عرض كامل الموضوع : كالتي هربت بعينيها
كالتي هربت بعينيها
http://img237.imageshack.us/img237/2170/basimamd5.jpg
هي سيرة فكرية، لتجربة عمرها 16 عاماً انتهت في فبراير 2004.عشت هذه التجربة داخل الرحم الرمزي لجماعة "الأمر" المعروفة بجماعة " السفارة"، بالقدر والكيف، الذي شكًّل ذاتي الفكرية والاجتماعية بدرجة كبيرة، ووجهها نحو رسم تصورها الخاص لنفسها وللعالم. تلك الذات التي أدّعي أنها ربت وتربت داخل هذه الجماعة، منذ أن بدأت اندفاعها نحو اكتشاف ذاتها، وفي أوج حركتها لتكوين وعيها الديني، وتوجهها لتصنيف نفسها، ضمن نظام تنتظم فيه اضطراباتها المعرفية والفكرية.
كانت هذه الذات تبحث عن حركة دينية تحمل أفقاً مختلفاً عن كل من حركتي "الدعوة" و"الجبهة"، حيث كانت تلك الحركتان -باعتبارهما الأقوى حضوراً في التيار الديني الشيعي البحريني في ذالك الوقت- محلّ تحفظ نسبي بالنسبة لي.
فيما عدا العامين الأخيرين قبل خروجي،كنت على انسجام تام مع أفراد هذه الجماعة وأفكارها ومعتقداتها، وكنت أعيش اكتفاءاً بها عن كل ما سواها، وكان انتمائي لها ووجودي فيها، يمنحني إشباعاً عاطفياً ونفسياً واجتماعياً وفكرياً من نوع خاص، مما جعل حضورها عندي، يفوق –رمزياً- حضور عائلتي التي أنتسب لها بالدم والأصل.
لم يكن خروجي عن هذه الجماعة ناتج عن خلاف شخصي، بل نتج عن تحول معرفي، حوَّل مفهومي للحقيقة المغلّفة، وفتح باب حقيقتي على مجموع حقائق العالم، فابدل تصوري للعالم والإنسان، كما أبدل علاقتي بالجماعة (بالمفهوم السوسيولوجي للجماعة)، مما يجعلني أنظر لهذه الجماعة الآن، باعتبارها تشكيلاً اجتماعياً دينياً خاصاً يستحق الدراسة والتأمل والقراءة.
وباعتبار النظرية الفيزيائية التي تقول، أن فراشة تحرك جناحها في مكان ما هنا، قد تسبب إعصاراً في مكان آخر من العالم، فإني أرى إلى تجربتي مع الجماعة أنها فراشة، ضربت بجناحها طويلاً في حياتي، وأحدثت آثاراً بارزة في تكويني الشخصي والفكري والاجتماعي، لم تترك عندي مخلفات إعصارية مدمَّرة للذات والشخصية، إلا أن لها آثاراً هامة وخطيرة بالقدر الذي تستحق أن تقال لتعرف.
لست أسعى إلى عرض تفاصيل تجربة شخصية هنا، بقدر ما أحاول فهم ذاتي التي تشكّلت عبر هذه الجماعة، أحاول فكّ رموز هذا التشكيل وفهم تداخلاته المعقّدة والمتشابكة. أنطلق إلى ذلك، من خلال أفقي المعرفي البسيط الذي خرج عن أفق الجماعة المركّب، ومن خلال ذاتي الصغيرة التي خرجت عن غلاف الذات الجماعية الكبيرة.
من أنا؟ ما اسمي؟ ما معنى الاسم الرمزي الذي اخترته عنواناً لهذه الحلقات (كالتي هربت)؟ ستعرفون ذلك في الحلقة الأخيرة من سردي للتجربة.
** هذه المقالات كتبتها باسمة القصاب في جريدة الوقت بعد خروجها من جماعة الأمر **
جماعة " الأمر" وتشكَُّلات الذات (1)
"الجماعة" عندما تعيد رسم تصور كوني للذات والعالم
خروجي ليس انشقاقاً معادياً، بل تحول في المنظور الفكري
16 عاماً في الغلاف شكًّلت ذاتي الفكرية والاجتماعية ووجهتها نحو رسم تصورهاالخاص للذات وللعالم
لماذا أكتب؟
1. لأني، وحتى الرابع من فبراير 2004، كنت واحدة من أفراد هذه الجماعة، إلى أن وضعت في هذا التاريخ، نقطة، حسمت بها أمر وجودي فصرت خارج هذا التشكيل، بعد أن مررت بحيرة وقلق معرفيين طويلين، امتدا معي لأكثر من عامين، سبقا إعلان انفصالي الرسمي عن الجماعة.
2. لأني قضيت 16 عاماً من عمري، داخل الرحم الرمزي لهذه الجماعة، كنت خلالها، فيما عدا العامين الأخيرين، على انسجام تام مع أفراد هذه الجماعة، وأفكارها، ومعتقداتها، وكنت أعيش اكتفاءً بها عن كل ما سواها، وكان انتمائي لها ووجودي فيها، يمنحني إشباعاً عاطفياً ونفسياً واجتماعياً وفكرياً من نوع خاص -وهو أمر يقتضيه تشكيل الفرد الذي تتماهي ذاته في الجماعة، كما سآتي عليه لاحقاً- مما جعل حضورها عندي، يفوق حضور عائلتي التي أنتسب لها بالدم والأصل.
3. لأن خروجي، لا يمثل انشقاقاً معادياً لشخوص معينة في الجماعة، ولا ينظر إليها باعتبارها انحرافاً عن الحقيقة، ولا باعتبارها ابتداعاً دينياً ضالاً. خروجي ليس يشهر عداءً ولا يشن حرباً، ولا يحمل بين طياته سوءاً يستبطن أياً من أفراد هذه الجماعة. إنما نتج خروجي عن تحول معرفي، حوّل رؤيتي للحقيقة، وجعلني أراها متعددة بعدد أنفاس الإنسان وخطراته، متسعة بقدر اتساع الكون غير المنتهي. هذا التحول أبدل تصوري للانسان والعالم، كما أبدل علاقتي بالجماعة (بالمفهوم السوسيولوجي للجماعة)، مما يجعلني أنظر إليها الآن، باعتبارها تشكيلاً اجتماعياً دينياً خاصاً يستحق الدراسة والتأمل والقراءة.
4. لأنني أدّعي، أنني حين أتعرض لمفهوم الجماعة وتعريفها، وأتناول أثر الجماعات في تشكيل الذات الفردية والجماعية لأفرادها، وأثرها في تغليف سلوكهم الاجتماعي وتنميطه، وحين أحاول فهم بلورتها للنظام المعرفي لدى أفرادها، فإنني أنطلق، في ضربي بجناح فراشتي – ليس بما يحمله الضرب من عنف رمزي، بل بما يحمله جناح فراشة من حركة بسيطة- من منظور معرفي، يحدد زاويتي التي أدخل منها لدراستها "كجماعة"، مستعينة في ذلك ببعض الدراسات الاجتماعية والانثربولوجية التي حاولت الدخول إلى الجماعات وفهم تشكيلاتها ومتخيلاتها الواعية واللاواعية ككتاب "الجماعة واللاوعي" لمؤلفه ديديه أنزيو، وكتاب "الجغرافيا الثقافية" لمايك كرانغ، وكتاب "الآيدلوجيا" لمحمد سبيلا.
5. أحاول من خلال سردي لهذه التجربة أن أفهم هذه التجربة بما عايشتها بكلي، وبما تعايشت في داخلي. أحاول قراءة نفسي عبر لا وعي هذه الجماعة، وقراءة الجماعة عبر لا وعي نفسي، وأنطلق إلى هذين اللاوعيين، من خلال وعيي الحالي، الذي أفهم به التشكيل الجماعي بأنه "غلاف يشكل الأفراد ويضبطهم معاً".
ما الجماعة؟
يقدِّم ديديه أنزيو في كتابه "الجماعة واللاوعي" تعريفاً يقارب مفهوم الجماعة باعتبارها، "غلافاً يضبط الأفراد معاً" [1]. فأي جمع من الناس ليس له غلاف اجتماعي خاص به، لا يعدو أن يكون سوى مجرد تجمّع بشري، لا جماعة.
الغلاف يعمل على احتواء أفراد الجماعة معاً، وحمايتهم من التبعثر أو التهلهل أو الضياع.
يتمثل هذا الغلاف في مبدأ مشترك يجتمع عليه أمر الجماعة، ليكون عقالها الذي تعقل به نفسها وأمرها، وتوجه به علاقاتها التي تديرها في الداخل أو الخارج، فالعقال هو ما يطوّق رأس الإنسان، كما الجماعة يطوِّقها الغلاف.
يعبِّر هذا المبدأ عن حلم، أو عن رغبة مكبوتة عند الأفراد الذين يخلقون هذه الجماعات، "الجماعة شأنها شأن الحلم، هي تحقّق خيالي لرغبة مكبوتة"[2]، هذه الرغبة المكبوتة هي رغبة متعذرة أو مستحيلة التحقّق، كما يرى أنزيو، فيكون خلق الجماعة هو نوع من المخيال الجماعي نحو تحقيق حلم صعب أو مستحيل. من هذه الرغبة يتغذى خيال الأفراد الذين ينجذبون نحو تحقيق الحلم بدخولهم الغلاف، فيتشاركون أحلامهم، ويحيلون واقعهم إلى صورة من صور خيالهم، فهم "يوجهون جماعتهم الحقيقية بجماعة خيالية"[3].
بفعل تنظيم الجماعة لشبكة علاقاتها الداخلية، وبفعل ما تشبعه من خيال أفرادها نحو تحقيق حلمهم، تصير الجماعة المخلوقة كل شيء بالنسبة لأفرادها، وتعلو فوق كل شيء، فوق الفرد، فوق الذات، وفوق كل ما لا ينتمي للحلم. تصير الجماعة قسماً مقدساً يستوجب الطاعة والولاء المطلقين للحلم جَهْد الأَيْمان. " نخلق الجماعة ولا نقسم إلا بها"[4]. قسماً لا يجوز الميل أو الانحراف عنه. تصير الجماعة وحدها المعجزة التي يتحقق بها المستحيل.
كلمة الجماعة groupe))،هي من الكلمات الحديثة في اللغات الأوروبية، وهو لفظ من مصطلحات الفنون الجميلة، أدخل إلى فرنسا عن طريق إيطاليا القرن السابع عشر وكان يستخدم للإشارة إلى مجموعة المواضيع المرسومة أو المنحوتة. ولأن الفن إبداعاً بشرياً يقوم على التشكيل والرسم والنحت والتصوير والتمثيل بوحي من الخيال الخلاّق، فإن مفردة الجماعة المأخوذة عنه، والتي جرى تعريفها في القرن الثامن عشر بأنها اجتماع بشري، هي ذلك الاجتماع البشري الذي يشكّله الخيال لتحقيق رغبة مكبوتة أو صعبة التحقّق، إذ لا قيمة للاجتماع على أمر متاح يمكن لأفراد متفرقين تحقيقه بلا عناء.
مخيال "الأمر"
فما هو المخيال المشترك الذي اجتمعت عليه جماعة " الأمر" ؟
في حوار لها، تقول "رابحة الزيرة" معرِّفة بجماعتها " نحن جماعة مسلمة، ملتزمة بكل أصول الدين وفروعه، تؤمن بالأئمة الاثناعشر، وتؤمن بالإمام القائم بأنه حيّ، موجود ومتوفّر وليس يستحيل رؤيته أو التشرف بمكالمته، وهذا هو أقسى ما في فكرتنا من تديّن أو بدعة، والاستلهام منه أو الاسترشاد لمن أراد بإخلاص كائنا من كان، رجلٌ يدعوه البعض بالمخلّص، أو الموعود، أو المنتظر أو المصلح الأعظم أو مهدي الأمم، هذه هي عقيدتي في أحسن صورها وأبسطها"[5].
يحاول هذا التعريف الموجز، إلى إخفاء الرغبة الصعبة التي تحملها الجماعة في متخيلها ومواراتها، ويكتفي بالإشارة إلى استحضار اعتقاد عام يكاد لا يختلف عليه السواد الأعظم من المؤمنين بالمهدي، وهو أمر لا يستدعي اختلافاً وحرباً كالتي شهدتها الساحة الدينية الشيعية حول هذه الجماعة.
فما هي (الرغبة الخاصة) والمغايرة التي تتحرك من أجلها هذه الجماعة؟
هناك (رغبة ذات حِمْل) تعبّر عنها الجماعة في مبادئها التي أعلنتها من خلال جمعية التجديد (المؤسسة المدنية للجماعة)، عبر مشروع "عندما نطقت السراة"، حين "نطقت" بما تحمله من أمانة كبيرة لا حياد لها عنها: "لا غنىً لنا، ونحن في تحقيق حلمنا ماضون، عمّا يحفظ استقامة المسيرة، ويخفّف من عبء حمل الأمانة الكبيرة في طينا للدرب اللاّحب الطويل (اللاحب هو الطريق الواسع المنقاد الذي لا ينقطع)، بل بجعلها رحلةً ممتعةً تجمع أعضاءها على آصرةِ الأخوةِ وعلى أساسٍ من حسن الظن والاحترام والإنصاف. فنحن نؤمن بأنّ المعجزات الكبار يقوم بها أناس متّحدُّون، على قاعدةٍ من القيم والمبادئ الثابتة التي لا حياد عنها" [6].
تعتقد هذه الجماعة أنها تحمل على عاتقها رغبة صعبة، وحلماً أقرب للمعجزات الكبار، وهو حلم دربه طويل (لاحب)، ورغبة متخيلة أكبر من أن يتم اختصارها في كونها "جماعة مسلمة ملتزمة" فحسب، حسب تعريف رابحة الزيرة.
فأعدُّوا للخروج
يقول المولى( المولى هو الاسم الذي يعرف به الامام المهدي داخل الجماعة): "فأعدوا للخروج إعدادكم للمحافل"[7].
تحمل جماعة " الأمر" متخيلها الخاص، الذي يرى أن خلاص البشرية مما آلت إليه من ظلم وظلام، سيكون على يد هذه الأمة بالذات، التي هي "منبع أديان السماء، ومهابط الوحي، وحاملةِ لواء العالم، وناشرةِ رسالة رحمة العالمين"[8]. ولأن هذه الأمة صارت اليوم "مرتعاً ومنبعاً للداء بعد أنْ كانت طبيباً دوّاراً بالدواء"[9]، فإن خلاصها الذي يتبعه خلاص العالم،سيكون على يد رجل من رجالات هذه الأمة، من نسل نبيها، هو الإمام المهديّ، الذي سيخرج لينقذ البشرية جمعاء (حتى هنا، لا تقدم هذه الجماعة شيئاً جديداً أو مخالفاً للرغبة الشيعية العامة).
لكن يسبق ظهور الإمام المنقد والمخلِّص، حركة خفية، تعمل على إعداد قيادات وكوادر بشريّة، تمهِّد الأرض لقبول خروجه، وتمكِّن العالم لاستقبال دعوته.
هذا التمكين تشرع به جماعات قليلة العدد، تنتشر في أصقاع مختلفة من الأرض، يجتبيهم الإمام ويعدّهم ليكونوا خيرة أنصاره حين خروجه، فيما هم يعدون الأمة للتهيؤ لنصرته حين الخروج.
من هنا يقوم تأسيس جماعة "الأمر" على أن تشكيلها، صدر بأمر خاص من الإمام المهدي، تمهيداً لخروجه، وإعداداً لنصرته(كما سنرى بتوسع فيما بعد). ومن هنا تُعرّف الجماعة نفسها كونها الجماعة الخاصة التي تستجيب لأمر المولى، ولذا تطلق على نفسها إسم "جماعة الأمر"، وترفض إسم "جماعة السفارة" الذي أطلقه عليها المخالفون وبه اشتهرت وعرفت في المجتمع، وترى أن هذه التسمية لاتنطبق عليها من حيث كون (السفارة) تعني النيابة الشاملة عن الامام الغائب، وهي نيابة علنية وظاهرة انتفت حاجة الامام إليها في هذا العصر الذي هو عصر الظهور.
في هذه الجماعة سيقوم الإمام برعاية الأفراد وتربيتهم وتوجيههم وتسديدهم عن طريق مكاشفات خاصة (كالرؤى والأحلام أو التسديدات الغيبية)، يتلقاها الرمز الأكبر لهذه الجماعة. هذا الرمز هو باب الجماعة الذي يصلها بالامام وبخاصة أصحابه.
من هنا يشتعل فتيل الاختلاف والخلاف بينها وبين المجتمع الذي سيرفض هذا التشكيل وسيحارب هذا التخصيص.
[1] ديديه أنزيو، الجماعة واللاوعي، ص5
[2] ديديه أنزيو،م.ن.، ص14
[3] ديديه أنزيو،م.س.، ص66
[4] ديديه أنزيو،م.س.، ص60
[5] حوار مع رابحة الزيرة، علي أحمد الديري
[6] جمعية التجديد، لمحة تعريفية: مبادئنا.
[7] جزء من نص المولى للأمر بتشكيل الجماعة الممهدة
[8] جزء من نص المولى للأمر بتشكيل الجماعة الممهدة
[9] جمعية التجديد، لمحة تعريفية، رؤيتنا
جماعة " الأمر" وتشكَُّلات الذات المُغلَّفة (2)
في داخل الجماعة قهر الذات بداية تخلُّص وعلامة خلاص
صارت الجماعة عالمي الذي ينتج علمي ومعرفتي ويقيني وحركتي وسكوني وقيامي وقعودي وحبي وكرهي ..
كنت أرى نفسي مذنبة حين أجادل أو أبدي رأياً يخالف أمر الأفراد الذين يمثّلون الحلم.
ذكرت في الحلقة السابقة إن فكرة جماعة "الأمر" تتأسس على الاستجابة لأمر صادر عن الإمام المهدي، بتشكيلٍ يمهد لخروجه ويعد لنصرته.في هذه الحلقة أتناول الجماعة من خلال ثلاث مفاهيم أساسية أحاول أن أفهم بها (جماعة الأمر). المفاهيم الثلاثة هي
(1) رحم مريم
(2) والرغبة المستحيلة
(3) الحلم.
الحلم
يتمكن الحلم من تغيير وجه الواقع، واستبداله بوجه آخر مثالي أو مرغوب فيه. الحلم هو تحقق خيالي لرغبة جامحة تسيطر على وعي الجماعة. الجماعة تعمل على تحقيق هذه الرغبة في عالمها الداخلي، تحمل الجماعة في مخيلتها أنها العالم المثالي الممهِّد لخلاص العالم، وأنها الصورة الفضلى للعالم، لذا تعيش الجماعة واقعها الخاص المفصول عن الواقع الخارجي، فترى الخارج صورة زائفة يجب أن تستبدل بحقيقة تشبه واقعها وتقترب من عالمها.
رحم مريم
ترمز مريم إلى الحمل الذي باركه الرب لينجب ولادة مخلّصة. ولادة مريم بالمسيح ستخلص العالم من الشر والظلم وستنشر العدل والخير. الجماعة تحمل هذه الرغبة وتحلم بتحقيقها، لذا ترى (جماعة الأمر) إلى نفسها، بأنها (رحم) يشبه رحم مريم الذي سينجب المخلّص الذي سينشر العدل والخير، لكنها هنا ستنجب أنصاراً مخلّصين، هم نحن المنخرطين في هذا الأمر، لذا أسميته برحم الخلاص.
الرغبة المستحيلة
ترغب الجماعة في تغيير وجه العالم الذي صار ظالماً يحكمه الزيف والاستعمار والكفر، بعالم آخر مثالي يحكمه الأنصار المخلصين الذين سينجبهم رحمها المخلّص يقودهم الامام المهدي، ترغب الجماعة في أن تكون هي رحم خلاص العالم. تتعرض هذه الرغبة المثالية البعيدة، للقمع أو الكبت أو السخرية أو الاستهزاء أو المحاربة من قبل المخالفين، لذا أسميتها بالرغبة الصعبة أو المستحيلة.
رحم الخلاص
مخيال الجماعة إذن، ينبثق من تمثّل رغبة صعبة، وحلم بخلاص مقدّس، ينتشلها والعالم من واقع ظالم ظلاميّ، ويستبدله بواقع تخليصيّ يحقّق للعالم عدلاً موعوداً.
تقول إحدى الإمثولات الغربية " ذات يوم، وعندما وقفت ماريا بجوار النبع لكي تملأ جرة الماء، ظهر لها ملاك الرب وقال: مباركة أنت يا ماريا لأنك هيأت في رحمك مقاماً للرب، أنظري سيأتي نور من السماء ويسكن فيك، ومن خلالك سيضيء العالم قاطبة"[1].
لعلّ رحم الخلاص المبارك الذي تنشده الثقافات المختلفة عبر أمثلتها الدينية والمثيولوجية، يحبل دوماً ببطل محارب قوي محبّ مخلِّص، تلده الأمّة، ليعيد ولادتها من جديد، وينتشلها من ظلامها الدامس الذي مضى فيها طويلاً.
ولعلّ تعدّد وجوه البطل التي تستحضرها المثيولوجيات المختلفة: محارباً وقدّيساً ومحبّاً ومخلِّصاً كما يشير إليه (جوزيف كامبل) في كتاب " البطل بألف وجه"، تعبِّر عن رغبة مشتركة تحلم بالخلاص، لكن تبقى كل ثقافة تولِّد مخلِّصها من رحمها الخاص، وتبقى مسألة الرحم المهيأ، والنور الذي يسكن هذا الرحم، والولادة المباركة التي تترقّبها الأمّة، أمثولات تتشابه داخل الثقافات المختلفة، بقدر من الاختلاف، يتيح لكل منها تشكيل جماعتها الرحميّة، التي تحمل مخيالها الخاص لصورة خلاصها ومخلّصها. يحمل رحم الخلاص نواة أيدلوجية كما في جماعة الأمر.
رحم مريم
عبر أطروحة الخلاص المثاليّ للعالم، دخلتُ رحم " الأمر" المقدّس وداخلني الحلم. أن أكون شريكة في خلاص مقدّس يضيء العالم كافّة.
صار "الأمر" هو أمثولة رحمنا الخاص التي تُلقى إلينا، وتهيئ داخلنا لمقام مخلِّصنا. كنا نأوي إلى مريم العذراء، باعتبارها رحماً نبوياً، نربض حيث مكان تعبُّدها طائعين ماثلين، نتدبّر آيات مخاضها من القرآن، نتلوها، ونعاود تدبّرها في جلساتنا الخاصة، نقارب رحمها برحمنا المخلِّص، نترقّب مولودها المبارك كما نترقّب ولادتنا المخلِّصة، نتمثَّل مخاضها حتى كأننا نستظل معها تحت جذع النخلة، نهزّ بجذع نخلها كلما هزّت، ونرقب معها أن يسّاقط علينا رطباً مخلِّّصاً جنياً.
هكذا صارت الجماعة عالمي الذي ينتج علمي ومعرفتي ويقيني وحركتي وسكوني وقيامي وقعودي،" فما أحلى أن تأخذ يقينك من إمام، وعلمك من إمام، وسكونك وحركتك وقيامك وقعدتك وحبك وكراهيتك ووصالك وقطيعتك وأجرك وحاجتك وغير ذلك من شؤون سلوكك أو عبادتك، تأخذها وتنهلها صافية من مائها الفياض الزلال، من يد إمام الكون"[2].
صرت أرى بأنني إبنة هذه الجماعة، وأنني لا أجيد الحياة إلا في رحم مائها الصافي الزلال الذي ينهل من فيض الامام، أما خارج عن هذا الرحم، فلست أنتسب له إلا بمقدار ما لا يمس حياتي ووجودي داخل هذا الرحم، "نحن لم نولد من أب، ولكن من جماعتنا الخاصة، ونحن لا نأخذ أصلنا من كائن أو حقيقة خارجيين. إننا جماعة رحم تولد نفسها"[3].
بهذا صار رحم جماعتنا هو الرحم العذري الذي يولِّد نفسه بنفسه، ويعيد إنتاج نفسه مع كل ولادة، يعيد صياغة دليل وجوده المرة بعد المرة بولادات تشبه بعضها البعض، صرنا نرى في رحمنا أنه مركز الولادات جميعا، فهو الرَّحم المُخلَّص، المهيأ لمقام المُخلِّص. هو الرحم الذي يلد خلاصاً للعالم، فما حاجتنا إلى غيره من الأرحام؟ وأي ولادة تشبه ولادات رحمنا الصغيرة التي تمهد لولادة مقدَّسة مباركة؟ كل ما يولد خارج رحمنا لا يعوَّل عليه. رحمنا اكتفاء، يأخذ منه كل رحم ولا يأخذ هو من غير مخلِّصه.
الحلم فوق الجميع
ما هو الحلم؟ كيف يبني الحلم الجماعة؟ كيف تكون الجماعة مشروع حلم؟ كيف يتحول الحلم إلى نظام يفترض الطاعة ويفرض السلطة؟ كيف يتحول الحلم إلى آيدلوجيا تحكم الأفراد وتضبطهم معاً؟
يجري النظر إلى الحلم بأنه عملية تخيلية تتخطى حدود الواقع إلى أفق أكثر رحابة. يقول انسي الحاج: "الحلم هو العقل والروح والخيال، انه الفردوس الممكن، الحلم أولاً، الحلم فوق الجميع، الحلم هو محرض الواقع وروحه وعقله وعصبه"[4].
الحلم تحريض من أجل تغيير الواقع غير المرغوب فيه، واستبداله بواقع آخر يتصوَّره الخيال ويرغب به بشدّة.
تحلم (جماعة الأمر) باستبدال صورة العالم الذي تسيطر عليه قوى عظمى متجبّرة وظالمة، بصورة أخرى ينضوي فيها العالم تحت راية واحدة تقضي على قوى الاستكبار والهيمنة وتنشر العدالة والخير والسلام، باسم الاسلام.
تغيير الواقع هنا لا يمكن أن يتم دون جماعة تتبنى هذا الحلم. جماعة الحلم تنشئ عالمها الخاص الذي تستطيع فيه التحدث عن حلمها الصعب دون خوف أو تكذيب أو استهزاء. تستطيع الجماعة من خلال عالمها الخاص وأفرادها الخاصين، أن تبلور رؤيتها (الحلم في اللغة هو الرؤيا) لعالم جديد يشبه حلمها. من هنا تبدأ الجماعة في صياغة نظريتها ونظرتها التي هي روح جماعتها وعقلها وخيالها وفردوسها وممكنها وعصبها.
هذا التشكيل للجماعة، ساهم في تحويل هذه الرؤية الحالمة إلى ما يشبه الواقع في داخلي كفرد داخل الجماعة، لذا كنت أنظر إلى الجماعة أنها مدينتي الفاضلة الصغيرة التي تمهد لمدينة فاضلة كبيرة، بهذا صارت الجماعة عندي، قداسة تشبه قداسة الحلم.
وعيي الديني الذي نشأ على أن يرى أن خلاص العالم سيأتي على يد الامام المهدي، ساهم في تقديسي لأدلوجة الجماعة التي تحاكي هذا الوعي وتتمثله. الجماعة وفق هذا الوعي تسير باتجاه حلم مقدّس منصوص عليه ومؤكد عليه في الروايات والأحاديث الدينية، وهو حلم لا محالة آت قرب ذلك الزمان أو بعد.
داخل كل رؤية ثمة ما لا يُرى، لكني لم أكن أرى أن رؤيتي (حلم الجماعة) كانت ترينا الخيال وتخفي عنّا الواقع، كانت تحضر الخيال إلى واقعنا، وتغيّبنا عن الواقع.
قهر الرغبة
يعرف فرويد الحلم بأنه تحقّق جامح لرغبة.
بقدر ما تكون الرغبة مكبوتة أو صعبة أو مستحيلة، يكون الحلم أكثر جموحاً نحوها.
الرغبة المكبوتة أو الصعبة أو المستحيلة تسيطر على خيال الأفراد، وتجذبهم إليها على نحو آسر، وتوجه سلوكهم واهتماماتهم وردود أفعالهم باتجاهها.
الإنسان منجذب إلى الرغبة الجامحة، عاشق للحلم الذي يجعل من رغبته الصعبة حقيقة واقعه. والحلم يهيمن على الإنسان المنجذب إليه، آسراً رغباته، قاهراً للواقع غير المنسجم مع الحلم.
بهذه الرغبة، يأسر الحلم الانسان ويقهره. الإنسان المقهور كما يراه باولو فيراي، يصير مجرد "شيء" في يد قاهره (الحلم). هذا "الشيء" لا يعود يشعر بنفسه خارج سلطة قاهره، بل يجد نفسه داخل هذه السلطة أكثر ضبطاً من خارجها، فهو لا يمتلك جرأة التحرك أو التفسير أو التأويل أو الفهم خارج سلطة قاهره الرمزية.
القاهر هنا قد يكون شيئاً رمزياً كالحلم مثلاً، أو الرغبة، أو الجماعة، وقد يكون الرمز الأعلى الذي يملك تحريك الحلم والرغبة في نفوس أفراد الجماعة ومخيالها.
يتجسد قمة اكتمال الفرد في داخل الجماعة بأن يأخذ كل أموره من داخل الجماعة التي هي تنطق باسم الحلم، الذي هو ينطق باسم الإمام، الذي هو ينطق باسم إله الكون،"فما أحلى أن تأخذ يقينك من إمام، وعلمك من إمام، وسكونك وحركتك وقيامك وقعدتك وحبك وكراهيتك ووصالك وقطيعتك وأجرك وحاجتك وغير ذلك من شؤون سلوكك أو عبادتك، تأخذها وتنهلها صافية من مائها الفياض الزلال، من يد إمام الكون"[5].
من علامات القهر التي تجسدت في شخصيتي، أنني كنت أرى نفسي قاصرة أو مذنبة أو مخطئة، حين أجادل أو أبدي رأياً يخالف أمر أو رأي الأفراد الذين يمثّلون الحلم بالنسبة لي، "إمامنا القائم أعلم من سائر الناس في زماننا، والرابطة[6]أعلم بالحركة من سائر الأفراد، فإذا تلقت الرابطة توجيهات الامام وتلقت المعلومات المرفوعة اليها من قبل الأفراد ثم أصدرت أمراً، أليست هي في هذه الحالة أعلم بما أمرت من غيرها؟ ولو أن مخلصاً نوى راض وتأمل هذا التأمل لكفاه، وحجزه عن إبداء رأيه"[7].
ممثلو الحلم كما كنت أراهم هم الأكثر فهماً والأكثر وعياً والأكثر دراية بكل أموري وصالحي وصالح العمل والحلم، وأي اعتراض من قبلي يُعد دليل تباطؤ وتلكؤ وبداية خسران مبين، "وجود الاعتراض في الحركة دليل على تباطؤ سعيها وربما تضاؤله إلى درجة لا شيء (....) ويتمثل إبداء الرأي في إثارة الأسئلة حول الأمر(........) فما لنا بالأسئلة وما هي الغاية من ذلك، هل نريد نهاية كنهاية أولئك الذين خرجوا من أمرنا، لقد بدؤوا أمرهم بسؤال بعد سؤال، واعتراض بعد اعتراض، ثم كان عاقبة أمرهم خسراً"[8]
يعيش المقهورون صراعاً داخلياً "بين أن يكونوا أنفسهم وأن يكونوا قاهريهم"[9] ، إلا أنهم لا يستطيعون الانفلات من سلطة قاهريهم، فهم يرون "من نماذج القاهرين تجسيداً لهم"[10]، ولذا يأتي موقف المقهورين وسلوكهم وتفكيرهم منسجماً مع الخصائص العامة للقاهرين ولسماتهم وممارساتهم وآرائهم.
جسد القهر
كيف تجسَّد هذا القهر في حلمي ورغبتي كفرد داخل جماعة؟ وكيف أصبحت الرغبة قهراً لي من حيث كنت أنشد بها خلاصاً من كل أشكال القهر؟
الاكتفاء بالحلم، والانكفاء في داخل الحلم، وعدم التحرّك إلا من خلال الحلم، ومن أجل الحلم، وبأمر الحلم، ووفق الحلم، وباسم الحلم، والحجز عن إبداء الرأي أو الاعتراض، كلها علامات حصر، والحصر قهر لا خلاص. الخلاص حرية، والحرية انطلاق وعوز لا انكفاء واكتفاء.
القهر الرمزي تمثل عندي في الانقياد المطلق والتطابق المطلق والتماثل المطلق والتسليم المطلق، لكن الطوعي، لرغبات الحلم، لا لرغباتي كفرد. "فليس في هذا الأمر إلا الطاعة العمياء، وكلما كانت طاعتنا عمياء كان ذلك دليلاً على سلامة طريق الأوامر من الشوائب النفسية المعرقلة"[11]. هكذا بدأ الحلم في تحويل مفهومي للخلاص، وحوّل نظرتي للقهر، فأسبغ على القهر من علامات التقديس، ما جعله عندي غاية من غايات الحلم، بل جعله رديفاً للخلاص. فقهري لذاتي، وقهري لرأيي، وقهري لأفكاري المخالفة، وقهري لشكوكي، وقهري لتساؤلاتي، وقهري لخصوصيتي، وقهري لأناي، أصبحت كلها (قاهرات) ذات قيمة عليا دليلاً على سلامة طريقي من الشوائب النفسية المعرقلة لبلوغ صافي الحلم.
بين يدي الحلم
كل ذلك القهر الطوعي أو المحبب تجسد في تصرفاتي وممارساتي كواحدة من مجموعة من الأفراد المنقادين إلى الحلم، تجسد في التخلي عن العلاقات الاجتماعية من أجل الحلم، في الاستعداد للتضحية بكل شيء في سبيل الحلم، في قهر الأسئلة بين يدي الحلم، في رفع تفاصيل دقائق الخصوصيات للحلم، في عدم الإقدام على أية خطوة دون استشارة الحلم، في استنفار كل الطاقات في دعم وتوطيد وترسيخ الحلم.
بهذا مارسنا القهر طوعاً وباختيارنا، ورأينا أن الحلم لا يتحقق إلا بقهر، وبهذا صار الخلاص بالنسبة لنا، منوطاً بما نقهر من أنفسنا، لنبقى مخلصين للحلم المقدس، صار خلاصنا، هو إخلاصنا للحلم.
[1]إحدى الامثولات، انظر: جوزيف كامبل، البطل بألف وجه، ص313
[2]مقطع من أحد النصوص الشارحة التي يتم فيها توصيل المفاهيم الخاصة بالجماعة وترسيخ أفكارها ومبادئها ونظمها.
[3] هكذا ترى عموم الجماعات إلى نفسها، حين تبدأ تماهيها الداخلي الذي يشعرها بالاكتفاء المطلق بجماعتها، أنظر : ديديه أنزيو، الجماعة واللاوعي، ص87
[4]محمد عبد الرحمن يونس، الأسطورة في الشعر والفكر
[5]مقطع من أحد النصوص الشارحة التي يتم فيها توصيل المفاهيم الخاصة بالجماعة وترسيخ أفكارها ومبادئها ونظمها.
[6]المقصود ب (الرابطة) هم الزعماء الموجودون في أعلى قمة التنظيم الهرمي للجماعة، وهم الوكلاء الخمسة الذين اختارهم الامام ليبتوا في شؤون الأمر وشؤون أفراده.
[7]مقطع من أحد النصوص الشارحة التي يتم فيها توصيل المفاهيم الخاصة بالجماعة وترسيخ أفكارها ومبادئها ونظمها.
[8]المصدر السابق.
[9]باولو فراي، تعليم المقهورين، http:www.josor.net (http://www.josor.net/)
[10]باولو فراي، تعليم المقهورين، http:www.josor.net (http://www.josor.net/)
[11]مقطع من أحد النصوص الشارحة التي يتم فيها توصيل المفاهيم الخاصة بالجماعة وترسيخ أفكارها ومبادئها ونظمها.
جماعة " الأمر" وتشكَُّلات الذات المُغلَّفة (3)
فلا تعلوا عليّ واتوني طائعين..
· كنا نخشى من فتح أفق حرية الرأي والفكر أن تقود أحدنا نحو درب آخر لا يطويه الحلم..
· من يلقى عليه نصّ "الأمر" يصير محصوراً بين الطاعة والاستعلاء، بين اتباع الأمر واحتناك الشيطان.
قهر النقطة
"قيل ل" نقطة": أنت مع النظام لست نقطة فحسب، بل تصيرين شيئاً مهماً ذا قيمة يضاعف العمل بك أضعافاً مضاعفة، بشرط أن تلتزمي بالموقع الذي تجعلين فيه، فأطاعت النقطة، وجعلت خلف مجموعة (النقاط) من أخواتها فتضاعفت قيمة العمل من 100 إلى 1000، ولكن مع مرور الأيام، سئمت النقطة وقالت: لماذا لا أتقدم على الأوامر؟ ولماذا لا أتقدم على الجميع بمن فيهم هذا ال(واحد -1-)، ولماذا أظل تابعة في كل شيء؟ ثم أنا لا أشعر بقيمتي هذه التي يقولون عنها مادمت في الخلف. بل قيمتي في أن أتقدّم وأن أخالف بعض الشيء فأنا لي رأي حتماً، وإلا فأين التقدير والمبادرة و....، وفعلاً بادرت النقطة وخرجت من صفها حتى وقفت أمام الواحد، وافتخرت هنالك في نفسها: ها أنا أقف أمام الواحد وصارت هكذا (0100)، وظنت أن العمل تقدم وتضاعف أكثر وأكثر، وأن الرقم لا بد زاد!"
أحد النصوص التي كانت تلقى للفرد في بدايات دخوله الأمر..
في الحلقة السابقة، لم أكن أدرك أن نفسي مملوكة بيد الحلم، لم أكن أسأل إلا في حدود ما يُسمح لي، ولم أكن أقيم علاقاتي الخارجية إلا في حدود ما يُرسم لي من خرائط.
عضّد من قوّة هذا "الحلم" الرؤى والأحلام والنصوص التي كانت تصلنا باستمرار. كانت تلك تُكبر الحلم في نفوسنا وتهيّبه وتعطيه قدسيته الخاصة.
في هذه الحلقة أحاول أن أفهم كيف تحول الأمر إلى شكل منقاد كلّه للحلم، مسيّر كلّه لإرادة الحلم.
خلاص أم خلوص؟
لم يعد الخلاص في تجربتي تحرّراً، إلا بمقدار ما يخرجني من صميم يقين مجتمع ليدخلني في صميم يقين جماعة، وبمقدار ما يخلصني من الانقياد والتبعية المطلقة لأحلام المجتمع ليوقعني في الانقياد والتبعية المطلقة لحلم الجماعة.
صار الخلاص يعني لي تمثّل الحلم، وحصر الأمر كلّه في الحلم، وذلك لما يحرّكه فينا من مشاعر مشتركة وإرادات ورغبات وتحركات وأفكار ومفاهيم.
كنت أشعر بخلاصي يزداد كلما تخلصت من كل ما يعلق بي من خارج الحلم، كلما صرت حلماً خالصاً مجسّداً في نقطة. صرت نقطة لا تداخلني غير رؤى الحلم. في عز هذا الخلوص فقط، كنت أرى قمة تحرّري.
يقول سارتر: "إنه لمن المفارقة الصارخة أن يشبه وضع الرياضي، وذهنه، وضع رجل منخرط في ممر مفرط في الضيق، حيث كل خطوة من خطواته وحتى وضعيّة جسمه تكونان مشروطتين بطبيعة الأرض، وبضرورة المسير، ويكون مع ذلك، مقتنعاً بيقين لا يتزعزع، بأنه يقوم بكل فعل من أفعاله بحرية تامة"[1].
الحرية التامة كما كنت أفهمها، هي أن أمارس حركتي داخل (ممر الجماعة) دون أن أنزعج من ضيق الممر، بل دون أن أرى أي ضيق في الممر، بل أن أرى الممر على العكس من ذلك، مكاناً رحباً واسعاً يتيح لي حركة شبيهة بحركة الرياضي في الفضاء المفتوح. فكيف كان ذلك؟
كنت مقتنعة وبيقين مطلق أنني وباعتباري نقطة داخل نظام[2]، فإن قيمتي تكبر بقدر ما تكون حركة خطواتي ملتزمة بالموقع الذي يختاره لي النظام، وأنني مع النظام لست أصير نقطة فحسب، بل أصير شيئاً مهماً يضاعف من قيمة العمل كما قيمتي.
ذهنية النقطة
كنت أرى أنني حين أتحرك مستقلةٍ عن النظام، فإنني أصبح نقطة آثمة عاصية مغرورة، ما أسهل أن يمسحها المولى ويستبدلها بغيرها بجرة ممحاة، "أعطى المدرس تلميذه ورقة فيها نقاط كثيرة مبعثرة، فهمست نقاط فيما بينها: ماذا عساهم يفعلون بنا؟ قالت واحدة: أظن أن المدرس يريد من تلميذه أن يمد خطاً علينا جميعاً ليخرج منا صورة جسيمات ذات معنى كما يعملون في المسابقات، فصرخت بعض النقاط، كلا هذا مستحيل، نذوب في خط؟ هيهات لا يكون، وتمحى شخصياتنا؟ لا .. لا يكون أبداً، فاعتزلت جانباً.. ومرّر التلميذ خط حتى كوّن الصورة المطلوبة ثم هتف بالمدرّس: يا أستاذ.. هناك بعض النقاط على ما يبدو لم تندرج في الخط، وكأنها رافضة أن تفعل، قال المدرس بهدوئه: لا بأس استعمل لها الممحاة!"[3]
بهذا صرت أتحرك في ممر الجماعة وأنا على يقين من أنني أتحرك بكامل حريتي. هذه المفارقة التي أسماها سارتر بالصارخة، كانت تتبدى لي على (استحياء)، سرعان ما (أتخلَّص) منه باستبعادها ومواربتها. كنتأعلم أني بلا حريّة تشبه حرّية الرياضيّ- بذهنه المفتوح على فضاء العالم، وقدميه الضاربتين على أرض لا حدود لها- لا أستطيع أن أمارس وجودي الذاتيّ ولا أستطيع أن أحقّق خلاصاً يفتح أفقي على العالم. إلا أني كنت أخشى من أن حركة ذهني المفتوحة، قد تخلص بي إلى درب لا يطويه الحلم أو يخشاه، أو تتوه بي في درب لا يتنهي، فأتوه وأضل ولمّا أصل بعد إلى الخلاص.
لذا صرت أركن إلى الممر المألوف، باعتباره مكاناً آمناً للحركة، أمارس فيه خطواتي (الحرّة)، بقدر ما تتّسعلي مساحته الآمنة، وأخشى المساحات المفتوحة، التي قد تأخذني إلى طريق لا ينتهي، أو إلى وضع موغل في اللا أمان.
زعامة "الأمر"
هذه المفارقة ( الممر الضيق مقابل الاعتقاد بحرية الحركة)، جعلتنا نزاوج، دون وعيّ فرديّ منا، لكن بوعيّ جماعي، بين أحاسيسنا الخاصّة التي تنشد خلاصاً متمثلاً في التحرّر، وبين أمر " الأمر" الذي يقهر أحاسيسنا ومشاعرنا ورغباتنا وأفكارنا الخاصّة، ويضبطها جميعاً في غلاف واحد، فجعلناها تأتلف جميعها في داخلنا، بالشكل الذي لم نعد نشعر معه بأي مفارقة تُحرِج خلاصنا ( الخلاص من أن نكون مقهورين) أو تَجرَح إخلاصنا ( الإخلاص لأن نكون مقهورين) ، فكيف كان ذلك؟
يقول سارتر: "في الجماعة يضطر الفرد إلى اعتبار حريته حرية ثانوية، وما معنى أن تكون حريته ثانوية؟ معناها أن يكون عبداً لزعيم يمثل هو " ماهية الحرية" "[4]
الزعيم هنا ليس بالضرورة شخصية حقيقية يجري تنصيبها فوق عرش الجماعة، بل قد يكون شيئاً أو رمزاً أو شخصية معنوية تمثّل سلطة عليا يجتمع عليها أمر الجماعة، ويدين لها بالولاء المطلق ويرى فيها معياراً لخلاص العالم، وتجسيداً للحلم المقدس، وغاية في الرغبة المستحيلة.
مهمّة هذا الزعيم هي مهمّة الحلم، وإرادته إرادة كل فرد من أفراد الجماعة، لكنه يتميز عن كل فرد من أفراد الجماعة، بأنه يعرف إرادة الجماعة العميقة ويدرك مصلحتها ووسيلة تحقيقها لخلاصها المنشود، وبهذا المعنى، يكون الزعيم هو " حريّة محضة" كما يرى سارتر، ويكون هو المتحكم في مساحة الممر المؤدِّي إلى الخلاص الآمن.
أما حريّة الفرد في داخل الجماعة، فهي الخطوات المتاحة له في حدود هذا الممر الآمن.
بين حريّة الزعيم الأساسية وحريّة الفرد الثانوية، تنشأ ازدواجيّة الذات (المقهورة)، التي تنتِج باسم الخلاص، مفارقات لا خلاص لها منها.
فما هو زعيم جماعة " الأمر"؟ وكيف تجسّدت سلطة هذا الزعيم فينا؟ وكيف صار هو حريتنا المحضة؟ وكيف جسد ماهية الحرية لدينا؟ وكيف صارت حريتنا ثانوية أمامه؟ وكيف أعلَمَنا برغبتنا العميقة ومصلحتنا ووسيلة تحقيقنا لخلاصنا المنشود؟
لعلني أزعم أن أول وأقوى سلطة (تزعَّمتني) داخل هذه الجماعة، وحكمت ذاتي وقهرتها طوعياً، هي سلطة فعل "الأمر"، فالأمر هو مجرَّد قول كلاميّ، لكنه ينجز فعلاً عند متلقيه، أي ينجز تأثيراً في أفراده "المأمورين" الذين يتوجب عليهم الالتزام به والامتثال لطاعته[5]. الأمر سلطة.
فعل "الأمر"
يكلِّف فعل الأمر فرداً أو مجموعة بالقيام بعمل ما، لذلك فهو قادر على أن يحدث تغييراً في حالة متلقّيه المأمورين، من حيث يفرض عليهم، أن يقوموا بعمل ما، يغيِّر وضعهم الحالي ( وضع ما قبل الأمر)، ويستبدله بوضع آخر (وضع ما بعد الأمر)، أي أن فعل الأمر هو فعل تغييري، ينجز في متلقيه أفعالاً تغييريه تتناسب ورؤية (صاحب الأمر).
قل..
§ "قل لكل آثم حضيض الذنوب إن للذنب عند اختلاج السرِّ الدفين صريراً وأنين موتى سترفعها تسبيح الملائكك، فبعدها لا توبة لعاص، إذا ما وقف على باب من لم ينم، فأنا الباب ومولاك مفتاح له"
§ " كل من جرى عنه هو إلى الوراء قد أُخذ، وكل من جرى إليه هو إلى الحياة قد رُفع، السابقون السابقون"
§ " وهذا بلاغ من لدنّا من عميق الغيب منذ الأزل في كتاب الله،وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، وإنه من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه"
§ "معاشر شيعتنا إنّه وليكم الحجّة بن الحسن، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وتأتوني طائعين"
§ "فلا يحتنكنّكم الشيطان عن أمرنا احتناكاً، وليعضّ الشّاك فينا سبّابة المتندّم، إذا ما خرج صاحبكم وصاح فيكم من أنصاري إلى الله ".
تلك بعض مقاطع من نصّ الرسالة التي كانت تلقى على الفرد الذي يعرض عليه الدخول إلى "الأمر"، وهي رسالة موقعة باسم الامام المهدي.فما هو فعل الأمر الذي تلقته هذه الجماعة؟ وما الذي أنجزه هذا الأمر في الأفراد الذين أصبحوا جماعة "الأمر" فيما بعد؟
الأمر المقدّس
§ الأمر: " فأعدّوا للخروج إعدادكم للمحافل".
§ الآمر: " إنه وليكم الحجة بن الحسن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وتأتوني طائعين".
§ المأمورون: " معاشر شيعتنا"
خطورة فعل الأمر في جماعة "الأمر" بالذات، هو كون هذا الأمر صادر، كما يقدّمه خطاب الجماعة الخاص ومخيالها، من مصدر يقدّسه وعيها الديني، يتمثّل في الإمام " الحجة بن الحسن"، السقف المشترك لمرجعية أفرادها، كما يتمثل في الفعل الكلاميّ الذي يصدر عن هذا السقف الأعلى: "فأتوني طائعين".
الأمر بإتيان الامام وإطاعته يمثّل حكم يستوجب الطاعة المطلقة في هذا الوعي، ف(الأمر) هنا ليس أمراً ملزماً فقط، بل هو حُجّة تكليفية على كل من تصله الرسالة من "معاشر شيعتنا".
ويأتي فعل النهي "لا تعلوا عليّ"، ليجعل من عدم الاستجابة لأمر الجماعة/ الإمام، علوّاً واستكباراً على الإمام، وانحرافاً وارتداداً عن الحقّ، وانجرافاً شيطانياً ضالاً وباطلاً: "فلا يحتنكنّكم الشيطان عن أمرنا احتناكاً" .
هكذا يصبح مجرد الشكّ في صدق الرسالة أو في صدق الأمر، احتناك ضال مستكبر مستعل على نصرة المولى، ويستحق الشاك عض سبابة الندم، والاستبدال بغيره، "وليعضّ الشاك فينا سبابة المتندّم إذا ما خرج صاحبكم وصاح فيكم من أنصاري الى الله ".
تلقّي الأمر
متلقي الأمر هنا صار مُفرغاً من أن تكون له الخيرة في أمره، "طاعتك ليست هامشية يمكنك أن تتخير فيها"[6]، فهو إما مطيع لله، باعتبار الإمام الخط الموصل إلى الله، أو مطيع للشيطان ومحتنك به، إما أن يوقن بالأمر وإما أن يشكّ بالحجة، إما أن يستجيب للأمر أو يتعالى على القدس، إما أن يجري إلى الأمام أو يعود جرياً إلى الوراء، إما أن يرفع إلى الحياة أو يهوى نحو الموت، إما أن يحبّه الله ويجتبيه، أو يستبدله بغيره ممن يحب الله ويحبه الله، إما كلُّه مع الامام وإما كلُّه على الامام، " فلست لمن ليس لي، فمن لم يكن كلّه لنا، كان كلّه علينا"هكذا بلغنا أن المولى قال.
وهكذا أنجز فعل الأمر انصياعاً لا اختياراً، أنجز اختيار رهبة وخوف من الاثم والذنب والعصيان . أن يكون كلّه على الامام.
في الوقت نفسه أنجز فعل الأمر استجابة فورية من قبلنا، استجابتي جاءت مدفوعة بالرغبة في النصرة والسبق والاعداد والمعية والفوز بالحياة الفاضلة. أن أكون كلّي للإمام..
[1] سعاد حرب، الأنا والآخر والجماعة، ص17
[2] انظر نص النقطة داخل الاطار المرفق مع الحلقة.
[3] مقطع من أحد النصوص الشارحة التي يتم فيها توصيل المفاهيم الخاصة بالجماعة وترسيخ أفكارها ومبادئها ونظمها.
[4] سعاد حرب، الأنا والآخر والجماعة، ص25
[5] انظر نظرية أفعال الكلام لجون أوستين. كتاب التداولية اليوم.
[6] مقطع من أحد النصوص الشارحة التي يتم فيها توصيل المفاهيم الخاصة بالجماعة وترسيخ أفكارها ومبادئها ونظمها.
· شخصيتنا الظاهرية غلاف يمنع الناس عن رؤية ما نملك من أسرار.
· كان شعارنا الضمني معك معك أيها الحلم
· لكي أصل قمة الهرم، ذبت في جدار الغلاف، ومحوت من مفرداتي "كيف" و"لماذا" و"ما بال".
جماعة" الأمر" وتشكلات الذات
الحلقة 4
غلاف المخالطة والمزايلة
في الحلقة السابقة صار "الأمر" زعامتي الحاكمة التي لا يشوبها الشكّ ولا يطولها السؤال ولا يرقى إليها فهمي القاصر. في هذه الحلقة سأحاول فهم تشكيل أفراد الجماعة وخصائصهم الاجتماعية والسلوكية من خلال التوسع في مفهوم الغلاف.
غلاف الجماعة
الغلاف تعبير رمزي يشير إلى ما يلم الجماعة ويماسكها ويفصلها عن الخارج. وهو بهذا المعنى أداة عزل وقطع، وقد عملت النصوص والتعليمات وطبيعة التربية التي تلقيناها في "الأمر" على تغليظ سُمك هذا الغلاف حتى صار جداراً أو سوراً يضبطنا ويحددنا ويميزنا عن الآخرين. الغلاف نفسه هو هويتنا الجماعية. وهو المكان الذي نجد فيه راحة البال، ونأمن فيه من المخالطة غير الآمنة.
يقدِّم ديديه أنزيو في كتابه "الجماعة واللاوعي" تعريفاً يقارب مفهوم الجماعة باعتبارها، "غلافاً يضبط الأفراد معاً"، وهو ما يميز الجماعة عن أي تجمع بشري آخر.
الغلاف يعمل على احتواء أفراد الجماعة معاً، وحمايتهم من التبعثر أو التهلهل أو الضياع.
يحرس الغلاف حلم الجماعة من أن يتسرّب خارج نفوس أفرادها، ويحمي "أمرها" من أن ينتهك بكثرة الوافدين والخارجين.
يحدد الغلاف مساحة حركة الأفراد فيصير ممرهم الآمن لبلوغ الخلاص الذي ينشدون. يعمل الغلاف على تعزيز وجود الفرد داخل الجماعة وتحويله كياناً معتزاً بانتمائه ووجوده، ومُهيأً لتقبل قيمها واختياراتها وأهدافها.
كأس الحلم
الوجه الداخلي للغلاف، يمسّ أفراد الجماعة،يسبغ عليهم من فيض الحلم، يعضّد تلاحمهم وترابطهم، يقوّي أواصرعلاقتهم ويعززها، يشعرهم بالاكتفاء بجماعتهم. هذا الاكتفاء يجعل أفراد الجماعة في غنىً تام عن إقامة علاقات اجتماعية مع باقي أفراد المجتمع.
من جهة أخرى يصبح أمر الانكفاء (لا الاكتفاء فقط) في داخل الجماعة حاجة ملحة في ظل وجود مخالفين يتربصون بأفرادها "هناك أيضاً راحة البال من عدم مخالطة المخالفين ومناقشتهم والاحتكاك معهم وتحمل نظراتهم اللاهبة الحاقدة" [1].
يلتزم أفراد الجماعة بالعيش جنباً إلى جنب مع عدد صغير من الأشخاص، يشاطرونهم قيمة الوجود وهدفه وغايته وحلمه. يرى وكلاء الجماعة [2]أن الانكفاء في داخل الجماعة والاكتفاء بأفرادها فرصة للاستثمار "وكذا هي فرصة لا تعوض للعمل على توثيق الوشائج واستثمار الاوقات مع أولئك القلّة من الأرواح الطاهرة المتآلفة الذين بقوا مع الحق وإياه وعايشوا وتحملوا كما عايش هو وتحمل وشربوا من الكأس ذاته، كأس حب الولاية أو ما يسمى بكأس " جمر الغضا"[3].
في داخل غلافنا الذي يخلط بيننا دون أن يخالطنا بالآخرين، نجد أنفسنا نؤلف ثلّة مندغمة متماسكة متماثلة منسجمة، لا يترك الغلاف ثمة مسافة بين ذات وأخرى تتيح لأحدها أن تعرف ثغرات الأخرى أو عيوبها، تشترك جميع هذه الذوات في الرغبات والأفكار والطموحات والأحلام والاهتمامات والمشاعر والانفعالات والتحركات، "فإنه ما من أحد من مخالف أو مؤالف إلاّ ويشهد بانسجامنا وتآلفنا وتوحّدنا بشكل نُحسد ويُغتاظ عليه"، تفتخر رابحة[4].
هرم النصّ
داخل هذا الوجه للغلاف أيضاً، تنتظم علاقات الأفراد وفق ترتيب هرمي يمر عبر قنوات تصل قمة الهرم بقاعدته والعكس, في قمة الهرم تقبع "النصوص" التي ترد إلى وكلاء الجماعة عن طريق المكاشفات أو الرؤى. تُسيِّر النصوص شؤون الجماعة وتحدّد حركتها وتوجهها. قلت، نجد "النصوص" في قمة هرم الجماعة، ولم أقل نجد "الإمام"، لأن النصوص هي ما نأخذ منه وعنه، هي ما نتعامل معه ونتحاور، هي ما نأتمر به وننتهي، أما الإمام فهو الأفق الذي يصلنا عنه ولا نراه.
لرؤية النص تشريف يقابل تشريف رؤية الإمام، لهفتنا لاستقبال نصّ الإمام وأمره يعادل لهفتنا لاستقبال شخص الإمام، وتقديسنا لما يصلنا عنه، هو تقديس لمنزلته وحضوره ووجوده فينا "الأوامر يجب أن يكون لها باب استقبال ودار تشريفات نقاء في الفؤاد لتحتضنها المحبة الراسخة لأهل البيت (ع) احتضان الطير لبيضه، فيصدر عنها الطاعة العمياء. وإن مقدار ما تؤدي فإنما هو مقدار وتعبير صدق ما تحب"[5].
لكن كيف يكون تكريم هذه النصوص والأوامر؟
يجيبنا الوكلاء الذين يمسكون بهرم الجماعة " إن تكريم هذه الأوامر الشريفة وإنزالها منزلتها هو أن لا تستعمل قبالها " كيف" و"لماذا" و"ما بال"، فإنك بهذه التساؤلات إنما تزعجها وتزلزلها من مستقرها وتستعد لطردها"[6]
تحت قمة الهرم، يحضر الوكلاء الذين اختارهم "نص" الإمام ليباشروا تنظيم أمر الهرم وفق تسلسل يراعي تدفق النصوص والأوامر والتكليفات والتشريفات والمكاشفات والمعلومات والمتغيرات، حسب قرب أو بعد الفرد من قمة الهرم. التسلسل الهرمي يتحدّد بمجموعة من الامتيازات، منها السمات الشخصية والقيادية والفكرية عند الفرد، ومستوى حماسه ونشاطه وكفاءته وقدرته وفاعليته، يقترن ذلك كلّه بالإخلاص التام للحلم، والذوبان الكامل داخل غلاف الجماعة، وهما الميزتان الأكثر أهمية في التفاضل الهرمي.
كانت قدمي تمسّ أرض الواقع، حيث قاعدة الهرم، والقمة رفيعة، وعيني تنشد الأفق المقدّس، ولكي أحظى بالتشّرف بالاقتراب من الأفق، ذبت في جدار الغلاف، ومحوت من قاموس مفرداتي الكلمات التي تخدش الخلوص وتزعج التشريف، صرت لا أستعمل "كيف" و"لماذا" و"ما بال". صرت لا أسأل ولا أعترض ولا أنقد، صرت ذاتاً مغلّفة حد الانغلاق، لا تجيد ذاتي سوى عبارة واحدة: معك معك أيها الحلم، بكل يقيني وتسليمي وانفعالاتي ومشاعري وأحاسيسي وهويتي..
حضور واحد
بهذا عمل الوجه الداخليّ للغلاف، على تشكيل ذاتي الجماعية الذائبة في الجماعة، المتماثلة معها في انفعالاتها ومشاعرها وأحاسيسها وحتى في مهماتها. صارت مهماتنا مشتركة كما الحلم.
المهمة المشتركة هنا هي آلية العمل التي نتبناها داخل الجماعة لكي نصل إلى الرغبة أو الحلم[7]. تتحرك الجماعة في الخارج كمغلف واحد مجتمع، لا كأفراد متمايزين.
كنا نمثل حضوراً جماعياً مكثفاً في ساحات وأنشطة اجتماعية أو سياسية أو دينية أو ثقافية بعينها، ونغيب غياباً جماعياً ملحوظاً عن ساحات أخرى بعينها، يعود ذلك للمهمّة المشتركة التي كانت تحرّكنا كأفراد معاً، وتوجّهنا معاً. لذلك كان البعض يجعلنا موضع تنذر حين يرى حضورنا الملفت في مكان ما. لا يحضر الفرد منا لوحده بل يحضر مرتدياً غلافه. يلازمنا الغلاف في الإقبال على قراءة كتاب بعينه، أوالقراءة لكاتب بعينه، أو حضور فعالية أوندوة أو محاضرة، أو حتى مشاهدة فيلم بعينه.
نحمل من خلال الجماعة ردود فعل مشتركة تجاه القضايا المحليّة أو العالميّة. تتميّز ردود الفعل بالفتور أحياناً أو الانفعال أو الاعتدال أحياناً أخرى. تتفاوت شدة الحضور والغياب والانفعال بحسب ما تعنيه الأحداث بالنسبة للحلم أو الرغبة أو الجماعة.
صار الغلاف حاستنا. لم نذق مثلاً مرارة عقد التسعينات ( العقد المرّ)، لأن غلافنا لم يكن يتذوقه، لم يكن يستشعره.
كان لنا غياباً جماعياً ملحوظاً عن الاحداث المرّة التي شهدتها الساحة البحرينية خلال تلك الفترة، لم تكن الأحداث حاضرة حتى في حلقات نقاش جماعتنا إلا بالقدر الأقل، لم تكن تفاصيلها تعني شيئاً بالنسبة للحلم، لم تكن تتقاطع مع رغبة الجماعة، لم تكن ساحة خلاص نشهدها أو نشهد عليها، كانت كل تلك الأحداث تقع خارج عرف غلافنا واعترافه، خارج منظومته ومعطياته.
كنا نرى إلى الأحداث، بأنها اشتغال وقع فيه المخالفين والمحاربين، على نحو جعلهم ينشغلون عنا، عن المواصلة في النيل الآثم من "أمر الامام" المقدّس، كما عبّرت عن ذلك أختي الحركية الكبرى [8]ذات جلسة خلال اشتعال الأحداث.
الاحتقان الذي وقع بين الشارع والحكومة، أتاح لنا العمل في أجواء تستحضر الحلم بتوتر أقل وهدوء أكبر. جاء ذلك بعد سنوات صعبة قضيناها في تقلبات موجة دعاوي التكفير والتشهير والفتاوي المقاطعة والمحاربة التي اجتاحت الشارع الشيعي البحريني تجاه أفراد الجماعة. تسببت هذه الفتاوى في قطع الكثير من العلائق والصلات من قبل أقرب المقربين لبعض أفراد الجماعة. امتدت هذه الموجة منذ بدء ظهور أمر الجماعة للناس عام 1988 وخفّت مع بداية الاحداث التسعينية في البحرين 1994. عملت هذه الموجة على عزل الجماعة عن المجتمع بصورة عنيفة، كما هيأت لفصل هوية الجماعة عن عن هوية المجتمع بشكل قاطع وشبه نهائي. فكيف تعمّق كل ذلك؟
الناس النسانس
عمل الغلاف على تزويدنا كأفراد بهويّة موحدة فضلاً عن الحضور الموحّد، فالغلاف بقدر ما يضبط الأفراد ويوحدهم ويجمعهم معاً، فإنه يفاضل بينهم وبين غيرهم من الأفراد والجماعات الأخرى. هويّة الجماعة غلاف يفرِّق من أجل أن يُميِِّز. بقدر ما كان الغلاف يعمل على أن يمايز ويفاضل أفراد الجماعة عن الآخرين في الداخل، فإنه يسعى لأن يخفي هذه المفاضلة في الخارج "نحن يجب أن تكون لنا شخصية حقيقية غير الظاهرية التي نسير بها بين الناس والأهل (....) تكون كغلاف يمنع الناس عن رؤية ما نملك من شخصية حقيقية عاملة تمتلك كنوز الثقافة والأسرار"[9].
الغلاف هنا يعمل على عزل شخصياتنا الحقيقية عن المجتمع، لأن المجتمع الجاهل لا يستطيع استيعاب كنوز الثقافة والأسرار التي نمتلكها "جنوح عامة الناس عن الحق وعدم استيعابهم للكثير من المفاهيم التي يحملها خواص الأصحاب، جعلت هؤلاء الأصحاب في معرض الذم والاستنكار من جهّال الناس"[10]
الناس معرض ذم واستهجان، ومعاشرتهم تعرّض ما نملك من الكنوز للضياع والتحقير. يصلنا قول المولى" فالحذر الحذر من الناس، فقد أقل الناس وبقي النسانس [11]، ذئاب عليهم ثياب، إن استفردتهم خرموك، وإن استنصرتهم خذلوك، وإن استنصحتهم غشوك، وان كنت شريفاً حسدوك، وإن كنت وضيعاً حقروك، وإن كنت عالماً ضللوك وبدّعوك. فمعاشرتهم داء وشقاء، ومزايلتهم دواء وشفاء، ولا بد من أن يكون الداء مرارة وكراهة فاختر الدواء بمرارته وكراهته على الداء بغائلته وآفته"[12]
وفق هذا التحذير الشديد من شر أكثر الناس، تغلّفتُ ضد النسنسة والذئبنة، ووجدت نفسي تصدّ ( الصد بما هو فعل غلافيّ) عن إقامة أي علاقات جديدة، ووجدت حضوري يخف تدريجياً في علاقاتي القديمة، فما لي والاختلاط بنسانس وذئاب، ومالي أحتمل نظرات الحاقدين والمخالفين، ومالي أتعرّض والجماعة للخرم أو الخذل أو الشتم أو التحقير أو الحسد أو الضلالة أو الابتداع، ومالي أشغل نفسي بما يعيقني عن أن أختلي مستأنسة بالأرواح الطاهرة المتآلفة التي بقت مع الحق وإياه وعايشته وتحمّلته كما عايشه الإمام وتحمله وشربوا من كأس الحب ذاته.
بهذا صرت غلافاً داخل غلاف، غلاف صغير أدير من خلاله اتصالي وانفصالي وعلاقاتي ومشاعري وأحاسيسي وحبي وبغضي، وغلاف أوسع يدير عالمي الذي أعي من خلاله حقيقتي التي أعيشها في الداخل مقابل ظاهري الذي أسير به بين الناس، كما أعي من خلاله ظاهر الناس الذي يشبه الناس مقابل حقيقتهم التي تشبه النسناس.
هوية الغلاف
هويّة الجماعة غلاف يفرِّق من أجل أن يُميِِّز، هوية الفرد داخل الجماعة هي ذاته الموصولة بذات الجماعة فحسب، تعتقد بأنها متّصلة بحقيقة عليا مقدّسة يعاد إليها ويحال إليها ويشرب من كأسها، هذه الذات لا يعود يغريها الاتصال بفروع هويات أخرى نسناسية أو ذئبوية، فتصير هويتها غلافاً يفرق لا من أجل أن يمايز، بل من أجل أن يجعل الذات تمعن في ذاتيتها، وبهذا تصير الذات جماعة مكتفية بأصلها، جماعة في غير غيرها، جماعة فاقدة لصلتها بالغير، جماعة منبعثة في ذات، وتفتقد أن تكون ذاتاً متصلة بجماعة.
خارج الجماعة ليست العلاقة بالذوات الأخرى سوى ضرباً من المخالطة والمزايلة: "خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم"[13]. هذه المخالطتين، الظاهرية والحقيقية، تحيل الذات الجماعية إلى وجودين: وجود بدن ظاهر، ووجود عمل حقيقي، وتجعل من خطابها خطابين: خطاب لسان ظاهر، وخطاب قلب حقيقي، فتصير الذات الجماعية ذاتاً مزدوجة، تخفي وجهاً وتظهر آخر، تظهر بين الناس بوجود، لتعيش في داخلها وجود مغاير، فالمغايرة هنا ليس شيء آخر، بل هو وجه آخر، تخلعه كلما دخلت جماعتها وترتديه كلما خرجت.
الجماعة هنا تمثِّل المخالطة (بمعنى تظهرها)، لكن لا تتمثّلها، بهذا تصير المخالطة فعل عيش لا تعايش، فعل مصلحة لا تصالح، فعل تمثيل لا تمثّل.
لا تتداخل الجماعة مع الخارج إلا بمقدار ما يستدعيه حضور البدن، لا القلب.
أخطر ما تخشاه الجماعة هي أن تخرج ذات من ذواتها عن مخالطة الآخرين بالبدن، لتدخل في مخالطة القلب والعقل والفكر والروح.
هوامش
[1]، [3]، [5]، [6]، [9]، [10]مقاطع من النصوص الشارحة التي يتم فيها توصيل المفاهيم الخاصة بالجماعة وترسيخ أفكارها ومبادئها ونظمها.
[2] الوكلاء هم الخمسة الذين يمسكون بزمام الأمور في داخل "الأمر"، وهي شخصيات بارزة في التنظيم، هؤلاء الوكلاء يتولون تسيير شؤون الحلم والغلاف والجماعة.
[4] حوار مع رابحة الزيرة، علي أحمد الديري. حوار إلكتروني غير مطبوع.
[7] يمكن الرجوع إلى مفهوم الحلم كما ورد في الحلقة 2
[8] الأخت الكبرى، الأخ الأكبر، مصطلح يطلق على القناة التي يتصل الفرد من خلالها بالجماعة بشكل مباشر ومتاح في أي وقت، وعن طريقه يتلقى الفرد التوصيات والأوامر، وعن طريقه ينقل آرائه ومقترحاته لباقي الجماعة والوكلاء.
[11] في لسان العرب: النِّسْناس دابة في عِدادِ الوحش تُصاد وتؤكل وهي على شكل الإِنسان بعين واحدة ورجل ويد تتكلم مثل الإِنسان. وقيل النُّسُسُ هي الأُصول الرديّئَة.
[12] نص من الإمام المهدي أو من خاصة أصحابه.
[13] من أحاديث كتاب " يوم الخلاص" التي عملت في وعيي الجماعي، كما سآتي عليها في حلقة قادمة.
قراءات جماعية مكثفة لكل ما يثبت قداسة الحلم ويؤكد أحقيّة الغلاف وحقيقته..
· الذات، بين كِسر الفخار التي تعود كما كانت، وبين كِسر الفخار التي لا تعود
· كلما أوغل الخارج في الحرب، أوغل الغلاف في مطابقة واقعنا بروايات المؤمنين المنتظرين المبتلين..
جماعة " الأمر"وتشكّلات الذات
الحلقة 5
"يوم الخلاص" بين بشرى خلاص العالم وبشرى إخلاص الجماعة للحلم..
في الحلقة السابقة لا يحضر الفرد منا لوحده في أي عمل إلا مجتمعاً في غلاف. الغلاف بما هو نسق مشترك من القوانين والأعراف والممارسات الجمعية[1]، يلازمنا في الإقبال على قراءة كتاب بعينه، أوالقراءة لكاتب بعينه. توصيات من قيادات الجماعة، بقراءة مشتركة ومكثّفة لبعض الكتب التي فيها ما يؤكّد حقيقة غلافنا وأحقيته، ويثبّت يقين أمرنا وقداسته، ويجعلنا نذوب في الحلم أكثر وأكثر.
كتاب "بناء القادة في منهج أهل البيت" للشيخ محمد فورزي كان من أوائل الكتب التي طالعناها بشغف شديد، عمل هذا الكتاب على تهيئة أرضيتي للطاعة المطلقة من خلال الرويات التي ينقلها التراث الشيعي حول التسليم المطلق عند خاصة أصحاب أهل البيت. ثبّتت هذه الروايات عندي أيضاً مفهوم الشخصية الظاهرية للمؤمن التي تخفّي شخصيتة الحقيقية، وذلك على النحو الذي تناولته في الحلقة السابقة تحت مفهوم (المخالطة والمزايلة).
من جهة أخرى عملت كتب السيد حسن الأبطحي التي كنّا نتلقفها بشغف ولهفة خاصين، على تعزيز ما تأسست عليه فكرة الجماعة، كون الامام المهدي يتصل بخاصة أصحابه ويقوم بتسيير شؤونهم وحاجاتهم الخاصة، وكونهم – الخاصة- مجهولون بين الناس، ولهم ظاهر بسيط يخفي ما يملكون من كنوز المعرفة، على نحو لا يكاد يعرف أو يلاحظ بين الناس.
كتب الأبطحي كان لها حضورها الخاص داخل الجماعة لما تحوي من مزج بين الروح والغيب وبين حضور الامام المهدي. "اللقاء مع الامام صاحب الزمان"، "بين يدي الاستاذ"، "سير إلى الله"، "عالم الأرواح العجيب"، "معراج الروح"، كتب قرأتها بنفس العاشقة المتلهفة للحظوة والحضور والتشّرف باللقاء. بعض هذه الكتب لم يكن قد ترجم عن الفارسية بعد، إلا أننا كنّا نحرص على اقتناء هذه الكتب وطلبها من الجمهورية الاسلامية في إيران، ليقوم بعض أفراد الجماعة من ذوي الأصل الفارسي بترجمتها إلى العربية.
كتاب "الجزيرة الخضراء ومثلث برمودا" لناجي النجار، أيضاً آخر من الكتب الذي جعل من أرضية الخروج (فأعدوا للخروج إعدادكم للمحافل)، أرضية خضراء داخل نفوس أفراد الجماعة، ونظريته التي تجعل من مثلث برمودا جزيرة الامام المهدي، لاقت رواجاً وترحيباً في نفوسنا كأفراد – دون أن يتم التأكيد على صحتها من قبل الوكلاء[2]-. شخصياً وجدت في هذه النظرية بشارة تظهر أن إعداد الإمام لخروجه، يقوم وفق خطة متكاملة يرعاها الامام بكل تفاصيلها وتشعباتها، بدءاً من إعداد الأفراد المنتشرين في مختلف بقاع الأرض، وانتهاء بالإعداد التكنولوجي الذي يفوق قدرات البشر العادية كالأطباق الطائرة التي صورها الكتاب.
تلك بعض الكتب التي مهدت لتشكيل وعيي الجماعي داخل غلاف، وعملت على تعزيز عدد من المفاهيم الخاصة والمعتقدات التي أسّست هذا الوعي منذ بدايات انضمامي لهذه الجماعة وخلال خط سيري في داخلها.
الولاء للجماعة
تعمل الجماعة على تحويل حلمها إلى حقيقة، وتستعمل في ذلك طريقاً تراه نافذاً لإقناع أفرادها بحقيقة ما هي/هم عليه، ولتثبيتهم فيما هم ماضون عليه. تستنهض الجماعة كل ملكاتها لجعل أفرادها، ينخرطون في الحلم ويمضون إلى داخله بقوة، دون أن يحدثوا أي دوائر تزعج القاع الذي استقر فيه الحلم في داخل نفوسهم.
لذا توظّف الجماعة أدوات التبليغ والاستقطاب والتثبيت، التي تستقيها من مخزونها الأقرب إلى قناعات أفرادها ومسلّماتهم وبدهيّاتهم، وفي هذا تقوم بإنتاج ما به تشرعن وجودها وتؤسس لاستمراره.
الجماعة الوسيلة
تعمل الجماعة على زيادة يقين أفرادها بحقيقة حلمها، كما تعمل على ردع أي تضارب أو اختلاف في الرأي يأتي من الخارج أو من الداخل، ذلك أن الجماعة غلاف يتشكّل على أساس رغبة صعبة ذات طابع خلافيّ، ولو لم يكن طابع رغبتها خلافياً، لما كانت رغبتها صعبة، ولما تشكّلت جماعتها.
تدعم هذه الجماعة حلمها منطلقة من قيمتين، القيمة "الغاية" وهي: نصرة الإمام المهدي عند خروجه، وهي قيمة لها حضورها عند "معاشر شيعتنا"، وتتحلى بتأثير قوي قادر على استمالة واستقطاب جمهور عريض من الشيعة.
لكنها، أي الجماعة، تدعم حلمها بقيمة أخرى هي "الوسيلة"، وهي التمهيد لنصرته، وترى أنها هي نفسها "الوسيلة". وحول هذه "الوسيلة" يدور الاختلاف والتعارض والتضارب مع باقي الجماعات الدينية الشيعية في البحرين. ورغم كون القيمة "الوسيلة" تصب في القيمة "الغاية"، إلا أن هذه الوسيلة هي موضع الاختلاف الذي استدعى من المجتمع محاربة قوية من المجتمع لهذه الجماعة، كما استدعت أيضاً، أن تعمل هذه الجماعة على تثبيت أفرادها في داخلها بقوة، والعمل على تكريس ميلهم إلى داخلها أكثر وأكثر.
بدأت جماعة "الأمر" بتوظيف المخزون الديني الشيعي–باعتباره أحد أهم دعاماتها في داخل جماعتها- لتثبِّت به صحة "وسيلتها" وصدقيّتها، ولتكوِّن وعياً جماعياً لدى أفرادها، مفاد هذا الوعي هو أنها ضحية جهل المجتمع ب"الغاية"، وأن ما أصابها من حرب وإقصاء ما هو إلا قليل من كثير موعود به، مما هو مثبت في الأحاديث النبوية والروايات الواردة عن أهل البيت، التي يحتفظ بها التراث الشيعي في كتبه ومراجعه الموثوقة والمؤتمنة.
يوم الخلاص
كتاب يوم الخلاص، الذي حقّقت طبعاته مبيعات خيالية خلال الثمانينات من القرن الماضي، وكانت طبعاته كما يؤكِّد مؤلفه، تتلقَّفها الأيدي لتنفذ خلال أشهر قليلة من نزوله في الأسواق (الطبعة الأولى 1979)، جاء في فترة تاريخيّة حسّاسة، تمكّن فيها الإسلام السياسي الشيعي من تحقيق انتصاره في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وانتشر في تلك الفترة الاعتقاد بأن السيد الخميني، قائد الثورة الإسلامية الإيرانية، يتلقى تسديدات غيبية من الإمام المهدي الذي سدّد هذا الانتصار وباركه. كما برزت كتب تعزِّز هذه الرؤية، ربما كان أهمها كتاب "ملائكة الغيب قادمون" الذي عمل أيضاً على استحضار الإمام المهدي في الوعي الشيعي بين صورتي الغائب الحاضر، والبعيد القريب، والمحتجب المتابع عن كثب.
يضمّ "يوم الخلاص" عدداً كبيراً من الأحاديث والروايات التي ينقلها التراث الديني الشيعي عن أحداث آخر الزمان، وأحوال الناس في هذا الزمان، وقد صار بهذا مرجعاً تعود له عامة الناس، كما علماءها، في رصد علامات آخر الزمان، ومن ثم تقريب هذا الزمان من زمنهم الذي يعيشون، مواساة لأنفسهم بقرب الخلاص، وقرب نهاية الظلم الواقع على الإنسان، عبر مطابقتها وقراءتها وربطها بما هو طي الكتاب من أحاديث وروايات.
ولأن الروايات تتحدث عن الظلم الواقع على العالم بشكل عام، وعلى الجماعة الشيعية بشكل خاص، فقد انتشر بين الأوساط الشيعية حتى كاد أن لا يخلو منه بيت شيعيّ، وأصبحت مطابقتهم بين حالهم وأوضاعهم وما يقع عليهم من ظلم متمثل في سلطة أو غيره، وبين ما تشابه معها مما ورد ذكره في الروايات، أمراً حتميّاً، باعتبار أن كل ما ذكرته الروايات هو من علامات الظهور، وأن العصر الذي نحن فيه هو عصر الظهور.
كل حدث نمرُّ به، صارعلامة من علامات الظهور، كل إشارة ترد علينا، صارت تحمل دهشة المطابقة، وكل معاناة تصيبنا أصبحت تأكيداً للظلم الواقع آخر الزمان.
أصبح الظلم نذير خلاص، والظلام رجاء انتظار، والكرب دعاء بتعجيل الفرج. كلما همًّ همُّ الدنيا الظالمة في القلب، وجد القلب الحزين له في "يوم الخلاص" مواساة تبشره باقتراب ساعة الخلاص.
نحن ويوم الخلاص
في داخل الجماعة، كما في داخلي، كانت كل رواية علامة لنا، علامة على بلوغ حلمنا، علامة على صدق قهرنا، علامة على ضرورة غلافنا، علامة على خالص خلوصنا، علامة قرب خلاصنا، " فكل شيء يتحول إلى إشارة أو نذير لمن يترقب، ويستعد للانبهار، ويتهيأ للتأويل، ويتحضر لتوهّم التطابقات والتشابهات"[3].
كلما حاربنا المجتمع الديني، كلما قاطع، كلما أسقط، كلما اتهم، كلما تقوّل، كلما آذى، ازددتُ يقينا أننا نحن المؤمنون المبتلون المعنيون في آخر الزمان، أننا نحن المخلِصون المخلَّصون، أننا نحن المحتقرون المُذَلّون المهانون المحزونون، أننا نحن الخيرة المصطفاة، أننا نحن الأنذر الأنذر، أننا نحن الكبريت الأصفر، أننا نحن الباقون حين يخرج من هذا الأمر أكثر القائلين به، أننا نحن من يعضّ على جمر الغضا، أننا نحن الكحل الذي يبقى في العين، أننا نحن ما يبقى من الملح في الطعام.
كل هذه الإشارات التي تحملها الروايات رأيناها تؤول حالنا وتتماهى معه لدرجة التطابق، كان كتاب يوم الخلاص –الذي اعتبرته مرجعي الذي يلازمني في قيامي وقعودي إبان اشتعال أحداث المقاطعة- يقول لنا الكثير، كانت رواياته تأتي لتحول مفاهيم الزمان والمكان والجمع والمؤمنين والمبتلين والمعذبين، ولتضعها جميعها في سياقاتنا، لتنطقها بلسان حالنا، لتجعلها تعيش اللحظة فينا، وتستقي أحداثها من الأحداث الواقعة علينا، وتأخذ مسارها من مسار "الأمر" فينا.
هكذا أوَّلت الواقع بقراءتي التي كانت تقرأ من خلال الجماعة، وأبهَرَتني المطابقة بين ما كنت أقرأ وما كنت أرى..
طابقناه بالحلم حين جعلنا من زمن الروايات زماننا وجعلناها شاهدة على هذا الزمان، وعلى أشخاصه، وعلى أحداثه، وعلينا نحن.
التأويل حسب بول ريكور "هو جعل ما هو بعيد في الزمان والمكان والثقافة، قريباً". لكن تأويلنا طابق الزمان والمكان وجعله حقيقة ويقيناً لا يرقى إليه الشك، فتحول فينا تثبيتاً، واستمالة بنا، من خارج يزخر بالمبطلين المظلين الجاهلين الكثرة (المجتمع)، إلى داخل قلة أفراده المتقين المؤمنين المبتلين (الجماعة).
فعل المجتمع الذي أراد إبطال عقيدة الجماعة، والميل بأفرادها عنها بالمقاطعة والمحاربة، أنجز شيئاً معاكساً داخل معظم أفراد الجماعة، وحَّد هذا الفعل بين شواهد روايات الخلاص، وبين مشاهد فعل المجتمع فيها، وطابق بين سياقاتها وسياقات الحلم والرغبة، وسياقات انتظار الخلاص بالموت " إن أمر المهدي كالموت الذي نفر منه سواء بسواء"[4].
روايات الخلاص
من الروايات التي استأنست بها الجماعة واستحضرتها بقوة وتمثلتها في ذروة اشتعال الموجة الدينيّة الشيعيّة عليها:
§ " عندها يذوب قلب المؤمن –بالحلم- في جوفه كما يذوب الملح في الماء" [5]
§ "المؤمن يمشي بينهم بالمخافة، فإن تكلم أكلوه، وإن سكت مات بغيظه"[6]
§ "خالطو الناس بألسنتكم وأبدانكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم، فوالذي نفسي بيده، لا ترون ما تحبون –بلوغ الحلم- حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض – وهو ما حدث بالفعل لبعض أفراد الجماعة-.."[7].
§ " يكون المؤمن –بالحلم- محزوناً محتقراً لا يستطيع أن ينكر إلا بقلبه"[8].
§ " والله لا يكون ما تمدون إليه أعناقكم – بلوغ غاية الحلم- حتى تمحصوا ولا يبقى منكم إلا الأندر الأندر".
§ " والله لتكسرن كسر الزجاج، وإن الزجاج ليعاد فيعود كما كان. والله لتكسرن كسر الفخار، وإن الفخار لا يعود كما كان"[9]
بهذا جسّدت الروايات حالنا، أو هكذا كنا نرى أنها فعلت. الروايات البعيدة في سياقها ومكانها وزمانها، صارت واقعاً تخفّفُ علينا، تصف حالنا، تواسينا، توصينا، تحدّثنا، تمحّصنا، تحذّرنا.
وتعمل مقولة "التكسير" -التي حُفرت في ذاكرتي بشكل خاص وكان لها وقعها الخاص- على تقليب أفراد الجماعة بحذر ممزوج بتوتر، بين كسر الزجاج الذي يُعاد فيعود كما كان، وكسر الفخار الذي لا يعود كما كان.
تمثّلي لهذه المقولة، مارس دوراً ليس في استمالتي وتدعيم وجودي في داخل الجماعة فقط، بل في تكسير أي رغبة عندي في التحرك خارج إطار الغلاف وحدوده خوفاً من التعرّض للكسر، فالتكّسر هنا كما فهمته انحراف وضياع، ومن ينحرف قد يعود بجهد ومشقة (كما يعود الزجاج) وقد لا يعود أبداً (كما لا يعود الفخار).
واللا عودة كما أفهمها هنا هي انحراف عن مسيرة الوسيلة، هو انحراف عن بلوغ الغاية والحلم والرغبة والاستحالة، هو تعالي على القدس، هو جري إلى الوراء، هو (كُلّ) على الإمام " فلست لمن ليس لي، فمن لم يكن كلّه لنا، كان كلّه علينا"[10].
يتكسّر الفرد حين لا يكون غلافاً، وعندها يصير فخاراً، لا يعود ابداً كما كان..
[1] راجع مفهوم الغلاف في الحلقة السابقة
[2] الوكلاء هم الخمسة الذين يمسكون بزمام الأمور في داخل "الأمر"، وهي شخصيات بارزة في التنظيم، هؤلاء الوكلاء يتولون تسيير شؤون الحلم والغلاف والجماعة.
[3] أمين معلوف، رحلة بالداسار، ص11
[4] كامل سليمان، يوم الخلاص.
[5] انظر: كامل سليمان، يوم الخلاص، ص222
[6] المصدر نفسه، ص222
[7] المصدر نفسه، ص240
[8] المصدر نفسه، ص222
[9] المصدر نفسه، ص238
[10] أحد النصوص التي وردتنا عن المولى.
· عندما بلغت حصاتي أعماق البحيرة العجيبة، صارت هادئة ساكنة مثلها..
· بالأوامر تتهيأ الجماعة لبلوغ الحلم، وبالطاعة تسكن في عمق البحيرة.
· وحده الحلم يلقنني ماذا أسال وكيف أسأل وفيم أسأل..
· الحصاة..
الحصاة الصغيرة هي أنا في بداية تجربتي مع جماعة "الأمر"، أنا بدوائرها، أنا بأسئلتها.. ثم أنا بهدوئها، أنا القابعة في عمق البحيرة، أنا الجماعة، أنا المغلّفة، أنا الحالمة، أنا المؤتمرة، أنا المستجيبة، أنا المطيعة، أنا غير القابلة للكسر..
تخشى الجماعات تكسُّر قناعات أفرادها بالسؤال، فتعمل على تلحيمها، بكسر عنق السؤال.
كالتي هربت بعينيها
الحلقة 6
سكون في عمق البحيرة
مقولة التكسير في الحلقة السابقة " والله لتُكسَّرن كِسَر الزجاج، وإن الزجاج ليعاد فيعود كما كان. والله لتُكَسًّرن كِسَر الفخار، وإن الفخار لا يعود كما كان"، عملت على إبقائي في صورةٍ "قابلةٍ للكسر" و غير "قابلةٍ للمسّ" كتلك العبارة التي تكتب على المعروضات الثمينة خوف تعرضها للكسر أو للتلف.
تكسّرت عندي كل رغبة في التحرك خارج إطار الغلاف، أو الإنطلاق خارج ممره الآمن(1)، أو التفكير فيما خرج عن منظومته المخلّصة..
تكسّرت في داخلي كل حركة قد تزعج هدوء البحيرة أو تقلق طمأنينتها وسكونها..
في هدوء البحيرة
"عندما رماني الله حصاة صغيرة في هذه البحيرة العجيبة، أزعجتُ هدوءَها بأن أحدثتُ على سطحها دوائر لا يُحصى عددها، لكني عندما بلغتُ إلى أعماقها، صرتُ هادئة مثلها"(2)
عبارةٌ أعجبتني بالقدر الذي صرت أتمثلها بزهو كلما استجد عليًّ أمر، أتمثلها في معرض الإشادة، بقدرة هذا "الأمر" على تطويع حصاتي المزعجة، سريعاً، ساحباً إياها إلى عمق البحيرة.
أشيد بهذه العبارة في معرض الفخر، بأن حصاتي التي كانت متمردة بجهلها، مقاومة سلطة الضبط، سرعان ما سَلّمت، بعد أن عقِلت عمق الحلم، وذابت في يقين الغلاف.
الدوائر التي أحدثتها هذه الحصاة بداية ورودها سطح الجماعة، بتساؤلات جهلها وسطحيتها، وجدالات لا معرفتها المُعيبة، ومناقشات لا يقينها القاصر، خمدت، حين توغلت في سر الجماعة، واشتركت في خصوصية أمرها، وولجت عميق حلمها، وحملت عظيم أمانتها، ولبّت فاضل رسالتها.
بمثل هذا الهدوء فقط، تُكّرِم الحصاة الصغيرة، الأوامر الشريفة العظيمة، وتستقبل النصوص المقدّسة، فتعقل الحلم، وتبلغ العمق المقدّس.
أليس قد بلغ حصاتي أن "تكريم الأوامر الشريفة وإنزالها منزلتها هو أن لا تستعمل قبالها " كيف" و"لماذا" و"ما بال"، فإنك بهذه التساؤلات إنما تزعجها وتزلزلها من مستقرها وتستعد لطردها(3).
أليس قال المولى: "الأوامر يجب أن يكون لها باب استقبال ودار تشريفات نقاء في الفؤاد لتحتضنها المحبة الراسخة لأهل البيت (ع) احتضان الطير لبيضه، فيصدر عنها الطاعة العمياء، وإن مقدار ما تؤدي فإنما هو مقدار وتعبير صدق ما تحب"(4).
الحصاة الصادقة في محبتها إذن، هي تلك التي لا تزعج هدوء البحيرة بأسئلتها وفضولها المعرفي، هي تلك التي تسلّم بأمر الرؤيا وتستجيب لها مطلقاً، "فليس في هذا الأمر إلا الطاعة العمياء"(5) والطاعة هي إحدى المبادئ الأساسية التي يؤديها الفرد أول دخوله الأمر، مع نطقه للقسم " أقسم بالله جهد أيماني أن الطاعة والولاء لكم" (سآتي على تفصيله في حلقة قادمة)
طاعة الحصاة
لكن ما هي حدود الطاعة في هذا "الأمر"؟
يحق للفرد إبداء رأيه فيما يسمّى بالتوجيهات العامة أو المقترحات أو التوصيات، وهي ما يأتي بغير صيغة "الأمر" من قبل الوكلاء أو القريبين منهم. لكن لا يحق للفرد بأي حال من الأحوال إبداء الرأي فيما يصله تحت مسمّى "الأمر"، وهو ما يصدر مباشرة من الإمام أو من مجموعة الوكلاء.
في حالة صدور "الأمر" يجب على فرد الجماعة الاستجابة الفورية، دون إزعاج بحيرة هذا "الأمر" بإبداء الرأي أو السؤال.
" إمامنا القائم أعلم من سائر الناس في زماننا، والرابطة أعلم الحركة من سائر الأفراد، فإذا تلقّت الرابطة توجيهات الإمام وتلقت المعلومات المرفوعة إليها من قبل الأفراد ثم أصدرت أمراً، أليست هي في هذه الحالة أعلم بما أمرت من غيرها؟ ولو أن مُخْلِصاً نوى راضياً وتأمل هذا التأمل لكفاه، وحجزه عن إبداء رأيه"(6).
توضح الشروحات حدود الطاعة الواجبة في داخل "الأمر"، "نقرأ جميعاً قوله سبحانه: فلما بلغ من السعي قال يا بني أني أرى في المنام إني أذبحك، فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين، نقرأ هذه الآية ونقول إن إبراهيم وإسماعيل أطاعا ربهما طاعة عمياء. وإسماعيل "ع" نعرف طاعته العمياء في سرعة الإجابة: يا أبت افعل ما تؤمر، والتصديق بالرؤيا لأنه اعتبره أمراً "ما تؤمر" ولم يثر في وجه هذا الطلب الغريب تساؤلاً أو اعتراضاً، فإنما هو عبد ليس له إلا الطاعة(7).
لم يكذّب اسماعيل الرؤيا بل صدقها وتهيأ لها، لم يُبدِ إسماعيل رأياً أمام أمر الرؤية، ولم يسأل كيف ولماذا وما بال، بل كان جوابه صبراً: يا أبت افعل ما تؤمر..
كيف لحصاتي إذن أن تتعالى على رؤى "الأمر"، أو تزعج "أمر" الرؤى، كيف لها أن لا تترقب أوامرها بايمان يشبه إيمان إبراهيم، وبتسليم يشبه تسليم إسماعيل، لم يعد لحصاتي إلا الطاعة، لم يعد لها أن تبدي، حتى بين طيات هواجسها الداخلية، أي ريبة أو شك، بل أي رأي أو وجهة نظر..
صار "الأمر" بالنسبة لي أمراً كلّه، ليس فيه إلا الطاعة.
التوصيات والتوجيهات والمقترحات التي لا تحمل مسمّى "الأمر" صارت ترد في داخلي مورد "الأمر"، أتلقف النصيحة بإيمان الأمر، وأسلّم بالرأي تسليمي للأمر، بل لا يكاد أن يردني رأي باسم الوكلاء، حتى يسري فيّ سريان الأمر غير القابل للرد أو النقض أو الاعتراض.
صار اسم "جماعة الأمر" ، لا يعني بالنسبة لي فقط أن جماعتنا تشكّلت بأمر خاص من الإمام، بل صار يعني أن جماعتنا ليس فيها إلا الطاعة، كل ما يأتينا من (فوق(8) إما أن يكون أمراً وإما أن يقوم في نفوسنا مقام الأمر.
بالأوامر تتهيأ الجماعة لبلوغ الحلم، وبالطاعة تسكن في عمق البحيرة.
ثورة الجماعة
الجماعة فوق الشك، فوق السؤال، فوق مس الجذور، فوق شعار "ثورة ثقافية تبدأ من الجذور"(9)، فوق إطلاق أي ثورة.
قد تتبنى الجماعة ثورة ثقافية، كما تفعل الآن من خلال مشروع جمعية التجديد(10) عندما نطق السراة"، فتطلق ثورة ثقافية تبدأ من الجذور. قد تمسّ هذه الثورة جذور كل ما يقع خارج الجماعة، تزلزل أصوله، تقتلعه أو تبيده، يمكن لهذه الثورة أن تمسّ كل شيء، أن تزعج أية ثقافة لا تتناسب معها، أن تحدث دوائر مزعجة على سطح أي فكرة، أن تضرب في عمق أي بحيرة تشتبه في تحريفها أو تزييفها أو انحرافها أو ضلالها أو أو (11)، أن توترها.
لكن هذه الثورة لا يسمح لها أن تقترب من الجماعة، أو أن تمسّ جذورها، فأمر الجماعة لا يمسّ، حلم الجماعة لا يمسّ، رحم الجماعة لا يمسّ، رغبة الجماعة لا تمسّ، خلاص الجماعة لا يمسّ، غلاف الجماعة لا يمسّ، بحيرة الجماعة لا تمسّ، كل ما التصق بالجماعة لا يمسّ، ولا يسمح بإزعاج هدوء يقينه وتسليمه.
في داخل الجماعة ليس إلا السكون في يقين الحلم..
بهذا اليقين، كفتّ حصاتي عن أن تطلب معرفة تضاد معرفتها ويقينها، "اليقين قرار بعدم الحاجة إلى المعرفة"(12)، فلا حاجة بحصاتي إلى معرفة تخرجها عن معرفتها، تخرجها عن يقين حقيقتها.
فقدت حصاتي خاصية التفكير..
"ما هو شيء يفكر؟ إنه شيء يرتاب، يعني، يتصور، يقرر، يريد ولا يريد، ويتخيل أيضاَ ويشعر"(13) ديكارت.
الأمر ليس كذلك فيما يخص الأمر..
"كل شيء سيعطى في وقته"، "ستعرفين حين تكوني بحاجة إلى المعرفة"، "لا تسألي فيما قد تسيئك معرفته الآن"، "الأمانة التي نحملها فوق السؤال"، "التسليم أن تأخذي ما يأتيك دون أن تسألي".
وحده الحلم يلقنني ماذا أسال وكيف أسأل وفيم أسأل..
هكذا تأجلت معرفتي، تحولت إلى تفاصيل غائبة في الحلم، حتى يأذن لها الحلم بكشف، والكشف يكون بمقدار ما ألج بذاتي إلى عمق البحيرة، فهناك أرى ما لا يراه الرائي على السطح.
نحو عمق البحيرة توجهت، وعندما بلغت العمق فقط، سكن سؤالي، وسكنت معرفتي، وسكنت حقيقتي، وسكن يقيني، وسكن عالمي، وسكنت رغبتي، وسكنت أنا بحيرتي المقدسة، وصرت هادئة كروح الحلم المقدسّ حتى عام 2002..
تكسُّر ما لا يعود
في صيف2003، حين عادت حصاتي تحركها تيارات مائية هنا وهناك، وقد بدأت تعيش حيرة معرفية تحاول إعادة تشكيل قناعاتها. أثرتُ في المنتدى الحواري الالكتروني الخاص بالجماعة " الميزان"، موضوعاً تحت عنوان "تطاول السؤال"، تناولت فيه ضرورة أن نقوم بمساءلة قناعاتنا لتحريرها من الكثير مما يعتريها من المغالطات والاستيهامات.
كنت حينها أدير الحوار بقناعة فكريّة بسيطة جداً، وبتحفظ شديد، وحذر مبالغ فيه، من تطاول يمكن أن يمس مسلّمات " الأمر" وبدهياته. كان بدأ في داخلي إلحاح ورغبة خفية (لم أعلنها صراحة) أن أحرك موجات سؤالية عن أمور من الداخل ما زالت غامضة على أكثرنا، رغم كل ما عاصرناه وقضيناه في الأمر من سنوات. تساؤلات حول كيفية تشكيل هذا الأمر، وكيفية تلقّي النصوص والمكاشفات، وحول العالم الغيبي الذي نحيط أنفسنا به، كانت مثل هذه الأسئلة أقرب للمحرّمات في بدايات التشكيل، لكن لا يمكن أن تبقى هكذا بعد ما يقارب العقدين من الزمن على تأسيس الجماعة، وبعد أن تغيرت الإستراتيجية التي تتبناها الجماعة، وتحولها من جماعة دينية تنشد الخلاص، إلى مؤسسة مدنية تحمل شعار التجديد.
لكني لم أكن أجرؤ أن أبدأ بهذه الأسئلة حينها، بل بدأت بجرأة متواضعة (كوني لا أزال محكومة بإطار الغلاف)، تطلب فقط أن يُسمح للسؤال، أن يَعبُر فينا دون خوف من سقوط يشبه سقوط الزجاج والفخار، ودون اتهام بإحداث دوائر تشكيك في اليقينيات والثوابت التي لا تمسّ، بل من أجل تقديم فهم أوسع وأعمق لمعتقداتنا وآرائنا حتى نتمكن من جعل يقيننا عقلانياً لا غيبياً.
ردود الفعل جاءت معظمها على شكل غلاف، كانت المداخلات متحفظة وتحمل شيئاً من الاستنكار، رأى البعض في الآسئلة تمهيداً لخرق يقين الجماعة.
إحدى الأخوات أعربت عن استيائها من الموضوع، إلا أنها، كما غيرها من المشاركين، أبدت مرونة واستعداداً فيما يتعلق بمساءلة قناعات المجتمع وضحدها أو نفيها أو محوها أو تغييرها أو تحويلها.
ردود الفعل هذه جعلتني استدرك أن لا أثير حساسية الغلاف أكثر، فتراجعت قائلة أنني أعني مساءلة اليقينات التي ترسّخت فينا بفعل المجتمع، وليست تلك "الخاصة بنا وبجماعتنا"، حينها خفت لهجة الاستياء، "أنا أخذت الكلمات المكتوبه على صياغتها وعلى اعتبار أنها كتبت في منتدانا الميزان لقارئيه (وهم من) أحبتنا الملتحمين معنا في الفكر والانتماء، لا أنها يقصد بهاالمجتمع العام والخارجي. ولذلك كان ردي هكذا". بهذا عقبت الأخت المستاءة.
طال الحوار، تباينت ردود الفعل والاستجابات..
في نهاية الحوار، جاءني رد شفوي "إذا كنت تعيشين شكّاً، فلا تسقطي الآخرين معك في الشكوك"..
هذه العبارة، جاءت بمثابة الأمر بالنهي عن تطاولي في التطاول، وبمثابة الأمر بالتوقف عن الاستمرار في إحداث دوائر مزعجة على السطح، أو توتير أجواء العمق الملتحم..
فصمتُّ ..
يخشى الغلاف السؤال، لأن السؤال فعل تكسير، والغلاف فعل ضبط وتلحيم..
تخشى الجماعات تكسُّر قناعات أفرادها بالسؤال، فتعمل على تلحيمها، بكسر عنق السؤال.
(1)راجع حلقة 3
(2)قرأت هذه العبارة في نهاية الثمانينات ولا أذكر مصدرها، وقد كنت وضعتها في كتيب صغير ملأته بالعبارات التثبيتية، والتي كانت تزيد من ايماني بالحلم، وتعطيني حماساً وايماناً.
(3)أحد النصوص الشارحة..
(4) المصدر السابق.
(5)أحد النصوص الشارحة.
(6) المصدر السابق..
(7) أحد النصوص الشارحة.
(8) فوق تعبير يستخدم في داخل الجماعة يرمز إلى كل ما يصدر عن الوكلاء.
(9) جمعية التجديد السقافية، رؤيتنا، WWW.TAJDEED.ORG (http://www.TAJDEED.ORG)
(10) جمعية التجديد الثقافية، هي المؤسسة المدنية لجماعة الأمر.
(11) راجع موقع جمعية التجديد الثقافية، رؤيتنا، WWW.TAJDEED.ORG (http://www.TAJDEED.ORG)
(12) أدونيس، مدارات ، جريدة الحياة
(13) علي حرب، أصنام النظرية وأطياف الحرية، ص33
الجماعة تؤكد نفسها بالقدر الذي تعتزل فيه الغير، أو بالقدر الذي تختلط فيه بالغير دون أن تعتقد بوجوده فعلاً، ودون أن يؤثر وجوده على تشكيل سلوكها..
· وحده السور، هو الوجود الفاضل الخيِّر، هو الحلم والرغبة المقدّسة معاً، هو الخلاص. والوجودات الأخرى محض لعب وسوء، محض فضالة
جماعة الأمر وتشكّلات الذات
الداخل الفاضل والخارج الفضالة
الحلقة 7
في الحلقة السابقة، بدأ كسر عنق سؤالاتي، التي ظهرت وكأنها تمسّ جذور الجماعة، وبدأ توتر يرتسم على سطح بحيرتي، دوائر تكبر دون أن يسعها سطح البحيرة..
حصاتي التي أخذت تتردد متنقلة بين داخل البحيرة وخارجها، وتنشد معرفة تصل عمق البحيرة بسماء خارجها، وتأمل أن تفتح أفق البحيرة على فضاء خارجها، بدأت تتعرض لتحذيرات من خطر الخارج، إنه اللعب بالنار، أو اللعب مع النار.
كيف صورت لي الجماعة هذا "الخارج"؟ وكيف تنظر الجماعة لهذا "الخارج"؟
في هذه الحلقة أتناول مفهومين أساسيين سيكونان مفتاحي لفهم "الخارج" كما تراه الجماعة وكما تقدمه، المفهومان هما : السور ،والفضالة ..
السور
سور الجماعة كما أقدمه هنا هو حائطها (الشريف) الذي يفصل بينها وبين الآخرين. يميز هذا السور بين من ينتسبون لفاضل طينة الجماعة (الذين يشاركونها الحلم والرغبة) وبين من لا ينتسبون لفاضل طينتها (الذين لا يشتركون معها في الحلم والرغبة).
ينظر السور إلى الخارج على أنه سوء، لذا، فهو يحمي داخله من الاختلاط به أو الانفتاح عليه أو التداخل معه
الفُضَالة
الفضالة في اللغة هي البقية وكل ما فضل من شيء. ترى الجماعة إلى وجودها أنه وجود خاص، مبارك وشريف وفاضل. أما الوجودات الأخرى فهي وجوات غير مخصوصة بالشرف وغير محاطة بالرعاية القدسية المباركة. هذه الوجودات لا تحمل رسالة الجماعة العظيمة ولا تسير بمسيرتها الفاضلة، كلما ابتعدت الوجودات الأخرى عن حلم الجماعة ورغبتها، صارت وجودات فارغة لا قيمة لها ولا معنى، صارت وجودات لعب وسوء. من هنا أفهم رؤية الجماعة إلى هذا الوجود بأنه وجود فِضَالة..
خارج السور
"حلمت وكأني كنت واقفا على حافة سور، أتفقد من هم في الداخل وارقب من هم في الخارج.
افتقدتك في الداخل، ورحت أبحث عنك بين الجميع، فلم أرك.
سألت الجميع: أين ذهبت؟ لا أرى لها وجوداً في الداخل ؟
قيل لي: ليست في الداخل. خرجت تلعب مع صبية لغة!
نزلت غاضباً ورحت أبحث عنك في الخارج وأنا أقول: الويل لمن يمسها بسوء!"
كتب لي (أحد وكلاء الجماعة) في 2003([1]).
السُّورُ في المعجم هو حائط المدينة، وهو عند العرب أَشرف الحيطان([2])..
يحمي السور امتزاج سيرة المدينة بسيرة باقي المدن، ويمنع اختلاط جنس المدينة بجنس باقي المدن. يخشى السور تهدّد أصول المدينة فيعمل على حفظ هويتها نقية.
لذا اعتبرته العرب أشرف الحيطان، فالعرب تنظر إلى عروبتها قِوامَةً تميزها عن غيرها، وترى أصلها شرفاً تتفاخر به. فكأن السور يحافظ على نسبها الأصيل من أن يتهجّن تهجناً غير أصيل، بتزاوجه أو امتزاجه بنَسَب أقل شرفاً منه.
من هنا يمكن أن نفهم سور جماعة "الأمر" بأنه شرفها.. شرف الاختصاص ب"الأمر" المقدّس، شرف الانتساب إليه، شرف التحصّن به، شرف التمسّك به، شرف التسليم به، شرف الطاعة له، شرف التحرّك من خلاله، شرف الاكتفاء به، شرف الانكفاء فيه، شرف السكون في قاع بحيرته..
أما خارج السور فليس ثمة شرف مقدّس يميّزه..
حارس السور، هو ذلك الواقف على حافة السور، ليحمي الداخل الشريف من الاختلاط بالخارج غير الشريف.. لعل هذا ما دعى (الوكيل الحارس) على تفقّدي في الداخل، وهو أيضاً ما به حكم على وجودي في الخارج، بأنه محض لَعِب..
فليس خارج السور إلا اللعب..
هذا الوجود، كما صوره حلم (الوكيل الحارس)، هو وجود لاهٍ لعوب، فكلمة "تلعب" في العرف العام، تحيل على اللهو وطلب المتعة وفي أحيانٍ كثيرة، تحيل على الاستهتار..
هذا الوجود هو وجود فارغ، فكلمة "تلعب" في العرف العام أيضاً، تحيل إلى ملءٌ فراغ من لا عمل له ولا دور، وتبديد ملل من لا شغل يستغرقه ولا انشغال..
بهذه ال"تلعب" ترى الجماعة الخارج. فالخارج لا يحمل مثل هدفها المقدّس المبارك ولا يملك مثل رسالتها العظيمة الشريفة، لهذا تراه (وفق حلم الوكيل الحارس) وجود تافه مستهتر يستمتع باللعب غير الشريف (غير المقدّس)، وكل ما يخرج عن السور فهو جزء من هذا الوجود الذي لا يُشَرِّف الأمر..
لعل هذا أيضاً يفسر العبارة التي قالها "وكيل آخر"([3]) عنّي ذات مرة، والتي بقت محيّرة بالنسبة لي حينها. ففي محاضرة لأحد المفكرين الاسلاميين عام 2003، نظمها أحد المراكز الثقافية غير المتطبعة بالطابع الاسلامي، شهدت هذه الفعالية حضوراً مكثّفاً للجماعة، وكنت أقوم بتقديم المحاضر للجمهور بطلب من أمينة المركز، حين همس "الوكيل الآخر" في أذن أختي الكبرى([4]): كنت أتمنى أن أراها واقفة في غير هذا المكان..
لماذا بدا وقوفها في هذا المكان وقوفاً غير مشرف لأفق الجماعة؟ هل كانت قد " خرجت تلعب" بوقوفها في هذا المكان؟ أم لأن وقوفها جاء من الخارج ولم يأت بتنظيم من الداخل؟
لعب اللغة
بهذا الفهم، نعود مرة أخرى لحلم (الوكيل الحارس) لنفسر غضبه وخوفه على تلك الخارجة من أن يمسها سوء الخارج، كونها إبنة الداخل، كونها شرف الداخل.
لذا جاء توعّده بالويل للخارج السيء الذي تجرأ على مخالطة شرف الداخل، "الويل لمن يمسّها بسوء". الويل لما يمسّ هدوء سورها الداخلي، الويل لما يحرّك حصاتها القابعة في عمق البحيرة، الويل لما يخترق حصانة ذاتها المسوّرة، الويل لما يتهدّد لغة الحلم المتمكّنة من تلوينها بلون الجماعة ورغبتها وأمرها..
حُلُم (الوكيل الحارس) الذي أرسله لي بلغة أسماها "مشفقة"، وتلقيته بلغة "محذِّرة"، صور لي خطواتي التي تجاوزت حدود السور، دون أن تتجاوز جماعة السور حينها، بأنها لَعِبٌ خطيرٌ مع اللُّغَة..
لكن لم الخوف عليّ مما قد يصيبني من سوء اللغة؟
أليس حُلُم حارس السور لُغَةً كلّه؟!
أليس كلُّ ما في هذا "الأمر" هو حُلمٌ متجسّد في لُغَة، هو طاعةٌ مُمْتثلة إلى لُّغَة، هو غلافٌ يضبطنا في داخلِ لُغَة..
أليس "فعل الأمر" الذي شكّل هذه الجماعة هو لغة كُلّه، أليس يحضر الإمام في هذه الجماعة باللغة لا بالشخص، أليست الجماعة تستجيب لفعل اللغة وترى فيه استجابة لشخص الإمام، اليست لغة النصوص هي "الأمر" كلّه....
ألسنا نقدّس اللغة (الرؤيا، النص، الحلم) التي أوجدت الجماعة، أليست اللغة هي عقل الجماعة وروحها وخيالها، أليست هي فوق الجميع، أليست هي وساطة الجميع، أليست هي محرّضتنا وواقعنا وروحنا وعقلنا وعصبتنا، أليست هي يوم خلاصنا وتأويل رواياتنا، أليست هي تكسّرات زجاجنا وفخارنا، أليست هي إعدادنا الذي نتهيأ به للنصرة..
الجماعة طاعة مطلقة غائبة في اللغة، ف"ليس في هذا الأمر إلا الطاعة"، وليست في هذه الجماعة إلا اللغة المنجزة للطاعة..
وإذا كان وجودي داخل هذا التشكيل استجابة "للأمر" والأمر لغة، وإذا كنت إبنة شرعية للحلم والحلم لغة، وإذا بقيت طوال 16 عاماً من عمري محصنة بأسوار لغة الخلاص.. فلماذا يخشى عليّ "الوكيل الحارس" من لغة الخارج؟
وجود الجماعة
" الوجود هو علاقة أو حضور معاً خلاق يجمع بين الأنا والأنت"([5])
هل تلتقي الجماعة مع الخارج بدون سور؟ هل تسمح الجماعة للعلاقة بين (أنا الداخل) و(أنت الخارج) أن تذيب حائط السور الشريف؟ هل تسمح الجماعة إلى لغة الخارج أن تحضر في لغتها؟ هل ترى الجماعة الخارج غير لغة سوء، وحضور سوء، وعلاقة سوء، واجتماع سوء؟
الجماعة تخشى أن تؤكد نفسها من خلال الغير، فهي ليست كما يقول مارسل جبرييل "انني أؤكد نفسي كشخص بالقدر الذي أعتقد فعلاً وجود الغير، وبالقدر الذي به هذا الاعتقاد ينحو إلى تشكيل سلوكي" ([6]).
الجماعة تؤكد نفسها (شخصيتها وجدّها وشرفها وخصوصيتها) بالقدر الذي تعتزل فيه الغير، أو بالقدر الذي تختلط فيه بالغير دون أن تعتقد بوجوده فعلاً، ودون أن يؤثر وجوده على تشكيل سلوكها، ودون أن يلامس وجوده سطح غلافها، دون أن يقترب من سورها.
لذا كانت تمثل الجماعة المخالطة دون أن تتمثلها ([7])، فهي تمثلّها من أجل تجميل غلافها ومن أجل تزيين حافة سورها أمام الآخرين. لكن دون أن تعتقد بها (فعلاً)..
يخشى السور اختراق لغة الخارج للغة الداخل، يخشى أن يصير الاعتقاد بالغير (فعلاً) وجود آخر يهدّد وجود الداخل..
لكن، لا يمكن لأي جماعة أن تتمايز (فعلاً) عن آخر لا تعرفه (فعلاً)، ولا يمكن لها أن تعرف آخر لم تفتح أبواب سورها عليه (فعلاً).
لا يمكن لأي جماعة أن تكتسب وجودها (فعلاً) إلا من من خلال تجاربها، علاقاتها، حضورها، وجودها الذي يصلها بالغير، وصلتها بالغير هي بابها الذي يجعل منها غيراً، فالتمايز هو المغايرة، والمغايرة هي الغير متمايزا، والغير هو ما يُدهش الجماعات ويغيرها ويعاود خلق هويتها باستمرار.
لا يمكن لأي جماعة كانت أن تؤكد وجودها ما لم تشق سورها المغلق، ما لم تنفلت من ضيق فضائها الواحد وتخرج عن وحشته وسلطته واستحكامه واستبداده ووصايته، إلى رحاب المغايرة وأنسها وانفتاحها ومرونتها وسعتها.
لكن، لم يكن هذا الوجود حاضراً في تجربتي مع جماعة "الأمر"، فالاختلاط بالغير يمكن اختزاله في عبارة واحدة، أنه خروج لعب وسوء، هذه العبارة وحدها، كفيلة أن تغلّظ جدار السور بين الداخل والخارج.
بهذا الاختزال للخارج، تكفي الجماعة نفسها (سوء) أن يفكر أفرادها في الخروج، تكفي نفسها (سوء) الإجابة على سؤالات الداخل عن الخارج، تكفي نفسها (سوء) أن تقف في مكان غير مكان جماعتها " كنت أتمنى أن أراها واقفة في غير هذا المكان"..
وبهذا تسكن الجماعة في لغة واحدة ووجود واحد وسور واحد وعلاقة واحدة وحضور واحد.. تسكن في مكان واحد..
خطر الفضالة
حين نسكن في لغة الحلم وحده، تصير اللغة أسراًً، وفي الأسر سور، وفي السور سر، فتصير اللغة (سراً لسور) أو (سوراً لأسر)، تصير سوراً لجماعة أو سراً لحلم، تصير حافة سور تراقب، تصير حلماً يحذّر..
وحين نسكن في وجود واحد، تصير الجماعة الوجود الذي يفصلنا عن الوجودات الأخرى، يمنعنا من رؤيتها، فيصير سور الجماعة عالماً من الأسرار والمخاوف والتهددات والوجودات الأخرى الخطرة (اللعوبة المسيئة(.
وحده السور، هو الوجود الفاضل، وحده الحلم والرغبة معاً، وحده عمق البحيرة المقدسة، وحده الخلاص.
أما الوجودات الأخرى فهي محض فضالة، "تحدِّد المجموعة نفسها حول مقوِّم مشترك –الرغبة- وتحدِّد من ثم كل من لا ينتمي لها، كفضالة"([8]). فما هي الفضالة؟
الفِضالة كل ما يزعج هدوء البحيرة العجيبة، وليس منها، كل ما لم يتسوّر بسور الجماعة، كل ما لا يشاركها الرغبة والتمثّلات والمشاعر والإرادات، كل ما يخرج عن ذهنيتها ومتخيلها المشترك، كل من يشكل بنطقه ولغته، تهديداً لنطقها الخاص وهويتها الخاصة ولغتها الخاصة.
الفضالة ماتهدّد باختلافهاالصورة المثاليّة للجماعة الفاضلة.فهي باختلافها وغيريتها تعرّي الغلاف الضابط للجماعة، وتكشف لأفراد الجماعة أنهم تماثل لا اختلاف فيه، وتكشف لها أن ما تعتقده عن نفسها بأنها تمتلك ذاتاً حرّة وواعية ومريدة، هي ليست كذلك، بل هي ذات محكومة بتغليف يضبط حركتها كما يضبط تفكيرها، ويحجب عنها أن ترى السعة التي يتحرك فيها ظل الاختلاف.
"تشعر الجماعات بأنها مهدّدة نرجسيّاً عندما يخاطر بأن تظهر نقاط ضعفها التي تفضل إخفاءها عن نفسها، وعندما تشوَّه صورتها المثالية الخاصّة التي تعمل بعناد شديد للحفاظ عليها"([9]).
تصير الفضالة خطراً يتهدد باختراق السور، فيسقط مخاوفه وكرهه عليها، لكي يخشاها أفراد الجماعة ويرفضوها، " جزء من الانتماء إلى مجموعة ما، هو إسقاط التخوفات والكره على أناس آخرين"([10]). السور يسبغ على الخارج نعوت السوء أو الاستهتار أو السقوط أو التردي أو الجهل أو الخطأ أو اللا معرفة، فيشكّل سوراً نفسياً آخر في داخل نفوس أفراد الجماعة، أشد إحكاماً من السور الخارجي، يمنع أفراد الجماعة من تلقي ما يأتي من خارج السور، ويجعلهم يتعاملون معه إما بحذر شديد، أو يمتنعون باختيارهم عن التعامل معه..
السور لا يصرِّح بمخاوفه ممن يعتبرهم فضالة، فالتصريح اعتراف بالخوف، والخوف اعتراف بالضعف، والجماعة لا تعترف بالضعف. لكنه يعمل على إكساب أفرادها جهاز مناعة داخلي، يرفض تلقائياً كل جسم غريب يقف قريباً من سور الجماعة.
غداً..
عُرف الجماعة وذائقة القسم..
[1] أحد وكلاء الجماعة الخمسة أرسل لي هذا الحلم صبيحة أحد الأيام عقب حوار الكتروني معه كنت أثرته حول الطاعة مقابل الحرية. لم أحتفظ بنص الحلم الأصلي لذا كتبته بناء على ما حفره جيداً في ذاكرتي.
[2] انظر لسان العرب تحت الجذر سور.
[3]وكيل آخر من الوكلاء الخمسة.
[4] الأخت الكبرى، الأخ الأكبر، مصطلح يطلق على القناة التي يتصل الفرد من خلالها بالجماعة بشكل مباشر ومتاح في أي وقت، وعن طريقه يتلقى الفرد التوصيات والأوامر، وعن طريقه ينقل آرائه ومقترحاته لباق الجماعة والوكلاء.
[5]عبد الرحمن البدوي، موسوعة الفلسفة، الجزء2، ص414
[6]عبد الرحمن البدوي، موسوعة الفلسفة، الجزء2، ص414
[7]راجع الجماعة والمخالطة والمزايلة في الحلقة 4
[8] انظر مايك كرانغ، الجغرافيا الثقافية
[9] المصدر السابق
[10] المصدر السابق
· القسم ميلاد عرف الجماعة في الفرد، يوصله بالرغبة المستحيلة ويجعل من الحلم عالمه وخياله, ويحمّله أمانة حفظ سرّ جامع الجماعة.
· يدخل قسم الجماعة من خلال وعي الأفراد حين ينطقون به ليسكن عمق لا وعيهم حين يصبحون مكرهين بالالتزام بتفاصيله..
· لا يُعطى أحدنا بقدر ما يسأل، بل بقدر ما يجب أن يُعطى
عندما صرت فَدَكاً محرّرّة بسلطةالقَسَم..
الحلقة 8
تفتح وعيي في النصف الثاني من الثمانينيات على حدث الثورة الإسلامية في إيران، وكغيري من أبناء جيلي صاغتنا الثورة نحو أفق تحقيق حلم الدولة الإسلامية. رأيت في الجمهورية الإسلامية أنموذجا ربانياً فاضلاً ومباركاً. صارت هذه الرؤية مرجعاً وفقه بدأت أتحرك نحو رسم تصور أفهم من خلاله العلاقة بين الله والعالم والإنسان والدين، وأنشد تحديد هوية لي خاصة أستطيع من خلالها أن أوطّد هذه العلاقة.
قبل الدخول
كنت في بداية سنواتي الجامعية حين تعرفت إلى فتاة، ستصبح أختاً كبرى لي فيما بعد. شخصية بها شيء من الغموض المثير لفضولي المتقد حينها بحلم الثورة والتغيير. متدينة جريئة واثقة خفيفة الحركة، تحمل طرحاً مغايراً (صرّحت به بعد أن اطمأنت لي وتوطدت علاقتها بي). ملامح هذا الطرح يمكن اختصارها في أن الزمن الذي نعيش فيه هو زمن خروج الإمام المهدي. والإمام المهدي يعمل الآن على تهيئة الأرض لظهوره من خلال اتصاله بخاصة أوليائه. انتصار الثورة الاسلامية في إيران جاء بتسديد مباشر من الإمام المهدي. إيران هي الدولة الممهّدة الأولى للخروج. السيد الخميني هو النائب الخاص الذي سيقوم بتسليّم الراية (الدولة) ليد الإمام صاحب الزمان. يتلقى السيد أوامره بشكل خاص ومباشر من الإمام المهدي ومن خلالها يدير الجمهورية الاسلامية في إيران. لا يتحرك السيد خطوة واحدة مالم تكن مسدّدة من قبل الامام.
بدأت هذه الاطروحة تثير فضولي، وقبولي أيضاً، خاصة في ضوء ما كانت تقدمه لي من أحداث ومواقف وأقوال تبرهنها بها وتدلل عليها، كانت تُرجع بعض هذه المصادر إلى ثقات تنقل لها تفاصيل من الجمهورية الاسلامية في إيران، وقد عزز من قناعتي بخطابها، أنها كانت فارسية الأصل.
أثارني هذا الطرح لأنه يحمل إشارة إلى قرب خلاص العالم من الظلم والشرور، وأثارني هذا الغموض لكونه يوحي بسر عظيم، وأثارتني أيضاً هذه الشخصية لكونها نموذجاً ناشطاً مختلفاً عن النموذج التقليدي للمرأة المتدينة في البحرين، أعني النموذج الذي كانت تعزل المرأة فيه نفسها وحضورها وحركتها عن الاختلاط بالرجل وترى في ذلك درءاً للفتنة والشيطان.
في فترة ثلاثة أشهر، توطدت العلاقة بيننا بشكل سريع وملفت، كنا نجلس بالساعات نتحدث عن خصوصية الحركة الاسلامية في إيران وتسديداتها، نقابلها بالحركة الاسلامية في البحرين. ندخل على حركة المرأة ونشاطها ولبسها هناك، نقابله بوضع المرأة هنا. كانت جلساتنا شبه يومية وتطول لساعات. كانت أعيننا شاخصة هناك، هناك حيث النموذج، وهنا حيث حركة تَشوّفٍ نحو هذا النموذج.
فدك الأمر
صرنا متقاربتين جداً في الأفكار وتبادلنا الثقة، شعرت أنها الأقرب لي من بين كل علاقاتي وصداقاتي، فقهت منذ البداية أن وراء هذه العلاقة سرّاً، كانت تهيِّئ أن تكشفه لي ذات يوم. وعندما حان ذلك اليوم.. قالت لي بعد فترة صمت قصيرة: لو دعاك الإمام المهدي لتكوني في حركة يقودها هو بنفسه، ماذا سيكون جوابك؟
بعد صدمة ما أزال أذكر دهشتها، قلت: من؟ أنا؟!. قالت: نعم أنت..
أجبت بالصدمة نفسها، وبالدهشة نفسها، لكن دون أي تردد: ومن أنا حتى أرفض مثل هذه الدعوة؟ ذلك شرف لمثلي..
سألتها بلهفة عن طبيعة هذه الحركة وتفاصيلها، فأوضحت أنه لا يمكنها إجابتي على كل أسئلتي، ولا يمكنها إخباري إلا بما هو مسموح به، فالحركة سر عظيم من أسرار المولى، وحفظه واجب مقدّس، ولا يُعطى أحدنا بقدر ما يسأل، بل بقدر ما يجب أن يُعطى.
لكنها أكّدت لي أن الحركة هنا على اتصال مباشرة بالحركة الأم في الجمهورية الإسلامية في إيران، وأنها تسير على منوالها، باعتبارها مكمّلة لحركة الإمام الساعية نحو تمهيد الأرض للخروج. هذه الحركة موعودة بتحرير البحرين (فَدَك الصغرى) ([1])، على غرار تحرير إيران (فَدَك الكبرى). فدك الكبرى عادت إلى يد الإمام بعد انتصار الثورة الاسلامية المباركة التي سددها بنفسه. هناك حركات مشابهة في مناطق مختلفة من بلدان العالم، تتصل ببعضها وفق خطة عامة يضعها الإمام، ويقود بناء عليها.
ادهشني ذلك التخطيط العالمي، وعلى الفور قبلت بلا تردد.. ولكن كي أدخل باب الجماعة.. كان لا بد من "القسم".. أعطتني ورقة صغيرة كتب عليها القسم بخط صغير جداً، وقالت: اقرئي هذا القسم واحفظيه عن ظهر قلب.. قرأت القسم..
"أقسم بالله جهد أيماني، أن الطاعة والولاء لكم، وأن لا أحول ولا أميل ميل الانحراف عنكم، وأن لا أشكو ألماً في رضاكم، وأن أرفع كل صغيرة وكبيرة إلى مقامكم، وان أسعى لتحقيق فدكٍ الصغرى مادمت حياً، ولفدكٍ الكبرى مادمت فيكم عمراً، والله على ما أقول شهيد"([2]).
ثم حفظته عن ظهر قلب .. وبمجرد أن نطقت القسم؛ وضعت أولى خطواتي نحو التشكيل..هكذا دخلت بقسمي باب الجماعة..
فك التغليف
لكن، لماذا أخرج إلى القسم هنا، في نهاية قراءتي المختصرة للتجربة؟ لماذا لم أفتتح قراءتي به كما افتتحت به باب الدخول؟
لأني تعمدت أن يكون القسم الذي تبدأ به الذات، أولى خطواتها الواعية نحو التغليف، هو آخر ما تختم به ذاتي، بوعي آخر، فكّ هذا التغليف.
فكيف كان فعل القسم في وعيي ولا وعيي في هذه التجربة؟
القسم هو الباب الذي يفتح الفرد إلى داخل الجماعة، ما إن ينطق الفرد قسم الجماعة، حتى يقرّر أن يمحو فرده ويصير جماعةً. يقرّر أن يسكن مخيال الجماعة، أن يقدّس حلمها، أن يلبس غلافها، أن ينطق لغتها، أن يتسوّر بسرِّها وسورها، أن يخرج من ذاته ليقهرها في في كل هؤلاء، ليصير هو هي..
القسم هو الشهادة التي يسجّلها الفرد على نفسه ليبقى أسيرها، أسير عدم مخالفتها، أسير طاعتها، أسير عدم التميز عنها، أسير عدم الاستقلال عنها، أسير عدم التحول عنها، أسير عدم الميل عنها، أسير البقاء فيها، أسير أن لا يشهد غيرها، أسير أن لا يرى إلاَ من خلالها، أسير أن لا يسير إلا في ممرها المخلّص..القسم حدّ وحصن.. حد لأنه يفصلك عما هو قبل ويميزك عما هو غير ويقطع بك عما هو خارج الجماعة، وحصن لأنه ملاذك الذي تحتمي به حين يُزلزل بك الخارج.
القسم فعل كلامي، يوصل الفرد بالرغبة المستحيلة ويجعل من الحلم عالمه وخياله, القسم يجعل الفرد موضع اعتراف وقبول في داخل الجماعة، ويحمّله أمانة حفظ سرّ جامع الجماعة، القسم ميلاد عرف الجماعة في الفرد. القسم أولى الخطوات نحو التخلص من إزعاجات السطح، للاستقرار في عمق البحيرة.
إذا كان فعل (الأمر) في نصوص "فأعدّوا للخروج إعدادكم للمحافل"، "فلا تعلوا عليّ وتأتوني طائعين"، هو فعل كلامي يتزعّم الجماعة بما يملك من نسبته إلى سلطة مقدسة توجب الفعل وتلزم به وتؤثم تاركيه([3])، فإن القسم هو فعل كلامي آخر، تنبع سلطته وقوته من صدوره من الذات هذه المرة، الذات حين توجب على نفسها الفعل وتلزم نفسها به.
بهذا يكون القسم أولى خطوات التغليف التي تمارسها الذات على نفسها بكل جهد أَيْمانها، وذلك بأن تطيع مطلقاً، أن توالي مطلقاً، أن لا تحول أبداً، أن لا تميل أبداًَ، أن ترفع دوماً، أن لا تكون لها خصوصية صغيرة أو كبيرة أبداً، أن تبقى في معيّة الزعيم دوماً. وهي بنطق هذا القسم تمارس فعل القهر الأول الذي يهيئها لولوج السور المقدّس، فلا ولوج لداخل السور المقدّس إلا بالقهر.
سُلطة بجهد الأيمان
السلطة كما يجري تعريفها هي القدرة التي يملكها فرد أو جماعة من الناس، والتي تمارس لإخضاع أفراد آخرين أو جماعات أخرى لأداء أعمال معينة. تمتاز السلطة بالنفوذ، كونها تقوم على إمكان العقوبة.([4])
تكمن خطورة "القسم" في كونه يمثل سلطة زعامة قادرة على النفوذ إلى حياة الفرد. وحده القسم قادر على توجيه سلوكيات الفرد وممارساته، قادر على تبرير تمثّله الغلافي، قادر على تحرير قهره الداخلي. فكيف يكون ذلك؟
خطورة هذا القسم تكمن من جانب آخر في كونه إقراراً موجباً غير قابل للتراجع وإلا سقطت الذات من عين نفسها. الذات تعدّ التراجع تكسُّراً يُشبه تكسّر الفخار الذي لا يعود كما كان. التراجع يجعلها ترى إلى نفسها على أنها قد جرى احتناكها من قبل الشيطان، أنها صارت (كُلاًّ) على الإمام و(كَلاًّ)، أنها ليست أهلاً لما حمِّلت من عظيم الأمانة، أنها صارت تسير جرياً إلى الوراء بعد أن كانت تسير جرياً إلى الأمام،"كل من جرى عنه هو إلى الوراء قد أُخذ، وكل من جرى إليه هو إلى الحياة قد رُفع". بهذا ترى الذات نفسها إما أن تتمثل القسم أو تقع في السقوط المميت.
يدخل قسم الجماعة من خلال وعي الأفراد حين ينطقون به، ليسكن عمق لا وعيهم، حين يصبحون ملزمين بالالتزام بتفاصيله، فيحيلهم سكوناً في بحيرته.. القسم منطوق ثابت وسلوك ثابت وحركة ثابتة واستجابة ثابتة وفكر ثابت وإنسان ثابت..
يحصّن القسم أفراد الجماعة طوعاً مطلقاً بين يديه (أن الطاعة والولاء لكم). يحيل القسم حلم الجماعة إلى غلاف يفصل العالم إلى داخل وخارج، فاضل وفضالة. يخضع القسم الرغبة إلى استحالات حياة تقابلها استحالات موت (أن لا أحول ولا أميل ميل الانحراف عنكم). يحيل القسم الفرد إلى "شيء" ليس له من أمره شيء صغير، فالأمر كله بيد "الأمر" الكبير (أن أرفع كل صغيرة وكبيرة)([5]). يمسك "القسم" عن الفرد كل شيء، يحيط بكل شيء، يحيل بينه وبين كل شيء، ولا يمسك الفرد من نفسه أي شيء، ولا يحيط ولا يحيل. بهذا يكون القسم حدّ وحصن..
وبنطقي لهذا القسم، تأهلت ذاتي لتعلن (سراً) خطوتها الأخيرة خارج الغلاف "المخالط المرن"، ولتبدأ (سراً) خطوتها الأولى داخل الغلاف " المزايل غير المرن".
بهذا أيضاً بدأت سؤالاتي تسكن في الطاعة فبها ترفع كل صغيرة وكبيرة أو تصمت، وبها تحول أو تميل، وبها تخالط أو تزايل، وبها تضِّل أو تفاضل، وبها تتغلف أو تفتح، وبها تسمع أو تصمّ، وبها تَقبََل أو تنكر، وبها تٌقبِل أو تدبر..
بعد أن عرفت
كل ذلك حدث وأنا لا أعرف حلقة تصلني بالجماعة غير أختي الكبرى.. ولا أعرف عن تشكيل الجماعة سوى كونها امتدادا متصلاً بالجمهورية الإسلامية في إيران..
لم أكن أعرف شيئاً عما كان يدور داخل السجن([6]) من بدايات التشكيل. لم أكن أعرف أن الحركة بدأت من هنا، من سجون (فدك الصغرى)، وأنها ليست امتداداً متصلاً بهناك، بانتصار (فدك الكبرى).
لم أكن أعرف من شخوص الجماعة إلا أختي الكبرى، التي وصلتني بفدك الكبرى كأصل، وأخبرتني عن تخطيط عالمي يدار في فضاء محيطه العالم، لكنها لم تصل بيني وبين أصل الحركة في فدك الصغرى هنا، حيث السجن يضيق، ويتسع الحلم.
دخلت الجماعة وكل ما كنت أعرفه حينها، أن خاصة هنا يحملون مهمة عظيمة، لا يسمح لي أمنياً بمعرفتهم، هم خط اتصالنا بالإمام وبإيران وبكل الحركات المشابهة في العالم. وكان ذلك كل ما هو متاح لي معرفته من سر ليس بالقليل.
حين بدأت الحركة بالخروج إلى المجتمع، وبدأت تنتشر بين الناس وتعرف، وبدأت حركة المجتمع في محاربتها، كان الحلم قد تمكن مني، كانت الجماعة قد صارت عالمي ويقيني وقيامي وقعودي وجبهتي وحركتي ومعرفتي وحربي وسلمي وحبي وكرهي ومنطوقي وسمعي وبصري وحاستي وو..
صرت فدكاً محررة بالحلم.. صرت داخلا ليس فيه خارج، صرت بحيرة ليست تزعجها حصاة، صرت غلافا داخل غلاف داخل غلاف..
أما الخارج فهو جهل كلُّه، أو نسناس كلُّه، أو لعب كلُّه، أو ضلال كلُّه، أو فتنة كلُّه، أوفضالة..كان الخارج حينها بالنسبة لي عزلا لا يحضرني منه شيء، ولا يدخلني منه إلا بمقدار ما يمرره الغلاف إما ليفنده، أو ليغلّظ به إحكامه علي..
[1]فدك في الاعتقاد الشيعي هي أرض مغتصبة من إرث الرسول. ينقل الموروث الشيعي أن الامام المهدي سيقوم باستعادتها في آخر الزمان. يقود الإمام المهدي العالم نحو الخلاص المثالي. لذا فكل بقعة يسدِّد الإمام حركة خلاصها - وفق طرح الجماعة- تصير فدكاً محررة من الاغتصاب، يستعيدها الإمام مرة أخرى.
[2] القسم الذي يلقيه الفرد للدخول في الأمر، وهو يلقى عليه ويردده هو، ثم يحفظه عن ظهر قلب، ولا يجوز له الاحتفاظ به مكتوباً.
[3] راجع "زعامة فعل الأمر" في الحلقة الثالثة.
[4] معجم المصطلحات الفلسفية، ص 93
[5] الرفع من المبادئ الهامة لدى الجماعة. كنا نقضي جزء كبير من وقت الجلسات الثنائية الخاصة في رفع التفاصيل الصغيرة التي نخشى أن يكون لإغفالها أثراً في في حياة أحدنا ومن ثم انعكاسها على الجماعة. الرفع كان يرينا مدى خلوص الفرد وتسليمه للجماعة، فالفرد الذي (كُلَُه) للإمام يقوم برفع كل صغيرة وكبيرة حتى الخاص منها للجماعة.
[6] إشارة إلى بدء تشكيل الجماعة بين أتون السجن، وهي حكاية قائمة بذاتها وخاضعة لأقاويل كثيرة وجدل كبير لم أعشه، لذا لا أستطيع تناولها هنا.
· الموضوعية هي ذوات متعددة تقول الموضوع الواحد، والجماعة هي ذات واحدة تسكن موضوعات عدة.
· وحده المحو وإعادة الكتابة يتيح لنا أن نعدِّد وجوه الحقيقة وأن نكاثر تعريفاتها، أن نرى العالم مجموعة من الأحلام والرغبات المتشابهة أوالمختلفة أو المتضادّة أو المتداخلة.
التفاتات الفراشة.. بين المحو وتقليب الكتابة
الحلقة 9
لعل أصعب ما يواجهني الآن، حيث أنا في أفق كتابة جانب من تجربتي، أو شذرات من أفقي داخل الجماعة، هو اضطراري أن أكتب شيئاً عن ذاتي. تلك الصعوبة مردّها إلى أن تلك الذات، التي قضت 16 عاماً في الحلم، بقيت ذاتاً جماعية لا مكان للفرادة فيها.
الحلم، هو الذات الجماعية التي أعي نفسي من خلالها، ومن خلال هذا الوعي، كانت ذاتي تمارس ظهورها وخفاءها وتسترها وتقيتها وتسللها وتسربها ومناورتها، ومن خلاله، كانت ذاتي تنتج يقينياتها وشكوكها وأوهامها وتمثلاتها ورغباتها وخَلاصاتها، وفي داخل "الأمر"، كانت ذاتي تعيشحلمها واكتفاءها وإشباعها وخصوصيتها وأسرارها، وغلافها.
لم تقبض ذاتي الفردية على نفسها إلا مؤخراً، بعد أن خرجت عن الجماعة. القبض هنا ليس بمعنى الإمساك أو الامتلاك، فالذات حين تمتلك أو يُمسك بها تصبح ذاتاً مقهورة، لا إرادة ولا شعور خاص لها، لكني أعني بالقبض هنا، هو إدراكي مؤخراً، بأن لي ذاتٍ خاصة تختلف عن تلك المذابة في الجماعة.
هذا الإدراك المتأخّر، جعلني حديثة العهد بذاتي التي للتو بدأت أتعرفها، بعد أن بقيت أمارس عليها – ذاتياً- مجموعة من أفعال القهر والتخميد والتبكيت والقمع والمنع والحصر، خوفاً من أن تتقوى أو تتجبر أو تتكبر أو تتعالى أو تتمادى أو تحاول أن تبرز ككيان خاص يخدش في أصل إخلاصها وتسليمها للحلم.
فراشة في مهب جماعة
محاولة قبضي على ذاتي الخاصة بعد كل هذه السنوات ليس أمراً سهلاً، فكأني أقبض على شيء غريب عني، رغم التصاقه بي، وكأن جداراً عازلاً، أو غلافاً، قد فصلني عنها بالقدر الذي جعلني أجهلها. وكتابتي عن هذه الذات، بالذات، أكثر صعوبة من القبض عليها، لأنها لم تكن كياناً معترفاً به عندي إلا بمقدار ما هي موصولة بالجماعة، ولم أتعود أن أجعلها يوماً مكان تأمل لدي، بل لم أكن لأستحبب أن تشغلني مجرد ذات نكرة (هي ذاتي) عن ذات معرّفة بالحلم (هي ذات الجماعة).
الأمانة الكبيرة، المسيرة الفاضلة، الرسالة الإلهية، الغاية العظمى: كلّها شعارات مثالية تشربتها ذاتي الصغرى، التي ذابت في المهمة العظمى، وتماهت في الرغبة نحو الأدوار الكبرى، وحجبت نفسها عن أن ترى أي شيء آخر يستحق أن يحيا الإنسان من أجله. انشغلَت هذه الذات بعناوين الموضوعات الكبرى، عن أن ترى في العناوين الصغيرة هنا وهناك، شيئاً يستحق الوقوف والتأمل والتقدير. صارت ذاتي ترى قيمتها من خلال الأعمال التي تقرّبها من الحلم، ولا قيمة للأعمال إلا بمقدار ما هي طريق نافذ إلى الحلم.
ذاتي الفردية، التي تعتقد الآن أن كل شيء مهما صغر في الحياة، هو ذو قيمة عظيمة تستحق أن تُقرأ وتُقال، ما زالت تجاهد من أجل أن تغير ما ترسَّب في ذاتي الجماعية من مسبَّقات متأصلة، ما زالت لا ترى خارج الغايات العظيمة، الرغبات الصعبة، الأحلام الكبرى، شيئاً يستحق أن يقال.
وتجربتي الفردية، حسبما تقول ذاتي الجماعية السابقة، ليست سوى شيء صغير وشخصي ونسبي واستثنائي. ليست التجربة تستحق أن تروى أو تكتب أو تقال، إلا بقدر ما تكون مسيرة فاضلة، أو تصب في غاية عظمى، أو تحمل رسالة خالدة، ولأن تجربتي ليست أي مما ذكر، فإن ترسباتي المتأصلة التي مازلت أجاهدها، مازالت تجد حرجاً في أن تكتب تجربة، ليست يمكن تصنيفها سوى فراشة في مهب جماعة.
موضوعية الذات
الذات ليست كياناً مادياً مكوّناً من جسد وحواس يمكن أن يُمسك به، كما إنها ليست عقلاً مجرداً خالياً من المشاعر والأحاسيس، يمكن تحريره من ماديته. الذّات مزج بين روحٍ وحواسٍ، عقلٍ وجسدٍ. الذّات هي مجموعة النّسب والإضافات والعلاقات التي يقيمها الإنسان مع الأشياء ليفهم من خلالها نفسه والآخر والعالم.
حين أقول بدأت ذاتي تتحرر بعد خروجي من الجماعة، أعني أنها بدأت تقيم علاقات جديدة مفتوحة، مع كل ما لم يكن يسمح به قهري المتجسد في الرغبة والحلم، بدأت تتخلّص من أحادية أطروحتها المقدّسة، فصارت تفتقر إلى إضافات الخارج الكثيرة، بدأت تقيم علاقات جديدة معه بعد أن كانت مكتفية بالحلم فقط. هذه الذات صارت تجد ثراءها بقدر ما تنوع في هذه العلاقات، وتغتني بقدر ما تكاثر من هذه الإضافات وتنتسب لها.
أن تتحرر ذاتي، يعني أن تصير ذاتاً موضوعية في ذاتيتها، لا ذاتاً موضوعة في غلاف جماعة. فالموضوعية ليست نقيض الذاتية كما يُعتقد، الموضوعية هي الذات منتسبة إلى الذوات المختلفة والمتناقضة والمتعددة. هي الذات مفتقرة للآخر.
الموضوعية ذوات متعددة تقول الموضوع واحد، والجماعة هي ذات واحدة تسكن موضوعات عدة.
الجماعة انكار للذات، لذلك يتحرك العالم وتبقى الجماعات واقفة. يقول باولو فراي "إن إنكار أهمّية الذاتيّة في عملية تغيير العالم والتاريخ هو ضرب من السّذاجة والسطحيّة وهو كالاعتراف بالمستحيل أو كالاعتراف بعالم من غير رجال، فالعالم والرجال يتفاعلان معا ولا يمكن أن ينفصلا"([1])
التفاتة الفراشة
الذات تراكم من الخبرات والتجارب، ولا يمكن أن نفصل بين التجربة وتكوين الذات، ولا يمكن للذات أن تخرج عن تشكّلاتها التي صاغتها تجاربها بمجرد أن تفك وصلها (المعرفي) بها. لا يمكن تجاهل أثر حركة جناح الفراشة الفيزيائية، في تكوين ذات الإنسان، فالإنسان ممتلئ بتجاربه.
ليست التجربة تنتهي بمغادرتها، بل تبقى في كل منا التفاتة تبقيه على اتصال من نوع آخر.
هناك التفاتة أشبه بالإعراض، وهي التفاتة تحمل ردّة فعل عنيفة، تحمل ندماً أو حقداً أو كرها أو شحناً أو عداء أو استحقاراً أو استهجاناً بالتجربة.
وهناك التفاتة تحمل حنيناً، خروجاً جسدياً من التجربة، وحنين إلى ماضيها. يقول فرويد "الإنسان غادر الغابة لكنه ظل يلتفت إليها بحنين"([2])، قد يغادر الغابة جسد الانسان، وتبقى آليات عملها تعمل فيه، يبقى في نظام يشبه نظام الغابة، ويبقى محاطاً بسياج يشبه سياج الغابة، فيصنع غابة خاصة به تشبه الغابة التي خرج منها.
الخروج هنا يصبح صورياً والوجود معنوياً، فهو خروج على جسد الغابة، لكن ليس على معنى الغابة. ومثل هذا الخروج لا يقول جديداً سوى جسد يغادر غابة ليدخل غابة أخرى.
أما الالتفاتة الثالثة وهي ما أسميه بالتفاتة الفراشة، فهي التفاتة ممتلئة، تعطي للتجربة معنى وحياة، وتجعلها تاريخاً غنياً تُثرى به الذات التي تغادر التجربة، دون أن تغادرها التجربة، لا حنيناً لها، بل ثراءً يكبر بالذات مع كل التفاتة.
تتفاعل التجربة مع كل ما تكتشفه الذات من جديد، مع كل ما تضاف إليه، وتنضج بمقدار ما تحمل بجديدها على قديمها، وبمقدار ما تعيد قراءة قديمها بأدوات جديدة المرة تلو المرة.
تمارس الذات هذه القراءة لا من أجل أن تقصي ماضيها أو تنفي تجربتها أو تسخر منها أو تزدريها، بل من أجل أن تحول علاقتها بها، فتتحول بها. هكذا تتكاثر الفراشة بالتجربة وتصبح حركتها ثراء وغنىً..
عندما شعرت
عندما شعرتُ بذاتي تتحرّر للمرة الأولى، شعرت، وللمرة الأولى أيضاً، أن ذاتي أصبحت شيئاً فريداً غير قابل للتماثل والتطابق، وغير قابل للاستبدال. شعرت للمرة الأولى أني أحب ذاتي ولا أخشاها كما كنت في السابق، وأن ذاتي تستحق أن أتعامل معها باحترام من أثق بفطنته وقدرته على توسيع أفقه، عبر فهم العالم، بدلاً من التضييق عليها، خوفاً عليها من الضياع في العالم.
وهكذا كلما التفت للوراء، حضرتني التجربة، وقرأت من جديد نفسي، بطعم مختلف، بحقيقة مختلفة، بعمق مختلف، فلا أعود بوجهي للأمام إلا وقد حملت معاني أعيد فيها قراءة نفسي من جديد. وليست أي التفاتة تشبه الالتفاتة الأخرى، ففي كل التفاتة سيل مختلف من الصور والمشاهد والأصوات والأفكار والتطلعات، وفي كل عودة سيل مختلف من الرؤى والقراءات والتأويلات والإدراكات والتكاثرات والإثراءات.
"إن النار التي في الفتيلة، لا تلبث فيها طرفة عين، وإن ما يرى منها في كل وقت غير ما رئي في الذي قبله"([3]).
التجربة فتيلة، لأنها تضيء الذات، تملؤها بضوء التجربة، ولأنها لا تلبث طرفة عين، ولو لبثت لحظة، لانطفأت، وخمد أثرها، وغاب ضوؤها، لكنها تنير بقدر ما تقول في كل التفاتة غير ما قالته في الالتفاتة التي سبقتها.
حقيقة الحقيقة..
كلما داهمتني حيرة شعرت بأني للتو بدأت أتحرّر، ذاتي التي كانت ترى إلى الحيرة شيئاً مقلقاً ومربكاً، لم تعد تطلب جواباً شافياً ولو آنياً على حيرتها، بل أصبحت الحيرة جزءاً من تحرّرها. حيرتي أصبحت تفتِّق جهلي المركَّب، تركِّب ذاتي الجديدة، تعرِّي أوهامي المستبدّة، تقهر قهري المقدّس، تحطِّم جموديّ المغلَّف، تبدِّد يقيني المطلق.
حيرتي أصبحت شيئاً يستعصي على الجواب ولا يستعصي على الفهم، أصبحت تتمكن مني بعد أن كنت سريعاً ما أتمكن منها بجواب محكم في ذاكرة غلافي. حيرتي أصبحت تدب فيَّ كحقيقة، "الحيرة حقيقة الحقيقة"([4]). الحقيقة هي ما تتحرّر به الذات من أسر الحقيقة المعشوقة، والمنجذب إليها، والمهيمن بها، المتيقن منها، المتفاضل بها، لتطلقها نحو فضاء الحقائق الأخرى.
هكذا بدأت أرى إلى الحيرة حركة ذهنية تحرّر ذاتي بعد أن كانت كابوساً ذهنياً رهيباً، صارت ذاتي طفلا في بدء تعلمه الكتابة، محوه أصل وكتابته استثناء، يمحو ما يكتبه مرات ومرات قبل أن يسطره بقلم قابل للمحو، أوراق كتابته مسودة من بياض المحو، وبقدر ما يمحو فهو يتعلم.
صار المحو يحيي كل ما لبد في ذاكرة الذات، ليعيد له/لها الحياة، يحفزه/ها للنطق، يحفزه/ها للسؤال، ينشط خلاياه/ها الخاملة، صارت ذاتي تمحو ذات جماعتها، لتثبت ذات مفردها بعد أن كانت تمحو مفردها لتثبت جماعتها، صارت تمحو داخلها (حقيقتها الواحدة، مطلقها الثابت، يقينها القطعي، قدسها الرمزي، حكمها المسبق، حلمها الأوحد، رغبتها المنجذب لها...) لتثبت خارجها (كل الإنسان، كل العالم)، صارت تمحو غلافاً لترسم فضاء، تمحو حلماً لترسم عالماً بلا دروب..
المحو وتقليب الكتابة..
المحو في التجربة ليس إلغاء، ليس في تجربة الفراشة شيئاً يمكن إلغاؤه، الإلغاء تحوّل من وجود إلى عدم، العدم خصام وفراق وحرب وسخط واحتقار وازدراء. بينما المحو تحوّل من وجود إلى وجود، من ذات مذابة إلى ذات مختلطة، من يقين مطلق إلى فضاء مفتوح، من حقيقة مقدّسة إلى حقائق مضافة، من وجود يخشى الوجودات الأخرى إلى وجود يثرى بالوجودات الأخرى، من وجود يلغي الوجودات الأخرى إلى وجود يتصادق معها، وجود يكون معها وجوداً جديداً "فبالوجود نتصادق وبالعدم نتفارق"([5]).
هذا المحو يجعل الذات كلما همّت بإعادة الكتابة، اهتمّت بأن تجوًّد الكتابة، أن تتمكّن من الفكرة، أن تقلِّبها في صفحات ذاتها وفي ذوات الآخرين، أن تقلّب ورقتها "كلما انقلبت الورقة انقلبت الكتابة"([6])، أن تتوسع في حقيقتها، أن تحرر عبارتها وتحرر ذاتها، أن تضيف إليها ما به تكون كتابتها كشفاً جديداً، أن تكشف بالكتابة منطقة وجود جديدة لم تكن معروفة في وجودها، في حلمها، في واقعها، في جماعتها، ولم تكن معروفة داخل غلافها، ف"التفكير هو اكتشاف منطقة للوجود جديدة"([7]). والاكتشاف لا يكون إلا بإقامة علاقات جديدة بالذات والآخر بطريقة حرة ومفتوحة ومتقلبة وقابلة للمحو التغيير والتعديل والتحويل دون الإلغاء.
أرض بلا دروب
بهذا تحوّلت علاقتي بالحقيقة والإنسان والعالم والآخر وصارت فضاء مفتوحاً، "باسم الحقيقة انتهى أحدهم مصلوباً، لكنه قبل أن يموت ترك لنا تعريفاً عظيماً للحقيقة، فالحقيقة ليست ما يمنحنا يقينا، ليست ما يمنحنا عمقاً، ليست ما يجعلنا أفضل من الآخرين، ليست ما يبقينا في سجن الأحكام المسبقة، الحقيقة هي التي تحررنا"([8]).
كل حقيقة تكتب تكشف وجهاً وتخفي وجهاً آخر، وكل حقيقة تُمحى تفتح أفقاً لحقيقة أوسع، تفتح مساحة جديدة لكتابة جديدة، وحدها سلسلة المحو وإعادة الكتابة تتيح لنا أن نعدِّد وجوه الحقيقة وأن نكاثر تعريفاتها، أن نراكم الخبرة على الخبرة، والمعرفة على المعرفة، والحقيقة على الحقيقة، أن نفتح الغلاف على الغلاف، والجماعة على الجماعة، أن نفتح الحلم على الحلم، والرغبة على الرغبة، أن نرى العالم مجموعة من الأحلام والرغبات المختلفة المتضادّة المتنافرة والمختلطة والمتمازجة، "ولو لا إضافة بعضنا إلى بعض ما اجتمعنا ولا افترقنا، ولولا الإضافة بيننا الغالبة ما تفاهمنا ولا تعاونا"([9]).
هكذا تجلّت لي الحقيقة كأرض مفتوحة بلا دروب، تلك الحقيقة التي لم أرها في قداسة الجماعة التي تضبط كل حيرة، وتغلّف كل سؤال، وتوحّد كل جواب، وتثبت كل يقين، وترى أنها الأعمق والأفضل والأحقّ والأخصّ، لكني رأيتها في الحيرة، الحيرة التي حررتني من غلافي المقدس، وجعلتني أستأنس بطلب ما تضيفه الحيرة إلى الذات لتثريها.
صرت لا أخشى مع حقيقتي أن أنطق وأنطلق من وجودي كذات، وصرت غير مضطرة أن أزاوج بين قهري وخلاصي، بين جماعتي وحريتي، بين يقيني وشكي، بين تحريض حلمي وتحريض عقلي، صار محرّضي هو حقائق كل العالم.
[1]) باولو فراي، تعليم المقهورين، http:www.josor.net (http://www.josor.net)
[2] ) انظر: جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية.
[3] ) إبراهيم بن سيار النظام، أحد أئمة المعتزلة.
[4] ) ابن عربي، التجلّيات، ص135
[5] ) أبوحيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، الليلة الرابعة عشرة.
[6] ) ابن عربي، الفتوحات المكية.
[7] ) ديكارت
[8] ) باولو كويلهو، الخيميائي.
[9] ) أبوحيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، الليلة الرابعة عشرة.
· هربت كي أرى العالم من نافذتين تخالطان إنسان الخارج دون خوف..
· هربت أنشد حقيقة لا تحدها الجبال ولا يحصّنها جدار الغلاف..
· هل يمكن لحلم ضاق عن أن يسع سؤالاً، أن يتّسع ليشمل العالم بكل تناقضاته واختلافاته وتنوعاته؟
عندما صار السؤال أكثر رحابة من الحلم ..
أيتها الجماعة: هربت منك لأرى..
الحلقة الأخيرة
قبل عدّة أشهر .. وصلتني رسالة من الجماعة عبر بريد أختي الكبرى (سابقاً)، سأنقلها كاملة كما وردتني، مشفوعة بما تبعها من مراسلة بيني وبينهم..
رسالة (الجماعة):
حين يفلت المرء من أسْر الله إلى عبودية الأنا وارتهان الدُّنى، ظانّا أنه تخيّر السبيل وتحرّر.حين يُمزَّق ويُخرَّق ظانّا أنّه قد اخترق الأرض، بلغ الجبال طولا، مزّق أسوار الأقدار. حين يُحتنك بحسبان أنّه قد صار بشدّة الاحتناك محنّك الجولات والتجارب، نترحّم عليه لمحبّتنا، ونأسف. نتذكّر احتناك آدم، فاختراق آدم، فتحرّر آدم، محمولاً كالقشّة المتراقصة خارج أسوار (القداسة) .. مُطوَّحاً به أسفل وادي طُوى، فاقداً سلامه الداخلي وأمنه وصلته العليا، مملوّاً بالوحشة .. ويشقى.
ربّما استطْعمَ آدمُنا التموجّات المحيطيّة الجديدة لحظاته الأولى، تفتّحت أحاسيسُ سفلى لم تكُ له قبلاً فتدغدغ، لكنّ رحْمَ الدنيا بمعاصره لا يرحم منضغطا، وقد يجثم يوماً كثقل القبر، إذّاك يقول آدم، في الملمّة المقفرة إذْ تَفزَّع؛ يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا! يا ليتني لم أتّخذ فلانا خليلا! لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني!! فمسكينٌ آدم، ومساكين أكثر .. أبناؤه وبناته يبيعون عزّ جنّة الخلد .. بارتكاضٍ في مرعى موسم! (15 نوفمبر 2005 )
جواب (التي خرجت):
ما يظنّه كل منا، هو ما يجعل لكل منا دبيب حركة مختلف على الأرض، هو ما ينوّع هذه الحركات، ويجعلنا نوقن، أنه مهما طال أحدنا أو استطال، فإنه لن يبلغ الجبال طولاً، وأنه لا يكون متحنِّكاً متخرِّقاً متحرِّراً، إلا بقدر ما يرى من صغره وقلّتِه وضآلته، في عالم كبير متنوع كثير.
ينظر الإنسان إلى نفسه فيظنّها عالما صغيرا، وينظر الإنسان إلى العالم فيظنّه إنسان كبير، فيتواضع، لأن نفسه، التي كانت تحسب حركتها مطلق الحقيقة، صارت تدرك أنها مجرد شيء صغير من جموع حقائق كثيرة. ويتواضع أكثر، لأنه يرى العالم جريان هذه الأشياء كلها، وضرب من ظنوناتها التي لا تنتهي، "فكلّ شيء يجري في كلّ شيء"، وكلّ ظنّ إنما هو ضرب من دبيب حركة مختلفة على الأرض، تسبق حركته، أو تأتي معها ، أو بعدها، تتقاطع معها، أو تتداخل، أو تتوازى..
لكن يستطيل الظَّان، وهو يحسب أنه يبلغ الجبال طولا، حين يحسب أن جَبَلَهُ يطول كلّ العالم، وأن كلّ العالم يقصر عن بلوغ جبله، أو حين يرى أن كلّ العالم يجري ليدخل في جبله، وأن جبله وحده مركز حقائق كل العالم، أو حين يرى أن دبيب حركته هي الصلة المقدسة بالعالم العلوي الآمن، ودبيب حركات الآخرين ليست سوى صلة ضالة بعالم سفلي مقفر موحش. هكذا يناهز الظن الجبل طولاً، لكنه يقصر عن بلوغ طول الإنسان. (17 نوفمبر 2005)
رد (الجماعة):
ما كتبتِ يا صديقتنا إلا تفسير ما قُلناه فيك الذي رجونا أن تخيّبي ظنّنا لكنّك أبيْت إلاّ تصديقه، لذلك ترحّمنا عليك!
فمباركةٌ عليك الدنيا والعالم والغيريّة والتنوّع والتلوّن والدبيب.. وانطلاء الخدعة.
وبئس للصامدين صمودهم، وتبا للعاكفين عكوفهم، وبُعدا للمستمسكين نجاتُهم .
ولكن حتّى حين يا عزيزتي، حتّى حين، فكلّ مفتون ملقّنٌ حجّته، حتى تذوب الألوان وتتبخّر السكرة ويزول السحر، سيظهر إنسانُك ومعدنُك الذي نُراهن عليه .
حين لا يبقى إلاّ ما كان في القلب ولا يُؤخذ إلاّ بما ظلّ فيه.
وكما فسّرتِ لنا (الرؤيا) التي رأيناك بها وحدّثناك عنها منذ كذا سنة مشفقين، أنّك تنقبين جدار مدرسة مولانا عليّ، وتنسربين خارجها فرحةً، لتختالي في (عالم كبير) من أزقّة (المخارقة) المُخرّقة.
فلم تأتِ اليوم إلينا لو تمعّنت فيما كتبتِ جواباً بجديد؛ سوى تصديق الرؤيا والظنّ حرفياً، وكفى بذلك بصيرة لمن يرى!
ولكن هاك يا عزيزتنا السابقة أمراً سنفسّره لك غداً، حين تأتين بدبيب متندّم تقولين لهذا الجبل (الظانّ بغشامته وغروره الضحل أنّه يستطيل على كلّ العالم): (ألم أكن معكم؟) فيُجيب من يعرفك منّا وعاشرك بالحسن بحسرته (بلى ولكنّك..) ولكنّك كما ترين حالك الآن، تستكبرين حتّى على نصيحة من سبقت نعمته إليك باستطالة ما وراءها شيء إلاّ غرور اللحظة، فعليك الرحمة والسلام. ( 18 نوفمبر 2005)
جواب (التي خرجت):
كل الحق معكم، فليس فيما كتبتُ اليوم تفسيراً غير ذاك الذي قلته قبل سنوات قليلة، إنه أفقي الذي خرَّق سوري المعرفيّ، دون أن يخترق إنساني الذي عاشركم بحبِ ما عاشرتموه من الودِّ والمعزّة (السابقة)، وهو مازال يحمل لكم معزّة لم يشأ لها أن تصبح (سابقة)، لمجرد أن خالفت المعزّة الأفق.
نعم، هو ذلك الأفق الذي سأل ذات يوم من أيام معزّته السابقة سؤالاً أو أسئلةً، فلم تجيبوه معرفة تتخرّق أرضه وتتّسع فيها، كما الريح تتخرّق الأرض الواسعة وتتّسع فيها، فالجواب أرض تتّسع بريح السؤال الذي يتخرّقها، كما يتّسع السؤال كلما تخرّقته أرض الجواب. لم تجيبوا على سؤالي معرفة نتّسع بها معاً، أو لا أقل من أن تتّسع بها ريحي أو ارضي وحدها، بل أجبتموني حُلماً.
حُلماً جعل السؤال خرقاً أجوفاً ولعباً وخيلاءً واستكباراً وغروراً، وضرب من (انطواء خدعة) من خدع الدنيا، فلجّم الحلم السؤال، بما لجم من أفق الريح. الريح تتّسع برحابة أكثر، حين تتّسع الأرض أكثر، لكن السؤال الذي اتّسع هنا، ضاق به الحلم، فصار السؤال أكثر رحابة من الحلم الذي لم يحتمل سؤال من لم تخالف معزته الأفق، فكيف به يحتمل سؤال من خالفت معزته الأفق؟
لم يتّسع الحلم لسلامكم الذي أودعتموه أفقي حين بشرتم ب "إسلامٍ عالميٍ"، استبشر به قلبي وظنّه "سلاماً عالمياً"، فاتّسع على الإنسان الكبير( العالم)، وسالَم العالم الصغير (الإنسان)، وامتزج سلام العالم بسلام الإنسان، ورحابة الإنسان برحابة العالم، فذاق لذة لم يذقها من قبل "كل امتزاج لا يعطيك أمراً لم يكن عندك من قبل وجوده لا يعوّل عليه". ابن عربي، وعوّل على ذلك المزج، ورأى العالم والإنسان أكبر من أن يحشرا في داخل سور، أليس العالم والإنسان -كما يرى المتصوفة- مرآة وجود الله الذي انعكست فيه كل صفاته وأسمائه وأفعاله ؟ فهل يحشر كل هذا الوجود المتنوع الكثير في داخل سور؟ وهل يمكن لحلم ضاق عن أن يسع سؤالاً ،أن يتّسع ليشمل العالم بكل تناقضاته واختلافاته وتنوعاته؟
لم يتّسع الحلم ليقبل ما يُعطيه الامتزاج (الاختلاط بالغير دخولاً وخروجاً من السور)، ولم يعوّل على جديد ما يعطيه هذا الامتزاج، فناقض دعواه العالمية بالسلام، وبقى واقفاً في القول دون الفعل، أوليس القول يخرج عن القلب؟ أوليس القلب هو أصل العالم؟، "العالم إنما هو مرآة القلب". الجيلي، فالقلب يرى نفسه عبر مرآته العالم، فما رأى القلب من رحابة يعطيها الامتزاج بالعالم فهي رحابة منه، وما رأى من شرّ محض يؤديه هذا الامتزاج فهو ضيق عليه.
القلب وجه كله، وليس له قفا، يسع القلب ما لا يسعه العالم، فالله الذي لم يسعه كل العالم، وسعه قلب العبد، لذا كان القلب هو الجهة التي ينظر الله منها للإنسان، ومن كان قلبه الله، وكان وجهه الله، فكيف يكون العالم قفاه، أليس العالم وجه الله؟!
وكيف تراه ذلك القلب، الذي انطوت عليه تلك الخدعة، إذا اتسع له قلب العالم، وضاق به قلب الحلم؟ ( 20 نوفمبر 2005)
أو كالتي هربت؟
يحكى أن جماعة من العميان طوّح بهم القدر حتى أنزلهم واديا بعيدا منعزلا تحيط به الجبال الشاهقة الوعرة، فعاشوا فيه، ونسّلوا عميانا مثلهم، وقد عوضهم الخالق عن فقدان أعينهم قوة في آذانهم، وبذلك استطاعوا أن يكونوا لأنفسهم مدينة توافق حالتهم، ووثقوا كل الثقة بمعارفهم وبمداركهم، وآمنوا أن العالم كله محدود في واديهم وسلسلة جبالهم، وشاء القدر أن ينزل بواديهم رجل بصير، فحدثهم يوما عن السماء وزرقتها, وعن النجوم الساطعة وضيائها، والثلوج المعمِّمة للجبال وبياضها، فلم يشكوا أنه مجنون، وجزموا أن ما يحدثهم به ضربٌ من الخداع والوهم، فحاول كل الجهد أن يفهمهم أنهم عميان فاقدوا البصر، وانه بصير، فلم يزدهم ذلك إلا إمعانا في الضحك منه والسخرية به، قالوا: لو كان في رأس هذا الرجل عقل لتخلى عن أوهامه، ووجه همته إلى الحياة الواقعية، وقوى سمعه حتى بلغ مبلغنا، واتبع طريقتنا وسار على النهج الذي أجمعنا عليه. فلما أعياهم أمره قرروا أن فساد عقله يرجع إلى هاتين النافذتين في وجهه واللتين يزعم الإبصار بهما، وانه لا شفاء له إلا بفقئهما. لكن الرجل استطاع أن يجد منفذا للهرب من ذلك الوادي قبل أن يتمكنوا من عينيه.
أيتها الجماعة..
لست أزعم أني أرى ما لا ترين، لست أنصح لك أو أعيب عليك، لست أتّهم عماك أو أبرِّئ عينيك، لستُ أعييك حديثاً عن خارج، منعتك جبالك أن تريه، لِتَعييني حديثاً عن داخل، شاطرتُك ذائقته وقاسمتك أوديته عمراً..
لكني هربت من جبالك، وفررت من أوديتك، أطلب عينين لم تفقأهما يداي.. لأرى..
هربت كي أرى العالم من نافذتين تخالطان الخارج فتختلطان بإنسانه دون خوف، وتمازجانه دون أن ترى الخارج محض لعب واستهتار وظلام وضلال، هربت أنشد حقيقة لا تحدها الجبال ولا يحصّنها جدار الغلاف، هربت أنشد معرفة لا يطويها الممر الآمن للحركة فيحصرها فيه، هربت أطلب حقيقة غير ساكنة في بحيرة، حقيقة لا تزعجها حصيات السؤال، هربت بسؤالي، كي أفتح حقيقتي على حقيقة العالم فأجمع نفسي عليه، فأتسع فيه وبه ومعه، لأرى في كل هذا الاجتماع، طرق تأخذني إلى الله، بعدد أنفاس الخلائق..
حلم يؤسس جماعة تؤسس تياراً مقموعاً
"الأمر" في سعيها لتهيئة مجتمع ينتظر "الغائب"
"حلم" يحسم حروب الشرعية بين "الدعوة" و"الجبهة"
"عمائم خضراء" تُقلّد بها الجماعة فتنتهي مرحلة وتبدأ أخرى
الوقت- حسين مرهون
في عام 1999 تنشطت ذاكرة الجمهور الديني الشيعي في البحرين على أصداء موضوع قديم/ جديد، أعاد إليه الوهج موقع صفحة (الحقيقة) على الإنترنت [1] الذي نشر مجموعة من المقطوعات والخواطر الأدبية المرمّزة، مشفوعة بإعلان عن جائزة لمن يستطيع فكّ رموزها.
وكشف حوار طويل أجراه الزميل علي الديري، مع صاحبة الموقع عن أن هذه المقطوعات تؤشر على تجربة امرأة خارجة لتوّها من تنظيم عقائدي تشكلت نواته داخل سجون البحرين.
كانت ديباجة الحوار تبدأ بهذه الجملة "هذا الحوار يمثل تجربة امرأة لم تتجاوز بعد الثلاثين من عمرها، استطاعت بشجاعتها أن تتغلب على كل المحظورات الاجتماعية؛ لتُسمع صوتها للعالم؛ ولتكن لديك معرفة أوسع بالموضوع عليك أن تتجول في موقع صاحبة التجربة"[2].
لقد تم تداول هذ الحوار الذي أخذ عنوان "تعاقبات العمى والبصيرة" على نطاق واسع جدا في ساحات الإنترنت. وقد أعقبته حوارات مطولة أجرتها صاحبة الموقع عن طريق موقعها، مع مجموعة من الشخصيات، منها الشيخ سليمان المدني، وأحمد الكاتب تناولت فيها فلسفة التنظيم ومجموعة الأفكار والقيم التي يقوم عليها.
وتعود قصة التنظيم (الأمر) أو ما عرف من قبل خصومه بـ(السفارة) إلى عام 1986، حين كانت أجواء السجن في البحرين، تشهد جدالات كبيرة بين الفرقاء الإسلاميين، من تنظيمي حزب الدعوة وحركة الرساليين (تحولت عام 1979 إلى الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين).
كان الصراع بينهما يدور حول المرجعية والشرعية في الإطار الحركي، فأعضاء حزب الدعوة يدعون إلى مرجعية السيد محمد باقر الصدر ومراجع النجف الآخرين، بينما يدعو أعضاء حركة الرساليين إلى مرجعية شابة أخرى تتسم بالثورية، هي مرجعية السيد محمد الشيرازي.
تبدأ الفكرة، بحلم لأحد الأفراد من حزب الدعوة رأى فيه فاطمة الزهراء (ع) التي أبلغته بصوابية عمل حزب الدعوة وأحقية المنهج الصدري.
توالت الأحلام، وكان مصدرها واحداً، هو عبد الوهاب البصري، وتالياً تطور الأمر؛ حيث استطاع هذا الأخير إقناع زملائه في السجن والقريبين منه أنه يرى الإمام الثاني عشر عند الشيعة المهدي بن الحسن (المنتظر) في الحلم ويرى سفيره الرابع الحسين بن روح.
استمرت الأحلام زهاء عام وبضعة شهور، ولم تكن حينها تخرج عن المألوف والمقبول في العقلانية الشيعية. لكنه من جانب آخر (البصري) استطاع من خلالها أن يكون زعيما وملهما لبعض السجناء، وبعضهم قيادات كبيرة من التنظيمين (الدعوة، والجبهة).
لكن دراما الأحلام لن تلبث وتصل إلى ذروتها بحلم مختلف جداً، حلم لايشبه الأحلام السابقة. وكما يروي سجناء عاصروا الفترة، لقد جاءه الحسين بن روح الذي تقول المصادر الشيعية إنه السفير الرابع للإمام المهدي، ببشارة الأمر من الإمام. جاءه (في الحلم) حاملاً عمائم خضراء وقلدها الجماعة الذين كانوا معه، كما أوصاهم باتباع رؤى عبد الوهاب البصري.
وبهذا الحلم، أصبح الاتصال بالإمام ممكناً، الأمر الذي قاد إلى انتهاء مرحلة أحلام التثبيت، لتبدأ على إثرها أحلام الأمر والطاعة والإلهام والإخبار عن المغيبات.
في حلم تالٍ، رأى البصري، أنه يحمل تنظيما خاصا أو ما سيعرف بـ"الشجرة التنظيمية"، يقف على رأسه الإمام المهدي ومن تحته الإمام الخميني باب المولى ثم الشيخ المنتظري، ويليه عبد الوهاب البصري الذي عين وكلاء له، ومن بينهم رجلي دين معروفين.
وهكذا، ففي كل ليلة جمعة كان البصري يعتزل إلى نفسه في زنزانته، ليخرج بعد ذلك بقصاصة ورق مكتوب فيها الحلم بعبارات وجمل غريبة تماثل لغة النصوص التاريخية.
وعلى إثر هذه النصوص الواردة من قبل المولى (الإمام المهدي) إلى باب المولى (البصري)، تكونت الحركة الجديدة التي عملت على تنظيم أمرها. كان كل فرد يؤمن بالأحلام التي يراها البصري، ويرى فيها تعليمات من الإمام المهدي [3].
***
أدى تسرب فكرُ هذا التنظيم إلى العلن، خصوصاً لدى خروج الجماعة المؤمنة من السجن، وعددهم 32، بين عامي 1987 و 1988 (أدى) إلى إقبال الساحة البحرينية على إرهاصات اجتماعية ودينية، بعد أن اعتبر ذلك بمثابة خرق للتابو وخروج على الخط السائد للعقلانية الشيعية.
ووصلت هذه الإرهاصات إلى ذروتها، حين نشطت الرموز الكلاسيكية في التيار الديني الشيعي، متوسلةً بآراء فقهاء من حوزتي قم والنجف، لحشْد سيل من الفتاوى الدينية على الساحة، تذهب إلى ضلال هذا التنظيم العقائدي ومروقه عن أيديولوجيا التشيع، كما صير إلى صناعة متخيل جماعي معبأ بكل ما يقطع على إمكانية اختراقه (التنظيم) لصيغة التشيع العام والمؤسسي.
تمثيلات القوة
وقد تشكلت جراء ذلك، شبكة من المفاهيم والمصطلحات التي عملت على التمثيل بهذه الجماعة، وغالباً ما أتت مختومة بدمغة دينية، من قبيل مصطلح "السفارة" ويشير الاسم المشتق منه "سفير" إلى صاحب "الأمر" أو "الباب" عبد الوهاب البصري.
وهي تسميات ومشتقات مرفوضة من قبل هذه الجماعة[4]، كما تشير إلى ذلك رابحة الزيرة في حوارها الذي أجراه معها علي الديري في 2001 عبر مجموعة أوال الإلكترونية، فهي تقول "جماعة السفارة تعنى أن هناك شخصاً له اتصال بالإمام فيكون هو الآمر الناهي والبقية لا دور لهم، وهذه كلها مسمّيات إسقاطية تريد أن تسقط الفكرة بإطلاق هذه التسميات عليها، وإن كان ولابد من تسمية فقل إنها جماعة مؤمنة ، مفكّرة ، لها حضور ودور فاعل في المجتمع .. نحن لسنا تنظيماً ليكون لدينا سلطة هرمية، نحن جماعة مسلمة، ملتزمة بكل أصول الدين وفروعه، تؤمن بالأئمة الاثني عشر، وتؤمن بالإمام القائم بأنه حي، موجود ومتوفّر وليس يستحيل رؤيته أو التشرف بمكالمته (وهذا هو أقسى ما في فكرتنا من تديّن أو بدعة) والاستلهام منه أو الاسترشاد لمن أراد بإخلاص كائنا من كان"[5].
ولهذه التسمية مدلول تاريخي يرتبط بسفراء الإمام المهدي الأربعة الذين تولوا، حسبما تذكر المصادر الشيعية، الوكالة الخاصة عنه خلال غيبته الصغرى عام 260 هـ، وهم على التوالي (عثمان بن سعيد العمري، محمد بن عثمان العمري، الحسين بن روح النوبختي وعلي بن محمد السمري).
وحسبما تقول المصادر أيضاً، فإن مهمة هؤلاء كانت تتلخص "في تهيئة أذهان الأمة وتوعيتها لمفهوم الغيبة الكبرى، وكذلك قيامهم برعاية شؤون القواعد الشعبية للإمام والتوسط بينها، وقد انتفت مهمتهم جراء قيام الغيبة الكبرى 329 هـ".
أيضاً، من ضمن شبكة التمثيلات التي شاعت وقتذاك، هناك مصطلح "البدعة، المبدع" المأخوذ من الحديث الشريف "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، وقد تكرر غير مرة في الفتاوى الدينية المُستجلبة لتعزيز فكرة انحراف وضلال دعوى التنظيم.
ومنها أيضا، شاع مصطلح "المقاطعة"؛ حيث ترتبت على هذه الفتاوى أحكام شرعية، تقضي بضرب طوق من العزلة والمقاطعة على معتنقي هذه الفكرة والمذعنين لأمرها.
كما ظهر مصطلح "التعاطف، المتعاطف" الذي يمكن أن ينطبق على كل من لم يذعن للحكم الشرعي الصادر، وهو في الواقع لايؤشر على المؤمنين بالفكرة، إنما أولئك الذين لم يلتزموا بموقف أو يقاطعوا المتهمين بالارتباط بالتنظيم.
الحيزات المصادرة
أدت ردود الفعل الدينية والاجتماعية العنيفة التي قوبل بها أفراد التنظيم، وما لاقوه من صنوف التنكيل التي وصل بعضها إلى حدّ ترهيبهم وعائلاتهم بالسيوف، كما حصل ذلك في موكب للتطبير في السنابس يوم العاشر من محرم عام 1991 (أدت) إلى تعميق عزلة الأعضاء وانطوائهم على أنفسهم، كما والابتعاد عن أية ممارسات ظاهرية يمكن أن تستجرّ نقمة الجمهور المتدين عليهم.
لقد اتجهوا، ونتيجة لاستشراء علاقات السيطرة، إلى صناعة خطاب مستتر يكون بمثابة الفسحة أمام ألسنتهم المقموعة. وكما يخبرنا جيمس سكوت، فإن استشراء علاقات الهيمنة، عادة ماتدفع المهيمن عليه إلى إنتاج حيز خاص له، يكون بمثابة "المنفس" لكل ما لايستطيع الجهر به في فضاء الحيز العام [6]. وهذا ما استوجب، أولاً، أن يسعى أفراد التنظيم إلى إيجاد حيز اجتماعي مُصادَر -بفتح الدال- تكون فيه الرقابة التي يمارسها العقل الجمعي المهيمن أقل قدرة على الوصول إليه، وثانيًا، أن يكون هذا الوسط الاجتماعي المصادر مؤلفاً بكامله من أناس موثوقين يتشاطرون ذات الهم وذات الاتجاه وذات القضية.
وأمام هذا الإمعان في التخفي، تحول الوعي بمشخصات التنظيم، في ذهنية الجمهور الديني، إلى طاقة مشلولة، بعد أن استنفد مداه، وتضاءل تأثيره على العقل والوجدان الجماعيين. ومع مجيء أحداث التسعينات 1994، واشتعال خطوط التماس بين السلطة والمعارضة، فإن ملف هذه المسألة قد آل للنسيان أو بدا كذلك على الأقل.
حياة الذاكرة
دفع إعادة بعث هذا الموضوع، إلى إعادة استدعاء ذاكرة كان قد مضى عليها ما يقارب العقد من الزمان.
لقد أحدث ذلك نوعاً من الصدمة على صعيد الجمهور الديني، فضلاً عن رموزه؛ إذ لم يكن في حسبان أحد أن يكون التنظيم يتوفر، بعد كل السنوات التي عاشها في الحصار، على هذا المستوى من الامتداد والاختراق والفائقية التنظيمية.
لكن الصدمة لم تلبث وخفتت بعد أن استنفذت شحنتها، تماماً كما يحدث بالنسبة لأي ظاهرة، تنشأ، فتكبر، فتتضخم، ثم تبدأ في التلاشي والكمون. ساهم في ذلك، أن التيار الديني الشيعي، كان في الوقت الذي نبشت فيه هذه القضية، في وضع لا يحُسد عليه، بعد أن أنهك جراء المواجهات الساخنة التي خاضها مع السلطة.
عودة انتعاش المقموع
عقب التصويت على ميثاق العمل الوطني في فبراير/ شباط 2001، وما تلاه من انفراجة أمنية سمحت بعودة رموز التيار الديني الشيعي وأقطابه المغيبة في السجون والمشردة في المنافي، استعادت الساحة الدينية تماسكها كما قويت شوكتها تنظيميا وأيديولوجيا، بعد عشرات الضربات والاختراقات التي وُجِّهت إليها.
وقد أدت حادثة وقعت في سياق التحركات والمساعي التي نشطت لتأسيس جمعية للمعلمين، على خلفية سماح الدولة بتأسيس الجمعيات المهنية، إلى إعادة تنبيه التيار الديني ودق أجراس النفير لديه، حيال القضية القديمة/ المتجددة التي بدا أن النسيان أو التناسي، ومن قبله المراقبة والمعاقبة، لم يكن كفيلاً بوأدها.
وتشير المعلومات وقتذاك، إلى تحرك مجموعة من المدرسين المنتمين لهذا التنظيم على مشروع لتأسيس جمعية للمعلمين، إلى جانب مشروعين آخرين كانا يتحركان في الإطار نفسه، أحدهما لمدرسين من التيار الديني على علاقة بماعرف بجماعة المبادرة، والآخر كان لمدرسين محسوبين على التيار الوطني الديمقراطي.
وحدثت جراء ذلك، كثير من التحركات والمماحكات، أدت إلى إقصاء مشروع المدرسين المنتمين بعلاقة مع هذا التنظيم، إثر فتوى استرشد بها بعض المنتمين للتيار الديني من الشيخ عيسى أحمد قاسم، الذي حصل في الأعوام الأخيرة، من خلال دراسته في حوزة قم، على رتبة حوزوية عالية، هي "آية الله". وهو ما جعل التنافس على شرف التأسيس يقع بين ممثلين عن التيار الديني السائد وممثلين عن التيار الوطني الديمقراطي فقط.
لقد فهم البعض من سعي المدرسين المحسوبين على التنظيم إلى تأسيس جمعية للمعلمين، على أنها رغبة في التخلي عن العوالم المصادرة التي ظل حبيسها طوال عقد من الزمان، وتفكير في اغتنام أجواء الانفراج السياسية الحاصلة لتثبيت حضوره، لكن هذه المرة، بصوت مسموع، وإن كان الأمر في عنوانه الأولي، يبدو مهنياً، أي لايشير من قريب أو بعيد، عن صلة بينه وبين فكر التنظيم وتوجهه العقائدي.
من جانب آخر، لقد أيقظ هذا الحادث قرون الاستشعار لدى التيار الديني الشيعي، فقد التقط بحس الغريزة لديه، هذه الإشارة جيداً؛ إذ لم يكن التنظيم ليجتريء في السنوات القليلة الماضية على البوح بهذا المستوى من الطموح وهذا المستوى من العلنية؛ كما التقط أيضاً الإشارة الصادرة، والمتعلقة ببعض الخارجين من التنظيم.
وقد عبرت رسالة تم تداولها عبر البريد الإلكتروني والمنتديات الحوارية عام 2001 عن حس اليقظة هذا "إلى كل الأخوة والأخوات (...) يرجى مساعدتنا على جمع أكبر قدر من المعلومات الدقيقة والحقائق الموثقة المتعلقة بجماعة السفارة (تنظيم السفارة في البحرين)؛ حتى يتسنى لنا معالجة القضية بشكل موضوعي وفق الحكم الشرعي وبعيداً عن عناصر الإثارة والهجوم المباشر، وحتى يتسنى لنا توثيق المعلومات ونشرها للعموم بعد مراجعة العلماء والفقهاء الأعلام لإعطاء الحكم الشرعي. أما المعلومات المطلوب جمعها، فهي كل ما يتعلق بجماعة السفارة مثل (أسماء وشخصيات، أماكن ومراكز، رصد لتحركات خفيّة وعلنية، مشاريع اقتصادية أو إسهامات فكرية، شهادات مسجلة أو اعترافات موثقة، فتاوى العلماء والفقهاء..إلخ)" [7].
إلا أنها يقظة لم توقظ العنف، انتهى العنف، واستمرت المقاطعة التي هي عنف في صورة أخرى.
على صعيد التنظيم، فقد بدا أن الطموح في التخفف من الفضاء المقموع والخروج إلى العلن، هو التوجه العام والجديد لأفراده. وقد بان ذلك بوضوح عبر الإعلان عن تأسيس "جمعية التجديد الثقافية" عام 2002 أو عبر نشاط أعضائه في الكتابة من خلال المساحات المتاحة في الصحف المحلية.
السؤال المطروح الآن، ما إذا كانت هناك نية لدى التنظيم أن يتولى، هو بنفسه، إنتاج سردية خاصة به عن تشكله وتشكل ذاته ومفاهيمه، تلك التي لاتقال في الندوات ولا في البيانات ولا في البلاغات ولا في مشاريع السراة، أم أنه سيترك قول الحكاية للخارجين