نيلسون منديلا ...
مسيرة طويلة نحو طريق الحرية


منذ فترة قصيرة جاء موظف عربي مهاجر ليعمل في شركة طيران أمريكية كبيرة , وعند وصوله تعرَّف عليه المسلمون في الشركة ودعوه للغداء الأسبوعي , حيث يجتمعون في قاعة من قاعات الشركة ويتناولون الغداء ويصلُّون الظهر ويستمعون لدرس في العلوم الإسلامية أو علاقاتهم بغيرهم . ولما صلُّوا استغرب العقل العربي المهاجر للعمل هذه الحرية , ثم جلسوا لبدء الدرس فهمس في أذن الأخ الذي عن يمينه : هل هذا العمل قانوني ؟! قال له الذي بجواره : نعم , ولنا سنوات نفعله . ولم يطمئن , ولم يكد يصدق , فهمس في أذن الأخ الذي عن يساره : هل أنت متأكد أن هذا العمل مشروع وقانوني ؟! فاستنكر المسؤول خوف الرجل وسؤاله لأنه أقدم عهداً وهذا حق مكفول لكل مجموعة تريد ذلك .

لقد كان هذا المسلم الذي وفد من بلد مشرقي عربي ينعم ببعض بصيص الحرية النسبية مقارنة ببلاد عربية أخرى مستغرباً جداً أن تسمح الشركة بل الحكومة الأمريكية لعشرين شخصاً أن يصلوا ويتدارسوا الإسلام - بل أي قضية - في حجرتهم تلك ! الأمريكيون المسلمون تعجبوا لمستوى الكبت في بلاد المسلمين وتدهور عقل الإنسان وقيمته في بلاد المسلمين التي أحبوا دينها فاعتنقوه , وأنكروا فيها هوان الإنسان وتردِّي قيمته , وهذا حاجز كبير يمنع دخول الناس في دين الله , فما إن تتحدث عن هذه الأمور حتى تقدم اعتذاراً مما يحدث , وإثبات أن الإسلام ليس هو الذي تشاهدونه في بلاد المسلمين .

وعربي آخر قال لهم : إنكم أيها الأمريكيون لا تعرفون ظلمات الواقع العربي , وتحول الهمس ليكون موضوع اللقاء فزاد خوف الأخ وتوجسه . ولا لوم عليه ولا تثريب فقد جاء من بلاد الرعب المتبادل , فالشعب يخاف حاكمه , والحاكم يرهب شعبه , والثقة والأمن أعز مطلوب , فالاجتماعات في بلده محرمة , فكيف بالدينية ؟! ويحسب كل اجتماع ديني خاص بأن وراءه مؤامرة انقلاب وذهاب لرأس الزعيم ! .

وهذا أنتج عندنا عزوفاً عن بعض القضايا المهمة والأخطر في حياة الأمة , ومن أهم هذه القضايا "قضية الحرية" , حرية قول الحق وممارسته , حرية الدعوة له , حرية نصره , وأَطْر الناس على الحق . حريتنا وكرامتنا أن نحيا كما أراد الله لنا عباداً له وحده أعزة أحراراً , لا نقبل بالخضوع لغيره, ولا نستسلم لغير شرعه, وفي ظل شرعه والالتزام به نُحكم كما نريد, ونوالي كما نريد, ونعادي كما نريد, ونعلم ما يُراد بنا, ونعلم مصالحنا ومضارنا. ونتدارس أمرنا بكامل اختيارنا دون قهر خارجي أو استبداي, فمَن الذي يزعم أن شخصاً واحداً كليلاً عليلاً يفهم كل شيء , ويعرف كل شيء ! اللهم لا , إلا في عصر "مدَّعي الألوهية من البشر" في ظلمات المثبورين الذين قال أحدهم : {ما علمت لكم من إله غيري} وقال : {ما أريكم إلا ما أرى} وما أشبه تلك الحال .

ألم يشهد المسلمون أعظم تجربة حديثة العهد أمامهم منذ شهور , أم هل تراهم توقعوها مسرحية أمريكية شكلية ! لقد شهدوا وشهد العالم رئيس أمريكا يقف في قفص الاتهام محاصَراً, محمرّ الوجه يستغيث بالمناديل ليمسح عرقه, ويأمل في عطف الشعب, ويكاد يستقيل قبل أن يُقال, يحدوه أمل كبير أن ينجو من حصاره من أجل قضية خلقية , هي في معيارهم عادية ؛ ومن قبل طردوا زعيماً ومفكراً استراتيجياً كبيراً "نيكسون" من البيت الأبيض من أجل مخالفة خلقية صغيرة فيها اعتداء على خصوصيات الآخرين, حادثة تجسس على الحزب المناوئ ؛ لأنه علم عنه وسكت ! ولكن شعوباً كاملة - هي شعوبنا - ليس لها خصوصية وليس لها حرية ولا تجرؤ على التلفظ بها, وتنـزع منها قيمتها, بل تمسخ الكلمات الكبيرة فتصبح كريهة المعنى والظل, فيسمى الخروج عن الأدب حرية, واستقدام راقصة تطوراً, ويسمى نشر الدعارة رقياً . وغابت الكلمات والمعاني والأفعال الشريفة , فلم تخرج هذه الشعوب يوماً فتقول للظالم : قف ! ولا لمستبد : هذا حدُّك ! لأن الكلمات في زمن الاستبداد تفقد معانيها فيصبح الجور عدلاً واستقراراً, والسكوت على الذل حكمة, والحرية حرية الفساد, وكلمة الحق والنصح لله وللمسلمين طريقة الخوارج والبغاة !

والمسلمون في بلادهم لا يحق لهم ولا يسألون عما يفعل بهم , ولا هم ينطقون , بل قد يهمس شجعانهم في الخفاء, وهؤلاء الهامسون بالكرامة والحرية قليل مستضعفون, يخافون أن يتخطفهم الجواسيس, أو هاربون خائفون. وتصبح الكرامة والعزة والحرية تهمة وعيباً وتطرفاً وخروجاً .

ومنذ قرون استوطنت هذه الأمراض في معظم البلاد الإسلامية إلى اليوم, فليس للشعب المسلم المستضعَف دور في قراره , لا يوالي بقراره ولا يعادي بقراره بل بوصاية من الخارج . يقول برنارد لويس إن العرب منذ جاءهم نابليون الفرنسي , حتى أخرجه من بلادهم ضغط بريطانيا (!!!) , منذ ذلك اليوم وإلى اليوم - أكثر من مائتي عام - أدرك العرب أنهم لا يملكون شيئاً من قرارهم. أي يذهب مستعمر بسبب ضغط من مستعمر جديد, وقد يبدل لباسه ويرسل وكلاء محليين !

وجاء عزوفنا عن "الحرية" - مصطلحاً وسلوكاً وشعاراً - بسبب الخوف من المشاكلة مع الذين أساءوا للمصطلح, أو أن غيرنا استخدم اللفظ أو رفع الشعار وتاجر به في غير مكانه أو خالف الحق والشرع .

وقضية الحرية ومفاهيمها الشرعية يجب أن تكون على أولويات قائمة المطالب الإسلامية ؛ فحرية المسلم في قول ما يعتقد, وإنكار ما يرى من منكر وباطل, وحريته في قول كلمة الحق, وممارسة واجبه الشرعي في التوجيه والنصح والإصلاح هي طريق الحق والعزة والكرامة والسيادة. أما السكوت والخمول والتواكل والرعب من كلمة الحق فهي شر طريق سلكته أمة, وهي طريق الخذلان والهزيمة , ومخالفة سُنة الله في الشرع والواقع . وسنة الله في الصدع والدفع وقول كلمة الحق واحترامها ما قام عليها مجتمع موحِّد إلا عز ونجا , ولا تهاون بكلمة الحق وممارسته والإعذار إلى الله إلا مَن جانب الشرع ورضي بالخذلان والهوان والمعصية . خفنا من هذه الكلمة لأن الفاسدين استغلوها للترويج للانحلال , واستخدمها الدهريون - العلمانيون أو اللائيكيون - للترويج لوثنيتهم, واستغلها الشهوانيون لممارسة الفسق والخروج على الآداب . وقد آن أن نعيد قضايانا الهاربة من خطابنا, ونزرع العدل في بلادنا, ونتعود عليه ونحبه , فبالحق والعدل نتحاب وتنتهي عوامل الفرقة والخوف والخضوع للبغاة والمحتلين .

وعملية التحرر في بلاد المسلمين لا تتم فجأة, ولا من كلمة وموقف, ولكنه مشروع متواصل, وركام من الثقافة والسلوك, وشجاعة في الكلمة والتصرف, حتى تصبح العزة خلقاً عاماً, وتربية الأخلاق للفرد والمجموع أطول عمليات الإصلاح إطلاقاً . ومن بعد رسوخ خلق العزة والكرامة تنسجم الأمة مع نفسها ودينها وتاريخ أمجادها, وإلا فإن شواهد العزة في عهد الرسول (ص) وصحبه والتابعين لا يقدر المسلم المعاصر الذي صودرت حريته وعزته أن يفهمها ولا أن يتجاوب معها.

الحرية أم العدالة ؟ :

كان الرجل العربي حراً أنفاً, لا يخضع إلا لربه, ويعتبر الخضوع لغيره عبودية له ؛ لذا اختار الله العرب للرسالة, لما تميزوا به من عزة النفوس وشَمَمها وبراءتها من عسف المستبدين, فلا يقبلون العبودية للملوك - ملوك فارس والروم - ولا مَن استخدمتهم هاتان القوتان لإخضاع الناس على حواشي الإمبراطوريتين, يفتخر الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم - مذكِّراً قومه بعناصر عزتهم وشرفهم وأيامهم الماجدة الحرة - :

وأيام لنا غر طوال ******* عصينا الملك فيها أن ندينا

ويقول - مستنكراً محاولة الاستبداد - :

بأي مشيئة عمرو بن هند ******* نكون لأمكم فيها قطينا ؟ .

ويأنف من خضوع الحاكم للجواسيس, أو خضوعه - وهو سيد قومه - لما سقط فيه الحاكم من طاعة الوشاة وتأثيرهم في قراره :

بأي مشيئة عمرو بن هند ******* تطيع بنا الوشاة وتزدرينا ؟


 

درس من الأسد الأسود :

إن مشاعر العزة وثقافة التحرر قلَّت في واقع المسلمين اليوم, وكادت أن تكون تاريخاً بعيداً جداً, ولما قرأت سيرة مانديلا جددت تلك القصة معاني تستحق الاهتمام والوعي في بعض بلاد المسلمين التي تشارك إفريقية الجنوبية الكثير من الأحوال المشابهة.

خرج مانديلا من السجن بعد عشرة آلاف يوم كاملة في المعتقل , وكان عمره واحداً وسبعين عاماً وقاد دولته الجديدة في طريق لم يسبق أن سارت فيه من قبل. وكتابه "مسيرة طويلة نحو الحرية" - دار الهلال , مصر , عام 1995, ترجمة د.فاطمة نصر - من أجمل الكتب , بل ومن كتب العالم الثالث المهمة التي روت واحدة من سِيَر العالم المغلوب وكيف كافحت أمة لتحصل بعد قرون متطاولة على حريتها . فقد احتاجت جنوب إفريقية إلى ثلاثمائة وأربعين عاماً لتنال استقلالها , ولا تتوهموا أن جميع الإفريقيين في جنوب إفريقية سعوا إلى الاستقلال, ولا تتوهموا أن كل الرجال يحبون الحرية ويسعون لها ! فليس كل السود قاتلوا من أجل الحرية والاستقلال, ولا كلهم سُجن ثلث قرن كما حدث لمانديلا, فليس كل الناس يسعون للحرية ولا كلهم يحبها . لا , بل استقلت جنوب إفريقية - أو نال السود حقوقهم على الأصح - على الرغم من كراهية عدد من السود غير قليل؛ فمنهم أعداد هائلة كانت تقاتل في صفوف المستعمِرين - الأفريكانو "البيض" وترى في مانديلا شراً وشيوعياً أحمر ! يريد أن يحرمهم من الخير الذي جاء به السادة البيض, فقد جاءوا لهم بالإنجيل والدخان والموسيقى والثياب الحمر المرقشة , لقد جاءوا لهم بالذل والخنوع, والراحة من التفكير والمبادرة, أراحوهم من مسؤولية القرار, ومن ثقل الاختيار, وتلك نِعَم يهنأ بها العبيد - دائماً - في كل مكان, والعبودية ليست لوناً ولا جنساً ولكنها حالة نفسية, أو "عجز حُكْمي" كما يعرفها الفقهاء . وإن الأحرار من طراز آخر من الرجال - أمثال مانديلا - يهون عليه أن يموت أو يُسجن ثلث قرن ولا تهون عليه كرامته وحريته . كان زعماء "المؤتمر" في السجن مطارَدين أو يعملون ضد الاحتلال سراً , وكان بعض المتعلمين الدكاترة والقساوسة والصحفيين من السود أنفسهم - ويا لَلأسف ! - ضد الاستقلال "الشرير" وضد "سرطان" الحرية ! مع أن البيض "السادة" كانوا لا يؤاكلونهم ولا يشاربونهم ولا يزاوجونهم , ولا يستخدمون المواصلات التي يركبها السادة, ولا يسمحون لهم بالسكن في مناطقهم, ويحرمون عليهم حتى بعض أنواع اللباس, ويمنعونهم حرية التنقل, وبعض أنواع العمل , بل لا يرى فيهم البيض بشراً من البشر ! ومع هذا فقد كانت طائفة من السود تقدس البيض وتعبدهم وتطيعهم بلا حدود. كان هؤلاء العملاء من السود خونة للحرية وكانوا جواسيس للحكومة العنصرية وكانوا رَصاصاً في قلوب شعبهم لصالح الأجانب , ولكأن "الرصافي" عاش تلك السنوات في جنوب إفريقية ؛ ليقول :

عبيد للأجانب وهم دوماً ****** على أبناء جلدتهم أُسود

فقد كان العنصريون البيض يجدون طبقة متغرّبة من السود - يسمونها متعلمة - تافهة الشخصية تابعة للبيض, يحاربون بها الشعب الأسود نفسه, وقد كانت هذه الطبقة حذاءً تسعى عليه الطبقة العنصرية لتحقيق مصالحها وخدمتها, أو وقاءاً للبيض , تقيهم من حراب الإفريقيين السود ويقع فيها الضرب ويتقي بها السيد الأبيض الأيدي المضرجة بالدم, التي تطرق باب الحرية , ولكن السود أدمنوا طرْق باب الحرية حتى نالوها.

يقوم هؤلاء المتغربون - "طبقة الوسطاء" بين السود والبيض - بجمع السود في مصانع البيض وترتيب عملهم والإشراف على إخلاصهم, وبذل كل جهدهم للسيد الأبيض , منهم من يشرف على قومه العمال وعملهم من قبل الفجر إلى الليل في مناجم الذهب والمصانع وأعمال البناء وتربية الحيوانات والمزارع , ينتجون الملايين للمستغل الأبيض ويَقنعون ببعض جنيهات في نهاية الشهور السود تحت أطباق الأرض . لا تكاد تكفي هذه المبالغ الزهيدة لطعامهم ومسكنهم غير الإنساني في مساكن المصانع والمزارع وأحياء الفقر , حيث تقل كثيراً عن غرف كلاب السادة البيض !

أما السماسرة الوسطاء فهم قيادات سوداء يصنعها البيض, قساوسة وكُتَّاب وموظفون, ويعطونهم بعض المزايا عن الشعب ويدفعون لهم أكثر ليستمروا في إخضاع جنسهم الأسود للبيض , وهذه الطبقة كانت رأس الحربة في قلب الشعب, وهي الأخطر في وجه مانديلا والمؤتمر الإفريقي , وهي التي كانت حاجزاً دون أن يتصل بالشعب ويبلِّغه رسالته ويلهمه حريته وكرامته, هذه الطبقة من الشعب الإفريقي جمعت اللؤم والدناءة من الشعبين وباعت كرامتها وحريتها للأفريكانو , في البداية عن جهل وسذاجة وشهوة للمَيزات المادية, وفيما بعد عن عمالة ولؤم وتنكُّر لإنسانيتها وعن آلية حيوانية وانعدام للإنسانية والخلق في سلوكها , ومَن يهن يسهل الهوان عليه . كانت هذه الطبقة ترى إخوانها وأخواتها وشعبها يذل ويمتهن بها وهي لا تدري ولا تحسب , بل بعضهم يقول : "إنني أقوم بما يمليه عليَّ عملي وواجبي" !! بل يجرؤ بعضهم ويقول بما يمليه عليه عقلي ووطنيتي !! ومهما وضعت من علامات التعجب فإنها لا تغني شيئاً تجاه هذا الموقف من شخص يُتوقع أنه بقي له عمل وواجب وعقل ووطنية وهو يرى قادة المؤتمر في السجن غذاؤهم الجوع أو حساء الذرة البارد والمتعفن, ولما طالبوا بالخبز قال لهم السجانون في صفاقة : "الخبز ضار بالإنسان" ! هكذا قالوا لمانديلا ورفاقه . لِمَ لا يضر الخبز بالإنسان ؟! , والحرية أضر بنفوس الشعوب من الخبز, فالحيوان يطعم ولا يثور, ولكن الحرية غذاء مدمر لكل وسيلة وقاعدة ونظام مستبد. غير أن المستبد يفقد الكرامة والإنسانية فيتوقع أن الناس - وفيهم العباقرة والدهاة - ليسوا بشراً ! لأنه بلغ دركات العنصرية وظلام الكفر وانحطاط العقل والعاطفة , فتنقلب عنده الأمور. ويرى الكرامة والطعام الطيب مضراً بالبشر, أو مضراً بغيره هو ؛ لأنه هو البشر الوحيد في العالم ! هكذا يفكر اليهود والأفريكانو والنازيون .

وإذا كان الخبز خطيراً إلى هذا الحد فكيف بالحرية ؟!! , إنها قنابل نووية .

وعلى عكس تلك النوعية الرخيصة من السود يفاجئنا مانديلا بذكر قصة المحامي الأبيض "برام منيشر" , وهو ابن لرئيس وزارء مستعمرة نهر أورانج وكان والده رئيس قضاة , كان يدافع عن مانديلا وأعضاء المؤتمر وكان يؤرقه أن الرجال الذين يدافع عنهم يذهبون إلى السجن, بينما يعيش هو حراً طليقاً ! وبعد محاكمة ريفونيا قرر المحامي الأبيض أن يلحق بالعمل السري مع السود أنصار مانديلا ضد أعداء الإنسانية البيض "قومه" , ونصحه مانديلا أثناء المحاكمة ألا يفعل ذلك ؛ لأنه يخدم المعركة أفضل في قاعة المحكمة, وحتى يرى العالم أفريكانياً وابن رئيس قضاة ينافح عن المظلومين , ولكن لشهامته لم يكن ليتحمل رؤية نفسه حراً والأبرياء يعانون, فقد كان كالقائد الذي يقاتل جنباً إلى جنب مع جنوده, لم يرد أن يطلب من الآخرين أن يقدموا تضحية يتورع هو عنها , والتحق بالعمل السري ضد البيض (قومه) , فقُبض عليه ثم أفرج عنه بكفالة, وقبض عليه مرة أخرى وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة, ولما أصابه السرطان في السجن شنت الصحافة حملة للإفراج عنه ومات بعد خروجه واستمرت الحكومة البيضاء في مطاردته , حتى بعد وفاته وصادرت رماد جثته بعد حرقها ! وهكذا قد يخرج حي الهمة شريف الطباع من منبت السوء والوحشية أحياناً .

ويقول مانديلا بعد هذا : "قدم برام فنيشر أكبر التضحيات على الإطلاق , فمهما كانت معاناتي في بحثي عن الحرية فقد كنت أستمد القوة من كوْني مناضلاً مع ومن أجل شعبي, أما برام فكان رجلاً حراً ناضل ضد شعبه, من أجل أن يضمن الحرية للآخرين" (ص257) , إنه رجل شريف يحترم ذوي المواقف ويقدرها, ألم يقل الرسول (ص) لو كان "المُطْعم" حياً لوهبت له هؤلاء النتنى (أسرى بدر) . وقد وقف مع الرسول (ص) موقفاً شهماً لم ينسه له على الرغم من كفره .

وقال مانديلا عنه - مرة أخرى - : "ومع أنه أفريكاني فقد فرض عليه ضميره أن يرفض إرثه الظالم ونبذ قومه , وأظهر مستوى من الشجاعة والتضحية لا نظير له, فقد كنت أنا أقاتل ضد الظلم وليس ضد قومي"(209-210) .
 


دروس مانديلا في السجن :

الحياة في السجون والابتلاء سُنة رافقت الأحرار في مختلف العصور - وفي عصرنا خاصة - وقامت ثروة فكرية وتجريبية متشعبة في بقاع الاستعمار العديدة مما جعل دعاة الحرية والاستقلال والدعوة أحياناً يعتبرون المرور بالسجن علامة صدق الداعية وإخلاصه , وإن لم يمر بهذه التجربة فهو ليس في مرتبة هؤلاء ! .

قال مانديلا - عن السجن - : "إن حياة المعتقل روتينية ؛ تتماثل فيها الأيام حتى تختلط الأشهر والسنوات . وإن أي شيء يخرج عن القالب يقلق السلطات ؛ لأن الروتين علامة من علامات حسن الإدارة في السجن ! وقد كانت الساعات من أي نوع ممنوعة , وكنا نعتمد على الأجراس وصفارات السجانين وصيحاتهم لمعرفة الوقت , وكان من بين أوائل ما فعلته هو أن أسجل تقويماً على الحائط , فإن الإنسان إذا فقد قبضته على الوقت فقد قبضته على سلامة عقله .

إن التحدي الذي يواجه كل سجين خاصة السجين السياسي هو المحافظة على ذاته في السجن وأن يخرج من السجن دون أن يتضاءل , وأن يحتفظ , بل ويزيد من عقائده , وأول مهمة لتحقيق ذلك هو أن يتعلم المرء كيف يبقى , ولكي يتحقق ذلك فلا بد للمرء أن يعرف هدف عدوه ؛ فإن السجن يهدف إلى هزيمة معنويات الإنسان , وتقويض عزمه , ولكي يتحقق ذلك تحاول السلطات استغلال كل ضعف وتحطيم كل دافع , وأن تبطل ما يدل على التفرد , وذلك لكي تقضي على تلك الومضة التي تضفي على كل آدمي هويته.

وكان بقاؤنا يعتمد على فهم ما تحاول السلطة أن تفعله وتشارك ذلك الفهم , كان من المستحيل أن يقاوم الفرد منفرداً , وكان خطأ السلطة الأكبر هو إبقاؤنا معاً ؛ لأن ذلك قوَّى تصميمنا , وهكذا عاون الأقوياء مَن هم أقل قوة وصرنا جميعاً أقوياء , وفي النهاية كان علينا أن نصنع طريقة حياتنا داخل المعتقل , وكما اعترفت بذلك السلطات فقد كنا نحافظ نحن على النظام أكثر من السجانين"(ص210) .

ويقول - في مكان آخر - : "إن المعتقل لا يأخذ من الإنسان فقط حريته , ولكن أيضاً يحاول أن يحرمه من هويته , فإن الجميع يرتدون نفس الملابس , ويأكلون نفس الطعام , ويتبعون نفس برنامج الحياة اليومي , وإن الدولة المتسلطة فقط هي التي لا تسمح باستقلال الإنسان وتفرده" (ص180)

من أفكاره ومواقفه :

في المحكمة قال مرة إن أوضاع شعبه الأسود كانت قبل قدوم البيض عيش في سلام وأمن وديموقراطية قبلية بلا ملكيات واسعة ولا استغلال للإنسان , وكان الشعب بلا طبقات كلهم سواسية وكان ذلك دستور القبائل ومجالها وذلك التاريخ والحرية هو الذي يلهمه موقفه الآن .

وقال إن حياتي في الخفاء أصعب من حياتي المحتملة في السجن في الهم , وإن تحدينا كان بسبب أعمال ومواقف الحكومة , وإن آخرين قبلي قد دفعوا ثمن معتقداتهم وآخرين أكثر سيدفعونه بعدي , ثم ختم قائلاً : "إن الشيء الوحيد الذي هو أقوى من كراهيتي للظروف البشعة التي سأخضع لها في المعتقل هو كراهيتي للظروف البشعة التي يخضع لها مواطنيَّ خارج السجون في عموم البلاد , وبعد انتهاء مدة الحكم عليَّ فسأواصل المعركة لإنهاء تلك المظالم حتى تختفي إلى الأبد" (ص177) , وقد عمل إلى أن أخفاها إلى الأبد .

وكان يرى أن النظام الظالم لا يمكن إصلاحه , ولكن يجب التخلص منه .

وقال مرة - في زمن المفاوضات معه - : "إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سُجنت من أجلها" ! (287) .
 

التفاؤل والأمل :

يقول : "كنت حينذاك مهمشاً , ولكنني كنت أعلم أنني لن أتخلى عن المعركة , كنت في بيئة مختلفة وصغيرة , حيث الجمهور هو أنفسنا وسجانونا . ولكنَّا نظرنا للمعركة داخل المعتقل كصورة مصغرة للمعركة ككل , فقد كانت هناك - في السجن - نفس العنصرية , ونفس الاضطهاد -كالتي في خارج السجن - . ولم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يوماً من الأيام , وكنت أعلم أنه سيجئ اليوم الذي أسير فيه رجلاً حراً تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي ؛ فإنني أصلاً إنسان متفائل , وجزء من هذا التفاؤل أن يُبقى الإنسان جزءاً من رأسه في اتجاه الشمس وأن يحرك قدميه إلى الأمام . وكانت هناك لحظات عديدة مظلمة اختبرت فيها ثقتي بالإنسان بقوة ولكنني لم أترك نفسي لليأس أبداً . فقد كان ذلك يعني الهزيمة والموت" (211) .

ويعترف في مكان آخر أنه أُصيب بمرض يجعل عقله ينقله إلى لحظات فرح وحزن غامرين , ويُخيَّل إليه في تلك الأحوال مرة أنه أطلق وأنه يسير في الشوارع والبيوت التي أحبها , ويخيل إليه أيضاً أنه يدخل منازل أشباح !

ولم ييأس مانديلا وصحبه ؛ فقد كان زعيم المؤتمر المطارَد - أوليفر وأتباعه - يجوبون العالم كله ؛ يشرحون للناس عنصرية جنوب إفريقية , وشرها المدمر للإنسانية , وكانت صور مانديلا في كل مكان مع طلب بالإفراج عنه , كنت أدرس في معهد اللغة بالجامعة وأرى اللوحات بأيدي الطلاب وعلى الشوارع ومواقف الحافلات ولم أكن أفهم وقتها معنى تلك اللوحات, ولا لمن هي وبعد فترة وأسئلة عرفت عن وجود أناس ناشطين في الجامعة يطالبون بحرية أسود معتقل في جنوب إفريقية, ويتعاطفون معه ضد الحكومة العنصرية . نعم , كانت هناك دول تتعاطف مع المؤتمر والسود , ولكن السود في جنوب إفريقية لو لم يحرصوا على حريتهم , وإنهاء التمييز ضدهم في بلادهم لما أهداها لهم العالم الخارجي . ولو لم يموتوا في سبيل حريتهم ويهتموا بحقهم لما سمع عنهم أحد , أو لو سمع لأُسكِت بالذهب الإفريقي الأحمر الذي استُخلِص بعرق المواطنين المساكين .

ولكن العزيمة القوية والصبر والاستمرار والإعلام المنشط للوعي والمثور للضمير , وكثير من عشاق الحرية في العالم وقفوا إلى جانبهم وسخروا الإعلام العالمي لمصلحتهم, حتى أصبحت الأخبار التي تُنتشر ترهب السجانين أنفسهم وليس الشعب المسجون, ومن أمثلة التهويل الإعلامي لصالحهم ما ذكره مانديلا حين قال إنه شكى مرة لزوجته وندي : "أن الحذاء الذي تسلمته أصغر من حجم قدمي, وسمعت بعد ذلك أن التقارير قالت إنه ستُجرى لي عملية لبتر إصبع قدمي , وجاءت محامية لرؤية قدمي سليمة, وحدث أن شكونا من رطوبة الغرف ونشرت الصحف أن زنزاناتنا قد أغرقتها المياه" (ص283) , وقد واجهت حكومة الأفريكانو الهجين هذه الضجة الإعلامية بتعتيم كامل على قضية مانديلا وصحبه, يحاصرون أخباره ويمنعون نشرها ويبعدون ذكره بكل طريقة, ويحاولون - على طريقة المستبدين الأقزام - إشغال الناس بسماع أخبار منجزاتهم وذكر أسمائهم هم وقد بقي كلامه محرماً في بلده على قومه لمدة عشرين عاماً (ص287) . ولكنهم في النهاية ينفقون أموال الدعاية وتكون عليهم حسرة ثم يُغلبون ويخرجون أو يستسلمون للسلطة الجديدة.

ومع هذا فقد كانت حملة المؤتمر الإفريقي لمناصرة مانديلا وصحبه كبيرة متنوعة , شملت بقاع العالم الواسعة . وعمل المؤتمر على أن يحصل مانديلا على جائزة نهرو في الهند , وحضر أوليفر رئيس الحزب لتسلمها نيابة عنه .

ولم يفتّ السجن في همته على الرغم من قسوته, وربما ساعده على ذلك كثرة العدد المعتقل وعالمية الدفاع ووضوح القضية . يقول لهم مرة: "إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتُقلت فيها فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سُجنت من أجلها" (ص287) ؛ ولذلك كان "مانديلا" يؤكد أن تجربة النضال في جنوب إفريقية علَّمته أن العنف ليس دائماً خياراً منبوذاً عنده, بل يقول: "إن خمسين عاماً من عدم العنف من جانب المؤتمر لم ينتج عنها سوى القوانين الظالمة, والاستغلال والاضطهاد للإفريقيين , وهكذا بدت السياسة التي تهدف إلى إقامة الدولة غير العنصرية عن طريق عدم العنف غير مجدية" (ص195) ؛ فقد أجبرتهم غطرسة المحتلين العنصريين على المواجهة بوسائل أخرى .

ثم يتواضع ويتفلسف , فيقول - عن علاقته التي انتهت وبزوجته إلى الطلاق - : "لكني مقتنع أن حياة زوجتي أثناء وجودي في السجن كانت أصعب من حياتي, وكانت عودتي أكثر صعوبة بالنسبة لها. فقد تزوجتْ رجلاً سرعان ما تركها وصار ذلك الرجل أسطورة, وعند عودة الأسطورة إلى المنـزل ظهر أنه مجرد رجل" (ص347) , وهنا لمسة تواضع جميلة ؛ فقد قل عنده الغرور الذي يركب مَن كان في مثل إنجازه .
 

المعتقدات الراسخة :

ساق الكتاب بلا تهويل - كالذي حدث في بعض الكتب التي تصف ملامح السجون العنصرية - أنواعاً من العذاب الدائم والتصميم المستمر عنده وعند صحبه على المواجهة والتعلم والتطور وترقية القدرات العلمية والعقلية , وقد حصل على شهادة جامعية في السجن. ويقول : "أما جسم الإنسان فيتكيف مع أي ظروف قاسية, كما أن المعتقدات الراسخة هي سر البقاء في ظروف الحرمان" (ص226) .

ويقارن هذا بما ورد عند فرانكل - في كتابه "الإنسان يبحث عن معنى" - : "إن السجين الذي فقد ثقته بمستقبله وبالمستقبل عامة يكون قد حكم على نفسه بالفناء. وهو مع فقدانه للثقة بالمستقبل يفقد تماسكه المعنوي , ويكون بذلك قد ترك نفسه للتدهور, وأصبح عرضة للانهيار العقلي والجسمي" (ص105) .

إن أمانة الكلمة والموقف, وصحة التوجه والقصد , تُلزم الشرفاء المخلصين وزعماء الأمة ودعاة الحق أن ينادوا بحرية الأمة وزرع أخلاق العزة والاستقلال وكرامة الأنفس والحرمات والأعراض والبيوت من أن تكون نهباً مستباحاً, فلم يستبِحْ الغزاة دول وأقطار المسلمين وحرماتهم وأعراضهم وثروتهم وحدودهم إلا لأنهم قد قبلوا قبل ذلك بمستبيح مستبد صغير , لا يرعى لهم حرمة, ولا يقدر لهم قدراً ولا ديناً ؛ ولأنهم سكتوا عن طلب العدل والحرية والمساواة , فلم يعرفوها ولن يرَوْها ولن يذوقوها حتى يدفعوا ثمنها .

والله غالب على أمره .


بقلم
د: محمد حامد الاحمري
مجلة المنار الجديد – العدد الثاني عشر