العملاق نيلسون مانديلا‏..‏ والعالم العربي
بقلم : أحمد عبدالوهاب جبارة الله


جمعتني جلسة حوار مع بعض الأصدقاء من المثقفين الأفارقة‏,‏ وكان محور الحوار يدور حول العملاق نيلسون مانديلا‏..‏ هذا الرجل الذي إستحق بجدارة أن يسمي عملاق القرنين‏..‏ العشرين والحادي والعشرين‏.‏ ومن الملاحظ أن بعض المشتركين في ذلك الحوار‏,‏ كانت لهم مساهمات في حركة التحرير الأفريقية للتخلص من السيطرة العنصرية في الجنوب الأفريقي‏,‏ الأمر الذي جعلني أولي لآرائهم أهمية خاصة‏.‏ عليه فقد أخذ الحديث مسارا يسلط الضوء علي نيلسون مانديلا ليس باعتباره أسطورة‏,‏ ولكن باعتباره قوة هائلة قادت حركة إنسانية غيرت وجه التاريخ الحديث‏.‏ وبهذا المفهوم الديناميكي الواسع‏,‏ أراد هؤلاء المثقفون الأفارقة أن يتفادوا تسليط الضوء علي مانديلا كشخص يتمتع بميزات خارقة‏,‏ بل يتعدون ذلك إلي تسليط الضوء علي الإرادة السياسية الجماعية التي شكلت هذا العملاق‏,‏ نتيجة الإصرار علي العدل والحرية والمساواة في كفاح إستمر لأكثر من ثلاثمائة سنة‏,‏ ضد نظام أنكر أبسط حقوق الإنسان‏,‏ واتسم بالشراسة والإضطهاد والعنصرية السافرة‏.‏
ولعل المغزي من هذا المنهاج في التعامل مع نيلسون مانديلا‏,‏ هو دحض بعض الأطروحات‏,‏ التي لا يخلو بعضها من غرض‏,‏ والتي تحاول وضع شخصية نيلسون مانديلا في قفص الشخصية الأسطورية الخارقة وفصلها عن جذورها ومكوناتها الإجتماعية والسياسية وبالتالي الإيحاء الخفي للناس بأن الرجل لا يعدو كونه فلتة من فلتات التاريخ العارضة‏..‏ وهدم الجسور التي تربط حركة الكفاح الذي قاده الرجل لينتهي الأمر في إفريقيا وغيرها للإحتفاء ببطل أسطوري‏,‏ دونما جني الثمار المترتبة علي كفاحه بالتغيير الإجتماعي والإقتصادي والسياسي المنشود‏.‏ وهذا النهج الواعي في دراسة نيلسون مانديلا‏,‏ يؤكد الصلة العضوية بين الرجل وأصوله وكفاحه‏,‏ والتذكير بأن الجدوي من هذا الكفاح أن تتوالي أجيال من حاملي هذه الشعلة لتحقيق الأهداف التي ضحي من أجلها مانديلا ورفاقه‏.‏ ويكفي للمرء أن يذكر في هذا السياق أن مانديلا هو كوكب وضاء في عقد فريد من المناضلين الذين لا يمكن حصرهم‏,‏ خرجوا جميعا من رحم مدرسة الكفاح الوطني الأفريقي ضد العنصرية المؤسسية‏,‏ ومن قادة هؤلاء ثلاثة حصلوا علي جائزة نوبل للسلام‏(‏ ألبرت لوتولي‏,‏ ديسموند توتو ونيلسون مانديلا‏).‏

وقال لي أحد المحاورين أن نيلسون مانديلا ليس حكرا لجنوب إفريقيا أو حتي لإفريقيا كلها‏...‏ وإنما هو قوة دافعة ومحركة للتاريخ البشري بالقيم السامية في تجسيد الحرية والعدل والمساواة وانتزاع الحقوق المهضومة‏.‏ بل ذهب محاوري هذا‏,‏ وأنا معه‏,‏ إلي أن خروج نيلسون مانديلا من السجن في فبراير عام‏1990‏ يمثل زلزالا في حركة التاريخ السياسي‏,‏ هو في مصاف الزلزال الذي أحدثه سقوط الباستيل وبزوغ الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي‏..!‏


في خضم هذا الحوار قفز إلي ذهني سؤال ظل يؤرقني منذ فترة‏..‏ وهو موقع نيلسون مانديلا في الوجدان والفكر السياسي العربي‏..‏؟ ومبعث هذا السؤال‏,‏ ذلك الترابط التاريخي بين حركة الكفاح ضد الإستعمار والعنصرية في أنحاء مختلفة في إفريقيا والعالم العربي‏.‏ الأمر الذي يرتب علي المثقفين الأفارقة والمثقفين في العالم العربي عبئا مشتركا للتواصل المستمر من أجل الخروج من إسار الصور النمطية السلبية التي تشيع التفكك والإحباط بين هذه الشعوب ذات التاريخ العريق والحاضر المتداخل والمستقبل المتشابك المصالح‏.‏ وهذا المنحي ـ في رأينا ـ لابد له أن يأخذ بعين الإعتبار التمسك بمفاتيح العصر في التقدم التكنولوجي والثورة المعلوماتية وحركة الموارد البشرية وتسخير الموارد لتقدم الشعوب ورخائها‏,‏ وكذلك إرساء قواعد السلطة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة‏.‏

من هنا يمكن للمرء أن يمعن النظر في حقيقة أن العالم العربي لابد له أن يترجم قيم الكفاح المشترك مع حركة التحرر والتنمية في إفريقيا من خلال تفعيل هذا المنهج الذي تجسده المباديء الماندلية إذا جاز لنا هذا التعبير‏..!!‏ وبهذا يتسني لنا أن نعب من البحر الزاخر بقوي الدفع الهائلة التي صاغها هذا العملاق الذي بلغ من العمر خمسة وثمانين عاما‏,‏ ومازال يجزل العطاء لشعبه ولقارته دون كلل أو ملل‏.‏ ولا شك أن نيلسون مانديلا الآن‏,‏ في كفاحه المستمر ضد التخلف وضد الإجحاف في شروط التجارة الدولية‏..‏ وضد مرض الإيدز‏,‏ وضد الحالة الذهنية المستصغرة للنفس‏,‏ المنبهرة بالغير‏..‏ إنما يشارك بوعي كبير في العمل علي صياغة التاريخ المعاصر فيما يبدو للبعض بأنه سباحة ضد التيار‏..‏ وهو بالطبع ليس كذلك‏.‏ ويبدو لي أن مانديلا يريد ان يقول لنا بأن قوة الفعل المؤثر في التاريخ ليست مقصورة علي مقاعد السلطة‏,‏ بل إنها تأتي من ثقل القوة الدافعة لإلتزام يتعدي نطاق تلك المقاعد‏!!‏ ولهذا فإننا نشاهد حركته الدائبة‏,‏ وصوته المسموع الذي يقود حركة غير حكومية‏,‏ وغير مسبوقة في التاريخ الإفريقي المعاصر‏.‏
 


بهذا المنظور يمكن للمرء أن يستشعر صلة مع قيادات الحركة الفكرية والثقافية العربية التي يحق عليها أن تعامل مع نيلسون مانديلا وحركته في التاريخ‏,‏ ليس من موقع الإحتفاء العابر في بعض المناسبات‏,‏ ولكن مع موقع التفاعل المؤصل مع هذه الحركة‏..‏ ووضعها في مكانها المناسب في التصور والمفهوم العربيين لمعني ودور الإرادة في تغيير حرك التاريخ‏.‏ وهكذا يصبح من المشروع فكرا وممارسة أن يتطلع الإنسان إلي نيلسون مانديلا منتشرا في مناهج التعليم‏,‏ وحاضرا في الدوائر الأكاديمية العربية‏..‏ كمفكر سياسي‏,‏ وممارس جسور ذكي‏,‏ وكطاقة بشرية تجسد الإنتصار علي معوقات حركة التاريخ في الحرية والمساواة وصيانة الحقوق‏.‏ ليس هذا وحده‏,‏ بل إنني أذهب إلي أبعد من ذلك بالتأكيد علي ضرورة النظر إلي نيلسون مانديلا بوصفه مستودعا ديناميكيا زاخرا بقيم معالجات الكثير من قضايا المستقبل‏..‏ وهذا لفائدة الممارسين السياسيين‏,‏ من خلال تذكيرهم بأن فن الممكن في السياسة لا يعترف بالحدود التي تشيع ثقافة الخنوع وتحاول الحد من الطموح المشروع‏.‏ وعلاوة علي ذلك يمكن القول ان قدرة مانديلا في تجسيد المفاهيم السامية في العدالة والحرية ربطت بين النظر والعمل في معادة عضوية الإرتباط‏.‏ وهكذا عندما قال الرجل قولته الشهيرة إن الحرية لا تقبل التجزئة‏..‏ لأن القيود التي تكبل شخصا واحدا في بلادي إنما هي قيود تكبل أبناء وطني أجمعين‏!!‏ فإنه كان يذكرنا بجدوي هذا الربط العضوي بين الفكر والممارسة‏.‏ وكانت النتيجة المحتفي بها أن قوي الظلام إذا ما نجحت في إضطهاد بعض الناس في بعض الوقت‏,‏ إلا إنها عاجزة في إضطهاد كل الناس في كل الوقت‏!!‏

إنني علي علم بأن كتاب سيرة حياة مانديلا وكفاحه قد ترجم ووزع باللغة العربية‏,‏ ولكن من المهم أن نتساءل عن عدد الذين إطلعوا عليه من قراء العربية؟ ويبدو لي أن المؤسسات الثقافية العربية عليها أن تبذل المزيد من الجهد في هذا الصدد‏.‏ وهنا أرفع صوتي مناديا بأن يهتم المثقفون والكتاب العرب بالترجمة الذكية‏,‏ بل والتأليف عن نيلسون مانديلا‏.‏

لقد حالفني الحظ في زيارة جزيرة روبن ووقفت داخل الزنزانة التي قضي فيها نيلسون مانديلا‏18‏ عاما من أصل‏27‏ عاما قضاها في المعتقل‏..‏ وتلك لحظات يعجز المرء عن وضعها في كلمات‏,‏ وأقول أنها تجربة يشعر فيها الإنسان بما يمكن أن تحققه الإرادة الإنسانية الصلبة وكذلك التضحية الهائلة التي قدمها مانديلا ورفاقه من أجل الإنسانية جمعاء‏.‏


 

ومن المدهش في تراث مانديلا وكفاحه المستمر حتي اليوم‏,‏ أن معاناته الشخصية الطويلة لم تملأ نفسه بالأحقاد أو بالشعور بغريزة الإنتقام‏!‏ وعلي العكس فإنه قال عندما خرجت من السجن كنت أعلن أن مهمتي أن أعمل علي تحرير ضحايا الإضطهاد وتحرير الذين يقومون بإضطهادهم علي حد سواء‏..‏ وزاد مانديلا علي ذلك قائلا‏:‏ لقد علمني مشواري الطويل علي درب الحربة بأن النجاح في التسلق الي قمة جبل ما‏,‏ يكشف للمرء أن المزيد من هذه القمم في إنتظاره كيما يتسلقها‏..‏ وهكذا دواليك‏.‏ قيمة أخري يجسدها العملاق نيلسون مانديلا وهي مهمة في هذا السياق‏,‏ وتلك قيمة التواضع الجم الذي يفصح عن ثقة هائلة بالنفس تفرض علي الآخرين إحترام الرجل وإحترام ما يمثله من مباديء وقضايا‏.‏ وأذكر أنني صافحت الرجل مرتين‏,‏ في لقاءين عابرين ولعل تجربة القرب من هذا العملاق هي مزيج من الشعور بلقاء قوة دفع هائلة تصنع التاريخ‏,‏ والشعور بتواضع مفعم بالشموخ والكبرياء في وقت واحد‏!‏
 


في ختام هذا المقال‏,‏ لا يسعني إلا أن أعيد إلي الأذهان حرص العديد من أصحاب الرأي في إفريقيا إن ينهل الجميع من نبع القيم والتراث المستمر للعملاق نيلسون مانديلا‏..‏ ولا يفوتني أن أكرر الدعوة للمؤسسات الفكرية والثقافية في العالم العربي أن تقوم بما يفرضه عليها واجبها في التعامل الواعي مع الماندلية‏..‏ خاصة أن الرجل إذا ما تحدث‏,‏ صمت الكثيرون واستمعوا‏..!!‏

المصدر