Hamid
19- 12- 2006, 18:56
في رثاء رجل ونهضة شعب
الرسالة لا تغيب والأمل لا يرحل
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} الأحزاب 23
زلزال وفاة الشموخ والإباء الشيخ عبد الأمير الجمري ، لم يكن سهلا أبدا على البحرين وشعبها. فمؤشر ريختر لم يتحمل الصدمة ولم يقوى على تسجيلها . يوم خرجت البحرين عن بكرة أبيها ، يوم كتب في تاريخ البحرين ، كأكبر تشييع وأكبر تجديد للعهد ، العهد الذي جعل من الشيخ الكبير في السن حبيسا للمعتقلات الإنفرادية علّ شوكته تنكسر. العهد الذي سطره الشهداء قبل رحيلهم بكتابات بلا عنوان ، سيقرأها الأجيال والعالم برجال الله في إنتفاضة البحرين.
تعلمنا من المدارس معنى وعلم ، لكن لم نتعلم منها معنى الحياة ولم نقرأ قصص العظماء . وتعلمنا من الجمري معاني ، فكان معنى العطاء وحب الخير للغير ، وتقديم الغير على النفس . تعلمنا من الجمري أن الحقوق تطلب ولا تعطى . تعلمنا من الجمري معنى التحدى والصمود والصبر من أجل تحقيق الأهداف. معاني لن تستطيع مدارس وجامعات اليوم أن تصل بها للطلبة وإن إدّعت عكس ذلك.
وكما كان كثيرا من كتب التاريخ ، شواهد زور ، كانت بعض الصحف المحلية والتلفزيون كذلك. ونقول مهما حاولتم التهميش وتغييب الواقع ، وإلغاء الأرقام والشواهد ، فالحق واضح ، والحق أحق أن يتبع ، والأمواج البشرية لا تكذب. لا نلوكم ، فما زلتم مرضى بأمراض قوانين أمن الدولة ، وأزال عن أبصاركم غشاوة النفاق وشافاكم من التملق والخداع . في لبنان مثلا ، معتقل الخيام ، أصبح مزارا وشاهدا للتاريخ وللأجيال على ظلم الصهاينة . وحتى في الحرب الأخيرة ، لم يتحمل الصهاينة ذلك ، ففجروا المعتقل تفجيرا. أما في البحرين ، فما زالت مخلفات الحقبة السوداء تتواجد أمامكم . فالقلعة هي القلعة ، والسجون هي السجون ، والجلاد هو الجلاد.
قد لا تدرس قصة الجمري في المدارس ، وقد يحرّم أصلا الحديث فيها ظنا بأن الأرض استلمت أمانتها وغلق ملف كبير كبير. لكن الأجيال ستتوارث ذلك ، وجيلا بعد جيل ، من الجد إلي الحفيد ، ومن الجزيرة الصغيرة إلي العالم أجمع .أنه كان هناك رجلا في جزيرة تسمى البحرين ، ومن قرية تسمى بني جمرة ، خرج من رحم الأرض ، حاملا آلام وآمال الناس ، يحكي بلسان شعبه ، يطالب لهم بحقوقهم . رجل لم يتخرج من أكبر الجامعات ، ولم يحصل على أكبر الشهادات ، ولم يعلق الأوسمة والنياشين . لكنه كان أفضل الناطقين وأحسن المخططين وأشجع المتقدمين في حين صمت حملة الشهادات ولم يحسنوا حتى التخطيط لأنفسهم. كان دكتورا بدون شهادات وهمية ، وملكا بدون عرش ، وقائدا بدون نياشين أو بدلات عسكرية ، لأنه بكل تواضع كان بطلا من الشعب ، وليس بطلا على الشعب ! في زمن كانت مواليد الجزيرة تحقن بإبر قوانين رعب الدولة علّ ذلك يفيد في إخراس الأجيال اللاحقة.أحب الناس فأحبوه ، وتحدث بلسانهم فعشقوه ، واشتاق إليهم إشتياق يعقوب إلي يوسف فخلدوه. وأخذوا يرون ويقرأون المستقبل فيه . لم يروا الشمس تخرج من مشرقها ، فأخذوا يتغنون به "أبا جميل الأمل". عاش كما يعيش الأنبياء ، صاحب رسالة ورؤية وهدف مستعدا لأن يموت من أجلهم ، ورحل كما يرحلون ، مخلفا ورائه ذكرى طيبة لمعلم كاد أن يكون رسولا .جاهد وحارب بالكلمة من أجل الحرية والعدالة والعزة والكرامة الإنسانية. جاهد بعلمه وفكرهوصوته في سبيل هذا الدين لتخريج الأقوياء. كان محاربا لم يعرف طعم الإستراحة. من كلماته الخالدة :" مئات المواطنين يعيشون العذاب كل لحظة ، مئات المغتربين يعيشون ألم الغربة والفراق بعيدين عن الأهل والأوطان والأحباب . لم يرتكبوا ذنبا إلا غير أنهم أرادوا شيئا من الحرية وشيئا من الكلمة وحرية الرأي".و " هذا الشعب الطيِّب لم يكن في يوم من الأيام إرهابياً أو تخريبياًكما كان يدّعي جهاز الأمن، ولكنه شعب معطاء ووفيّ لا ينسى المعاملة الحسنة فيما لوتوفَّرت تلك المعاملة." فكان جواب قانون رعب الدولة ، أهلا بك إلي المعتقل ومراراته وإلي السجون وعذاباتها وحتى لو تم الإفراج عنك سنلاحقك بالإقامة الجبرية والحصار. فقال السجن أحب إلي من السكوت على الظلم. ودخل معه السجن آلاف الفتية. كانت القبضان تقول للجلادين أتعتقلون رجلا كهلا أن يقول ربي الله ؟ أتعتقلون رجلا كهلا أن يقول المجد للوطن والنصر للشعب ؟ أتعتقلون رجلا كهلا أن يقول كلمة حق ؟ وانهك جسده ولم تتعب روحه ، ليرجع قليلا من الحقوق لأهلها . وغاب جسد القائد ، ليردد الشعب كما ردد مسبقا :" بالروح والدم نفديك يا جمري".
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزيــــة فقد فذّيموت بموته خلــق كثير
إن كان العالم يحتفل بمانديلا وجيفارا وغيرهم من الأحرار والثوار ، فمن حق البحرين أن تحتفل بالجمري رمزا للتغيير والإرادة ، ومن حق الجمري عليها أن تصل بإسمه وصورته للعالمية ومن حقه أيضا أن يسمى شارع البديع ، شارع الجمري ، وكتلة الوفاق كتلة الوفاء للجمري. من حق العالم أن يعلم ، أن الأحرار وخلفاء الله في أرضه ، مازالوا موجودين في كل بقاع الأرض .
إن كان تفاؤل مانديلا جعله يقول عندما سجن : " "كنت حينذاك مهمشاً , ولكنني كنت أعلم أنني لن أتخلى عن المعركة , كنت في بيئة مختلفة وصغيرة , حيث الجمهور هو أنفسنا وسجانونا . ولكنَّا نظرنا للمعركة داخل المعتقل كصورة مصغرة للمعركة ككل , فقد كانت هناك - في السجن - نفس العنصرية , ونفس الاضطهاد -كالتي في خارج السجن - . ولم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يوماً من الأيام , وكنت أعلم أنه سيجئ اليوم الذي أسير فيه رجلاً حراً تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي ؛ فإنني أصلاً إنسان متفائل , وجزء من هذا التفاؤل أن يُبقى الإنسان جزءاً من رأسه في اتجاه الشمس وأن يحرك قدميه إلى الأمام . وكانت هناك لحظات عديدة مظلمة اختبرت فيها ثقتي بالإنسان بقوة ولكنني لم أترك نفسي لليأس أبداً . فقد كان ذلك يعني الهزيمة والموت."
فلم يكن الجمري أقل تفائلا عندما بعث برسالته من خلف القضبان :"فأحمد الله سبحانه على عظيم نعمه علي، ومنها نعمة السجن، لتكفير ذنوبي،وإعلاء درجتي إذا شاء سبحانه، ومواساتي ومشاركتي لإخواني وأبنائي السجناء والغرباء، وحصولي على تربية نفسية عالية ،وإتاحة فرصته كبيرة لعبادته سبحانه وتلاوة كتابه،فله المنة وله الحمد. قرة العين، أحبائي، حبيباتي: ما اعظم شوقي إليكم، وما اشد حنيني لرؤيتكم، شوق الواله الحزين، وحنين المفارق والمعذب. وليكن ذلك ، وليكن السجن، فماعسى أن يكون مهما. عظم بلاؤه - في سبيل الله تعالى، وبسبب قضية عادلة، ومن اجلشعب عظيم. وفي سبيل يستحق أن يفدى بأغلى الأشياء.- لا تقلقوا، فالفرج قريب تلوح أمامي تباشيره ومؤشراته. اجل : سنعود بإذن الله تعالى، وستعود الابتسامة على الثغور الحبيبة، والراحة إلى النفوس المتعبة... وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا."
نعم ماذا يفعل الأعداء بالعظماء ؟ إن سجنوهم ، فسجنهم خلوة مع الله ، وإن قتلوهم فقتلهم شهادة ، وإن نفوهم ، فنفيهم سياحة لنشر دين الله ، جنتهم في قلوبهم ، وقلوبهم بيد بارئهم !
لم يرحل أبا جميل ، لأن خبر الرحيل خبر غير صحيح ودقيق ، فلم يرحل من هذا العملاق سوى جسده ، وبقى كله . بقى فكره ولسانه وصوته وتعبيره وخطابه وتفاؤله ونهجه الرسالي. حمل هذا العملاق الهم الرسالي برغم صعوبة الطريق ومشاق السير في هذا الدرب وخصوصا في عصر الظلمات ، لكنه واصل المسير وأبى إلا أن يكون شمسا تضيئ ، ونورا يهتدى به ، وليصبح قدوة ومنهج وأسلوب حياة.
قد مات قوم وما ماتت مكارمهــــم وعاش قوم وهم في الناس أموات
الحمد لله على كل حال ، ودوام الحال من المحال. إن البحرين تبكيك اليوم بحرارة ، وتودعك في رحيلك إلى مثواك الاخير. فشكرا لك أيها القائد الرائد والدكتور الفاضل والمناضل الشجاع ، لقد وصلت رسالتك . لقد عشت عظيما ورحلت عظيما. عشت ملكا متواضعا عادلا شجاعا قويا أديبا فصيحا . أحسن الله جزاءك وأجزل ثوابك ونضر وجهك يوم تلقى ربك بما حملت في صدرك وعقلك وقلبك وروحك وفكرك من هم رسالي وحب إنساني وهدي قرآني . إن القلب ليحزن ، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا على فراقك يا شيخنا وأستاذنا لمحزونون ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون . ولكن عزاءنا يبقى بما تركته لنا من ارث نضالي نفتخر ونعتز ونقتدي به . وبما أخرجت وربيت من أجيال ، زرعت فيها حب الخير والعطاء والتضحية والبذل وحب الوطن والإستعداد للموت من أجل الحق والعدل. فنم قرير العين يا أبا جميل فما نامت لك عين بليل كأن النوم قد أمسى حراما ، نم الى جانب العظماء والخالدين ، نم الى جانب أبنائك الشهداء والمناضلين من شعبنا البحراني وامتنا الإسلامية وكل الاحرار في العالم. ولسان حال الشعب إليك ، سلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا ، وعهدا منا إنا على خطاكم سائرون.
حامد الحوري
الرسالة لا تغيب والأمل لا يرحل
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} الأحزاب 23
زلزال وفاة الشموخ والإباء الشيخ عبد الأمير الجمري ، لم يكن سهلا أبدا على البحرين وشعبها. فمؤشر ريختر لم يتحمل الصدمة ولم يقوى على تسجيلها . يوم خرجت البحرين عن بكرة أبيها ، يوم كتب في تاريخ البحرين ، كأكبر تشييع وأكبر تجديد للعهد ، العهد الذي جعل من الشيخ الكبير في السن حبيسا للمعتقلات الإنفرادية علّ شوكته تنكسر. العهد الذي سطره الشهداء قبل رحيلهم بكتابات بلا عنوان ، سيقرأها الأجيال والعالم برجال الله في إنتفاضة البحرين.
تعلمنا من المدارس معنى وعلم ، لكن لم نتعلم منها معنى الحياة ولم نقرأ قصص العظماء . وتعلمنا من الجمري معاني ، فكان معنى العطاء وحب الخير للغير ، وتقديم الغير على النفس . تعلمنا من الجمري أن الحقوق تطلب ولا تعطى . تعلمنا من الجمري معنى التحدى والصمود والصبر من أجل تحقيق الأهداف. معاني لن تستطيع مدارس وجامعات اليوم أن تصل بها للطلبة وإن إدّعت عكس ذلك.
وكما كان كثيرا من كتب التاريخ ، شواهد زور ، كانت بعض الصحف المحلية والتلفزيون كذلك. ونقول مهما حاولتم التهميش وتغييب الواقع ، وإلغاء الأرقام والشواهد ، فالحق واضح ، والحق أحق أن يتبع ، والأمواج البشرية لا تكذب. لا نلوكم ، فما زلتم مرضى بأمراض قوانين أمن الدولة ، وأزال عن أبصاركم غشاوة النفاق وشافاكم من التملق والخداع . في لبنان مثلا ، معتقل الخيام ، أصبح مزارا وشاهدا للتاريخ وللأجيال على ظلم الصهاينة . وحتى في الحرب الأخيرة ، لم يتحمل الصهاينة ذلك ، ففجروا المعتقل تفجيرا. أما في البحرين ، فما زالت مخلفات الحقبة السوداء تتواجد أمامكم . فالقلعة هي القلعة ، والسجون هي السجون ، والجلاد هو الجلاد.
قد لا تدرس قصة الجمري في المدارس ، وقد يحرّم أصلا الحديث فيها ظنا بأن الأرض استلمت أمانتها وغلق ملف كبير كبير. لكن الأجيال ستتوارث ذلك ، وجيلا بعد جيل ، من الجد إلي الحفيد ، ومن الجزيرة الصغيرة إلي العالم أجمع .أنه كان هناك رجلا في جزيرة تسمى البحرين ، ومن قرية تسمى بني جمرة ، خرج من رحم الأرض ، حاملا آلام وآمال الناس ، يحكي بلسان شعبه ، يطالب لهم بحقوقهم . رجل لم يتخرج من أكبر الجامعات ، ولم يحصل على أكبر الشهادات ، ولم يعلق الأوسمة والنياشين . لكنه كان أفضل الناطقين وأحسن المخططين وأشجع المتقدمين في حين صمت حملة الشهادات ولم يحسنوا حتى التخطيط لأنفسهم. كان دكتورا بدون شهادات وهمية ، وملكا بدون عرش ، وقائدا بدون نياشين أو بدلات عسكرية ، لأنه بكل تواضع كان بطلا من الشعب ، وليس بطلا على الشعب ! في زمن كانت مواليد الجزيرة تحقن بإبر قوانين رعب الدولة علّ ذلك يفيد في إخراس الأجيال اللاحقة.أحب الناس فأحبوه ، وتحدث بلسانهم فعشقوه ، واشتاق إليهم إشتياق يعقوب إلي يوسف فخلدوه. وأخذوا يرون ويقرأون المستقبل فيه . لم يروا الشمس تخرج من مشرقها ، فأخذوا يتغنون به "أبا جميل الأمل". عاش كما يعيش الأنبياء ، صاحب رسالة ورؤية وهدف مستعدا لأن يموت من أجلهم ، ورحل كما يرحلون ، مخلفا ورائه ذكرى طيبة لمعلم كاد أن يكون رسولا .جاهد وحارب بالكلمة من أجل الحرية والعدالة والعزة والكرامة الإنسانية. جاهد بعلمه وفكرهوصوته في سبيل هذا الدين لتخريج الأقوياء. كان محاربا لم يعرف طعم الإستراحة. من كلماته الخالدة :" مئات المواطنين يعيشون العذاب كل لحظة ، مئات المغتربين يعيشون ألم الغربة والفراق بعيدين عن الأهل والأوطان والأحباب . لم يرتكبوا ذنبا إلا غير أنهم أرادوا شيئا من الحرية وشيئا من الكلمة وحرية الرأي".و " هذا الشعب الطيِّب لم يكن في يوم من الأيام إرهابياً أو تخريبياًكما كان يدّعي جهاز الأمن، ولكنه شعب معطاء ووفيّ لا ينسى المعاملة الحسنة فيما لوتوفَّرت تلك المعاملة." فكان جواب قانون رعب الدولة ، أهلا بك إلي المعتقل ومراراته وإلي السجون وعذاباتها وحتى لو تم الإفراج عنك سنلاحقك بالإقامة الجبرية والحصار. فقال السجن أحب إلي من السكوت على الظلم. ودخل معه السجن آلاف الفتية. كانت القبضان تقول للجلادين أتعتقلون رجلا كهلا أن يقول ربي الله ؟ أتعتقلون رجلا كهلا أن يقول المجد للوطن والنصر للشعب ؟ أتعتقلون رجلا كهلا أن يقول كلمة حق ؟ وانهك جسده ولم تتعب روحه ، ليرجع قليلا من الحقوق لأهلها . وغاب جسد القائد ، ليردد الشعب كما ردد مسبقا :" بالروح والدم نفديك يا جمري".
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزيــــة فقد فذّيموت بموته خلــق كثير
إن كان العالم يحتفل بمانديلا وجيفارا وغيرهم من الأحرار والثوار ، فمن حق البحرين أن تحتفل بالجمري رمزا للتغيير والإرادة ، ومن حق الجمري عليها أن تصل بإسمه وصورته للعالمية ومن حقه أيضا أن يسمى شارع البديع ، شارع الجمري ، وكتلة الوفاق كتلة الوفاء للجمري. من حق العالم أن يعلم ، أن الأحرار وخلفاء الله في أرضه ، مازالوا موجودين في كل بقاع الأرض .
إن كان تفاؤل مانديلا جعله يقول عندما سجن : " "كنت حينذاك مهمشاً , ولكنني كنت أعلم أنني لن أتخلى عن المعركة , كنت في بيئة مختلفة وصغيرة , حيث الجمهور هو أنفسنا وسجانونا . ولكنَّا نظرنا للمعركة داخل المعتقل كصورة مصغرة للمعركة ككل , فقد كانت هناك - في السجن - نفس العنصرية , ونفس الاضطهاد -كالتي في خارج السجن - . ولم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يوماً من الأيام , وكنت أعلم أنه سيجئ اليوم الذي أسير فيه رجلاً حراً تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي ؛ فإنني أصلاً إنسان متفائل , وجزء من هذا التفاؤل أن يُبقى الإنسان جزءاً من رأسه في اتجاه الشمس وأن يحرك قدميه إلى الأمام . وكانت هناك لحظات عديدة مظلمة اختبرت فيها ثقتي بالإنسان بقوة ولكنني لم أترك نفسي لليأس أبداً . فقد كان ذلك يعني الهزيمة والموت."
فلم يكن الجمري أقل تفائلا عندما بعث برسالته من خلف القضبان :"فأحمد الله سبحانه على عظيم نعمه علي، ومنها نعمة السجن، لتكفير ذنوبي،وإعلاء درجتي إذا شاء سبحانه، ومواساتي ومشاركتي لإخواني وأبنائي السجناء والغرباء، وحصولي على تربية نفسية عالية ،وإتاحة فرصته كبيرة لعبادته سبحانه وتلاوة كتابه،فله المنة وله الحمد. قرة العين، أحبائي، حبيباتي: ما اعظم شوقي إليكم، وما اشد حنيني لرؤيتكم، شوق الواله الحزين، وحنين المفارق والمعذب. وليكن ذلك ، وليكن السجن، فماعسى أن يكون مهما. عظم بلاؤه - في سبيل الله تعالى، وبسبب قضية عادلة، ومن اجلشعب عظيم. وفي سبيل يستحق أن يفدى بأغلى الأشياء.- لا تقلقوا، فالفرج قريب تلوح أمامي تباشيره ومؤشراته. اجل : سنعود بإذن الله تعالى، وستعود الابتسامة على الثغور الحبيبة، والراحة إلى النفوس المتعبة... وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا."
نعم ماذا يفعل الأعداء بالعظماء ؟ إن سجنوهم ، فسجنهم خلوة مع الله ، وإن قتلوهم فقتلهم شهادة ، وإن نفوهم ، فنفيهم سياحة لنشر دين الله ، جنتهم في قلوبهم ، وقلوبهم بيد بارئهم !
لم يرحل أبا جميل ، لأن خبر الرحيل خبر غير صحيح ودقيق ، فلم يرحل من هذا العملاق سوى جسده ، وبقى كله . بقى فكره ولسانه وصوته وتعبيره وخطابه وتفاؤله ونهجه الرسالي. حمل هذا العملاق الهم الرسالي برغم صعوبة الطريق ومشاق السير في هذا الدرب وخصوصا في عصر الظلمات ، لكنه واصل المسير وأبى إلا أن يكون شمسا تضيئ ، ونورا يهتدى به ، وليصبح قدوة ومنهج وأسلوب حياة.
قد مات قوم وما ماتت مكارمهــــم وعاش قوم وهم في الناس أموات
الحمد لله على كل حال ، ودوام الحال من المحال. إن البحرين تبكيك اليوم بحرارة ، وتودعك في رحيلك إلى مثواك الاخير. فشكرا لك أيها القائد الرائد والدكتور الفاضل والمناضل الشجاع ، لقد وصلت رسالتك . لقد عشت عظيما ورحلت عظيما. عشت ملكا متواضعا عادلا شجاعا قويا أديبا فصيحا . أحسن الله جزاءك وأجزل ثوابك ونضر وجهك يوم تلقى ربك بما حملت في صدرك وعقلك وقلبك وروحك وفكرك من هم رسالي وحب إنساني وهدي قرآني . إن القلب ليحزن ، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا على فراقك يا شيخنا وأستاذنا لمحزونون ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون . ولكن عزاءنا يبقى بما تركته لنا من ارث نضالي نفتخر ونعتز ونقتدي به . وبما أخرجت وربيت من أجيال ، زرعت فيها حب الخير والعطاء والتضحية والبذل وحب الوطن والإستعداد للموت من أجل الحق والعدل. فنم قرير العين يا أبا جميل فما نامت لك عين بليل كأن النوم قد أمسى حراما ، نم الى جانب العظماء والخالدين ، نم الى جانب أبنائك الشهداء والمناضلين من شعبنا البحراني وامتنا الإسلامية وكل الاحرار في العالم. ولسان حال الشعب إليك ، سلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا ، وعهدا منا إنا على خطاكم سائرون.
حامد الحوري