PDA

عرض كامل الموضوع : الإسلام الجديد


Admin
19- 05- 2007, 21:08
http://www.rasid.com/media/lib/pics/thumbs/1122328859.jpg (http://www.rasid.com/media/lib/pics/1122328859.jpg)
الدكتور توفيق السيف (http://www.rasid.com/writers.php?id=259)
4 / 7 / 2006م - 7:28 م

بعد ربع قرن من انطلاقه، تحول النهوض الديني إلى ظاهرة اجتماعية واسعة النطاق، ولم يعد مقتصرا على عدد من القادة البارزين أو المجموعات المنظمة. من هذه الزاوية فان الإسلام السياسي يخضع لذات القواعد السلوكية التي تخضع لها بقية الظواهر الاجتماعية، وأشير هنا خصوصا إلى عنصر التعددية والتنوع الثقافي في داخل الظاهرة، إضافة إلى عنصر التحول أو ما يمكن وصفه بالمزامنة، أي تغير الأفكار والسلوكيات والتوجهات بتأثير التجاذب بين الفكرة (أو الجماعة) والبيئة التي تنشط فيها. لو رسمنا مصفوفة لعدد نموذجي من الجماعات الإسلامية النشطة اليوم وقارنا دعواتها أو سلوكها السياسي بنظيره قبل عشرين عاما فسوف نكتشف دون كبير جهد أن تحولا يمكن وصفه بالانقلابي قد حدث خلال هذه الفترة. ولو نظرنا إلى التحرك الإسلامي من زاوية أوسع من حدود الجماعات المنظمة، فسوف نجد أن هذا التحول لم يعد قاصرا على السلوك السياسي بل تمدد أيضا إلى المتبنيات والآراء والمعتقدات. قبل ثلاثة عقود مثلا كان معظم الإسلاميين يرفض تفويض البرلمان سلطة التشريع لان التشريع حق خاص لله والرسول، وإذا اقتضى الأمر تفسيرا أو اجتهادا فهو من حق علماء الشريعة دون غيرهم. لكن جميع الإسلاميين المعاصرين يشاركون أو يدعمون من يشارك في الانتخابات البرلمانية التي تقود في النهاية إلى الاشتراك فيما كان يعتبر حتى وقت قريب عملا محرما وتحديا لحاكمية الله وحقه.

هناك بطبيعة الحال أقلية لا تزال ترفض المشاركة وتعتبرها كفرا من عمل الشيطان أو خديعة للمؤمنين، وهي ترى أن النموذج الوحيد للحكم المشروع هو نموذج «الإمارة الإسلامية» الذي إقامته حركة طالبان في أفغانستان، لكن هذه الأقلية لا ثقل لها في المسار العام، وهي على أي حال مثال على التنوع الفعلي داخل الظاهرة الإسلامية.
في المقابل فهناك من ذهب إلى مدى ابعد في التعبير عن ذلك النوع من التحولات. وأشير مثلا إلى المعالجات القيمة التي قدمها الفيلسوف الإيراني عبد الكريم سروش حول الحكومة الدينية الديمقراطية، وحول عدد من القضايا المثيرة للجدل مثل دور الشعب في توليد الشرعية السياسية للحكومة، والفارق بين تطبيق الشريعة وإقامة العدل بين الناس، والطبيعة التاريخية للمعرفة الدينية. ومن بين القضايا التي تثير الاهتمام في أعمال سروش، أشير خصوصا إلى معالجته للتصورات القائمة على الفلسفة المثالية، والتي تنتشر بين الدعاة الإسلاميين عن وعي أحيانا وعن غفلة في معظم الأحيان. فهو يرى أن التصورات المثالية عن الدين أو المجتمع الديني يمكن أن تشكل أرضية نظرية أو مبررا روحيا للدعوات الشمولية التي هي بالضرورة دكتاتورية ولا إنسانية

قرأت في هذه الأيام أحاديث للدكتور حسن الترابي، وهو فقيه ومفكر معروف سبق أن قدم معالجات قيمة في أصول الفقه كما أن له الكثير من الآراء المثيرة للجدل من بينها مثلا تشديده على دور العرف الاجتماعي في تحديد موضوع الحكم الشرعي وكيفية تطبيقه. وهو يميل إلى الاعتقاد بان ما هو ملزم في الحكم الشرعي هو غرضه وجوهره وليس تعبيراته، وعلى هذا الأساس فهو ينفي مثلا أن يكون لحجاب المرأة شكل محدد في كل زمان ومكان، بل يرى تركه لتحديد العرف، ومن هنا فان من الممكن أن نرى إشكالا عديدة للحجاب بحسب التحديد العرفي لمعنى «الستر» الذي قد يختلف من مجتمع إلى آخر أو من زمن إلى آخر.

في سياق مقارب دعا الأستاذ جمال البنا، إلى تجديد في الفقه الإسلامي لا ينتهي عند حدود الأحكام وموضوعاتها، بل يتناول أيضا أصول التشريع والفلسفة التي يقوم عليها فهم الدين واستنباط أحكامه، والبنا هو الآخر مفكر إسلامي معروف بآرائه المثيرة للجدل، ومن بينها دعوته الأخيرة إلى تمكين النساء من إمامة الجماعة والتخلي عن الأحكام التي تعتبر المناصب السيادية والقضاء ولايات دينية أو محصورة في الرجال.

هذه أمثلة قليلة عن نقاشات واسعة وعميقة يشارك فيها عدد كبير من المفكرين وأهل الرأي والسياسة في التيار الإسلامي، وهي تساهم فعليا في الانتقال بالإسلام السياسي من الدائرة التقليدية التي انطلق منها إلى دائرة أكثر قربا من هموم الإنسان المعاصر وتطلعاته. والغرض من هذا العرض هو دعوة الناشطين الإسلاميين وسواهم من الفاعلين في الحقل السياسي إلى المشاركة الواعية في هذا التحول ودعم النقاشات الدائرة ضمنه وكما سلف القول فان الإسلام السياسي لم يعد محصورا في قائد بارز أو حزب سياسي، بل هو ظاهرة عامة تنطوي على تنوع كبير في الأفكار، وهو تنوع يتزايد باستمرار. لا ينبغي الشعور بالقلق من هذا التنوع، ولا النظر إليه كتغريد خارج السرب، فليس من المعلوم أبدا أن المتمسكين بتقاليد الماضي وما ساد فيه من أفكار هم أكثر هدى أو شرعية أو مصداقية من دعاة التخلي عن تلك التقاليد أو أصحاب الأفكار الجديدة.

المصدر (http://www.rasid.com:80/artc.php?id=11842)