أرنولد توينبي

من Alnaja7

اذهب إلى: تصفح, البحث

صورة:Arnold Toynbee2 .jpg

  • أرنولد جوسف توينبي ولد في 14 أبريل 1889 في لندن وتوفي في 22 أكتوبر 1975.
  • أهم أعماله " دراسة للتاريخ" وهو من أشهر المؤرخين في القرن العشرين .


وُلِدَ أرنولد تُوينبي في لندن، في عام 1889، ودرَسَ اليونانية واللاتينية في أكسفورد، وتقلَّب في عدَّة مناصب، منها:

  1. أستاذ الدراسات اليونانيَّة والبيزنطيَّة في جامعة لندن
  2. مدير دائرة الدراسات في وزارة الخارجية البريطانية


يُعتبرُ تُوينبي أحدثَ وأهمَّ مُؤرِّخ بحَثَ في مَسألة الحضارات بشكلٍ مُفصَّلٍ وشامِل، ولاسيَّما في موسوعته التاريخيَّة المُعنونَة “دراسة للتاريخ” التي تـتألَف من اثـني عشرَ مُجلَّدًا أنفق في تأليفها واحدًا وأربعين عامًا. وهو يَرى، خِلافًا لمُعظم المؤرِّخين الذين يعتبرون الأُمَم أو الدُول القوميَّة مَجالاً لدراسة التاريخ، أنَّ المُجتمعات (أو الحضارات) الأكثر اتِّساعًا زمانًا ومكانًا هي المجالات المعقولة للدراسة التاريخيَّة. وهو يُفرِّقُ بين المُجتمعات البِدائيَّة والحَضاريَّة؛ وهذه الأَخيرة أقلُّ عددًا من الأُولى، فهي تبلغُ واحدًا وعشرين مُجتمعًا اندثَرَ مُعظمُها، ولم يبقَ غيرُ سبع حضارات تمرُّ ستٌّ منها بدَور الانحلال، وهي: الحضارة الأُرثوذكسية المسيحية البيزنطية، والأُرثوذكسية الروسية، والإسلامية، والهندوكية، والصينية، والكورية-اليابانية؛ أمَّا السابعة، أي الحضارة الغربية، فلا يُعَرف مصيرُها حتَّى الآن.26

محتويات

نظرية التحدي والإستجابة

ويُفسِّرُ تُوينبي نشوءَ الحضارات الأُولى، أو كما يُسمِّيها الحضارات المُنقطعة، من خلال نظريَّته الشهيرة الخاصَّة بـ"التحدِّي والاستجابة"، التي يعترفُ بأنَّه استلهمَها من عِلم النَفس السلوكيّ، وعلى وَجه الخصوص من كارل يونغ Carl Jung (1875–1961). ويقول هذا العالم إنَّ الفَرد الذي يتعرَّضُ لصدمةٍ قد يفقدُ توازُنَه لفترةٍ ما، ثمَّ قد يستجيبُ لها بنوعَين من الاستجابة:

  1. الأُولى النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسُّك به تعويضًا عن واقعه المُرّ، فيُصبح انطوائيًّا(استجابةً سلبيَّة).
  2. والثانية، تقبُّل هذه الصدمة والاعتراف بها ثمَّ مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيًّا.(إيجابيَّة بالنسبة لعلم النفس).
  • لاحظْ أنَّ ذلك ينطبقُ على حالة العرب، فإنَّهم تعرَّضوا لصدمة الحضارة، فلجأوا إلى النكوص إلى الماضي دفاعًا عن النفس.

كيف طبَّق تُوينبي هذه النظريَّة على نشوء الحضارات؟

يقول في تفسير ذلك إنَّ المجتمعات البدائيَّة لدى مُواجهتها تحدِّياتٍ بيئيَّة أو بشريَّة مُعيَّنة تستجيبُ استجاباتٍ مُختلفة، أي إنَّها تُواجه ذلك الحافزَ برُدودِ فِعلٍ تختلفُ من جماعةٍ إلى أُخرى، بعضها سلبيَّة وبعضها إيجابيَّة.

وعلى هذا المِنوال يُفسِّر ظهورَ الحضارات الأصليَّة الأُولى في كلٍّ من وادي الرافدين ووادي النيل، فيقول: كان السهل الأفروآسيويّ (أي جنوب شبه الجزيرة العربيَّة وشمال إفريقيا) يتمتَّع بجوٍّ مُعتدل ومَراعٍ شاسعة ومياهٍ غزيرة، خلال نهاية الفترة الجليديَّة الأخيرة، كما ذكرنا سابقا. وكانت الشراذمُ البشريَّة المُنتشرة فيه تعيشُ عيشةً راضية على الصَّيد والقَنص وجمع الثمار والبذور. ولكن حدثَ تغيُّرٌ مناخيّ تدريجيّ في الفترة المُعتدلة أو الدفيئة الأخيرة التي نعيشها الآن، الأمر الذي سبَّب انحباسَ الأمطار وانتشارَ التصحُّر وجفافَ الأنهر. (كما يحدث الآن وبشكلٍ مُستمرّ في بعض أجزاء إفريقيا الوُسطى حيث تمتدُّ الصحراء الكُبرى وتتَّسعُ باستمرار).

كيف استجابت المجتمعات ؟

وهذا هو نَمطُ التحدِّي الذي واجهَته تلك المجتمعات، فاستجابت له بأساليبَ مُختلفة:

  1. إذْ تحوَّل بعضُها إلى قبائلَ رُحَّل تسعى وراءَ الكلإ والماء، وترعى أنعامَها التي تقتاتُ عليها.
  2. انحدر الجزءُ الثاني إلى الجنوب نحو المناطق الاستوائيَّة المُشابهة للبيئة السابقة إلى حدٍّ بعيد، فظلَّ مُحافِظًا على نَمطِ مَعيشته البدائيَّة السابقة إلى يومنا هذا.
  3. رحَل قسمٌ ثالث إلى دِلتا النيل، حيثُ وَاجه أحوالاً طوبوغرافيَّة جديدة تتمثَّلُ بوجود هذا النهر العظيم وتلك البيئة المُختلفة، فكافح عوائقها وسخَّرها لأغراضه، بعد أن اكتشف الزراعة، الأمر الذي أدَّى إلى إنشاء الحضارة المصريَّة الرائعة.
  4. كما إنَّ انتقالَ بعض الجماعات من شبه الجزيرة العربية إلى أهوار جنوب العراق والفرات الأسفل تمخَّض عن انبثاق حضارات ما بين النهرين، كما أسلفنا.

وبعبارةٍ أُخرى فإنَّ هذه الجماعات قد استجابت إلى التحدِّي الطبيعيِّ بأساليبَ مُختلفة:

  1. منها بالبقاء في أرضها وتحوُّلها إلى قبائل بدويَّة، أي كانت استجابتُها سلبيَّة
  2. ومنها بالرحيل إلى مناطقَ جديدة مُختلفة قريبة من الأنهار، حيث أسَّست تلك الحضارات الأُولى، أي كانت استجابتُها ديناميكيَّة حضاريَّة، تعتمد على الحركة أو الهجرة، ثم التغيير والتطوير والإبداع.

نمو الحضارةوالدافع الحيوي

أمَّا فيما يتعلَّق بنُموِّ الحضارة، فيُعيدها تُوينبي إلى الدافع الحيوي Elan Vital، وهي الطاقة الكامنة لدى الفَرد والمُجتمع التي تنطلق بغرض التحقيق الذاتيّ.

ويعني ذلك كما يقول: “أنَّ الشخصيَّة النامية أو الحضارة تسعى إلى أن تصيرَ هي نفسُها بيئةَ نفسها، وتحدِّيًا لنفسها، ومجالَ عمل لنفسها. وبعبارةٍ أُخرى إنَّ مقياس النموّ هو التقدُّم في سبيل التحقيق الذاتيّ.” ويكون ذلك “عن طريق المُبدِعين من الأفراد، أو بواسطة الفئة القليلة من هؤلاء القادة المُلهَمين”، إذ تستجيبُ لهم الأكثريَّةُ عن طريق المُحاكاة الآليَّة mimesis التي تُمثِّلُ الطريقةَ الغالبة في عمليَّة الانقياد الاجتماعيّ. وتـقود هذه المُحاكاةُ في الجماعة البدائيَّة إلى حركةٍ سلفية تـنزعُ إلى مُحاكاةِ القُدَماء، بينما هي في المُجتمعات الحضاريَّة النامية حركةٌ تقدُّميَّة تُؤدِّي إلى مُحاكاة الطليعة الخلاَّقة. 27

سقوط الحضارات

وعلى صعيد سقوط الحضارات يرى تُوينبي أنَّه يعودُ إلى ثلاثة أسباب:

  1. ضعف القوَّة الخلاَّقة في الأقلِّـيَّة المُوجِّهة وانقلابها إلى سلطةٍ تعسفية؛
  2. تخلِّي الأكثريَّة عن مُوالاة الأقلِّـيَّة الجديدة المُسيطرة وكفِّها عن مُحاكاتها؛
  3. الانشقاق وضياع الوحدة في كيان المُجتمع. 28

ما سبقَ كان لمحةً مُختصرة جدًّا عن تفسير تُوينبي لنشوء الحضارة وسقوطها.

مصيُر الحضارة الإسلاميَّة والعربيَّة في نظَر تُوينبي

يرى توينبي أنَّ العَالم الإسلاميّ بما فيه العَالَم العربيّ يُواجه اليوم التحدّي الغربيّ بطريقتَين:

  1. الأُولى سَلَفيَّة منغلِقة (استاتيكيَّة) تُمثِّـلُها الحركاتُ الوهَّابيَّة والسنوسيَّة والمهديَّة وما جرى مجراها من حركاتٍ سَلَفيَّة حديثة؛
  2. أمَّا الطريقةُ الأُخرى فهي تقدُّميَّة منفتحة ظهرت في نهضة محمَّد عليّ في مصر.

ويَرى أنَّ الموقف السَلَفيّ يُمثِّلُ انحلالاً حَضاريًّا، بينما يُمثِّلُ الموقفُ التقدُّميّ حركةً ديناميكيَّة جديرة بالتقدير، ولكنَّها لا تعدو أن تكون، مع ذلك، خطوةً تقليديَّة أو استجابة محدودة النجاح يتعذَّرُ عليها الوصول إلى الإبداع والمُشاركة الحضاريَّة الفعليَّة.29

ويرى تُوينبي أنَّ تحوُّلَ المُجتمعات البدائيَّة إلى مُجتمعات حضاريَّة يعتمد على مَدى الانتقال من حالة الجمود إلى حالة الحركة الديناميَّة وأنَّ هذه القاعدة تَصحُّ كذلك في عمليَّة نشوء الحضارات الأُخرى وتعاقبها.

ويعتقد أنَّ الطريقة المُثلى لمُحاربة الغَرب أو التَصدِّي لعمليَّاتِ اغتصابه واستغلاله الشعوب والأراضي والثروات هي تبنِّي نفس أيديولوجيَّـته التـقـنيَّة وأسلحته؛ ويُقدِّم أمثلة على ذلك، منها أنَّ روسيا أمعَنَت في تبنِّي التكنيك الغربيِّ على يَد بطرس الأكبر، إذ “استطاع العَالَمُ بفضله، منذ أكثر من قرنَين ونصف، أن ينجوَ من سيطرة الغرب التامَّة، لأنَّه شجَّعَ العَالم ودفعه إلى الصِراع والنضال ضدَّ الهجمات الغربيَّة باستخدامه الأسلحة نفسها التي طلع بها الغرب.” 30

وقد حاولَ بعضُ السلاطين العثمانيِّين اقتفاءَ أثره، إلاَّ أنَّهم لاقَوا مُعارضةً شديدة من مُعظم العَناصر الإسلاميَّة المتزمِّتة، ولاسيَّما الجيش الانكشاريّ، بَيد أنَّ مصطفى كمال أتاتورك نجح في نهاية الأمر في تحقيق ثورة اجتماعيَّة وتكنولوجيَّة أنقذت البلاد من الدمار، كما نجح محمَّد علي في مصر بشكلٍ مَحدود، في حين أنَّ رجال الدولة في اليابان قد نالوا قصبَ السبق في هذا المَجال منذ عام 1860 كما يقول تُوينبي (في كتابه “العالم والغرب”).

وهكذا فإنَّ تُوينبي يعتقد أنَّ الحضارة الإسلاميَّة بما فيها العربيَّة حضارةٌ تمرُّ في دَور الانحلال، وأنَّ مُحاولات إنقاذها كانت غير كافية ومُجدية في تحقيق التقدُّم واللحاق بالحضارة الغربيَّة. ولكنَّه مع ذلك كان مُتفائلاً في السنوات الأخيرة من حياته بالنهضة العربيَّة والوحدة العربيَّة حينما زار مصر وبُلدان المَغرب العربيّ خلال السنوات 1961–1964. فقد توقَّع أن تتحقَّق الوحدةُ العربيَّة قريبًا وقال: “إنَّ كلَّ دولةٍ عربيَّة تمتلك مواردَ من شأنها أن تُفيدَها جميعًا إذا كُدِّست في كومةٍ واحدة.” 31 ولاسيَّما إذا استُغلَّت عوائد النفط استغلالاً اقتصاديًّا شاملاً واستُزرعت الأراضي الشاسعة، وأُقيمت صناعاتٌ عربيَّة مُتقدِّمة.

تقويمٌ وتحليل

يتميَّز تُوينبي بصراحته الثَّوريَّة التي أثارت حفيظةَ غالبيَّة الأوساط الغربيَّة المُتعصِّبة، ولاسيَّما بعض الكتَّاب اليهود الصهاينة، لأنَّه انتقدَ إسرائيل وسياستَها التوسُّعيَّة غير الإنسانيَّة إزاءَ شعب فلسطين32. وسأتعرَّض هنا باختصار لتحليل وتقييم بعض آرائه ونظريَّاته بما يسمحُ به المَقام.

تنبثقُ أهمِّـيَّةُ نظريَّة تُوينبي في التحدِّي والاستجابة من كَونها نظريَّة مُتحدِّية فعلاً، لأنَّها تفترضُ أنَّ الشعوبَ نفسها هي التي تَخلقُ الحضارة. فالظروف المناخيَّة أو الجغرافيَّة ليست ذاتَ أثر حاسم بدليل وجود أماكن أُخرى في العَالم يُشابه مناخُها وظروفُها الجغرافيَّة مواقعَ الحضاراتِ الأُولى، مثل حوض مُري ودارلنغ Murray & Darling الذي يُشابه وادي الرافدَين والنيل. ومع ذلك لم تنشأ فيه حضارةٌ حتَّى استوطنه الأوروبيُّ الحديث.إذاً هناك عاملٌ آخَر: هو ذلك التفاعُل الخلاَّق بين العوامل الجغرافيَّة والعوامل البيولوجيَّة كما يذكر توينبي، أو بالأحرى ذلك "الدافع الحيويّ" الذي يؤدِّي إلى الاستجابة الظافرة للتحدِّيات الطبيعيَّة أو التحدِّيات البشريَّة.

ويرى تُوينبي أنَّ النكبات تُعتبرُ تحدِّيات جديرة بالاعتبار، لأنَّها قد تدفع الشعبَ المنكوب بالهزيمة والدمار إلى استعادة عافيته بعد فترة. ويُعطي أمثلةً كثيرة، منها هزيمة ألمانيا في الحرب العالميَّة الثانية. كما يستعرض “دافع العقوبات” ويقول إنَّ الاضطهادَ يحفزُ أولئك المحرومين على التعويض عمَّا فقدوه، كما يُعوِّض المحرومون من البصر عن هذه الحاسَّة باستخدام إمكانات سائر حواسِّهم الأُخرى في مجال العمل والإنتاج. ويقدِّمُ اليهودَ كمثالٍ على هذا التعويض.

ولدينا مُلاحظاتٌ مُتعدِّدة على هذه النقطة، منها أن نتساءل لماذا لم يعوِّض سُكَّان أمريكا الأصليُّون عن النكبات التي أصابتهم، بأيِّ شكلٍ من الأشكال؟ ولماذا لم يُعوِّض العربُ عن النكبات التي أصابتهم على أيدي اليهود الصهاينة الذين احتلوا أرضَهم وشرَّدوا الشعب العربي في فلسطين الذي عاش على أرضه هذه منذ آلاف السنين؟

لذا أرى أنَّ هناك شروطًا أُخرى يجبُ أن تتوافر لدى الشعب الذي يتعرَّض للنكبة، من أجل أن يستطيع أن يُعوِّض عنها ولو على المَدى البعيد. ومن هذه الشروط، بالإضافة إلى وَعي الشعب المنكوب لنكبته، توفُّر العقليَّة المتطوِّرة، أو بالأحرى العقليَّة التي يُمكنها أن تحوِّلَ ذلك الوعي، وتلك الطاقة الكامنة أو الدافع الحيويّ، من وجودٍ "بالقوَّة" إلى وجودٍ "بالفِعل" بتعبير أرسطو. وهذه العقليَّة لا يُمكن أن تتحقَّق إلاَّ من خلال مُعايشة الحاضر والتفاعُل مع الحضارة القائمة، وتفهُّم فلسفتها، وروحها، ولا أقصد تقليدها وحذوها حذو النعل للنعل، كما تقول العرب. ولنا من اليابان مثالٌ واضحٌ على ما أقول. فقد خرجت من الحرب مُدمَّرة، شأنها شأن ألمانيا، ومع ذلك تمكَّن هذا الشعب خلال نصف قرن من استعادة عافـيَّـتة ، بل أصبح يُنافس الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. ولتُوينبي تفسيرٌ لحالة اليابان سأُبيِّنه فيما بعد.

  • * *

وقد يجوز أن نتساءل الآن: كيف حاول تُوينبي الإجابة عن بعض الأسئلة الواردة في المقدَّمة؟

في ما يتعلَّقُ بسبب نشوء الحضارة وانتقالها، رأينا تُوينبي يقول إنَّ عنصرَي الحركة والجمود يُشكِّلان مناطَها. فالديناميكيَّة (الفعَّاليَّة، الحركة، الصيرورة، التغيير، الإبداع) هي السِمَة التي تنقل المُجتمع من التخلُّف إلى الحضارة، في حين أنَّ الاستاتيكيَّة (الركود، الجمود، المحافظة على القديم بل تقديسه) تجعل المُجتمعَ مُتخلِّفًا أو بدائيًّا. وهكذا إذا استجابَ المُجتمع إلى أيِّ تحدٍّ ُمناخيٍّ أو بَشريٍّ استجابةً ديناميكيَّة، بالتكيُّف والتغيُّر والتحوُّل، فإنَّه يسيرُ في طريق الحضارة. أمَّا إذا استجابَ له بطريقةٍ استاتيكيَّة، إمَّا بالتمسُّك بتقاليده أو بالمُحافظة على طريقة عيشه، فإنَّ ذلك يُعتَبرُ تخلُّفًا، وهذا يُؤدِّي إلى تدهور الحضارة ثمَّ انهيارها.

وإذا قارنّا بين العَالم العربيّ واليابان بمنظور توينبي في هذا المَجال، فإنَّنا سنلاحظ أنَّ اليابان قد جابَهَ الغزوَ الغربيَّ الوشيك الذي شعرَ بخطره بشكلٍ مُباشر في مُنتصف القرن الماضي بتبنِّي التكنيك الغربيّ ومُؤسَّساته، لا باعتباره أمرًا مَرغوبًا فيه بل لأنَّه أهونُ الشرَّين. ويقول توينبي في كتابه “العَالم والغرب”: “وهكذا كان تبنِّي رجالِ الدولة في الشرق الأقصى للتكنيك الغربيّ في القرن التاسع عشر شرًّا لا بُدَّ منه. وهذا يُفسِّر لنا لماذا أخذوا، في تلك الحِقبة، عن الغرب ما كان يبدو لهم بَالغ الضَرر، ولكنَّه مع ذلك أفضل من الاحتلال والخضوع لإرادة الأجنبيّ الغربيّ. لقد قرَّروا إذًا أن يتبنَّوا أسلحة هذا الغرب لتكونَ درعًا واقيًا عسكريًّا وسياسيًّا.” 33

مراجع

26. إعتمدنا في عرض آراء توينبي، بوجهٍ خاصّ، على كتابه المُشار إليه في الرقم 2 من المراجع، فضلا عن كتابه “العالَم والغرب”، ترجمة نجده هاجر وسعيد الغُرّ. كما رجعنا إلى كتاب منَح خوري “التاريخ الحضاريّ عند تُوينبي” (بيروت: دار العلم للملايين، 1960).

27. المرجع السابق، منح خوري، ص 35–36.

28. المرجع السابق، ص 39–40.

29. المرجع السابق، ص 127.

30. أرنولد توينبي، “العالم والغرب”، ص 16–17.

31. أرنولد توينبي، “الوحدة العربيَّة آتية”، ترجمة عمر الديراوي أبو حجلة، (بيروت: دار الآداب، 1968)، ص 178.

32. كنموذج واحد من الهجمات التي وجهتها الأوساط الصهيونية ضد توينبي، أنظر الهجوم الشديد الذي ورد في محاضرة سفير إسرائيل في الولايات المتحدة، آبا إيبان بعنوان The Toynbee Heresy،(هرطقة توينبي)، وقد ألقاها في بنيويورك في معهد إسرائيل في جامعة يشيفا، في 18/1/1955؛ وردت في كتاب:

M. F. Ashley Montagu (Editor). Toynbee and History: Critical Essays

33. توينبي-*، "العالم والغرب"، المرجع السابق، ص62.

مصادر

أدوات شخصية