلتي فسلمتها حقيبتي وأمرتها بمغادرة المطار سريعا. في غرفة التفتيش اكتشف رجل الأمن أن ملابس نسائية كثيرة في الشنطة، سألني ما هذا؟ قلت هدايا من الباليه (سوق المقاصيص عندنا) نثر الملابس على طاولة كان يقف أمامها وقال: رتبها. رتبت الحقيبة فعاد ثانية ينثر الملابس، واصدر نفس الأمر السابق وقال: سيبقى جواز سفرك لدينا وعليك مراجعة الأمن.

فررت من المطار مطلق العنان كما فعل عضو الهيئة التنفيذية. كان صيف 1979 موعدا مع أولئك الذين بث فيهم أبو أمل روح التضحية والعمل المضني، فكان الذين تربوا على يده وأولئك الذين انخرطوا في العمل السياسي يشعرون بفخر انتمائهم وهم يقتربون من تحقيق مطلب السماح لطلبة الجامعات العربية والأجنبية الممنوعين من السفر من مواصلة دراستهم وإعادة جوازات سفرهم إليهم. كانت المسيرات والاعتصام تنتقل من مكان لآخر في المنامة، وكانت مسيرة الأول من سبتمبر في المحرق فاصلة وحاسمة، اذ اصدر أثرها الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه امرا بإعادة جوازات سفر كل الطلبة الذين منعوا في صيف 1977 وكذلك الذين تم التحفظ على جوازاتهم، كان ذلك يوم الثاني عشر من سبتمبر/ أيلول 1979 استلمت جواز السفر واسرعت بمغادرة البحرين والعودة إلى بيروت.

لم يبق من المبعدين الأربعة في بيروت إلا أنا فقد آثر البعض عدم مواصلة الدراسة فيما انتظر آخرون أفق العودة للكويت. بعد شهر في بيروت طرح علي خيار الدراسة في الاتحاد السوفيتي وكنت احضر نفسي للســـفر إلا أن خـــبرا سارا قد وصل: المبعدون من الكويت عـــادوا لمقاعد الدراسة حولت البوصلة للكويت وعدت إلى حيث بدأت.
فرع الاتحاد الوطني لطلبة في الكويت كان الأنشط بين فروع الاتحاد وكان في موقع قريب من البحرين لذلك برزت أهميته السياسية، فكانت زيارات قيادات المعارضة البحرينية لا تتوقف، وكان اسم سعيد سيف يزداد ترددا كلما تعمق العنصر في العمل التنظيمي والسياسي.

مرة حصل الفرع على تبرع عبارة عن سيارة استخدمها الرفاق في النشاط الطلابي وجزئيا في العمل التنظيمي، عرف أبو أمل بالأمر فطلب التوقف عن استغلالها في العمل الحزبي باعتبارها جاءت هدية للاتحاد. تم بيع السيارة وأدخل ريعها في ميزانية فرع الاتحاد. كان صارما مع نفسه قبل أن يكون كذلك مع الآخرين، لذلك تمكن من قيادة التنظيم في أحلك الظروف.

في الابعاد الثاني من الكويت العام 1981 كنت للتو قد انتخبت عضوا في الهيئة التنفيذية للاتحاد في مؤتمره الرابع الذي عقد في دمشق .عدت للكويت في مارس/ آذار من العام نفسه، إلا أن سجن المطار كان ينتظرني باعتباري من المبعدين منذ العام 1978 . بقيت ثلاثة ايام في زنزانة السجن ورحلت إلى دمشق ثانية.

‘’الآن بدأ الجد’’ هكذا قال وتابع ‘’عليك هم الدراسة والهيئة التنفيذية وأشياء آخرى’’. رتبت وضعي من جديد في بيروت التي لم يبق فيها احد من الطلبة الرفاق. قال لي ‘’استلم النشرة’’. أمر قلب كياني رأس على عقب، شاب متحمس يتم إخضاعه لسلسلة امتحانات سياسية وتنظيمية تستمر ثلاث سنوات بين بيروت ودمشق والكويت لتأتي المهمة الأكبر بعدها بشهرين’’، رتب سلسلة لقاءات مع القوى السياسية، ليس هناك إلا أنت في بيروت’’.

في أول إصدار للنشرة التي أتابعها كنت الهث مع الوقت، وكان حسين موسى قد جاء لتشجيعي على خوض التجربة وغادر قبل طباعتها. حملت النشرة للشام، كارتونة من الحجم الكبير تزن قرابة الخمسين كيلوجرام.. اعتله عل ظهري بحماس شبابي وانطلق للطابق الثالث بعد نجاحي في تمريره على الحدود السورية. اقرع الجرس، تفتح ام أمل وتسارعني بكأس ماء ليأتي سعيد سيف يفلفل النشرة سريعا، يطلع على الاخراج بشيء من عدم الرضا. سارعت التجربة الأولى يا أبو أمل يرد ‘’يعطيك العافية’’. سأرجع بيروت بعد قليل قلت له ذلك وتابعت: لدي عمل غدا في ‘’الهدف’’ قال ‘’تنام الليلة هنا وغدا تتكل على الله وسأخبر جماعة الشعبية للاتصال برئيس تحرير الهدف عمر قطيش لعل ذلك يشفع’’.

أمضيت ليلة مليئة بالنقاش والحوار الذي لم يتوقف حتى منتصف الليل، في الخامسة والنصف صباحا سمعت حركته وهو يستل كتابا ليبدأ القراءة، كانت أم أمل تحضر فطورا مميزا. نفطر وتبدأ الحركة تدب في البيت، أمل، خالد، وليد، سلوى، عائشة، كل يتأهب ليوم دراسي جديد.
كانت تلـــك بداية الدخول لأسرة أبي أمل المكونة من خمسة ابناء.
بعد سنوات قـالت أم أمل أنت الابن السـادس الذي لم ألــده.


المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=53321)

Admin
13- 05- 2007, 02:45
عبدالرحمن النعيمي
الشيخ الصغير.. أرشيف الكلام

الوقت - حسين المحروس:
لا يرفع رأسه حتى يسبقه صدره. في جلسته شيء من نهوض الحمام، إن لم يكن النهوض كلّه. يقظ. ممتلئ بالكلام. أرشيف شفهي من سِير الذين مروا به، ومرّ بهم على طبقاتهم. فيه شيء من وهج نضال جزيرة المحرق القومي. كأنّه يذكر به، ويراه البعض فيه. يشبه معجم لغةٍ حيّة لا تملّ توليد الكلام. في لقائي الأوّل به بعد عودته إلى البحرين العام 2001 تحدّث في جلسة أكثر من 45 دقيقة في جزئية يسيرة في جواب له على سؤال صغير. لم يكن مملاً، فأرشيفه الشفهي يهبه قوة التنقل، وتوثيق حركاته في الكلام. أليس الأرشيف قوة؟ قيل انّ أرشيفه نوعان: شفهي ومكتوب، وإنّه أرشيف نصف قرن للحركة السياسية في البحرين يحيط به، وإنّه يتسع للحركات الوطنية الأخرى في العالم العربي، وقيل إنّه يتحرك في أرشيف منظم يهبه نظام الكلام. من أين له كلّ هذا الأرشيف من الكلام؟ كيف يتراكم الأرشيف في الشخص؟ كيف فعل عبدالرحمن محمد النعيمي (65 عاما) ذلك؟ إلى أين سارت به رغبات أبيه؟

في التسجيل الذي قامت به نشرة ‘’الديمقراطي’’ لذكرياته، ومنذ العدد25 الصادر في أغسطس/ آب 2005 أظهر النعيمي براعتين: الأولى قدرته على استدعاء أرشيفه، وكثرة استطراده، والثانية نزعته إلى بيان قدراته في الأرشيف السياسي والحركي وكل العلاقات التي تكون بين سلطتين إحداهما ضعيفة. إنّه يستطرد ويستطيل في الكلام، متمكن في أرشيفه، وبه.

ولد النعيمي في عائلة متدينة، يؤمّ عائلها الحاج محمد النعيمي الناس في بعض الصلوات في مسجد المرحوم جبر المسلم في منطقة ‘’الحدّ’’ بالمحرق. أظهر الابن الصغير قدرة لافتة عندما استطاع قراءة القرآن الكريم في شهري عطلة صيفية. ما كان الأطفال حينها يحسنون ذلك. تمنى الحاج محمد لولده مستقبلاً دينياً باهراً فأخذه معه في أربعة مواسم للحج. ولكي لا يحتسب مقاول الحج الشرقي محمد المرزوقي أيّة أجرة على قبول الحاج محمد في حملته إلى مكة والمدينة أوكل إلى الصبي ‘’عبدالرحمن’’ مهمّة الطواف بالحجاج، والسعي بهم بين الصفا والمروة في مكة المكرمة، وزيارة قبر الرسول (ص) في المدينة المنورة. ولا يتمّ تكليف أحد بذلك ما لم يكن حافظاً لكل أدعية تلك المراسيم، والطقوس الدينية. كان ‘’عبدالرحمن’’ يُحسن ذلك. يحسن القيادة صغيراً ولم يتجاوز عمره 9 أعوام.

إلى مكة المكرمة

كان العام 1952 موسم الحج الأول لعبدالرحمن، وثورة يوليو/ تموز 1952 في مصر. الديار المقدسة تسع الجميع. قليل من الحجاج، ولا يصعب عدّ الخيام في منطقة (منى). وفي لحظة رمي الجمرات شاهد كثيرون الرئيس المصري محمد نجيب الذي تولى حينها السلطة. لم يبرز شخص عبدالناصر بعد.

لم يفلح والده الحاج محمد في إدارة تجارته الصغيرة التي غالبا ما تكون في سوق ‘’الشريطية’’ في الظهران، لكنه أفلح في تهريب الأسلحة للشيخ خزعل بن جابر الكعبي العامري (1862- 1936) العام 1925 ليقوى بها على مناهضة رئيس وزراء ووزير الدفاع في المملكة القاجارية رضا خان بهلوي الذي غزا عربستان (الأهواز) في تلك الفترة واحتلّها في معركة غير متكافئة، فغادر خزعل إلى البصرة.

سوق الشريطية

فشل الحاج محمد في التجارة ولم يفشل في تخطي خطوط ونقاط الجمارك البحرية بسفينته التي تتعطل أحياناً ساعات في عرض البحر بين ميناءي المنامة والخبر، فيبقى ‘’عبدالرحمن’’ وأبوه وبقية العاملين منتظرين حكمة محترف الصيانة.

انتهى سوق ‘’الشريطية’’ في السبعينات. لم يبق منه غير سيرة تجار بحرينيين صغار يحملون بضاعتهم الصغيرة إلى سوق تحدد صناديق خشبية شكله وحدوده. لم يكن في السوق دكاكين. رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ساهموا في إنهائه، وتفننوا في صناعة أرشيف من الحوادث لا ينساها تجار البحرين. صنع الحاج محمد من تجارته علاقات جيدة مع شخصيات بارزة في المنطقة. المواصلات البطيئة تعرفك بالناس أكثر.

الشيخ الصغير

في العام 1948 أقنع الحاج محمد المرحوم الأستاذ يعقوب القوز مدير المدرسة الابتدائية الوحيدة في منطقة ‘’الحد’’ بقبول ولده تلميذاً فيها. كان عمر عبدالرحمن خمس سنوات. سيرته الدينية الصغيرة جهة أبيه، ورؤية أستاذ اللغة العربية المصري في المرحلة الثانوية. سار الأستاذ في جهة الوالد ‘’سيكون هذا الطالب رجل دين من الطراز الأّول’’. كان الأستاذ يتفنن في صياغة نعوت تنال من جمال عبدالناصر. الأستاذ من حركة الإخوان المسلمين.

راح الأستاذ الإخواني يرعى عبدالرحمن. فترة وجيزة جداً على افتتاح الإذاعة المدرسية. أعدّ الأستاذ للشيخ الصغير برنامجاً إذاعياً ليلقيه حول ذكرى الإسراء والمعراج. كان ذلك العام .1956 أي بعد عامين فقط على تأسيس الهيئة التنفيذية العليا التي اتخذت من المدرسة الثانوية معقلاً أساسياً لأنشطتها. لكن الجهة الدينية للشيخ الصغير، وصغر سنه حالا دون اقترابه من ما نشط من أولاد الهيئة.

الشيخ الصغير لم يبق مبتعداً كثيراً عن الحماس القومي الذي كان يملأ المنطقة كلّها. فبعد اندلاع حرب السويس في نوفمبر/ تشرين الثاني 1956 نشط راديو صوت العرب، وراح مذيعه المتمكن أحمد سعيد يشعل الناس حماساً وثورة، فخرجت مظاهرة شعبية غاضبة في المدرسة الثانوية بالقضيبية، راحت تجمع أصواتها من المدارس الأخرى: الغربية، ثم الشرقية في منطقة رأس رمان. اتجهت المظاهرة تحمل النار إلى بيوت الإنجليز في المحرق. أحرقت بعضها قبل أن تنتهي في منطقة ‘’الحد’’.

رأى الشيخ الصغير كلّ ذلك. لم يكن الحماس فيه صغيراً. وفي منتصف الليل رأى أول حادث اعتقال سياسي لجاره ‘’السيد محمد’’. يقول النعيمي ‘’جاء المستثار بلجريف راكبا حصانه وفريق عهد إليه مهمّة الاعتقالات إلى منزل جارنا السيد محمد واعتقلوه. كان الوقت منتصف الليل. والسيد محمد من نشطاء الهيئة. رأيت كلّ ذلك من سطح بيتنا’’. لم تشغل السياسة الشيخ الصغير، لكن حدث الهيئة بدأ يؤسس أرشيفاً سياسياً يستدعيه كلما لزم الأمر. اهتم بدراسته على ضوء الفنر. لم تصل الكهرباء إلى ‘’الحد’’ بعد. وليس في غير سطوح المنازل متسعاً للنوم، وطمعاً في قليل من الندى يتساقط على فراش صغير.
؟ مقطع من بروفايل ترشيح السيرة 2 ديسمبر 2006


المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=53323)

Admin
25- 05- 2007, 18:46
مريم وهي تتشظى قلقاً مرفوعة الرأس
من همس أسئلتكم نرى أبا أمل شامخاً

http://img235.imageshack.us/img235/3392/clipboard01ui4.jpg

بقلم - مريم عيسى النعيمي (أم أمل):
وجهت زوجة ورفيقة درب عبدالرحمن النعيمي رسالة شكر الى محبي أبي أمل ورفاقه وأصدقائه وكل من سأل عن صحته، وهي ترافق زوجها في رحلة علاج مضنية. لخصت أم أمل في كلمات ما يعتمل في نفسها تجاه الأحبة.. وقالت:

''في خضم الأيام التي عشناها وتعيشونها معنا، وبكل الروح الممتزجة بالأمل قبل اليأس، والفرح قبل الحزن، ومن أعينكم وأصواتكم وهمس أسئلتكم الآتية من بعيد عبر الهاتف، واحتضانكم والضغط على أيدينا، كنا نرى أبا أمل شامخا.

منذ أن بزغ نور القضية في قلبه وحملها فكرة، ودافع عنها بقلمه وكلمته، ومشاركاته وحبه وتضحيته، وغيابه الطويل شهورا عنا، ظل حاضرا بكم معنا.

منذ أن انتهج طريقا لا رجعة فيه ليدافع عن كل المستضعفين على الأرض دون الاهتمام بأعراقهم أو طائفتهم أو مكان إقامتهم أو زمانهم.. كان الإنسان هو همه، والوطن أمه، والحرية طريقه. كان حاضرا بكم معنا.

لذا اشكر كل الصحف في البحرين وخارجها على مبادرتها في تقديم شهادات حيه أو مشاعر جياشة، تحمل بين كلماتها حرارة العزة والإباء والوفاء لأبي أمل.. من كتاب وصحافيين.. وغيرهم، ممن عاصروا أبا أمل أو مروا مرورا عابرا على بيته أو التقوه أو سمعوا به.

صدقا.. ما غاب من كان لديه طفل صالح، وكيف من له هذا الكم الهائل من الأبناء والأصدقاء، ما غاب من كان لديه وطن لا يرجف فيه الأمل، لهذا فأبو أمل قويا بكم.. يغمض عينيه ويفتحهما وكأنه يبعث إلينا برسائل تحيه لكل الأحبة.

روحه تسافر بعيدا عن جسده لتزور كل قلب يشتاق إليه.

كان يقول لي دائما عندما يكون مريضا: يجب أن لا نعطي المرض مبررات أو فرصة ليكسرنا.

كان جبارا مع نفسه، قابضا على زناد الحقيقة، مقايضا به محبته لكل من يقابله من دون أي اعتبار من هو والى من ينتمي.

ابتسامته المشرقة، كانت نافذته مع البسطاء ولم يغلقها قط، وحواراته الساخنة ومناقشاته مع من يختلف أو يتفق معهم لم تبعد الود أبدا بينه وبينهم، كان يداعب رأس الصغير، ويقبل رأس الكبير، كان منكم وروحه تعانق كل الأنفاس، لم يكن غريبا حتى في الغربة عنكم.

كنت سعيدة بزياراتكم لنا في الغربة، فقد كسرتم حاجز المسافات، ورنين جرس البيت كان يؤكد لنا التواصل مع أبناء الوطن والحرية على رغم الأميال التي تبعدنا عن المكان. كانت همسات أصواتكم في الغرف المغلقة في المنزل مهرجاناتنا المتكررة ومتعددة الألوان.. من دون معرفة هوياتكم.. كان المنزل يحوي (4) غرف وصالة، تمتلئ عن بكرة أبيها، نرابط في غرفة واحدة بمودة وحب من دون أدنى انزعاج.

كان وجودكم يزرع الأمل فينا، صدقا كان البيت (ورشة أمل) وخلية نحل تنتج عسل نقياً صافياً.

كم كنتم انتم القادمون من بقاع الأرض، أجمل الهدايا والشمس التي تدفئ برودة الشامي، بشهاداتكم الرائعة التي فتحت أمام أعيننا منافذ لم تكن غائبة عنا في أبي أمل، لكننا كنا نؤجل الحديث عنها، لأنه لا يحب تعظيم أفعاله حتى الكبيرة منها، تواضعه كان يشربه من حنينه إليكم، وعطاؤه كان رحيق التكوين. فليحفظ الله لكم كل الود الذي تكنونه لأبي أمل، والذي مازال يصارع الألم لكن رصيد حبه لكم سيرجعه قويا معنا بإذن الله.

كان بعض من عاصر أبا أمل واذكرهم جيدا متراس الحدود والثغور، المساندين له، وعلى رغم احتدام النقاش يظل الصوت حبيس الجدران للجدران، وما أن يفتح الباب حتى تعلو الضحكات.. شيء رائع انتم فأنتم لحظات العزة والإباء دائما.. انتم القلب النابض انتم المؤشر الحقيقي.

يا من كسرتم الغربة في نفوسنا، وكنتم زادنا وتواصلنا مع الوطن، كلما فتحتم أمتعتكم بعد عناء السفر أو أخذتم تعبثون بشنطكم كنا نشم رائحة الوطن، كانت أنفاسكم هواءنا الصافي، كانت همساتكم توحي لنا بالعودة والأمل في أناشيدكم وحفلاتكم الطلابية. كان لها وهج الشمس في يوم غائم، انتم من كان يشد أزرنا.. انتم الساحل الذي ترنو قلوبنا قبل عيوننا إليه..انتم وعلى رغم اختلافات انتماءاتكم وأوطانكم .. كنتم قوس قزحنا الذي يقربنا نحو الوطن.

كل من التقينا بهم لهم ذكرى في قلوبنا..

فقد كانت بوصلتنا تشير إلى نفق طويل في نهايته نور مشع بصوركم جميعا.. مازالت جدران شقتنا في منطقة المزرعة بالشام تحفظ ظلال صوركم، وتحتضن دفء مشاعركم.. كان البيت يشع احتفالا ويتسع بقدوم أي واحد منكم في مواسم النشاط. نحن أقوياء بكم، وقلوبنا تسع الجميع، فأنتم يا من زرعتم بأيديكم ومعاولكم حق الكثير، سيظل أبو أمل فخوراً بكم.. وسيظل بيته بيتكم وان كان خيمة..
وقلبي وقلب أبنائي ينبض بحبه لكم وحبكم لهم..
بوركت البحرين بكم وانتم بها''..

المصدر (http://www.alwaqt.com/art.php?aid=55511)